ذبيح الله عند شاطئ الفرات (2)


 

موقع الإمام الشيرازي

 

لعظمة واستثنائية سيد الشهداء الإمام الحسين ومقامه الرفيع عند الله ورسوله، ولعظمة واستثنائية ملحمة كربلاء والتضحيات الجسام، التي قدَّمها سيد الشهداء في سبيل الحفاظ على المبادئ الإلهية ورسالات الأنبياء، فقد رثي قبل مولده، وبعد مولده وقبل استشهاده، فعن أم الفضل قالت: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والحسين في حجره: (إن جبريل أخبرني أن أمتي تقتل الحسين)(المستدرك على الصحيحين:ج3 ص179 كتاب معرفة الصحابة؛ كنز العمال:ج12 ص123 ح34300، ص127 ح34319).

كما أن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) قد أخبر ما يجري على أهل بيته (صلوات الله عليهم)، جاء في مستدرك الصحيحين (ج 4/ ص 464): روى بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: أتينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج إلينا مستبشراً يعرق السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلا أخبرناه، ولا سكتنا إلا ابتدأنا، حتى مرت فتية من بني هاشم، فيهم الحسن والحسين (عليهما السلام) فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقال: يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه، فقال (صلى الله عليه وآله): (إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد...). ورواه ابن ماجه في صحيحه (ص 309) في باب خروج المهدي.

ومن الأنبياء الذين رثوا الإمام الحسين قبل مولده نبي الله إرميا الذي بكى لمصابه وانتحب، وقد سمّاه قبل ما ينوف على اثني عشر قرناً من استشهاده بـ(ذبيحة الله عند نهر الفرات).

الأمم تسمع حزنها

في نبوءة نبي الله إرميا (عليه السلام) فقرة تتحدَّث عن امرأة تبكي بطلين صَدَمَ أحدُهُما الآخر فسقطا كلاهما معاً، كما في الترجمات التي بين أيدينا اليوم، والتي تقول:

"قد سمعت الأمم بِخِزْيِكِ، وقد ملأ الأرضَ عويلُكِ، لأنَّ بَطَلاً يصدم بطلاً فيسقطا كلاهما معاً".

ولا يمكن أن تكون هذه الفتاة أو (المرأة) هي ابنة فرعون، التي كما يقول هذا النص الذي بين أيدينا، قد سمعت الأُمَمُ بخزيها، (فماذا كانت تصنع يا ترى، حتى توصم بالخزي والعار؟

ثم كيف ملأ الأرضَ عويلها في ذاك الزمان، حيث لا وجود لوسائل تواصل متطورة كما هو اليوم؟

ثم لماذا تبكي كلَّ هذا البكاء الذي ملأ الأرضَ؟

أحقاً كما يقول النص: (لأنَّ بطلاً صدم بطلاً فسقطا كلاهما معاً!).

الواقع التاريخي يُكذِّب ما ورد في هذا النص بالشكل الذي هو موجود في ترجمات "الكتاب المقدس" المختلفة، فإذا كان المقصود اصطدام القوَّتَيْن الوثنيَّتَين آنذاك، فإنَّ القوةَ الأولى المتمثِّلة بفرعون ملك مصر قد صدمته القوة الثانية التي على رأسها نبوخذ نصّر البابلي، فَكُسِرَ فرعون وهُزِمَ، بعد أن تحطَّم جيشه. فكان على هذه المرأة أن تبكي أباها فرعون الذي سقط وخسر المعركة، بينما انتصر خَصْمُه نبوخذ نصّر ولم يسقط.

وعلى فرض أنَّ الاثنين سقطا في المعركة، فكيف تبكي أباها فرعون، وتبكي في الوقت نفسه عدُوَّه نبوخذ نصر الذي سقط معه نتيجة تصادمهما؟

وهذا لا يقبله عاقل يحترم عقله، وهو يبحث عن حقائق الأمور.

