الصلاة على محمد وآل محمد (2)


(رحمة وتزكية ودعاء)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

تتبين أهمية الصلاة على النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من خلال الآية الكريمة التي تقول (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًاً) الأحزاب/56.

فهذه الآية التي هي في مقام إصدار الأمر، ابتدأت على غير العادة ببيان: أن الله تبارك وتعالى يقوم بهذا العمل وملائكته كذلك، ثم طلبت من المؤمنين القيام به، حيث قالت: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه عليه).

وعادة القرآن الكريم في مقام التشريع يوجه الأمر مباشرة إلى المؤمنين، ومن دون هكذا مقدمات، ومن النادر رؤية مثل هذه المقدمة لديه، ففي مقام تشريع الصيام مثلاً نراه يبدأ مباشرة قائلاً: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) البقرة/183.

وفي مقام الحض على الصلاة والاستفادة منها يقول: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) البقرة/153.

وحين يريد (عز وجل) أن يأمر بالتقوى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) الحشر/18. وهكذا.

أما أن يذكر الله سبحانه قبل توجيه الأمر وطلب عمل معين أنه يقوم به هو بنفسه وبذاته المقدسة فإن هذا شيء غير مألوف.

نعم حينما نتصفح سورة آل عمران، وبالتحديد الآية الثامنة عشرة، نجد مثل هذا الأسلوب، حيث أنه سبحانه في مقام الحديث عن وحدانيته يقول: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) آل عمران/18.

فإنه تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة شهد لنفسه أولاً بالوحدانية، ثم شهدت له الملائكة، ثم أولوا العلم، وكذلك في الآية التي نحن بصددها، الله سبحانه يصلي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم الملائكة، ثم يطلب من المؤمنين أن يفعلوا ذلك.

 

وسلموا تسليماً

ومن جانب آخر يمكن لنا أن نستدل على أهمية هذه القضية من خلال قوله تعالى في الآية نفسها: (يا أيها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلموا تسليماً).

قد يتبادر إلى الأذهان أن المقصود من التسليم إلقاء السلام بمعنى قول: السلام عليك يا رسول الله، وهو قول موجود لدى المفسرين، ويتبناه بعضهم، إلا أننا حينما نرجع ونطالع روايات أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المجال نلاحظ أنهم (عليهم السلام) يطرحون معنى آخر مخالف تماماً للمعنى المشار إليه.

فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) سئل عن هذه الآية فقال: (الصلاة عليه، والتسليم في كل شيء جاء به) (بحار الأنوار 204:2/ح 88).

وفي قوله تبارك وتعالى (ثمّ لا يَجدوا في أنفُسِهم حَرَجاً ممّا قضَيتَ ويُسلِّموا تسليماً) النساء/65. قال الإمام محمّد الباقر عليه السلام: (التسليم: الرضى والقنوعُ بقضائه)(بحار الأنوار 204:2/ح 89).

وفي بيانٍ أورده العلاّمة المجلسي قال: (ويسلّمُوا تسليماً). أي: ينقادوا لك ـ يا رسول الله ـ انقياداً بظاهرهم وباطنهم. (بحار الأنوار 205:2).

إذن فالتسليم معناه الانقياد، قال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الحشر/7. وقال عز من قائل: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممَّا قضيت ويسلِّموا تسليماً) النساء/65.

بالتالي، يجب على المسلم أن ينقاد لأوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن يسلم له بكل ما جاء به من عند الله سبحانه، ومن جملة تلك الأمور الصلاة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم).

ذلك أن بعضاً ما كان يروق له أن يصلي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد ذكروا أنّ عبد الله بن الزبير خطب أربعين خطبة لا يصلي فيها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، معتذراً عن ذلك بقوله: (لا يمنعني أن أصلي عليه إلا أن تشمخ رجال بآنافها).

بل بعض كان يتضجر من مجرد سماع اسمه الشريف يُذكَر يومياً خمس مرات في الآذان، مقروناً باسم الله تعالى، حتى قال: (.. وابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله.. لا والله دفناً دفناً)(الصحوة، لصباح علي البياتي: 403).

فإذن المطلوب من المسلم أن يسلم لرسول الله بكل ما جاء به، ومما جاء به الأمر بالصلاة عليه، ومما جاء به أيضاً قضية الولاية، إذ هي المصداق الأبرز الذي يحتاج إلى التسليم والقبول.

ومن هنا فقد ورد عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، في تأويل هذه الآية: (وسلموا الولاية لعلي تسليماً)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (لهذه الآية ظاهر وباطن، فالظاهر قوله: صلوا عليه، والباطن قوله: وسلموا تسليماً، أي: سلموا لمن وصاه، واستخلفه، وفضّله عليهم، وما عهد به إليه تسليماً..)(الإحتجاج للطبرسي: 1/377).

 

وسلم

ومن هنا تظهر لنا أهمية هذه القضية، وهي الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن الله سبحانه لعلمه بالأحقاد التي تكتنف الصدور، وأن هذه القضية لا تنسجم مع أمزجة بعض، أكّدها وأظهر أهميتها بشكل منقطع النظير:

أولاً: من خلال بيان أن هذا الفعل وهو الصلاة يقوم به تبارك وتعالى بنفسه وذاته المقدسة. وثانياً: من خلال طلب التسليم، وعدم المناقشة والاعتراض.

وهنا ملاحظة لا بأس بالإشارة إليها، وهي أننا نلاحظ أن الكثير من علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)  في الغالب حينما يذكرون النبي يكتفون بالقول: (صلى الله عليه وآله)، دون إضافة: (وسلم)، وكأن هذا إشارة منهم إلى ما قلناه، من أن المقصود من الأمر بالتسليم في الآية الكريمة ليس الأمر بالسلام، وإنما الأمر بالانقياد والخضوع.

في حين أن علماء الطرف الآخر يضيفون كلمة: (وسلم) بعد قولهم: (صلى الله عليه)، ومع أن السلام على رسول الله مستحب من دون شك، إلا أن هذا الاستحباب لا يؤخذ من هذه الآية التي أمرت بالصلاة عليه فقط، ويجدر بنا أن نلاحظ أيضاً أن القرآن الكريم صلى على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يسلم عليه، في الوقت الذي سلم على الأنبياء ولم يصل عليهم حيث قال: (سلام على نوح في العالمين) الصافات/79. (سلام على إبراهيم..) الصافات/109.، (سلام على موسى وهارون) الصافات/114.

وهذا لا يعني عدم جواز السلام عليه، أو الصلاة عليهم، وإنما غاية ما ينبغي قوله: إن منزلة النبي في القرآن هي منزلة الصلاة، ومنزلة الأنبياء هي منزلة السلام.

والعجيب من علماء الطرف الآخر أنهم في الوقت الذي أضافوا فيه السلام _غير المأمور به في هذه الآية_ إلى الصلاة، فإنهم حذفوا (الآل)، فكأن إضافتهم للسلام كان تمويهاً منهم على حذف الآل.

إلا أنه قد يُقال لنا أيضاً، إنكم أنتم أيضاً أضفتم ما لم يُذكر في الآية وما لم يُؤمر به فيها، حيث أن الآية لم تأمر بالصلاة على (الآل)، فماذا تقولون؟

وللإجابة عن هذا السؤال نعقد البحث القادم، إذ الإجابة عنه هي جوهر القضية.

يتبع..

11/ ربيع الأول/1440هـ