الصلاة على محمد وآل محمد (8)


(رحمة وتزكية ودعاء)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (كل دعاء يُدعى الله عز وجل به محجوب عن السماء حتى يُصلى على محمد وآل محمد)، لأنه بهم (عليهم السلام) ينزل الله رحمته وبركاته، وليس عبر غيرهم. وهذا ما يشير إليه الإمام الباقر(عليه السلام)، حينما يقول: (.. وبنا أكرم الله مَن أكرم من جميع خلقه).

وجاء في الزيارة العظيمة، المعروفة بـ(الجامعة الكبيرة): (بِكُمْ فَتَحَ الله وَبِكُمْ يَخْتِمُ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الغَيْثَ، وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَّماء أنْ تَقَعَ عَلى الاَرْضِ إِلاّ بِإذْنِهِ، وَبِكُمْ يُنَفِّسُ الهَمَّ وَيكشف الضُّرَّ).

وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما من دعاء إلا وبينه وبين السماء حجاب حتى يصلي على النبي محمد وعلى آل محمد).

وجاء ما يشبه هذه الرواية من طرق العامة أيضاً، رواها الطبراني في (المعجم الأوسط) عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: (كل دعاء محجوب حتى يُصلّى على محمد وآل محمد)(المعجم الأوسط: ج1 ص220).

وقد يستصعب بعض مثل هذا الحديث، ويستكثره، ويعتبره مغالاة، ولهذا لا بد من تقريب القضية أكثر. فنطرح سؤالاً: الله تعالى كيف يرزقُ البشر؟

الجواب: هناك ملك موكّل بالرزق اسمه (ميكائيل)، فكل رزق ينزل إلى البشر لا بد أن يمر عبر ميكائيل، ولا يمكن أن ينزل مباشرة. فهل إنّ الله تعالى لا يستطيع أن ينزل رزقه إلا عبر ميكائيل؟ بالطبع يستطيع، إلا أن حكمته شاءت واقتضت أنه لا رزق يصل إلى البشر أو إلى غيرهم إلا عبر ميكائيل (عليه السلام).

وكذلك حكمته شاءت أنّ ميكائيل وعزرائيل وجبرئيل وإسرافيل، وحَمَلَة العرش، وكل ملك مقرب، وكل نبي مرسل، وكل عبد صالح، لا يصل إليه خير ولا رحمةٌ ولا بركة، إلا عبر محمد وآل محمد صلوات الله عليهم.

ولهذا فإننا لا نستغرب حينما نقول: إن إبراهيم (عليه السلام) حين يريد شيئاً من الله تعالى كيف يطلبه وبوساطة مَنْ؟ وآدم (عليه السلام) إذا كانت لديه خطيئة يريد من الله سبحانه أن يفغرها له، فمن خلال أي طريق عليه أن يتوجه حتى تنزل عليه المغفرة والرحمة؟ يجيب القرآن الكريم بقوله: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه..)(سورة البقرة: 37).

وهنا لا نحتاج إلى الروايات حتى تقول لنا بأنه: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة ولحسن والحسين، لأن القضية أصبحت واضحة.

وهذه الكلمات هي نفسها التي نال إبراهيم بها وبوساطتها مرتبة الإمامة، حينما أتمها كما يقول القرآن الكريم: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً..)(سورة البقرة: 124).

إذن، لا خير ولا رحمة ولا كرامة تنزل على أي مخلوق إلا عبر محمد وآل محمد، ومن هنا نرد الشبهة الموجودة في بعض الأذهان حيث أنّ بعضاً يتصوّر أنّ النبي رحمة لأمته فقط، وبتعبير آخر واسطةُ فيض لأمته دون غيرها!! فهذا الكلام مرفوض تماماً، إذ أنَ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس واسطةَ فيضٍ لأمته فقط!، بل ولا لجميع البشر فقط!

وإنما لكل مخلوق خلقه الله تعالى، قال (عز وجل): (وما أسلناك إلا رحمةً للعالمين)(سورة الأنبياء: 107). ومن هنا فإن الملائكة والأنبياء إذا أرادوا شيئاً لا يحصلون عليه إلا عبر محمد وآله الطاهرين.

