أحاديث في المهدي .. بين تغييب وتحريف


 

موقع الإمام الشيرازي

 

جاء في (صحيح مسلم) عَنِ النَّبِيِّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنه قَالَ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ، لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلًا مِنِّي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا، وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا». وَقَالَ: فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: «لَا تَذْهَبُ، أَوْ لَا تَنْقَضِي، الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي».(سنن الترمذي/الفتن 2230)(سنن الترمذي/الفتن 2231)(سنن أبي داود/المهدي 4282).

هذا مما تذكره كتب الأخوة السنة، وذكرت مثله مئات. ومؤخراً، تحدث أحد السلفيين في محاضرة بمسجد في دولة خليجية، عن الفتن التي ستقع وخروج الإمام المهدي، وأن على الناس أن يشغلوا أنفسهم بالعبادة قبل أن تحل الفتن التي ستبعد الناس عن صلاتهم وصومهم ودعائهم، وذكّر الحضور بحديث، رواه أحمد وابن داود عن عبد الله بن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، محذراً فيه من فتنٍ ستداهم أمة المسلمين كقطع الليل المظلم، وأولها الأحلاس ثم السراء والدهيمة، مبيّناً شدتها وهولها وطول بقائها، وأنه ما من عبد إلا وتصيبه هذه الفتن، خاصة فتنة الدهيمة، وأنه بعد هذه الفتن سينقسم الناس إلى فسطاطين، فسطاط الإيمان والتقوى، ولا كفر فيه ولا نفاق، وفسطاط الكفر والنفاق، ولا إيمان فيه، حينها على الناس ترقّب ظهور الدجّال من يومه أو غده، وحينها ستكون معركة الفصل بين الفسطاطين، فسطاط الإيمان بقيادة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والمسيح (عليه السلام)، وفسطاط الكفر بقيادة الدجّال وأعوانه.

والسؤال هنا: لماذا غابت وتغيب ثقافة انتظار الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عند عموم الأخوة السنة، بالرغم من الأحاديث المتواترة التي تثبت وجوده وظهوره الموعود في آخر الزمان، وأن الله تعالى سيصلح به حال الأمة بل البشرية ديناً ودنيا، بعد أن تفتك بالأمة الفتن والشرور والخراب، ويجتاح الظلم البشرية؟

ثم كيف تحوّل الحدث المهدوي العظيم وانتظاره، من واحة للتعاون على البر والتقوى ونبذ الإثم والعدوان، ولجمع كلمة المسلمين ورص صفوفهم لبناء دولهم ورفاه مجتمعاتهم وتأمين مستقبل أجيالهم، إلى بوابة لبث الفرقة والإساءة للذين يعيشون ثقافة الانتظار وتكفيرهم والاستهزاء بهم، من خلال ترك أصل القضية ثم الالتفاف على جوهرها، وإشغال الناس بتفاصيل ثانوية تبعدهم عن استحقاق إلهي وُعدَت به البشرية جميعاً، عبر الأنبياء والرسل وأئمة الهدى؟.

إن تجنب ذكر الأحاديث النبوية الواردة حول الإمام المهديّ، ثم تكثيف الأنظار على موضوعة السرداب _الذي كان ذريعة لشتم الشيعة_ ثم "بدعة زيارة القبور"، لم يكن طارئاً بل كان منهجاً متوارثاً، فما يتحدث به الوهابيون قد جاء على لسان ابن القيّم، حتى شاع عند جمهور عريض من الإخوة السنة أن الاعتقاد بالمهدي "بدعة شيعية"، وأنه من نتاج "سخف عقول الشيعة"، وبسببه كان "خروج الشيعة عن الملّة"، بدلاً من أن يكون انتظار ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وسيلة لتنزيه النفوس والعقول استعداداً لنصرة الإمام المخلّص والتمهيد له، وهذا مما يؤكد أن الطغاة قد دأبوا على تغييب ثقافة أهل البيت إنما لتفتيت كلمة المسلمين إلى سنة وشيعة، وإشغال بعضهم ببعض.

