ذبيح الله عند شاطئ الفرات (1)


 

موقع الإمام الشيرازي

إضاءة:

"قس أوروبي يكشف حقيقة تاريخية ذكرها الإنجيل عن الإمام الحسين"

 

هذا العنوان تصدر العديد من وسائل الإعلام (حصراً شيعية؟!)، قبل أيام، في أثناء أيام زيارة أربعينية ذكرى استشهاد الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). الخبر ذكر أن (الأب مالخاز سونغيو لاشفيلي) وهو (أحد قساوسة جورجيا) أكد أن "العدالة والسلام انتصرتا بتضحية الرجل العظيم الإمام الحسين". وأضاف الأب لاشفيلي قائلاً: "أنا على قناعة مطلقة بأن ذبيح الفرات الذي ذُكِرَ في الإنجيل هو الإمام الحسين عليه السلام". وقال أيضاً: "لقد حضرتُ الى مدينة كربلاء لتقبيل التراب المقدس". انتهى الخبر.

توضيحاً لما تفضّل بذكره (الأب مالخاز سونغيو لاشفيلي) وتفصيلاً لما ورد في كلماته، ننشر مقالاً (بثلاث حلقات) يبين أين ذَكَر الإنجيل الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وهل ذُكِرَ في الإنجيل فقط؟ أيضاً، الكتاب المقدس عند اليهود والمسيحيين، هل اكتفى بذكر الإمام الحسين من رموز واقعة كربلاء؟ أَلَم يذكر حامل اللواء، وبطل عاشوراء، أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب؟! أَوَ لم يذكر حفيدة نبي الإسلام، وبنت بنت رسول الله، السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب؟

==================================

(1)

بشّر أنبياء (الكتاب المقدس) بعهديه (القديم والجديد) أتباعهم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكروا صفاته والإنجازات العظيمة التي سيحققها في الدعوة إلى الله.

كما ذكر أنبياء العهدين أهل البيت، فبشَّروا بهم، وتحدثوا لأتباعهم عن عظيم مقامهم (عليهم السلام) عند الله، وأنهم سيكونون أئمةَ هدى للناس جميعاً، حيث يُعْرَفُ الناجون من الضلال باتِّباعهم لهم، والتمسُّك بإمامتهم التي تهدي إلى صراط الله المستقيم.

فأهل البيت (عليهم السلام) بلغوا في التقوى درجة لم يبلغها أحد غيرهم من الناس، وسَمَوا في الكمال حتى فنوا في ذات الله، فضحُّوا بكل ما يملكون، حتى بأنفسهم، في سبيل الحفاظ على دين الله الحنيف، خالٍ من أي تشويه وتحريف، ولحفظ الأمّة من الانحراف والانزلاق في سبل البدع والضلال.

فكان أن أُريقت دماؤهم الزكية بالسم أو بالسيف، واحداً بعد واحد، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما من نبي ولا وصي إلا شهيداً". وروي عن الإمام الحسن (عليه السلام): "والله، إنه لَعَهْدٌ عَهِدَهُ إلينا رسول الله، أن هذا الأمر يملكه إثنا عشر إماما، من ولد علي وفاطمة، ما منا إلا مسموم أو مقتول". وما الظلمُ الذي تعرَّضت له سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بأمر يمكن للباحث المنصف تجاهله أو تبريره، وهو الظلم الذي وصل شرره الى كربلاء، لتشهد عاشوراء مقتل وارث الأنبياء وسيد الشهداء، الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

 

نسل فاطمة (عليها السلام)

جاء في سنن ابن ماجه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنّ أهل بيتي سيَلْقَون بعدي بلاءً وتشريداُ". وقد أثبتت الأحداث التاريخية صحة ما جاء في هذا الحديث الشريف، كما أنه يتطابق بالكامل مع ما ورد في الفصل الثاني عشر من (رؤيا يوحنا) في (العهد الجديد).

وتحدثت (رؤيا يوحنا) عما ستلقاه المرأة العظيمة (السيدة الزهراء) ونسلها من بعدها من عَنَتٍ وظلم واضطهاد على يد الطغاة والظالمين الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وعملوا بما أملته عليهم أهواؤهم وشهواتهم، تاركين ما قاله الله ورسوله وراء ظهورهم.

ومن يقرأ كتاب «مقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الأصفهاني، يعرف بما لا يعتريه الشك، أن نبوءة سفر الرؤيا التي تقول بأن نسل المرأة العتيدة (السيدة الزهراء) سوف يُضطهَد صحيحة.

