انتفاضة جديدة في العراق


 

د. نهلة الشهال

(من لبنان)

موقع الإمام الشيرازي

 

كما القصة في كلّ مكان، وكما تتكرّر كلّ الوقت في العراق: المسؤولون، سواء منهم المركزيون أو المحليون، منشغلون بالوصول الى السلطة وبصراعاتهم عليها وعلى ما تتيحه من نهب، فيما لا كهرباء ولا ماء ولا تعليم ولا شغل..

واحدة أخرى! مطلع الصيف من كلّ عام يصل الضيق بالعراقيين الى حدٍ لا يُحتمل فينفجرون. وهذا العام يصادف هذا الانفجار الذكرى الستين لـ"ثورة 14 تموز" 1958 التي، وإن كانت بدأت بانقلاب عسكري نفذه عبد الكريم قاسم ورفاقه، الا انها سريعاً ما تحولت الى ثورة عارمة اقتلعت النظام الملكي من جذوره، وأذاقت العراقيين طعم الأمل بالاقتراب من تحقيق أحلامهم في إنجاز التقدم الذي يملكون مقوماته.

انتفاضة الجنوب هذا العام، كما في سابقيه، بدأت في مدينة البصرة، عروس الخليج العربي، ونواحيها (والتي صارت أحوالها مرعبة بينما كانت تسمى "فينيسيا" الخليج)، وامتدت الى محافظات ميسان وواسط وذي قار والنجف وبابل وكربلاء والديوانية (بل وحتى إلى بعقوبة في شمال بغداد حيث جرت تظاهرات صاخبة في ديالى). هناك حيث حقول النفط تمتد الى الأفق، يجد العراقيون أنفسهم بلا كهرباء (في مكان تصل فيه الحرارة الى أكثر من 50 درجة في الظل، وفيما شركات جباية خاصة تطالب الناس بدفع فواتيرهم وإلا قطعت عنهم الكهرباء التي تصل - حين تصل - ساعات قليلة في اليوم!)، و بلا ماء نتيجة شحّها أولاً وما يترتب على ذلك من ملوحة شديدة. وعلى ذلك، تتراكم النفايات بلا اكتراث من المسؤولين، سواء منهم المركزيين أو المحليين، وهم جميعاً منشغلون بالوصول الى السلطة وبصراعاتهم عليها وعلى ما تتيحه من نهب. ويجد الناس أنفسهم عاطلين عن العمل في مكان يدرّ إيرادات خرافية، ويمتلك إمكانات اقتصادية مهولة (هنا ينتج نفط العراق بنسبة 80 في المئة، وتقدر عائداته بترليون دولار منذ 2003 وحتى اليوم. والبصرة هي منفذ العراق البحري الوحيد، ويجري تصريف النفط الخام عبر موانئها). وتجاه كل هذا يثار السؤال: ما الأمر؟ يجيب المتظاهرون: الفساد!

المظاهرات سلمية. ولكن الأمور تذهب دائماً في العراق الى حدود قصوى، ويسقط متظاهرون سلميون برصاص الشرطة التي تحاول القمع عسى يخافون فيحجمون! يستدرج ذلك رداً مسلحاً من الناس في منطقة معروفة بتوفر السلاح الفردي فيها بكثرة، وفي منطقة اعتادت على الانتفاضات، منذ زمن قد لا يذكره معاصرو هذا الحراك اليوم، ولكنهم حتماً ما زالوا يعرفون ضحايا القمع المنفلت من كل عقال، والذي تتجاوز قصصه الخيال، مارسه نظام صدام حسين في 1991، بينما كان مهزوماً على يد الأميركان في الكويت. وهو قمع جرى بموافقة ومشاركة أميركية نشطة! كان اسمها "الانتفاضة الشعبانية". وكان عدد ضحاياها أكثر من 300 ألف قتيل خلال أيام. ووصلت الى 15 من 18 محافظة في العراق. فأي إمِّحاء للذاكرة والمنتفضون اليوم هم أخوة وأبناء هؤلاء؟ وأي مرارة في الحلق حينما نتذكر أن الجيش الذي قاتل في الحرب العراقية الايرانية المشؤومة كان مؤلفاً بنسبته العظمى من ابناء محافظات جنوب العراق تلك، الذين دافعوا ببسالة وطنية مستميتة عن بلدهم، وأن المتسلطين على شؤون العراق وأقداره اليوم يحكمون باسم هؤلاء، بفضل التوتير المذهبي غير المنقطع، والذي واجهه الناس منذ سنوات قليلة بشعار رافض له وواعي لوظائفه: "باسم الدين باكونا (سرقونا) الحرامية".

ما دفع الامريكان في 1991 الى تمكين نظام صدام حسين من قمع تلك الانتفاضة هو نفسه ما يحرك اليوم القمع المحلي المسكوت عنه، والتعتيم الاعلامي العالمي المذهل المحيط بأخبار العراق حينما تخص الناس: حقول النفط + الاستعداد للانتفاض لدرجة توسل السلاح و"اسقاط الحكومة". البارحة، قام المنتفضون بقطع طريق البصرة - بغداد بشكل كامل، وكذلك الطريق الواصل الى الحدود الايرانية (معبر الشلامجة)، وبتعطيل مجلس المحافظة المتواري عن الانظار بعد إعلان استقالات بعض أعضائه، وبالهجوم بالأسلحة الرشاشة على حقل نفطي تديره شركة روسية، واحتلاله، بينما جرى إجلاء الموظفين بواسطة المروحيات! قبل البارحة حاولت لجنة تحقيق مرسلة من وزارة الداخلية الحضور الى مكان التظاهر، فطردها الناس ثم أقنعوهم بالرحيل باطلاق النار باتجاههم، فولّوا هاربين.