ولقد قيَّض الله تعالى مؤخَّراً باحثة مسيحية من بلاد الرافدين، هي اللاهوتية «إيزابيل بنيامين ماما آشوري» التي قامت بجهد كبير لحلِّ لغز هذا النص الوارد في نبوءة إرميا (عليه السلام)، فكتبت:

لقد حزنتُ كثيراً لهذا التلاعب الكارثي – في نصوص الكتاب المقدس – ممّا جعلني أتأمَّل كثيراً في أسباب ذلك. فحدَّثتني نفسي بأن أذهب وأراجع النصَّ الذي يقول: (قد سمعت الأمم بخزيك، وقد ملأ الأرض عويلك، لأنَّ بطلاً يصدم بطلاً فيسقطان كلاهما معا).

فتعجَّبتُ كيف أنَّ الأُممَ تسمع بعويل وبكاء هذه المرأة المقدَّسة، ثم يصفها الكتاب المقدَّس بأن ذلك «خزي».

في هذا النص يوجد شيء مُحيِّر جدّاً، وهو أن هناك إمرأة تبكي بحرقة، وهذه المرأة ليست عادية، لأنها لو كانت كذلك، لما سمع العالَمُ كله عويلها، وهي تبكي على اثنين من الأبطال سقطاً معاً، ولكن النصَّ هنا لا يقول أنهما تعاونا ونصر أحدُهما الآخر، بل يقول: «بطلاً يصدم بطلاً فيسقطا معاً».

وهذا أيضاً لا يستقيم. فقلت لأذهب إلى النصِّ الأصلي. فتناولتُ النسخةَ الآرامية (العبرية)، ويا لهول الكارثة ويا للمصيبة التي تحتار لها العقول.

لم يكن النص هكذا، بل لقد جرى تغييره. وفي الحقيقة لا أعرف الأسباب التي أدَّت إلى تغييره.

والنص في النسخة العبرية يقول ما نصه: ((שמעתי צער אומות، מילא את האדמה בוכה، כי גיבור גיבור קואומו תומך שניהם יחד))

وعند ترجمة النص، من العبرية إلى العربية، فإن المعنى هو كما يأتي:

 قد سَمِعَتِ الأُمَمُ بِحُزْنِكِ، وقد ملأَ الأرضَ بكاؤك، لأنَّ بَطَلاً يَنْصرُ بَطَلاً فَيَسْقُطانِ كِلاهُما مَعاً".

بينما النص العربي الموجود بين أيدينا يقول:

«قد سمعت الأمم بخزيك، وقد ملأ الأرض عويلك، لأن بطلاً يصدم بطلاً فيسقطان كلاهما معاً".

إذن، التحريف وقع في كلمتين «حزنك» وتمّت ترجمتها إلى «خزيك»، وكلمة «ينصر أو يعضد» وتمت ترجمتها إلى «يصدم»!!.

ويذلك، فإن الترجمة "التحريفية" قد قَلَبَتا النصَّ رأساً على عَقِب، فأصبح النص شتيمةً قبيحة، بينما هو مَدْحٌ سماويٌّ لبكاء هذه المرأة وصراخها.

فَمَنْ هُما هذان البطلان؟ ومَنْ هيَ هذه المرأةُ الباكية؟

تقول الباحثة إيزابيل بنجامين آشوري: الآن بعد أن تبيَّن التحريفُ الحاصل في النص الذي أبعده عن معناه وعن مكانه الحقيقي، نقول: أنَّ المرأة الباكية الحزينة التي ملأ بكاؤها الآفاق فأصبح على كل شفة ولسان هي «السيدة زينب بنت على بن أبي طالب».

ويصف النصُّ أن هذه المرأة تبقى بعد سقوط البطلين لا رفادة لها، أي لا سند لها، وهذا وصف مدهشٌ، نظراً لدقته في وصف حال السيدة زينب (عليه السلام) بعد مصرع أخويها الإمام أبي عبد الله الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليه السلام).

وواضح أن عبارة «بطلٌ ينصر _أو يعضد_ بطلاً فيسقطان كلاهما معاً»، تعني أبا الفضل العباس (عليه السلام) الذي كان حامل راية أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) وناصره، فسقط الاثنان شهيدين في أرض المعركة، على أرض كربلاء، دفاعاً عن دين الله ورسالته الخاتمة التي حملها للناس جميعاً جدُّه النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وفي هذا تبيان وتفصيل.

يتبع...

7/ ربيع الأول/1440هـ