وبالنتيجة، فمعنى كل هذا، أن محمداً وآله هم علة الوجود (الغائية) ـ كما يعبّرون ـ، أي إنّ الله خلقهم، وخلق كلّ شيءٍ لأجلهم، فكلُّ موجود وكلُّ الوجود لأجل محمد وآله وكرامةً لهم، لأنهم واسطةُ وسبب كلّ خير وكلّ رحمةٍ، وإنما تبوأوا هذه المكانة، لأنهم وصلوا إلى قمة الكمال البشري، وباعتبار أنهم وصلوا إلى هذه المرتبة والمكانة ـ ولم يصل غيرهم ـ جعلهم الله تعالى واسطة الفيض وسرَّ الوجود، ومعنى هذا أنهم لو لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من الكمال لما استحقّ موجودٌ أن يُوجد.

ولهذا فمن الطبيعي أنّ الوجود يستمر لأجلهم، ويبقى لبقائهم، وهذا معنى ما ورد في حديث الكساء على لسان الله (عز وجل): (إني ما خلقت سماءً مبنية، ولا أرضاً مدحيةً، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري، ولا فُلكاً يسير، إلا في محبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء). وحينما يسأل جبرئيل: (يا رب، ومن تحت الكساء؟). يأتيه الجواب: (هم أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، هم فاطمة وأبوها، وبعلها وبنوها).

إذن معنى الصلاة على محمد وآل محمد، هو الاتصال بمنبع الفيض الإلهي، وبقطب دائرة الإمكان، وهذا الاتصال هو السبيل الوحيد لنيل رحمة الله وفضله، ابتداءً من الملائكة والأنبياء فمن دونهم.

وها هو إبراهيم الخليل (عليه السلام) ينال ما نال من شرف ومكانة وقرب منزلة عند الله تعالى بكثرة صلاته على محمد وآله، فقد روى الصدوق بإسناده إلى الإمام الهادي (عليه السلام) أنه قال: (إنما اتخذ الله عز وجل إبراهيم خليلاً لكثرة صلاته على محمد وأهل بيته)(وسائل الشيعة: ج7 ص194).

وها هو يوسف (عليه السلام) يدعو في بعض أوقات بلواه فيقول: (.. يا غافر الذنوب، يا علام الغيوب، يا ساتر العيوب، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وتجاوز عنا فيما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم)(مهج الدعوات: ص369).

وها هو موسى أوحى الله إليه أن: (اضرب بعصاك البحر، وقل: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين، لما فلقتهُ، ففعل، فانفلق وظهرت الأرض إلى آخر الخليج)(تفسير الإمام العسكري عليه السلام: ص199).

وها هو يوشع بن نون يكتب: (سبحان الله كما ينبغي لله، والحمد لله كما ينبغي لله، ولا إله إلا الله كما ينبغي لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيت النبي الأمي، وعلى جميع المرسلين والنبيين حتى يرضى الله)(مهج الدعوات: ص371).

ولذلك من المستحبات الواردة أن يصلي على محمد وآل محمد في كل يوم جمعة ألف مرة، وفي سائر الأيام مائة مرة.

وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (من صلى على محمد وآل محمد عشراً صلى الله عليه وملائكته مائة مرة، ومن صلى على محمد وآل محمد مائة مرة صلى الله عليه وملائكته ألفاً). ثم يقول الإمام (عليه السلام): (أما تسمع قول الله عز وجل: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما).

إذن فصلاة الله علينا ـ أي رحمته لنا ـ لا تكون إلا إذا اتجهنا عبر محمد وآله من خلال الصلاة عليهم، بمعنى أنه سبحانه وتعالى لا يصلي علينا إلا إذا سلكنا المسار الذي رسمه لنا للاتصال به، وذلك من خلال الصلاة على محمد وآل محمد.

14/ جمادى الآخرة/1440هـ