ولا يخفى أن القوى الشيطانية والطاغوتية وأصحاب الأهواء والأطماع، متى ما شعروا بهوان حجتهم أمام الحقائق الإلهية الدامغة، فإنهم يلجؤون إلى الحرب عليها، ومحاولة حرفها عن مواضعها لغرض طمسها، ثم اضطهاد أصحابها أو تشريدهم أو التخلُّص منهم بالقتل.

وهذا ما حدث لمولاتنا الزهراء (عليها السلام) ونسلها من بعدها، الذين قال فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق". وقال (صلى الله عليه وآله): "أنا سيد النبيين، وعلي سيد الوصيين، وإن أوصيائي بعدي إثنا عشر، أولهم علي وآخرهم القائم المهدي".

فبعد شهادة رسول الله وأمير المؤمنين وسيدة نساء العالمين والإمام السبط الحسن (عليه السلام)، وفي سنة 61 هـ، جمع الطاغية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أمره وعبَّأ جنده لإطفاء نور الله في أرضه، وذلك عن طريق اجتثاث ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) من على سطح الأرض، فأهل بيت النبوة أولياء الله في أرضه، وحَمَلة راية الحق التي ترعب الطواغيت والمستكبرين.  وهو ما حدث، فقام جيش يزيد بقتل سبط رسول الله، الإمام الحسين مع كوكبة من أهل بيته وصحبه الكرام، قتلوه وهم يعلمون بأن الحسين هو سيد شباب أهل الجنة.

وأبدى الإمام الحسين وآل بيته وأصحابه، في هذه المعركة غير المتكافئة من حيث العدد والعدّة، ضروباً من الشجاعة والتضحية والفداء مالم يُعرَف لها مثيل في تاريخ البشرية قاطبة. كما أبدى يزيد ومناصروه وجنوده صنوفاً من الوحشية والقسوة والجبروت ما يندى لها جبين الإنسانية منذ بدء تاريخها وإلى يومنا هذا. فوقع أبناء فاطمة الزهراء والفئة القليلة معهم من أنصارهم، الواحد تلو الآخر مُضرَّجين بدمائهم الزكية، ومُقطَّعة أوصالهم، شهداء في سبيل الله والأحكام التي بَعَثَ بها أنبياءه ورسله لهداية البشرية وإخراجها من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان والعدل والمعرفة.

وظل الإمام الحسين يقاتل وحيداً ضد جيش كامل من جنود الطاغوت، ولم ينحن ولم يلجأ إلى الهزيمة، وقد أُصيب بجراحات عديدة حتى قال الإمام الباقر (عليه السلام): "أصيب الحسين ووُجِد به ثلاث مائة وبضعة وعشرون طعنة برمح وضربة بسيف أورمية بسهم"، وقيل: "ألف وتسعمائة جراحة". وروي: أنها كانت كلها في مقدمه (عليه السلام).

قالوا: فوقف يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف اذ أتاه حجر فوقع في جبهته، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه، فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره، وفي روايات على قلبه. فقال الحسين: "بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله". ورفع رأسه الي السماء وقال: "الهي، إنك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره".

ولم يكتف جند الطاغوت بذلك، بل أقدموا على ذبحه جريحاً عطشاناً على شاطئ الفرات في أرض كربلاء، واحتزّوا رأسه الشريف ليُقدِّموه على طبق من ذهب ليزيد بن معاوية. وما قتل مولانا الحسين بهذه الطريقة الشنيعة البشعة إلا نموذجاً لما عاناه ومازال يعانيه نسل السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من طواغيت العصور المختلفة.

وعلى الرغم من محاولات طمس الكثير من الحقائق الواردة في نبوءات أنبياء بني إسرائيل، إلا أن ثورة الإمام الحسين وشهادته قد تجلَّت في سِفْرَيْن من أسفار (الكتاب المقدس): سِفْرُ نبيِّ الله إرميا في (العهد القديم)، وسفر رؤيا يوحنا اللاهوتي في (العهد الجديد).

 

لا ذبيح غيره

النبي إرميا (650 – 585 ق.م) أحد كبار أنبياء بني إسرائيل، تنبّأ لمواطنيه بسقوط أورشليم، وقد دعاهم إلى مهادنة البابليين وعدم مواجهتهم، فقاموا باضطهاده إثر ذلك. وبعد سقوط المدينة نجا (عليه السلام) من السبي، فأرغمه بعض مواطنيه على الهرب معهم إلى مصر ثم قتلوه هناك. وللنبي إرميا نبوءات تملأها عواطف الأسى والحزن.

وقال (عليه السلام) بأن اللهَ تعالى قد أطلعه على كثير من الأحداث الهامة التي ستحدث للأمم في المستقبل، فقد ورد في بداية «الإصحاح السادس والأربعين» من سفر إرميا: (كلمة الرَّبِّ التي صارت إلى إرميا النبي عن الأمم).