من الشبهات التي استغرقت كتبهم وأبعدوا الناس عن جوهر المصلح المنتظر، أنه هل يمكن لإنسان أن يظل على قيد الحياة لكل هذه المدة، وقد تجاوزت الألف ومائة سنة! وعادة من يتحدث بمثل هذه الشبهة، هم اللادينيون والملحدون باعتبار أنهم لا يؤمنون بوجود الخالق (عز وجل)، وبالتالي هم ينفون وجود معجزات، لكن الغريب أنْ تصدر هذه الشبهة عن رجال دين قرأوا القرآن الكريم وقصص الأنبياء، وأن الله تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) يس/82، كما أن نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله) قد بشَّر به، وبيّن أن الله اختاره واصطفاه ليقود معركة الفصل العالمية بين فسطاط الحق والإيمان وفسطاط الكفر والنفاق، فهل يُكثِرون معجزة طول العمر على رجلٍ أُعدَ لمهمة إلهية عظمى، في الوقت يُقرّون بذلك للدجّال، كما ورد في حديث ابن أوس الداري، الذي رواه مسلم في صحيحه برقم (2942). لذلك فإن الذي يقر بمعجزة بقاء الدجّال ولا يقر بمعجزة بقاء المهديّ، ربما دوافعه في ذلك، هو لأن المهديّ من ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولو كان من غير ذلك لأقرّ وافتخر، كذاك الذي قال عن فضائل سيدة نساء العالمين (عليه السلام): "والله طمساً طمساً"، ولا يتورع في نسبة كل فضيلة لمعاوية ويزيد.

أحد محدّثيهم يقول أن بقاء الدجّال قد ورد في الحديث والدليل، ولا دليل على بقاء الإمام المهديّ، في الوقت أن هذا المُحدّث يرى أن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من نسل الإمام الحسن (عليه السلام) باعتبار أن المهديّ جائزة ربانية للإمام الحسن لتنازله عن الخلافة لمعاوية، لكن دون أن يقدم دليلاً، سوى أن ابن القيّم يرى ذلك، فهذا المُحدّث يعتبر رأي ابن القيّم دليلاً قاطعاً لا يرقى إليه شك، وأن طول عمر الإمام المهدي أمراً فيه أكثر من شك، ولو تحدث عن ذلك أستاذ أئمة المذاهب الأربعة، الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) الذي يقول: (أما والله، ليغيبنّ عنكم مهديكم، حتى يقول الجاهل منكم: ما لله في آل محمد حاجة، ثم يقبل كالشهاب الثاقب، فيملأها عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً)(كمال الدين: ص321 ب33 ح22).

وعن السيد ابن محمد الحميري _في حديث طويل_ يقول فيه: قلت للصادق جعفر بن محمد (عليهم السلام): يا ابن رسول الله، قد رويت لنا أخبار عن آبائك في الغيبة وصحة كونها، فأخبرني بمن تقع؟ فقال (عليه السلام): (إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم بالحق، بقية الله في الأرض، وصاحب الزمان، والله، لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه، لم يخرج من الدنيا، حتى يظهر، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً)(كمال الدين: ص321 ب33 ح23).

وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إن سنن الأنبياء بما وقع بهم من الغيبات، حادثة في القائم منّا أهل البيت، حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة). قال أبو بصير: فقلت: يا ابن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال: (يا أبا بصير، هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيدة الإماء، يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثم يظهره الله، فيفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح الله عيسى بن مريم، فيصلي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربها، ولا يبقى في الأرض بقعة عُبد فيها غير الله، إلا عُبد الله فيها، ويكون الدين كله لله ولو كره المشركون)(كمال الدين: ص324 ب33 ح31).

لقد دأب أرباب الفكر الأموي على طمس فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، وكانوا في حال لم يتمكنوا من ذلك، يعملوا على تفنيدها أو حرفها عن مسارها الإلهي، ومن هذا، قول ابن القيّم في أن المهدي من نسل الإمام الحسن (عليه السلام)، فإنه برأيه يجمع ثلاثة أطراف: الإمام الحسن المجتبى، والإمام المهدي المنتظر، والثالث هو معاوية بن أبي سفيان الطاغية الضليل والقاتل السفّاح، وهذا الربط المخادع غايته القول، أن باب الرحمة الإلهية التي ستعم على البشرية جمعاء، بالظهور المقدّس للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، لم يتحدد مِنْ أي نسل سيكون، إلا بعد أن تنازل الإمام الحسن (عليه السلام) عن الخلافة إلى معاوية ليكون خليفة، بالتالي فإن تولي معاوية الخلافة، هو مناط الرحمة الإلهية الذي على أساسه جعل الله المهديّ من نسلٍ حسنيّ، لا من نسلٍ حسينيّ.     

ومن خلال متابعة بعض مواقعهم ومنتدياتهم، يبدو الحرج كبيراً من سؤال بعض الشباب عن السبب في عدم ذكر الإمام المهديّ في كتابي البخاري ومسلم، اللذان كُتبا في زمن ولادة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، بينما ذكرا الإمام في كتبٍ أخرى لهم، كما ورد ذكر الإمام في جل كتبهم الحديثة الأخرى.

14/شعبان/1440هـ