الصلاة على محمد وآل محمد (1)


(رحمة وتزكية ودعاء)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

من أهم البحوث التي ترتبط بمكانة أهل البيت (عليهم السلام)، وتبيّن وتظهر مقامهم السامي الرفيع عند الله تعالى هو بحث الصلاة عليهم (صلوات الله عليهم أجمعين).

تلك الصلاة التي أمر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) مفسّراً مراد القرآن الكريم في قوله: (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الأحزاب/56.

ومن خلال حلقات سيعرض هذا البحث مجموعة من القضايا التي تتعلق بهذا الموضوع الحيوي، وسيتضح بعدها للقارئ الكريم الأهمية الكبرى التي يتبوؤها مثل هذا الموضوع.

ذلك أن الكثير من الناس قد يرددون يومياً: (اللهم صل على محمد وآل محمد)، إلا أنهم لا يدركون ما وراء هذه الكلمة، ولا يعلمون الآثار العظيمة التي تترتب عليها، كما أنهم قد لا يتصورون أبعاد هذه القضية وفلسفتها.

 

فضلها

حفظ التراث الإسلامي المئات من الأحاديث والروايات عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) التي تدعو إلى عبادة الصلاة على محمد وآل محمد والمواظبة عليها، لجليل شأنها وعلو منزلتها عند الله (عز وجل)، ولما فيها من بركات عظيمة في الدنيا وجزاء كريم في الآخرة، ومن ذلك:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (مَن صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً، ومَن صلّى عليّ عشراً صلّى الله عليه مائة مرة، ومَن صلّى عليّ مائة مرة صلّى الله عليه ألف مرة، ومَن صلّى عليّ ألف مرة لا يعذبه الله في النار أبداً)(بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج ٩١/ الصفحة ٦٣).

وقال (صلى الله عليه وآله): (مَن ذكرني فلم يصلِّ عليّ فقد شقي، ومَن أدرك شهر رمضان فلم تصبه الرحمة فقد شقي، ومَن أدرك أبواه أو أحدهما فلم يبرّ فقد شقي)(جامع الأخبار/ص 69).

وقال (صلى الله عليه وآله): (مَن صلّى عليّ في كتابٍ، لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب)( منية المريد/ص 71).

وقال (صلى الله عليه وآله): (ما من دعاءٍ إلا بينه وبين السماء حجابٌ حتى يُصلّى على محمد وآل محمد، وإذا فعل ذلك انخرق الحجاب فدخل الدعاء، وإذا لم يفعل ذلك لم يُرفع الدعاء)(بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج ٢٧/الصفحة ٢٦٠).

وروى عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: (الصلاة على النبي أمحق للخطايا من الماء والنار، والسلام على النبي أفضل من عتق رقاب)(. ثواب الأعمال - الشيخ الصدوق - الصفحة ١٥٤).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (من قال بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب قبل أن يثني رجله أو يكلم أحدأ: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صل على محمد النبي وعلى ذريته وعلى أهل بيته، مرة واحدة، قضى الله تعالى له مائة حاجة، سبعين منها للاخرة، وثلاثين للدنيا)(بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج ٨٣/الصفحة ٩٥/٩٦).

وقال الإمام الرضا (عليه السلام): (مَن لم يقدر على ما يكفّر به ذنوبه، فليُكثر من الصلاة على محمد وآله، فإنها تهدم الذنوب هدماً)( أمالي الصدوق ص 45).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): أثقل ما يُوضع في الميزان يوم القيامة الصلاة على محمد وعلى أهل بيته)(بحار الأنوار: ج68 صـ 374).

وعن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله جعفر الصادق عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم، وأحب ذلك إلى الله عز وجل ما هو؟ فقال: (ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة)(المجلسي: محمد باقر/بحار الأنوار ج 226).

إن كثرة وتنوع هذه الروايات المطهرة والأحاديث الشريفة، التي تؤكد الأهمية البالغة للصلاة على محمد وآل محمد، ينبغي أن تحفز المؤمنين لمعرفة معاني (الصلاة على محمد وآل محمد) وأهميتها وما يثار حولها، وفلسفتها، فضلاً عن آثارها الدنيوية والأخروية.

 

معانيها

كلمة (صلاة) معناها في الأصل الدعاء والاستغفار، إلا أنها وبعد مجيء الإسلام أصبحت تطلق على الأفعال والأقوال المخصوصة التي تؤدي بالشرائط المخصوصة، وهي التي يأتي بها المسلمون يومياً خمس مرات (وجوباً)، ولذلك متى أطلق لفظ الصلاة، فإنه لا يتبادر إلى الذهن غير المعنى المذكور، إلا أن تكون قرينة تصرف اللفظ إلى معنى آخر.