ويتابع في هذا الفصل (الإصحاح) الحديث عن معركة وقعت في شمال سورية، عند مدينة كركميش (جرابلس اليوم) الواقعة على نهر الفرات عند الحدود السورية التركية، بين فرعون ملك مصر ونبوخذ نصر ملك بابل، حيث انتصر فيها البابليون على المصريين.

وبعد عن أن أخبر بالانتصار الذي حققه نبوخذ نصَّر ملك البابليين عند مدينة «كركميش» على فرعون ملك مصر يقول: (أعدُّوا المِجَنَّ والتُّرْسَ وتقدَّموا للحرب. أسْرجوا الخيلَ واصْعَدُوا أيها الفُرسانُ وانتصبوا بالخُوَذِ. اصقلوا الرماح. البَسُوا الدروع. لماذا أراهم مُرْتَعبين ومُدْبرين إلى الوراء وقد تَحَطَّمَتْ أبطالُهُم وفرُّوا هاربين ولم يلتفتوا. الخَوْفُ حوالَيْهم يقول الرَّبُّ).

وهنا يتحدث إرميا عن معركة كبيرة بين قوتين ضاربتين في عصره حيث انتصرت إحداهما (البابلية) على الأخرى (المصرية). ومن المؤكد تاريخياً أن هذه المعركة بين البابليين والمصريين حدثت في عهد إرميا النبي.

إذن، لم تكن النبوءة عن حدث مستقبلي، أي حدث سيقع في الغيب الزمني، ولكنها نبوءة عن غيب مكاني، أي أن إرميا كان معاصراً لتلك المعركة، ولكنه لم يكن شاهد عيان، بل أُنْبِئَ بنتيجتها عن طريق الوحي. ثم يتابع إرميا تنبُّؤه ليتحدَّث عن حدث يقع في الغيب الزماني والمكاني في الوقت نفسه، فيقول: "الخفيفُ لا يَهربُ، والبَطلُ لا يَنْجو. في الشمال عندَ نهر الفرات عَثَروا وسقطوا. مَنْ هذا الصَّاعدُ كالنيل كأنهارٍ تتلاطَمُ أمواجُها؟ تقدَّمي أيَّتُها الخَي.. ولِتَخْرُجِ الأبطال فهذا اليومُ للسيِّد ربِّ الجنود يومُ نَقْمَةٍ للانتقام من أعدائه، فيأكل السيف ويَشْبَعُ ويرتوي مِنْ دمائهم، لأنَّ للسيِّد الرب القدير ذبيحة في أرض الشمال عند نهر الفرات. اصْعَدي إلى جِلْعادَ وخُذي بَلَساناً أيَّتُها العذراء، لارفادة لك. قد سَمِعَتِ الأُمَمُ بِخِزْيِكِ (بحزنك) وقد ملأَ الأرضَ عَويلُك، لأنَّ بَطلاً يصدمُ بَطلاً فَيَسْقُطان كِلاهُما معاً".

وهو وصف مثير لمعركة طاحنة تنبَّأ بوقوعها النبي إرميا، وفيها سينتقم الله تعالى مِنْ أعدائه انتقاماً شديداً مهولاً. وإذا ما تساءلنا عن السبب الذي سيؤدي إلى هذا الانتقام الإلهي الشديد؟ أجاب نبي الله إرميا قائلاً: "لأنَّ للسيِّد رَبِّ الجنود (الله تعالى) ذبيحة في أرض الشمال عند نهر الفرات".

وتتجلى في هذه النبوءة أربع شخصيات عظيمة سيكون لها دور بارز ومهم في تاريخ البشرية، ومنها شخصية عظيمة لها مكانتها الجليلة عند الله، تم الاعتداء عليها وقتلها ذبحاً عند شاطئ الفرات. فَمَنْ تكون هذه الشخصية العظيمة التي سماها الله (عز وجل) على لسان نبيه إرميا بـ«ذبيحة الله عند الفرات»؟

والواقع أنه لم يُذكر في الكتب المقدسة لدى اليهود والنصارى، ولا في كتب التاريخ التي عنيت بوادي نهر الفرات، من منابعه في تركيا إلى مصبه عند مدينة البصرة في جنوب العراق، أن هناك نبياً من أنبياء الله أو ولياً من أوليائه قد تم قتله ذبحاً على شاطئ نهر الفرات غير ابن بنت رسول الله، وسيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، وبن فاطمة الزهراء (عليهم السلام).

يتبع...

21/صفر الأحزان/1440هـ