الشعائر الحسينيّة .. ذكرى وموقف وإصلاح


 

موقع الإمام الشيرازي

 

في عاشوراء، الإمام الحسين (عليه السلام) حفَّز الأمة ووضعها على مسارات إحياء الدين واسترجاع الحريات والكرامات، فقد كانت ثورة كربلاء رداً على مؤامرات حاكها بنو أمية لطمس معالم الإسلام، ولكي لا تذهب جهود النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) هدراً، وقد كانت نهضته (عليه السلام) مصداق تعبير الإمام الصادق (عليه السلام) عندما وصف جده الحسين (عليه السلام) وما قام به من نهضته، (وبذل جهده فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة).

لقد جسّد الإمام الحسين (عليه السلام) أروع معاني الإباء والتحدي برفضه بيعة يزيد، فكانت نهضته وما زالت وستبقى (عِبرة وعَبرة) للأجيال، وقد أراد الإمام سيد الشهداء بكربلاء أن يخلق في الأمة حالة مستدامة من التفاعل بين الإسلام وبين عقول الناس وعواطفهم وسلوكياتهم.

وبعد عاشوراء، ومنذ العام 61هـ، فإن الشعائر الحسينية التي يحييها أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، في شهري محرم وصفر، بل على مدار السنة، كانت ومازالت أبرز وسائل إظهار الحب للحسين (عليه السلام) وتأكيد الولاء لمنهجه، وهي أيضاً من الوفاء لتلك التضحيات العظيمة والمواقف النبيلة لسيد الشهداء ومن معه، الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل حفظ الدين بعد أن عمل الإنقلابيون والأمويون على تشويه مبادئه.

ومن ثمار إقامة الشعائر الحسينية أنها تجمع الناس _من شتى بقاع العالم_ على مائدة التقوى والخير والبر والانتصار للمظلوم وبغض الظلم، كما تجمعهم على مواساة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وآله الطيبين الطاهرين (عليهم السلام).

والشعائر الحسينية مدرسة إسلامية/إنسانية فيها منافع للناس _بمختلف مستوياتهم العلمية_ فيتعلمون فيها العقائد والتفسير والتاريخ والأخلاق، ويجري من خلالها الاطلاع على شؤون المجتمع.

وفي الشعائر تبيين للأهداف التي استشهد الحسين (عليه السلام) من أجلها، ومنها إحياء دين جده (صلى الله عليه وآله) وحفظ كرامة الإنسان، فضلاً عن أن الشعائر الحسينية عادة ما تتضمن نشاطات إنسانية تصب في مساعدة الفقراء والضعفاء والمرضى وإعانتهم، من خلال ما ينفق فيها من أموال، لسد حاجة المحتاجين، وإطعام الناس. يقول الإمام المجدد السيد محمد الشيرازي(قده): (لابد لنا من الاعتقاد بأن إقامة مجالس العزاء على الإمام الحسين (عليه السلام) والشعائر الحسينية، إضافة إلى الأجر والثواب الجزيل الذي فيه، فإنها مفيدة لنا في إصلاح دنيانا وآخرتنا).

لذا، فإن الذين يقيمون الشعائر الحسينية، هم من الذين آمنوا وزادهم الله هدى وتوفيقاً، فاختارهم لخدمة عظيمة، وهل هناك أعظم من خدمة الإسلام والإنسان، يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): (هناك كلمة وردت في حديث صحيح، مذكور في الكتب الأربعة، عن مولانا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي: (اختار).. وهذه الكلمة هي للشيعة الذين يبلّغون شعائر أهل البيت، وهي كلمة استعملها أمير المؤمنين (عليه السلام) للأنبياء ولمولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) وللأئمة (عليهم السلام). وهذا يعني أنه: كما أن الله تعالى اختار الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، كذلك اختار شيعة لتبليغ شعائر أهل البيت (عليهم السلام). فاعلموا أيها المؤمنون وكل من يقوم بتبليغ الشعائر الحسينية المقدّسة، بأن الله تعالى قد اختاركم، وجعلكم في عداد الأنبياء والأئمة عليهم السلام).

وقد تعرضت الشعائر الحسينية _على مر الأزمنة_ الى القمع على يد طغاة وعتاة، لأثرها في ديمومة الجهاد ضد الظلم والفساد، وابقاء حالة التوثب في النفوس لئلا تصاب بالخمول والهوان، فإن الشعائر الحسينية تستحضر في المجتمع قيم البطولة والإيثار بأنبل صورها، وهو ما يجعل الأمة حاضرة عند أي خطر داهم، ومتفاعلة مع حركة تغيير واقعها المأزوم.

بموازاة ذلك، هناك من يشكك في جواز بعض الشعائر الحسينية، فبعضٌ يرى عدم جواز هذه الشعيرة أو أن تلك محرّمة، رغم عدم وجود نص في ذلك، في الوقت أن إباحة تلك الشعائر محكومة بأصالة الإباحة العقلية، يقول المرجع الشيرازي: (هناك شعيرة من شعائر الإمام الحسين (عليه السلام)، يقوم بها الملايين من الناس، لم أسمع خلال سنين عمري، أن واحداً من المقيمين لها مات بسببها، فحتى في موسم الحج يموت بعض الحجّاج، وهذا أمر بديهي وطبيعي، وكذلك قد يموت بعض اللاطمين في عزاء اللطم، ولكن هذا لم يحصل في تلك الشعيرة أبداً. وإنّي عاصرت المرحوم كاشف الغطاء، وقد كتب في إحدى كتبه: "إنني تابعت تلك الشعيرة خلال ستين سنة، فلم أسمع بأن واحداً من المقيمين بها قد مات بسببها". وهذه معجزة).

إن الشعائر الحسينية ليست تقليداً شعبياً، ولا من العادات التي درجت المجتمعات الشيعية على إحيائها، وهي ليست نزهة، ولا لقضاء الوقت أو الاستمتاع بتجمع الناس وتناول الطعام.

فإن في عاشوراء انتصر الإسلام الصحيح على الإسلام المزيّف، وانتصر منطق العدل والحرية والفضيلة على همجية العنف والطغيان والرذيلة، وانتصر دم المظلوم على سيف الظالم، بالتالي فإن الشعائر الحسينية إنما هي قضية إحياء مبادئ الإسلام وقيم الإنسان، وهي أيضاً مسؤولية تغيير وإصلاح، إصلاح كل فاسدٍ من أمور المسلمين وغير المسلمين.

5/ محرم الحرام/1441هـ