عزيزي المجرم


 

عبد الحميد الصائح

موقع الإمام الشيرازي

 

 

عما يجري في العراق...

“مجرمون بلا حدود”ليس هذا اسم منظمة دولية على غرار منظمات الاطباء والصحفيين والمحامين وماشابه من المنظمات الخدمية والانسانية التي اعتدنا تسميتها على هذا النحو،،كما لم يكن اسما منتخبا من اصحاب (التخصص) انفسهم، بل هو فكرة أولية ابتكرها عدد من الناشطين الشباب في كولومبيا بعد ان ساد في بلادهم ايام السبعينات من القرن الماضي حكم المافيات وغياب القانون،وانتشار جرائم السرقة والقتل والتسليب والتصفيات، وهو اسم حركة افتراضية اطلقه اولئك الشباب على مجهولين من المجرمين والاشرار واصحاب السوابق واللواحق.

تقوم فلسفة هذه المجموعة على ضرورة التوجه لمخاطبة المجرمين انفسهم بدل مخاطبة السلطات أو الشرطة أو رجال القانون الذين لا حول لهم ولا وجود، وتهدف الى احتواء أذى المجرمين والسراق وبائعي الذمم من الموظفين والمسؤولين واستمالتهم وكسب عطفهم وحثهم على الرأفة بالناس والممتلكات (قدر المستطاع!) في محاولة، يعتقد أولئك الشباب أنها على قلة تأثيرها فهي أكثر جدوى من اليأس والاستسلام للقدر، ولذلك وزعت المجموعة رسائل لافتة وغريبة على الجدران، وفي الأماكن العامة، وأبواب المنازل والمحال التجارية والمنشات والمناطق النائية التي عادة ما تتعرض لانتهاكات المجرمين وممارساتهم الشريرة. من بين هذه الرسائل الطريفة رسالة تقول:

(عزيزي المجرم إذا قررت أن تسرق فلا تسرق فقيراً)..

واخرى تقول (عزيزي المجرم إذا سرقت حاول أن لا تقتل)..

و(إذا اضطررت للقتل فلا تقتل طفلاً أو حاملاً) و(اترك قليلاً مما تسرقه)

و(تصدّق على ضحاياك بقلة القسوة)

واطرف الرسائل تلك التي تقول.. (عزيزي المجرم إذا أمكن أجّل جريمتك) أو (أجل جريمتك الى الغد رجاء)..

السلطات الكولومبية استدعت هذه الجماعة غير الحكومية للتحقيق في نشاطها الغريب هذا، بتهمة ان سلوكهم يعد عملا تصالحيا مع المجرمين انفسهم ويتعامل مع الجريمة على انها مسلّمة وحقيقة وحق لفاعلها، وهو نوع من التواطؤ والمساومة لا يساهم في تاهيل المجرمين الذين يجب ان يكون مكانهم السجون والاصلاحيات أو منصات القصاص،

غير إن الجماعة ردّت من جانبها على الحكومة بالقول: ان عجز السلطات عن الحد من تزايد الفساد والجريمة في البلاد، يدفعنا الى اتباع المساومة المعنوية مع مرتكبيها بهدف تقليص الجريمة او الحد من انواعها الدموية في الاقل، وكسب تعاطف المجرمين انفسهم مع الحالات الانسانية المؤلمة التي يتعرض لها الابرياء في البلد.فاذا لم نجد مسؤولا شهما يحمينا، نبحث عن مجرم شهم لايقسو كثيراً ولا يسرق أكثر مما ينبغي على الأقل.

وبغض النظر عمن كان على حق، الأجهزة الحكومية الكولومبية أو ذلك النوع من النشطاء، فإن الأمر يشير الى المتاهة والحيرة التي تعيشها مجتمعات ابتليت بالاضطرابات وإطلاق أيدي المجرمين والطفيليين الذين يعيشون في الظلام وفي كنف الفوضى السياسية والاجتماعية، وتنوع دوافع الجريمة، حتى أصبحت الرحمة والرأفة مشروعا سرّيًا للناس، وتحكيم العقل والمنطق من الخبائث،

لكن العودة الى النفس وصحوة الضمير التي لا يأس منها حتى مع أعتى المجرمين، من أجل حفظ دماء وممتلكات الناس وأعراضهم إنما هو تجديد للثقة بهذا الوجود، وهو في كل الأحوال فعل خير مهما كان متاخراً، لا يفوت أوانه.

 

23/ربيع الآخر/1441هـ