سقط قتلى في التظاهرات (أولهم كان سعد يعقوب حنوش من البصرة، وهو شاب عاطل عن العمل وكان في تظاهرة سلمية ومطلبية) وهو ما لا يخدم البحث عن حل. كما لا يخدمه الضحك على الذقون والاعلان عن توظيف 200 شخص من أبناء المنطقة في أحد الحقول النفطية. وكذلك التصريحات الرسمية والتسريبات الاعلامية السخيفة عن المشبوهين وأغراضهم، وأنهم "بعثيون" (!) أو انهم مجرد حرامية يسطون على المحولات والخطوط ("القابلوات" كما يسمونها).. وبكل الأحوال فهم ينفذون "مخططاً تقوده واشنطن للإضرار بإيران".. يا سلام!

منظومة الكهرباء الوطنية فقدت ما يقارب 1300 ميغاواط من الكهرباء كانت تزود بها عبر ثلاثة خطوط ضغط فائق آتية من إيران، وهي "ميرساد – ديالى"، و"كرخة – عمارة"، و"خورمشهر – بصرة"، وخطي ضغط عالٍ "سربيل زهاب – خانقين". وهذه توقفت فجأة، ما يسمح بالافتراض أنها وسيلة ايرانية للضغط على الصعيد السياسي فيما تجري مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات في أيار/ مايو الماضي (على الرغم من كل التزوير المشهود ومن قرار اعادة عدّ الاصوات يدوياً!).

41 مليار دولار هي المبالغ التي أنفقت على ملف الكهرباء منذ 2003، وهذا وفق الاعلان الرسمي جداً. وهناك تقديرات ("شبه رسمية" كذلك، تتسرب بفضل المشاحنات بين المسؤولين) بأن ما يقع منها تحت عنوان السرقة المباشرة يتجاوز نصفها.. على الأقل، ويقال أحياناً 30 مليار منها.

وعلى أية حال، فالأكيد أن مشكلة الكهرباء التي تتردى عاماً بعد عام، لم تُحل. وكذلك مشكلة نشاف النهرين العظيمين ومشكلة التعليم والصحة والنقل والسكن والتلوث المريع.. وحدها "المنطقة الخضراء" في بغداد، المغلقة بسياجات لا يمكن اجتيازها حيث الحكومة والبرلمان والسفارات تعيش كما يليق بالبشر!

-------------------------

عينة من الافكار العبقرية للمسؤولين العراقيين

يأتونك عبر المنصات الاعلامية مرتدين دوماً "قاط ورباط" (بدلة وكرافات)، ويكاد القميص ينشق من تحتها من فرط السمنة وازدهار الأحوال، فيما تلمع جلودهم بالمساحيق وشعر الرأس بـ"البريانتين" فوق الصبغات المسوِّدة. أو يظهرون بلباس عسكري مهيب، نظيف ومكوي، وعلى وجوههم علامات الضيق والقسوة بعد التعالي، أو بعمامة تلتف مع قماشها - أياً كان لونه! - ثعابين الاحتيال.. فيما لم يسبق أن وصل العراقيون الى هذا القدر من البؤس الذي يلوح على ثيابهم الرثة المغبرة، وعلى وجوههم الهزيلة من الجوع.. ومما عانوه طوال نصف قرن من بطش وحروب.

خاطب القيادي البارز في "المجلس الأعلى الإسلامي" باقر جبر الزبيدي، الأربعاء، عشائر الجنوب والوسط محذراً من "مؤامرة تجري خلف الباب" تستهدف إحياء مشروع تقسيم العراق، داعياً إياهم الى الاستمرار بمطالباتهم العادلة مع الانتباه لحجم "المؤامرة".. وقال الزبيدي في منشور على صفحته بموقع "فيسبوك" مخاطبا عشائر الجنوب والوسط: "نقف معكم.. مع مطالبكم العادلة في الماء الصالح للشرب وتوفير الطاقة الكهربائية وتوظيف ابنائكم في الشركات العاملة على الاراضي العراقية، كما هو متعارف عليه في كل انحاء العالم، استقطاب الكوادر المحلية وتوظيف ابناء المناطق المتضررة نتيجة الاستخراج"... "لكنني في الوقت نفسه - وهنا اتحدث عن معلومات مهمة - أن الوطن مستهدف، وأن مؤامرة خلف الباب تستهدف احياء مشروع تقسيم العراق تبدأ من صلاح الدين حيث تعمل قوى خفية على دعم الدواعش الذين يسيطرون على مساحات واسعة من حمرين الى مطيبيجة". وأنهى الزبيدي مخاطبته للعشائر بـ"استمروا بالمطالبات وانتبهوا لحجم المؤامرة الكبيرة التي تحيط بالوطن… انني اراها رأي العين وسيأتي الوقت المناسب للحديث عنها".

واعتبر النائب السابق في "ائتلاف دولة القانون" رسول ابو حسنة، أن تلك التظاهرات "مخترقة من حزب البعث المنحل".

وأما رئيس الوزراء حيدر العبادي، فدعا القوات الأمنية الى الحفاظ على أرواح المتظاهرين، وقال إن ما جرى في محافظة البصرة سيخضع للتحقيق.

-------------------------

* رئيسة تحرير السفير العربي

6/ ذو القعدة/ 1439هـ

* ليس بالضرورة أن يتبنى الموقع جميع مضامين المقالات المنشورة.