وقفة .. في ذكرى رحيله


 

موقع الإمام الشيرازي

 

كان أكثر من فقيه ومرجع ومجدد، وأكثر من مفكر ومصلح ومؤسس، فقد استوعبت أفكاره وإنجازاته جل مفردات الدين والحياة من خلال موسوعيته الثقافية وعلميته التخصصية وإحاطته الفقهية الممتزجة بقدرة الانفتاح وشجاعة الطرح وتحمّله نتائج المواقف التي تحفظ المبدأ وإنْ أغضبت سلطة وأزعجت أدعياء وأنعقت رعاعاً.

إن قراءته الموضوعية للتاريخ، وفهمه التفصيلي لواقع الحكم والسياسة وتناقضات المجتمعات ومعاناتها وهموم الناس وهواجسهم، وامتلاكه لخزين علمي مسند بمهارة فكرية تغييرية ومتجددة وكم هائل من التجارب مكنه – كل ذلك - من استيضاح صور الواقع وأنماط التفكير ودوافع السلوك وحقيقة الانتماءات، فكان استشرافه للمستقبل كقراءة رصينة لواقع يراه ويعيشه.

ولم تكن ريادته في كشف انقلاب المواقف وتخاذل أصحابها إلا تماهياً مع إحساسه العالي بضرورة إعلان رفضه للمرفوضات وخاصة تلك التي يتوانى آخرون عن رفضهم لها بسبب الخوف أو المصلحة، وهو ما عرّضه الى حكم بالإعدام إبان حكم الاستبداد المباد في العراق، واضطر الى ترك أرض آبائه وأجداده.

وتواصلاً مع ما آمن به وعاهد عليه، كان له - بعد هجرته من العراق - أكثر من موقف في أكثر من حدث، وفي أكثر من موطن وبلد، مواقف بطولية في الفكر والعمل جعلته من (القادة التاريخيين)، وفي الوقت نفسه أقعدته في بيته المتواضع طيلة سنوات مريرة، حتى وافاه الأجل المحتوم، حيث رحل صابراً ومحتسباً وشاهداً وسعيداً في يوم الاثنين 2/شوال/1422هـ.

ما يجعل ذكرى رحيل سيد الفقهاء الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه) أكثر من ذكرى هو أن كماً من تراثه العلمي لم يزل طي المخطوطات، وأن حركة انتشار هذا التراث الإنساني ما زالت في دائرة جغرافية ضيقة، وأن علم الإمام الشيرازي أوسع من أن يحصر في رسالة أحكام وتشييد مساجد وحسينيات، وأن إنسانيته أكثر غنىً من مؤسسات ثقافية وخيرية وعشرات المجلدات في فقه الدين والحياة.

 

2/شوال/1440هـ