ومن معاني الصلاة أيضاً الانعطاف، فمعنى قولنا صلى عليه، أني انعطف عليه، والدعاء هو لون من ألوان الانعطاف والاتجاه إلى الله تعالى، وكذا الصلاة.

ومن خلال هذا المعنى اللغوي يمكن لنا أن نفهم معنى الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) كما ورد في بعض الروايات.

ففي الرواية عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (الصلاة من الله (عز وجل) رحمة، ومن الملائكة تزكية، ومن الناس دعاء..).

وعن أبي الحسن (عليه السلام): (صلاة الله رحمة من الله، وصلاة الملائكة تزكية منهم، وصلاة المؤمنين دعاء منهم له)).

فإذن صلاة الله سبحانه على نبيه (صلى الله عليه وآله) هي نوع من الانعطاف بالرحمة، ومن رحمة الله به أن رفع درجته، ويزيد في مكانته ويبعثه مقاماً محموداً.

وصلاة الملائكة هي عبارة عن انعطاف بالتزكية، والتزكية معناها المدح بمعنى أن هذا الشخص يستحق صلاة الله سبحانه أي يستحق رحمته، وذلك كما يطلب من بعض الأشخاص المتقدمين إلى بعض الشركات والمعاهد الدينية تزكية، بمعنى أنه يطلب إليه أن يأتي بشيء مكتوب من شخص معروف يبيّن فيه (الكاتب) أن ذلك الشخص يستحق دخول الشركة أو المعهد لسلوكه الحسن.

وصلاة المؤمنين أيضاً هي انعطاف منهم بالدعاء لذلك الشخص المصلى عليه.

إذن الصلاة من الله تعالى عن النبي ومعناها الرحمة، ومن الملائكة التزكية، ومن المؤمنين الدعاء له بالرحمة.

ولكن ورد أيضاً أن أبا بصير سأل الإمام الصادق (عليه السلام): (كيف صلاة الله على رسوله؟ فقال: يا أبا محمد، تزكيته له في السماوات العلى).

وبناء على هذا فإن صلاة الله سبحانه على نبيه (صلى الله عليه وآله) هي التزكية، وليست الرحمة ويؤيده ما ذكره المفسر علي بن إبراهيم من أنّ: (صلاة الله عليه تزكية له، وثناء عليه).

إلا أن المشهور هو الأول، كما ذكر المجلسي(قده) ، وسوف يتفرع على ذلك خلاف يتعلق بنوعية الفائدة التي يحصل عليها النبي (صلى الله عليه وآله) بسبب صلاتنا عليه، فهل الفائدة هي رحمة الله له، بمعنى رفع درجته وزيادة منزلته وإبلاغه المقام المحمود، أم الفائدة هي مجرد أنّ الله تعالى يمدحه في سماواته وعند ملائكته، ومن دون أن يترتب على ذلك فيض إلهي معين عليه من قبيل رفع الدرجة؟!

إلا أنه يمكن لنا أن نجمع بين الروايات ونزيل التناقض البدوي بينها بالقول: إن الرحمة أعم من التزكية، بمعنى أن التزكية هي فرد ومصداق من مصاديق الرحمة، فإن من رحمة الله بعبد أن يمدحه ويزكيه، وبهذا تكون الرواية التي فسّرت الصلاة بالتزكية ناظرة إلى المصداق، والأخرى التي فسرت الصلاة بالرحمة ناظرة إلى المفهوم، ولا تنافي بينهما.

ويمكن لنا أن نزيل التناقض المتوهم بطريقة أخرى، وتتم من خلال العودة إلى ما ذكر آنفاً في معنى التزكية، من أن معناها: المدح، وبالتالي بيان أن هذا الشخص يستحق الرحمة ويستحق العطف والتقدير.

ولا غاية لمثل هذا المدح والبيان إلا الحصول على عناية الطرف الآخر وأن يشمل هذا الشخص المزكّى بألطافه.

إذا اتضح هذا، فإن مدح الله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله) في السماوات وبيان أنه يستحق الرحمة والعطف والتقدير، إنما هو مقدمة لشموله بفيضه ولطفه وعنايته (أي برحمته).

كما أن الملك أو الرئيس حينما يريد أن يعين أو يرشح ولياً لعهده، فإنه يقوم بمدحه وتعظيمه من خلال ذكر محاسنه وخصاله الحميدة، وذلك من أجل بيان أن هذا الشخص يستحق خلافتي، وهذا كله مقدمة للتفضيل عليه بالترشيح أو التعيين، ولذلك حينما يرشحه أو يعينه يكون الأمر طبيعياً بالنسبة إلى الناس. وبناء على هذا يكون تفسير صلاة الله على نبيه (صلى الله عليه وآله) بالرحمة، تفسيراً بالغاية، لأن الغاية التي تحصل من خلال الصلاة هي الرحمة.

وبأحد هذين الوجهين يرتفع التناقض المتصور بين الروايات.

يتبع...

3/ ربيع الأول/1440هـ