مكافحة الفقر في منهج الإمام علي بن أبي طالب (8)


 

 

السيد مرتضى الشيرازي

موقع الإمام الشيرازي

 

واجبات الفقير ومسؤولياته

هل (على الفقير) أن يستسلم لفقره؟ بل هل (للفقير) أن يستسلم لفقره؟ أم إن عليه واجبات عقلية وشرعية، تكفل له _إنْ إلتزم بها_ الخروج _في المدى البعيد_ من تحت خط الفقر، كما عليه مسؤوليات تحدد إطار وكيفية تعامله مع نفسه ومع الآخرين، ما دام يعيش حالة الفقر والحرمان؟

هذا هو ما تتناوله عناوين هذا الفصل بإيجاز.

 

عليك بالاكتفاء الذاتي

قال (عليه السلام): (ومن فتح على نفسه باباً من المسألة فتح الله عليه باباً من الفقر).([1])

وهذا يعني: لا تسأل ولا تستجد، بل إعمل ثم إعمل، وهذا يُعد من أهم واجبات الفقراء.

 

عفّ عن الحرام

وقال الإمام علي (عليه السلام): العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى.([2])

ان تعفّ عن الحرام والسرقة والغش والخداع والاستجداء والتذلل، هو العفاف وهو زينة الفقر، و(العفاف) يعد من أهم مواصفات الفقراء.

 

تكتم على ضرّك

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): من أبدى إلى الناس ضرّه فقد فضح نفسه.([3])

و(الضر) عنوان عام يشمل (الأمراض) و(الخلافات) و(العداوات) و(النواقص) و(الفقر)

وعلى من ابتلي بالضر، أن يحافظ على كرامة نفسه، فلا يبتذلها عند هذا وذاك، بأن يذكر نقاط ضعفه ونواقصه، أو أن يستجدي الرثاء ويستعطي الأموال، بل عليه أن يسعى لكي يرفع نواقصه، ويعالج ضُرة بالحكمة والعمل الدؤوب والصبر على مشاق الكفاح والنضال من أجل التطور والتكامل.

 

اترك السؤال

وقال (عليه السلام): (خير الغنى ترك السؤال)، فإن (السؤال) ليس إلا (سمكة) تحصل عليها، ثم تعود محتاجاً من جديد، أما لو تركت السؤال وانشغلت بالعمل والكفاح، فإنك تكون قد حصلت على (الشبكة) وعلى مصدر الطاقة المتجدد.

 

اترك الخضوع

وقال (عليه السلام): (وشر الفقر لزوم الخشوع)، فإن (الخضوع) ذل، وهو فقر نفسي يستتبع فقراً مادياً، وشر منه أن يتحول إلى عادة متجذرة في النفس، وهو ما عبر عنه الحديث بـ(لزوم الخشوع).

 

كن قانعاً

وقال (عليه السلام): لا ملك أذهب للفاقة من الرضا بالقنوع.([4])

إن الرضا بالقنوع هو رمز السعادة، وأية ثروة أعظم من ثروة السعادة؟ لذا فإنها المُلك الأعظم.

ثم إن الفاقة والحاجة لا تزول بكثرة الأموال، بل أن كثرة الأموال تزيدها تجذّراً، وتشد الثري إلى الأموال بحبال الجشع، أما الرضا بالقنوع فهو الغنى النفسي الذي يجعلك مستغنياً عن (الماديات) .

ولا يعني ذلك إهمال المال وترك طلب الثروة، بل يعني ألا تكون أسير المال وعبد الثروة، بل كن السيد والحاكم، فامتلك الثروة ثم وجّهها في وجوه الخير، وأيضاً أقنع بما لديك، ولا تطلب الأكثر، عبر سلوك طريق الحرام.

 

ميِّز بين الإسراف والاقتصاد

قال أمير المؤمنين علي( عليه السلام): كلّ ما زاد على الاقتصاد إسراف.([5])

وهذه ضابطة عامة، ومقياس واضح، فإن أحد الضدين قد يُعرَّف بالآخر لأوضحيته وعرفِته، أو لعدم وجود شبهة أو وسوسة أو شبهها فيه .

(والاقتصاد) افتعال من القصد وهو بمعنى (التوسط) دون إفراط أو تفريط ودون تبذير ولا تقتير .

