عوامل بناء مجتمع إسلامي متقدم


(رؤى من أفكار المرجع الديني الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

قدَّم الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) خزيناً هائلا من الأفكار، عبر مجلدات وكتب وكراريس، كل ذلك المتراكم الفكري سعى إلى بناء أمة متميزة عن سواها، عبرَ خرائط فكرية عملية تفتح الآفاق واسعة أمام المسلمين، قادةً أو غيرهم من عامة الناس، لبناء أمةً متكاملة، مدعومة بقواعد أخلاقية وقيم تحفظ لها مكانتها في الصدارة.

وقد ركّز الإمام الشيرازي في كتابه القيّم الموسوم بـ (السعي نحو مجتمع إسلامي)، على مرتكز أساس يقوم على أهمية وحتمية ما ينبغي أن تقدمه الأمة من جهود عظيمة في المجالين النظري والتطبيقي، مستفيدة بذلك من تجارب التاريخ والحاضر، ويخلص سماحته إلى أن الأمة تكتسب مركزها ومكانتها من أعمالها والمجهود الذي يبذله قادتها وأفرادها، ولا يمكن أن تنال مكانتها المتميز عن الأمم الأخرى من دون تلك الجهود التي تبدأ بالفرد لتنتهي بالأمة سعيا تنتهي نتائجه إلى محصلة أكيدة تتوَّج بفوز الأمة بالمكانة المرموقة التي تستحقها بين الأمم.

ورد في كتاب الإمام الشيرازي المذكور في أعلاه: (قال تعالى في كتابه الكريم: * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ*. وهذه الآية الكريمة تبين لأمة رسول الله: قاعدة مهمة في الحياة، وهي أن الأمم مرهونة بأعمالها في تقدمها أو تأخرها).

وكما يُثاب المرء على ما يُحسن من أعمال، ويعاقب على ما يرتكب من أخطاء، فإن حاصل جمع أعمال الأفراد تنتهي بالنتيجة إلى ما ينتج من جهود الأمة كاملةً، وفي ضوء ذلك، قد تُثاب الأمة أو العكس تبعا للأعمال التي تقدمها، وطبيعتها ونتائجها ودرجة قربها من الخير والصلاح أو الشر والدمار، والتاريخ والواقع كلاهما يؤكدان أن الفوز بمواقع متقدمة لا يمكن أن تحققه الأمم بأفراد عاجزين، أو أنهم نشيطون فاعلون ولكن في الاتجاهات والمسارات الخاطئة، فما فائدة جهود يتم بذلها في طريق الرذيلة، لأن الأعمال بقبحها وجمالها تحتاج إلى سعي وأفعال، لذا يستوجب أن تكون جهود الأمة ضمن إطار (الخير)، وعكس ذلك فإن تلك الجهود مهما بلغت فاعليتها فإنها تنتهي بالأمة إلى الحضيض.

فمستقبل الأمة وجزاؤها مرهون بطبيعة ما تقدمهُ من أعمال، ويؤكد الإمام الشيرازي أحقية الأمة بأن تستهدي بتجارب الأمم الأخرى وتستفيد منها، وعلى قادتها وعامة الناس أن يفهموا بأن مكانتها مرهونة بطبيعة ما تقدمه من أعمال ونشاطات فكرية أو فعلية. يقول(قده): (كل أمة رهينة بأعمالها، ولا تُؤخذ أمة بأمة أخرى، نعم على كل أمة أن تعتبر من سائر الأمم وتستفيد من تجاربها، وهكذا تكون كل أمة مسؤولة عن نفسها، إليها يرجع ما عملته وما كسبته من برّ وخير، وعليها يعود ما اقترفته وما جنته من ظلم وشر).

 

إصلاح الفرد يسبق كل شيء

إذن، هناك هدف ينبغي أن يسعى إليه قادة الأمة وأفرادها، وهو بناء شخصية يعتدُّ بها بين الأمم الأخرى، وهذا يتطلب أولا إصلاح الفرد لأنه هو اللبنة الأولى التي تتشكل منها الأمة بأكملها، فإن صلح الفرد صلحت الأمة، وبهذه الطريقة يمكن ضمان صناعة شخصية عظيمة للأمة، تبدأ بالجانب العلمي، فكلما كان علماء الأمة متميزين كبارا في أفكارهم ومشاريعهم كانت الأمة متميزة بشخصيتها، وهكذا الحال في ساستها، فإن كان القادة السياسيون كبارا في عقولهم وأفكارهم وإراداتهم، كان الأمة متميزة وكبيرة في مكانتها. كما نلاحظ ذلك في تأكيد الإمام الشيرازي حين يقول: (من المعلوم أن الأمة تتشكل من الأفراد، وإذا أردنا الحصول على مجتمع إسلامي صالح وأمة مؤمنة متقدمة، فعلينا بإصلاح الفرد أولاً، فإن الأمم تُقاس بشخصياتها العلمية وكذلك السياسية، وهكذا الاقتصادية والاجتماعية).

