إطلالة .. في ذكرى رحيله


 

موقع الإمام الشيرازي

 

سجلت الأسرة الشيرازية عبر العديد من مراجعها التجديديين وعلمائها القادة مواقف رائدة أسست من خلالها منهج (إيماني – إنساني – أخلاقي) يهدف الى الإصلاح والتجديد والتنمية والرفاه والفضيلة، عبر الحوار والتواصل والبر والتعاون، في أجواء يتلازم فيها السلام والحرية المتلازمة أصلاً مع العدالة، وفي نفس الوقت، يهدف ذلك المنهج الشيرازي الى التخلص من قيود التقاليد وفروضاتها ورواسب التقولب والتحجر والاستسلام الى الأعراف المريضة، وعدم الركون الى الواقع الذي لا يلبي الطموح ولا تتقدم عبره الأمة، ولأنه منهج مرجعي يغور في عمق الماضي وتراثه، ويتعايش بانسجام مع توثب الحاضر وتناميه، ويتماشى مع متطلبات المستقبل ويستقرأ تحدياته وتغييراته، كان على الأسرة الشيرازية أن تعتمد التدرج في تقديم مشروعها النهضوي الحضاري الى الأمة واستقدام الأمة الى المشروع، وخاصة إبان مرجعية الراحل الكبير آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه)، وكان أن يتقاسم علماء الأسرة الشيرازية الأدوار حيث إن قوة الطغيان لها أثرها، وأن لعناصر الانحراف تأثيرها.    

لقد استدل أهل العلم والخبرة من خلال الموسوعة الفقهية على إن الإمام الشيرازي الراحل قد تميز بعمقه الفقهي وغناه الموسوعي، وفكره الأصيل المستلهم من الكتاب الكريم والسنة المطهرة والذي يعالج شتى القضايا الحيوية ومشاكل العصر، كما يمتاز (قدس) بمنهجه الموضوعي في قراءة الأمور والأحداث والحاضر والمستقبل، ومن خلال قراءة مؤلفات الإمام الشيرازي الراحل يمكن تلمس عمق تجربته الثقافية، ومكانتها الحقيقية في مشروعه الحضاري حيث يرى (قدس سره) أن الثقافة "عبارة عن الدين والعلم والأخلاق والرسوم والعادات ونحوها"، ويؤكد أن ثقافة المجتمع، على كثرة وحداتها وفروعها، تنتظم في ثقافة موحّدة هي بمنزلة الهيكل العظمي لثقافة المجتمع العامة، فثقافة العقائد وثقافة الآداب وثقافة العلوم والفنون وحتى ثقافة الأحوال الشخصية هي عبارة عن أجزاء ووحدات ثقافية تعطي المجتمع هويّته المتميزة".

ومن الوسائل التي يفضّلها (قدس سره) في عملية الوعي الثقافي بين المسلمين عموماً، قراءة سيرة النبي الأكرم والأئمة الأطهار (عليهم السلام) فحياتهم الحافلة بالمآثر الإنسانية وبالصور المشرقة تجعلنا في أمسّ الحاجة لاستلهام الدروس والعبر من سيرتهم وسنتهم . ومن خلال نظرة  تحليلية لمؤلفاته (قدس سره) نلاحظ أن سماحته يربط دائماً بين المرتكزات الثقافية والقيمة الحضارية للحرية، وإن أحد الشروط الأساسية لنضوج المجتمع وارتقائه الحضاري هو التزاوج بين الثقافة بكل مفرداتها والحرية بكل مقوّماتها ولذلك فعندما يتحدث (قدس سره) عن الحرية، فإنه يتحدث عنها بوصفها (ضرورة) وليس بوصفها منحة أو عطاءً، لأنه (قدس سره) يرى أن: "الأصل في الإنسان الحرية".

يمثل الفقه عند الإمام الشيرازي الراحل الدائرة الأوسع التي يبحث جميع المسائل والقضايا في إطارها، ولذلك فإنه ينتقد تقسيم العلوم إلى دينية ودنيوية حيث ينظر إلى الإسلام باعتباره شريعة منجزة قد اجتازت عصر التأسيس، ويركز بصورة خاصة على إدراك التطورات وبناء ما يلائمها من أحكام، وهو بذلك لا يتفق مع حركات النهوض التي حاولت إنجاز قطيعة مع الإسلام، إما بشكل علني عن طريق الإعلان عن مشروع مستورد، أو بصورة غير معلنة عن طريق الوصول الى نموذج آخر بعد جر الأحكام إليه، ولو بتحميل النصوص ما لا تحتمله.