قال السيد الوالد (قدس سره): (وقد يكون الاقتصاد باعتبار الكم وقد يكون باعتبار الكيف، وقد يكون في الأمور المادية وقد يكون في الأمور المعنوية)([6]) .

وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): ما فوق الكفاف إسراف.([7])

والكفاف هو ما يكفي الإنسان بما هو هو، فأن يكون لك داران أو سيارتان _مثلاً_ وكان يكفيك أحدهما، فإن الأكثر إسراف.

ومن الحكمة تنويع الدوالّ على المقاييس والضوابط، كي يهتدي بكلٍ منها جماعةٌ.

 

إعمل لصالح الأسرة

وعن الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنّه قال: ما غَدْوة أحدكم في سبيل الله بأعظم من غدوته يطلب لولده وعياله ما يصلحهم.([8])

وهذان جناحان بهما تستقيم شؤون المجتمع: جناح الجهاد وجناح الاكتفاء الذاتي وإصلاح الأوضاع المعيشية للأسرة والعيال.

 

إِسعَ لكن بدون حرص وشراهة

عن الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): عجبت لمن علم بأنّ الله قد ضمن الأرزاق وقدّرها، وأن سعيه لا يزيده فيما قدر له منها، وهو حريص دائب في طلب الرزق.([9])

(السعي لطلب الرزق) مقتضي، وليس علة تامة، والأمر لله من قبل ومن بعد، وقد أمر بطلب الرزق، لكن دون إفراط ومبالغة في الطلب ودون حرص شديد غالب، وعليه: أطلب الرزق، لكن بوسطية واعتدال، ودون حرص يؤدي إلى اقتحام المحرمات وبدون دؤوب يسبب ضياع الحقوق والواجبات.

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): أجملوا في الطلب، فكم من حريص خائب ومجمل لم يخب.([10])

والظاهر أن الأمر (اجملوا) للإرشاد، لا لأن مقياس الأمر الإرشادي هو (ما ذكر فيه التعليل)، كما قيل([11])، بل للظهور العرفي والقرائن المحيطة والإجماع على أن الحرص بما هو هو، من غير ارتكاب الحرام، ليس بمحرم، فتأمل.

وتكفي العلة التي ذكرها الإمام عليه الصلاة والسلام، باعثاً للإنسان كي يجمل في الطلب!

وعن الإمام علي (عليه السلام): ذلّل نفسك بالطاعة، وحلِّها بالقناعة، وخفّض في الطلب،وأجمل في المكتسب.([12])

 

والجوهر هو:

1 - (طاعة الله تعالى) وذلك في إطار العلاقة بالخالق.

2- و(القناعة) في المعيشة _لا في الأعمال الصالحة والحسنات_، وذلك في إطار حاجات الإنسان، وأما العلامة لذلك والوسيلة أيضاً، فهي أن تخفِّض من الطلب، وأن تعتدل في الاكتساب والمكتسب.

 

عليك بقلة الرغبة والإجمال في الطلب

وقال الامام علي (عليه السلام): ستة يختبر بها دين الرجل: قوّة الدين، وصدق اليقين، وشدّة التقوى، ومغالبة الهوى، وقلّة الرغب، والإجمال في الطلب.([13])

و(الدين) له اطلاقات، بعضها أعم من بعض، ومنها ما بفقده يخرج عن الإسلام، ومنها ما لا يخرج، ومنها الواجب، ومنها المستحب، ومنها مراتب الكمال([14]).

وهذه الرواية تشير إلى القسم الثاني([15])، والسر في قوله (عليه السلام): (يختبر بها دين الرجل) أن (قلة الرغب) و(الإجمال في الطلب) يكشف عن التوكل على الله من جهة([16])، ويدل على تقيّده بكسب المال من حله.([17])

و(الرغب) قد يراد به الرغبة في الحرام، فالقِلة هي بلحاظ مجموع الحلال والحرام، وقد يراد به الرغبة غير المتعارفة أي الشره والحرص والتكالب على الدنيا.

