المبادرة لإعمار أضرحة البقيع


 

موقع الإمام الشيرازي

 

مع حلول الألفية الثالثة شهدت بلدان من أرجاء العالم ومازالت تغييرات سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية، بعض تلك التغييرات كانت تغييرات جذرية وأخرى رغم أنها شكلية إلا أنها كانت كحجر يُلقى في بحيرة راكدة. وكانت لبلاد المسلمين حصة من التغييرات التي ما زال بعضها في دائرة الحبو والفشل، بينما نجحت أخرى في اجتياز خطوات لم تكن في دائرة توقع معظم الناس.

بموازاة ذلك، كانت الحرب ضد الإرهاب التكفيري الذي ضرب العديد من بلاد العالم تُمهّد لتغيير سياسي/ديني/فكري، وهذا التغيير لم يبرز كنتيجة طبيعية لهول ما جرى من جرائم بشعة ومجازر مريعة وحسب، بل أيضاً بسبب الحاجة المتنامية للتغيير؛ في بلدان معينة أكثر من غيرها، كضرورة عقلية وإنسانية ووجودية، فما باتت من ثغرة للتبرير ولا فسحة للتسويف. 

ولم تنحسر نتائج تلك التغييرات في تنامي الحريات، والانفتاح على حقوق الإنسان، وتصاعد الرفض للإستبداد والفساد، بل شجعت أيضاً إلى مبادرات سياسية باتجاه تغيير فقهي يحدُّ من ظاهرة التطرف والإرهاب، ويُحجِّم روح الكراهية والانتقام ضد الآخر، خاصة ضد الشيعة، وذلك بعد أن أكدت الوقائع بأن الإرهاب التكفيري الذي ظهر بعناوين إسلامية كان ضد الإسلام والمسلمين بكل مذاهبهم أكثر بكثير من أنه ضد غيرهم.

في كل الأحوال، لا يمكن استسهال المبادرة إلى تغيير ديني/فقهي وتجسيده عملياً بما يصب في مصلحة قيم السلام والاعتدال والتعايش، لذا ينبغي التعامل مع مثل هكذا مبادرات تغييرية بإيجابية بعيداً عن مواطن تاريخية أو سياسية ضيقة أو إشكالية، وعبر هذا المنظار، تتبين مؤشرات إلى وجود فسحة لإعمار أضرحة البقيع، وفيما لو تتحقق هذه المبادرة فلن تكون الأولى.

الشهيد حسن الشيرازي (1937_1980)، مؤسس الحوزة العلمية الزينبية بالشام والذي دأب على مدّ جسور التواصل والمحبة بين الفرقاء والمختلفين، كان قد بادر في ستينيات القرن الماضي إلى إعمار أضرحة البقيع، في وقت كان مستبعداً مجرد التفكير بذلك. الشهيد الشيرازي كان قد وصل إلى خواتيم الأمر لكنه لم يبلغ مخرجاته ونتائجه بسبب الرؤية المأزومة لدى بعض، والمصلحة الضيقة لدى بعض آخر.

بمبادرته الرائدة، الشهيد الشيرازي كسر حواجز واقعية مشلولة ركس فيها بعض نفسه، ولم يشعر بأنه بالدعوة إلى إعمار البقيع فإنه قد قام بما يجب، لذا سافر مرات عدة إلى البلاد التي تضم أقدس الأماكن عند جميع المسلمين، ومنها البقيع، والتقى من بيده أمور البلاد وكبار العلماء، وبذلك هو أكّد عملياً أن التحرر من الرؤية المأزومة والمواقف المتشنجة، ومدّ أواصر السلام والتفاهم والتعاون بين الشعوب والدول، هي مفاتيح النجاح في خدمة المبدأ والإنسان والصالح العام.

9/شوال/1440هـ