إن عملية الدفع بالفرد إلى أمام ستنتهي بالنتيجة إلى صنع أمة ساعية إلى التقدم، وهذا في حقيقته يتعلق أولا بما يسعى إليه الأفراد، فهل حياتهم تنطوي على مساعٍ للتميز والإنتاج الأجود، وهل يضعون في حسابهم بناء الأمة في أفضل الطرق والسبل العلمية التي ترتفع بالأمة إلى مصاف الأمم التي سبقتنا في مضامير التطور المختلفة، إذا كان سعي الأفراد من هذا النوع، فإننا سوف نُسهم كأفراد صالحين أذكياء في بناء أمة قوية مسلّحة بالعلوم المعاصرة والتقانات المحدثة، فصناعة التقدم بكل صورها وأشكالها تبدأ بالفرد، ومدى ما يقدمه من مساعٍ في إطار شروط العصر، والتسارع الهائل في الابتكارات العلمية والصناعات المختلفة.

يقول الإمام الشيرازي حول هذا الجانب تحديدا: (إذا كان أفراد أمة يعيشون عيشة هادفة، ويسعون في بناء مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، تقدم أولئك الأفراد وتقدمت الأمة بهم، وهذا هو ما يدعو إليه الإسلام ويحثّ عليه، فالإسلام يريد للفرد وللأمة وللمجتمع أن يكون مسلماً صالحاً).

 

في تاريخنا شخصيات قيادية بارزة

هل يتوقف بناء الأمة على عامة الناس مبتدئين بالفرد؟، بالطبع لا يمكن الإقرار بمثل هذه الافتراضات على الرغم من أهمية ما يقدمه الفرد في مسارات التقدم، فكما هو متعارف، لكل أنشطة عملية رؤوس تتصدى لعملية التخطيط، وأخرى تأخذ على عاتقها التنفيذ، صحيح أن الفرد له دوره في بناء الأمة، لا يختلف اثنان على هذا الأمر، ولكن كل الأعمال الفردية ينبغي أن تتحرك في ضمن دائرة تنظيمية تسمى (القيادة)، فالتنظيم وحده لا يكفي، ومساعي الأفراد وحدها لا تكفي أيضا، لأن كل هذه الأنشطة لا يمكن أن تعطي أُكُلها بلا قيادة تديرها بصورة علمية تنظيمية ناجحة.

هذا ما أكد عليه الإمام الشيرازي، وهو ما يحمّل قادة المسلمين اليوم مسؤولية كبرى، فالقيادات هي التي تتحمل مسؤولية بناء الأمة، نعم للفرد دوره في ذلك، ولكن ما فائدة جهود فردية تبقى تدور في مدار عشوائي غير منظّم، لذا يبقى المسؤول الأول عن بناء وتقدم الأمة هم قادتها، وأي فشل في هذا المجال هم يتحملون ذلك شرعا وتاريخا، خصوصا أننا نجد في صفحات تاريخنا قادة عظماء استطاعوا أن ينهضوا بالأمة ويضعونها في المقدمة بين الأمم والأمثلة لقادة الحاضر متوفرة لمن يبحث عنها ويريد الاستفادة منها. يقول الإمام الشيرازي: (نبغت في الأمة الإسلامية شخصيات كبيرة وبرز قادة صالحون تركوا من الآثار الطيبة التي ظلت تفتخر بها الأجيال بعد مئات السنين، وقد سعوا نحو مجتمع صالح).

إن قادة المسلمين اليوم أمام معضلة تاريخية عظيمة، فالأمة تعاني من مشكلات كبرى، وهناك ضعف وتراجع في المركز والمكانة التي تستحقها، الخلل الأول بالقادة، ثم يلي ذلك الأفراد، لأن الناس تأتي على ملوكها كما يُقال، ودائما ينظر المواطن العادي إلى قائده ومسؤوله كنموذج يقتدي به، فإن كان الفرد فاشلا أو ضعيفا، ستكون الأمة كذلك من مجموع أفرادها، وهذا يعني أن قادتها هم الذين يقفون وراء هذا الفشل، لذلك يجب أن يعي قادتنا اليوم هذه الحقيقة المؤلمة، وهذه المسؤولية التي ينبغي أن يتصدون لها، ولا عذر لهم لاسيما أن تاريخنا فيه قادة أبطال أفذاذ جعلوا مكانة الأمة في الصدارة، فليتعلموا منهم ويقرأون تاريخهم وسيرتهم. يقول الإمام الشيرازي: إن (أولئك القادة رجال أبطال أفذاذ، بذلوا أعمارهم، وصرفوا طاقاتهم، من أجل بناء مجتمع إسلامي متقدم، وأمة إسلامية صالحة مزدهرة، وسيبقى ذكرهم على مرّ العصور).

شبكة النبأ

1/جمادى الأولى/1440هـ