 

تعامل مع ما أتاك وما لم يأتك، بحكمة

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): خذ من الدنيا ما أتاك، وتَوَلَّ عمّا تولّى عنك، فإن أنت لم تفعل، فأجمل في الطلب.([18])

والظاهر أن الإمام عليه الصلاة والسلام يشير إلى التقسيم الثلاثي في التعامل مع الأموال والثروات وغيرها، وهو:

1- ما أتاك من الدنيا فخذه، ولا تعرض عنه كما يعرض الرهبان والدراويش.

2- ما تولى عنك فأعرض عنه، ولا تقتحم حتى المحرمات للوصول إليه.

3- ما لا يأتيك بطبعه ولم يكن مقدراً لك بدون سعي، وما لا يتولى عنك بطبعه، وليس مقدراً لك بنفسه، فاطلبه لكن بإجمال وحكمة، ومن غير حرص وشدة.

 

اطلب حظك لكن بإجمال

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الدنيا دول فاطلب حظّك منها بإجمال الطلب.([19])

وإذا كانت الدنيا (دولاً) تتداول وتتحول من قوم إلى آخرين، بين فترة وأخرى وحين وآخر، فعلى المرء إجمال الطلب، بأن يطلبها في سوانح الفرص، فيترصدها ويحسن استثمارها، وبأن يتوقف عن طلب ركوب قطار فات أو السعي لركوب حصان مات.

 

طيّب مكسبك

عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من سرّه أن تستجاب دعوته فليطّيب مكسبه.([20])

و(طيب المكسب) مفهوم عام يستبطن الدلالة على نوعين من الكسب:

1- الكسب عبر الطرق المشروعة([21])، وتجنب الحرام.

2- الكسب عبر الطرق المعلومة([22]) وتجنب الشبهة.

وإذا طيّب الإنسان كسبه من الجهتين، استجيبت دعوته، لجهات منها: جهاده نفسه، ولذلك أجر، ومنها: انه إن طيّب مكسبه طهرت روحه ونفسه وبدنه، لذا فإن دعوته تخترق الحجب وتستجاب

 

تحلّ بالصبر الجميل

وجاء في حديث مناهي النبي (صلّى الله عليه وآله) عن الإمام علي (عليه السلام) قال (صلّى الله عليه وآله): من لم يرض بما قسمه الله له من الرزق، وبثّ شكواه ولم يصبر ولم يحتسب، لم ترفع له حسنة، ويلقى الله وهو عليه غضبان إلاّ أن يتوب.([23])

إن (الصبر) على قسمين: الصبر الإيجابي والصبر السلبي:

أما الصبر الإيجابي، فيعني التحمل والجلد بدون صخب أو عتب، ومواجهة المخاطر والمصائب بنفس قوية وبرباطة جأش وطمأنينة نفس.

وأما الصبر السلبي: فيعني الجمود والركود والاستسلام وعدم السعي للتغيير في الحدود المشروعة العقلائية، وهذا الصبر مرفوض.

وتأسيساً على ذلك، فعلى الفقراء وذوي الدخل المحدود: التحلي بالصبر الإيجابي الفعال، والابتعاد عن الصبر السلبي القتّال.

 

لا تسئ الظن بالله ولا تجحد الحقوق ولا تقتّر

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): كان فيما وعظ لقمان ابنه أنّه قال: يا بني، ليعتبر من قصر يقينه وضعف تعبه في طلب الرزق إنّ الله تعالى خلقه في ثلاثة أحوال من أمره وأتاه رزقه ولم يكن له في واحدة منها كسب ولا حيلة، أنّ الله سيرزقه في الحال الرابعة.

أمّا أوّل ذلك: فإنّه كان في رحم أمّه يرزقه هناك في قرار مكي،ن حيث لا برد يؤذيه ولا حرّ، ثم أخرجه من ذلك وأجرى له من لبن أمّه ما يربيه من غير حول به ولا قوّة، ثم فطم من ذلك فأجرى له من كسب أبويه برأفة ورحمة من تلويهما، حتى إذا كبر وعقل واكتسب لنفسه ضاق به أمره فظن الظنون بربِّه وجحد الحقوق في ماله وقتّر على نفسه وعياله مخافة الفقر.([24])

إن (الماضي) هو مرآة المستقبل، في الأفراد والشعوب والأمم.

