الصلاة على محمد وآل محمد (3)


(رحمة وتزكية ودعاء)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

من الواضح لدى جميع المسلمين أن السنة النبوية الشريفة تفسيراً للقرآن الكريم، وتخصص عموماته، وتقيّد مطلقاته، وتبيّن مجملاته.

ومثال ذلك: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)(الأعراف: 204)، فظاهر الآية هو وجوب الإنصات لقراءة القرآن الكريم، وهذا الوجوب مطلق يشمل صلاة الجماعة وغيرها، إلا أن جماعة من العلماء خصوصاً بصورة الجماعة[1]، أي أن الإنصات واجب إذا كان خلف إمام الجماعة فقط، وذلك استناداً منهم إلى السنة.

فعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): (وإذا قرئ القرآن..)، يعني في الفريضة خلف الإمام..).

وفي رواية معاوية بن وهب عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: سألته عن الرجل يؤم القوم، وأنت لا ترضى به في صلاة يُجهر بها في القراءة؟ فقال (عليه السلام): (إذا سمعتَ كتاب الله يُتلى فأنصت له).

وهذا القول تبناه ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومجاهد والزهري، بل حكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: (أجمعت الأمة على أنها نزلت في الصلاة).

إذن فقد حُملت هذه الآية الكريمة على غير ظاهرها، وقُيِّدت، وذلك بسبب ما ورد في شأنها من روايات.

وكذلك الأمر فيما نحن فيه، فإن الآية وإن قالت: (صلوا عليه)، إلا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) حينما يُسأل عن كيفية الصلاة عليه يفسرها بقوله: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد..).

والخبر كما رواه كعب بن عجرة يقول: (قال رجل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد علمناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قل: (اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد).

وهذه الرواية أو ما يشبهها نقلها البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن مردويه وعبد بن حميد. (الدر المنثور: مج5 ص216 (بتصرف).

فهذه سنة مجمع عليها فسرت مراد القرآن الكريم في هذه الآية، وقد أورد صاحب الدر المنثور ثمانية عشر حديثاً تدل على تشريك الآل في الصلاة مع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم). (راجع الدر المنثور، المجلد الخامس عند تفسير الآية).

وأورد البخاري هذا الحديث _مع اختلاف يسير_ في كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً)(صحيح البخاري: ح4423 (ترقيم العالمية).

وأورد ما يشبهه أيضاً في كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) (صحيح البخاري: ح5880 (ترقيم العالمية).

العجيب من البخاري أنه في الوقت الذي يروي فيه هذا الحديث الذي يفسر الصلاة على النبي الأعظم بالصلاة عليه وآله، فإنه يعنون الباب بقوله: باب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم)!!.

وأعجب منه ابن حجر الهيثمي حيث أنه بعد تصحيحه لرواية كعب بن عجرة، وأنها جاءت بعد نزول الآية، ثم قوله معترفاً:

(.. فسؤالهم بعد نزول الآية وإجابتهم باللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى آخره دليل ظاهر على أن الأمر بالصلاة على أهل بيته وبقية آله مراد من هذه الآية، وإلا لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزولها، ولم يُجابوا بما ذُكر، فلما أجيبوا به دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به..).

والعجب منه أنه بعد هذا الكلام يشير إلى النبي بقوله: (.. وأنه (صلى الله عليه وسلم) أقامهم في ذلك مقام نفسه..)!!

بل العجب العجاب أنه بعد هذا يذكر رواية الصلاة البتراء (الآتية)، ويدافع عنها، حيث يذكر أن ما ورد في الصحيحين من الأمر بالصلاة على النبي وأزواجه وذريته دون آله لا ينافي هذا الخبر (لأن ذكر الآل يثبت في روايات أخر، وبه يعلم أنه (صلى الله عليه وسلم)!!. قال ذلك كله _أي بما فيه حديث الصلاة البتراء_ فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر)(الصواعق المحرقة: ص146)، ولكنه وبعد كل هذا يصر على القول: (صلى الله عليه وسلم)، فسبحان الله!!!.

وأما مسلم فقد أورد الحديث في كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة (صحيح مسلم: ح614 (ترقيم العالمية).

وأورد حديثاً آخر عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد..)(صحيح مسلم: ح613 (ترقيم العالمية).

وهنا ملاحظة يجدر بنا أن ننتبه إليها، وهي: لماذا سكت الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) لفترة طويلة قبل أن يجيب؟ ولماذا لم يبادر بسرعة إلى الإجابة؟!.

يمكن أن نذكر سببين:

الأول: كأنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أراد لفت الأنظار إلى أهمية الموضوع، لأن سكونه بهذا الشكل أمر غير معتاد، مما سينبه الناس، ويجعلهم يحرصون على المتابعة والتركيز من أجل الاستماع إلى ما سيقوله في النهاية.

الثاني: إن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) أدرك ثقل القضية عليهم، وصعوبة تحملها وتقبلها، حيث أنه لم يكن من السهل على بعضهم أن يقبل بفكرة الصلاة على الآل، (بل أن بعضهم لم تكن تروق له أصل فكرة الصلاة على النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فكيف تروق له الصلاة على الآل؟!).

لذلك فإن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) تمهّل قليلاً، وكأنه أراد أن يهيئهم نفسياً لما سيقول، وشأنه في هذه القضية شأنه في قضية التبليغ بولاية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث أنه تمهّل لعلمه بصعوبة مثل تلك القضية على الكثيرين، حتى جاءه الأمر الإلهي بشكل نهائي: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس..)(المائدة: 67)، فإن قوله: (والله يعصمك من الناس)، إشارة إلى ثقل هذه القضية على الناس بحيث أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يتوقع منهم الخلاف حتى وعده الله تعالى بأن يعصمه منهم.

وهذا الحديث _حديث كيفية الصلاة على النبي_ أخرجه أحمد بن حنبل أيضاً في مسنده، باب: مسند الكوفيين، حديث كعب بن عجرة:

عن كعب: لما نزلت: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) قالوا: كيف نصلي عليك؟ قال قولوا: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)[2].

يتبع

18/ ربيع الأول/1440هـ


[1] أنظر مجمع البيان: ج9 ص94، وقسم آخر حملوا الأمر في الآية على الاستحباب، أنظر: تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان للراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده) عند تفسير الآية الكريمة.

[2] مسند أحمد: ح17431، وأخرجه بشكل آخر، انظر: ح17409، ح17410، ح17425، وكذلك يمكن مراجعة حديث إشراك الآل في الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): ح445، وسنن النسائي: كتاب السهو، باب الأمر بالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ح1268، وباب كيفية الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ح1270وح1271 وح1272، وسنن أبي داوود: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعد التشهد ح830، وسنن ابن ماجة: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ح894، وسنن الدارمي: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ح308 وح1309، وغيرها.