ومن هنا جاءت نظرية (شورى الفقهاء) لتدفع بالمرجعية بحالتها العامة إلى أقصى درجات التكامل الممكن، وذلك لأنها تتيح الفضاء الواسع أمام العالِم لطرح آرائه، كما أنها تخلق حالة من الفضاء العلمي المتحرك الذي يتطلب المزيد من القوة والإحكام بسبب وجود النقد الذي يمارسه فريق من العلماء، كلٌّ على حدة، ومن وراء هؤلاء ثلّة من أهل الفضيلة، وأخيراً الجمهور. وبهذا فإن شكل النظام السياسي عنده عبارة عن عملية تطوير للحوزة العلمية، ونقلها إلى نظام أكثر مواءمة مع الدولة.

إن القارئ لحياة الإمام الشيرازي الراحل سوف يجد اهتماماً بـ(مفهوم التعددية)، وقد أعطى رؤية واضحة ومؤصلة لهذا المفهوم، وباعتباره فقيهاً بارزاً فإن ما كتبه في هذا المجال يحظى بأهمية بالغة عند رجالات الفقه والثقافة، ويرى أنه حينما يقبل الإسلام بوجود سائر الأديان والاتجاهات ضمن مجتمعه وفي ظل دولته، فإنه يمنحها (الحرية الكاملة) في ممارسة شعائر أديانهم والقيام بطقوس عباداتهم، وتنفيذ تعاليمها وأحكامها دون أن يفرض عليهم شعائره وأحكامه أو يتدخل في شؤون أديانهم.

وفي نفس الوقت يشير (قدس سره) الى إن التعددية المذهبية تعني الاعتراف بوجود تنوع في الانتماء المذهبي في مجتمع واحد. واحترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من اختلاف أو خلاف في الفروع أو غيرها. وإيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك بشكل يحول دون نشوب صراعات تهدد سلامة المجتمع. ويرى أن مفهوم التعددية المذهبية يتضمن، أيضاً، الإقرار بأن "أحداً لا يحق له نفي أحد"، و"ضمان حرية التفكير والتعبير المذهبي للجميع" و"المساواة في ظل سيادة القانون". أما "التعددية السياسية" التي أكد عليها فتعني مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش وفي التعبير عن نفسها وفي المشاركة في التأثير على القرار سياسياً في مجتمعها.

وينطلق المجدد الشيرازي من إن الأديان بحكم انتمائها إلى السماء لا تأمر إلاّ بالخير والحق والصلاح والبر والمحبة والرحمة والإحسان، ولا توصي إلا بالأمن والسلم والسلام، وما كانت يوماً عائقاً أمام التعايش والتعارف والحوار، وإنما العائق يكمن في الذين يتوهمون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ويستغلون الأديان للتحكم في أقدار الناس ومصائرهم، عبر العنف والطغيان.

لذلك أكد (قدس سره) على ضرورة التفريق بين الأفكار الحقة التي تستند على قيم العقل والحوار والتعايش السلمي والتشارك الإنساني، وبين تلك الأفكار التي تستخدم قوة الاكراه والتسلط للسيطرة على الآخرين لتحقيق غايات فردية، يقول (قدس سره): "الناس بطبيعتهم لا يميلون إلى الأفراد العنيفين وسيّئي الأخلاق، وإذا حدث واستطاع بعض أصحاب القدرة والعنف استغفال وخداع مجموعة من الناس لفترة، فإن أوراقهم سرعان ما تنكشف وينقلب الأمر عليهم وينفض الناس من حولهم إن لم ينقلبوا عليهم".

لقد عمل الإمام الشيرازي الراحل على إعلاء كلمة الإسلام عبر الاقتداء بسنن رسول الله وآل بيته الطاهرين (عليهم السلام) من خلال ما طرحه من رؤى وأفكار والعمل بمبدأ اللاعنف، وبذاك كانت حياته مصدر إلهام لمبادئ العدل والحرية والخير والمحبة والرفاه وداعية إلى الحقوق المدنية والتغيير الإجتماعي في مختلف أنحاء العالم لا في العالم الإسلامي وحسب. 

2/شوال/1440هـ