شكر النعمة ونعمة الشكر


 

موقع الإمام الشيرازي

 

شكر الله

نِعَمُ الله تعالى على الإنسان هي عطاءٌ ومَنٌ وفضلٌ من الخالق على المخلوق ومن جانب آخر هذه النِعَم هي ابتلاء واختبار، فقد ورد في القرآن الكريم، في قصة النبي سليمان (عليه السلام): (قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(سورة النمل/40).

والشكر هو تقدير نعمة المُنْعِم، وتظهر آثار هذا التقدير من خلال صور ثلاث: في القلب، وعلى اللسان، وفي الأفعال.

أما آثاره القلبية فهي من قبيل الخضوع والمحبة والخشوع، وأما آثاره على اللسان، فالثناء والمدح والحمد، وأما آثاره في الأعضاء والجوارح فالطاعة واستعمالها في رضا المنعم واجتناب كل ما لا يرضاه، قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): (أقل ما يلزمكم لله ألا تستعينوا بنعمه على معاصيه)(بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج ٧٠/ص ٣٦٤). كاستخدام العين (حاسة البصر) بالنظر إلى ما حرَّم الله على عباد، واستخدام نعمة السمع باستماع ما حرَّم على عباده، واستخدام الأقدام في السعي إلى ارتكاب المعاصي، وكذلك بقية أعضاء البدن والقوى التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: (شكر النعمة اجتناب المحارم، وتمام الشكر قول الرجل: الحمد لله ربَّ العالمين)( لكافي: 2/95/10).

إن شكر الإنسان لله تعالى يجب أن يكون عن طريق المعرفة (والاعتراف) بأن كل ما لديه من نعم أو تنزل (وستنزل) عليه من نعم، فهي من الله تعالى، ومن فضله وكرمه (عز وجل)، وإن حصول هذه المعرفة هو شكر لله.

يقول الإمام الشيرازي (قده): الشكر فضيلة جميلة، ويوجب كمال إنسانية الانسان، وإلا فالخالي من الفضيلة، ليس بإنسان إطلاقاً، وإن كان ماشياً على رجلين، فالدبّ وبعض القردة أيضاً، تمشي على رجلين، ولذا قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ابني: إن مـــن الـرجال بهيمة في صورة الرجل السميع المبصر).

والشكر على ثلاثة أنواع:

1ـ الشكر باللسان، بأن يتلفظ الانسان بلفظه (الشكر لله أو أشكر الله) أو ما أشبه، بل كل حمد ومدح له سبحانه فهو داخل في إطار الشكر وإن لم يكن بلفظ الشكر.

2ـ الشكر بالقلب، بأن يعرف الانسان بقلبه، إنّ النعم منه سبحانه، وينوي له شكراً ومدحاً، ويخضع قلباً، أمام منعمه والمتفضّل عليه، حتى يكون القلب ذا ملكة للشكر.

3ـ الشكر بالجوارح، بأن يأتي الانسان بما يليق بالنعم، من الإطاعة، والاجتناب عن المعصية، يقول سبحانه: (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً)(سورة سبأ/13). أي آتوا بالعمل الذي هو شكر. ولعل الشكر هو الغاية العليا للمؤمن، يقول تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(آل عمران/123).

 

شكر الناس

عن الإمام علي زين العابدين (عليه السلام) قال: (يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده يوم القيامة: أشكرت فلاناً؟ فيقول: بل شكرتك يا رب، فيقول: لم تشكرني إذ لم تشكره). وفي ذلك يقول الإمام علي الرضا (عليه السلام): (من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله عزَّ وجلَّ)(عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ٢ / ٢٤ / ٢).

ويعلمنا الإمام زين العابدين (عليه السلام) كيف نشكر ذي المعروف علينا، فيقول:

(أما حقُّ ذي المعروف عليك فأن تشكره وتذكر معروفه، وتكسبه المقالة الحسنة، وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله عزّ وجلَّ، فإذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سرّاً وعلانيةً، ثم إن قدرت على مكافأته يوماً كافيته)(الخصال: ٥٦٨). ويقول (عليه السلام): (أَشْكَركم لله أَشْكَركم للناس)(كنز العمال/6478).

ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أفضـل الناس عند الله منزلةً وأقربهم من الله وسيلةً، المُحسن يكفِّر إحسانه)(بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج ٧٢/ص٤٤). وفي هذا الإطار يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنَّ مكرمة صنعتها إلى أحد من الناس، إنما أكرمتَ بها نفسك، وزيَّنتَ بها عِرضَك، فلا تطلب من غيرك شكر ما صنعت إلى نفسك)(مستدرك الوسائل/ج ١٢/ص ٣٤٠).

يقول الإمام الشيرازي (قده): ليعرف الإنسان، إن التوفيق للشكر، والتمكن على الشكر، من نِعَمِ الله التي تستحق أن يشكر الله سبحانه من وفق له، ولذا ورد: (إنّ الله أوحى إلى موسى: يا موسى اشكرني حق شكري، فقال: يا رب، كيف أشكرك حق شكرك، وليس من شكر أشكرك به إلا وأنت أنعمت به عليّ؟ قال: يا موسى الآن شكرتني، حيث علمت أنّ ذلك منّي).

إن الشكر كما يوجب المزيد من النعمة، فإن الكفران يوجب المنقصة والزوال، قال الله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ)(سورة إبراهيم/7). وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (مكتوب في التوراة: اُشكر من أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعماء إذا شُكرت، ولا بقاء لها إذا كُفرت)(بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج ٦٨_ص ٥٥).

23/ربيع الأول/1440هـ