الإمام المهدي في التوراة والإنجيل (13)


 

موقع الإمام الشيرازي

 

يظهر أنه بعد القضاء على السفياني، ستغضب مراكز قوى الانحراف والاستعمار في العالم، فيجمعون قواهم للقضاء على القوة المؤمنة بقيادة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وهذا ما عبَّر عنه (صاحب الرؤيا) بقوله: «فغضب التنِّين على المرأة وذهب ليصنع حرباً مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا الله، وعندهم شهادة يسوع المسيح»(سفر الرؤيا 12: 17).

والمرأة هنا هي مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)، والأئمّة الأطهار من نسلِها هم الذين حفظوا وسيحفظون وصايا الله، وهم المكلَّفون من الله تعالى بهداية الناس وحفظ دينه، ولذا فإن المُتمسِّك بولايتهم ومنهجهم ناجٍ، والمتخلِّف عنهم ضالّ هالك، فهم أئمّة الهدى وأعلم الناس بكتاب الله وسنّة رسوله.

كما أن عبارة «نَسْلِها الذين يحفظون وصايا الله»، تُفسِّر حديث الثقلين الذي يدعو فيه إلى التمسك بكتاب الله وعترة رسول الله: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي آل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض...».

أمّا «وعندهم شهادة يسوع المسيح» فهذا مما لا شك فيه، فإن السيد المسيح (عليه السلام) قد بشَّر بالإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، كما سيأتي تبيينه لاحقاً، وأيضاً ما ورد في روايات حول نزول عيسى بن مريم (عليهما السلام) في آخر الزمان([1]) حيث سيُصلي (عليه السلام) خلف الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ويشهد له بأنه ولي الله في أرضه، وسيكون الساعد الأيمن له في حروبه في العالم.

ولذا فإن مهمّة عيسى المسيح (عليه السلام) عند نزوله ستكون الشهادة للإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بأنه وليّ الله في أرضه وحجته على خلقه، وسيعمل من أجل إقناع العالم المسيحي بوجوب اتِّباعه، والإيمان بما يدعوهم إليه.

ولقد تحدث صاحب الرؤيا عن عظمة ذلك القائد، الملقب بـ(الأمين الصادق)، والمُعيَّن مِنَ الله والمؤيَّد من قِبَلِه تعالى للقضاء على أعدائه، في معركة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، فقد جاء على لسان (القديس يوحنا) في رؤياه (19) ما نصُّه:

«ثم رأيتُ السماء مفتوحةً، وإذا بفَرسٍ أبيض والجالس عليه يُدعى أميناً وصادقاً، وبالعدل يحكم ويحارب. وعيناه كلهيب نار، وعلى رأسه تيجان كثيرة، وله اسم مكتوبٌ ليس أحد يعرفه إلا هو. وهو مُتسربل بثوبٍ مغموس بدم، ويُدعى اسمه كلمة الله ..

والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض، لابسين بزَّاً أبيض ونقيّاً. ومن فمه يخرج سيفٌ ماض، لكي يضرب به الأمم . وله على ثوبه وعلى فخذه اسمٌ مكتوب مَلِكُ الملوك وربُّ الأرباب ..

ورأيتُ مَلاكاً واحداً واقفاً في الشمس، فصرخ بصوت عظيم قائلاً لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء: هلمَّ اجتمعي إلى عشاء الإله العظيم. لكي تأكلي لحوم ملوك، ولحوم قوّاد، ولحوم أقوياء، ولحوم خيل والجالسين عليها، ولحوم الكُلِّ حرّاً وعبداً صغيراً وكبيراً ..

ورأيتُ الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين ليصنعوا حرباً مع الجالس على الفرس ومع جنده. فقُبض على الوحش والنبي الكذّاب معه الصانع قدَّامه المعجزات التي بها أضلَّ الذين قَبِلُوا سِمةَ الوحش، والذين سجدوا لصورته، وطُرِحَ الاثنان حيَّيْن إلى بُحيرة النار المُتَّقدة بالكبريت. والباقون قُتِلوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه وجميع الطيور شبعت من لحومهم»(الرؤيا 19: 11–12).

هنا يرسم صاحب الرؤيا صورة عن معالم ملحمة حرب عالمية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، ستدور بين قطبَيْن اثنين مختلفَيْن كل الاختلاف في الأهداف والعقائد: القطب الأول ستمثله قوى الكفر والضلال في العالم، مجتمعة تحت زعامة طاغوت جبّار، تم الرمز إليه في هذه الرؤيا بـ«الوحش».

وسيكون إلى جانبه شخصية متلبسة بلباس الدين، ولذا تم التعبير عنها في هذه الرؤيا بــ«النبي الكذاب». والقطب الآخر فسيكون القوى المؤمنة بالله تعالى، يقودها وليُّ الله في أرضه، إذ هيَّأه الله تعالى لدحر قوى الظلم والضلال في العالم، ونشر راية العدل والإيمان في الأرض.

وقد وردت صفات الإمام المهدي المنتظر في هذه الرؤيا كما نصه:

إنه يُدعى بـ «الأمين الصادق».

وبالعدل يحكم ويحارب.

تُقاتل معه الملائكة.

يخرج سيف من فمه يضرب به الأمم.

يتبع...

10/ شهر رمضان/1439هـ


([1]) بحار الأنوار ج52، ص383، ورواه البخاري، في باب نزول عيسى (عليه السلام)، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (كيف بكم إذا نزل عيسى بن مريم فيكم، وإمامكم منكم).