وإذا كان ماضيك كله _كما أوضحه هذا الحديث_ قد تكفله الله الخالق سبحانه وتعالى، فلماذا تظن الظنون بربك لمستقبل أمرك؟ ولماذا تجحد حقوق الله تعالى التي افترضها عليك في مالك _ولست إلا معطياً بعض ما أعطاك_ ولماذا تقتّر وتضيق على نفسك وعيالك؟ أ ليس ذلك كله من ضعف اليقين ومن الجهل بحقائق الأمور؟

إذن:

1- إياك أن تظن الظنون بربك.

2- إياك أن تجحد الحقوق المفترضة عليك في مالك (من خمس وزكاة، ونفقات وصلات).

3- إياك أن تقتّر على نفسك وعيالك مخافة الفقر، وأن تكنز الأموال لتتضخّم حساباتك في المصارف (البنوك) يوماً بعد يوم، ولتعيش أنت وأهلك محروماً من نعمة أنعمها الله عليك لتهنأ بها.. أوليس ذلك مثل من يخبئ سيارته في المرآب (الكراج) ولا يستعين بها، خوف أن تستهلك أو تعطب؟

 

اطرق أبواب الرزق الشرعية أو القانونية

وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته لابنه محمد ابن الحنفية:

يا بنيَّ، إيّاك والاتّكال على الأماني _إلى أن قال_ يا بني، الرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك فإنْ لم تأته أتاك، فلا تحمل هم سنتك على هم يومك، وكفاك كلّ يوم ما هو فيه، فإنْ تكن السنّة من عمرك، فإنّ الله عز وجل سيؤتيك في كلّ غد بجديد ما قسم لك، وإن لم تكن السنّة من عمرك، فما تصنع بغمِّ وهمِّ ما ليس لك؟ واعلم بأنه لن يسبقك إلى رزقك طالب، ولن يغلبك عليه غالب، ولن يحتجب عنك ما قُدِّر لك، فكم رأيت من طالب متعب نفسه مُقتَّر عليه رزقُه، ومقتصدٍ في الطلب قد ساعدته المقادير، وكلٌّ مقرون به الفناء، اليوم لك وأنت من بلوغ غد على غير يقين.([25])

والحديث يتموج بالحِكَم والمواعظ، ومنها:

إنه _وَتأسيساً على تلك الحِكَم_ على الإنسان:

أولاً: أن يطلب الرزق في إطار القانون الشرعي إن كان متشرعاً، وإلا ففي حدود القوانين الفطرية والعقلائية والإنسانية.

ثانياً: أن يتحلى بهدوء الأعصاب والسكينة والطمأنينة ورباطة الجأش، إن ألَمَـَّْت به نازلةٌ أتت على ثروته، أو فاجأه حدث قضى على حاصل سنين من جهوده، وأتعابه وأعماله وكدحه وسعيه.

هذا. وفي كلام الإمام علي صلوات الله عليه حِكَم ودروس وعِبَر، لا تقدّر بثمن وتحتاج إلى كتابة دراسة خاصة، فلنعطها حقها من التدبر والتفكر ولنحولها إلى نبراس يضيء لنا الدرب طوال أيام العمر.

يتبع...

23/رجب الأصب/1439هـ


([1])  كنز الفوائد: ج2 ص 193.

([2]) كنز الفوائد: ج2 ص 193.

([3])  كنز الفوائد: ج2 ص 194.

([4])  كنز الفوائد: ج2 ص 194.

([5]) غرر الحكم: ج2 ص 85 الفصل الثاني والستون ح73.

([6]) - الفقه: الاقتصاد/ ج107 من موسوعة الفقه ص 7-8.

([7]) غرر الحكم: ج2 ص 259 الفصل التاسع والسبعون ح13.

([8])  دعائم الإسلام: ج2 ص15 الفصل الأول ح9.

([9]) غرر الحكم: ج2 ص38 الفصل الرابع والخمسون ح31.

([10]) غرر الحكم: ج1 ص149 الفصل الثالث ح61.

([11]) فصلنا الحديث عن ذلك في كتاب (الأوامر المولوية والإرشادية).

([12]) غرر الحكم: ج1 ص366 الفصل الثاني والثلاثون ح40.

([13])  غرر الحكم: ج1 ص397 الفصل التاسع والثلاثون ح82.

([14]) – فصل المؤلف الحديث عن تعدد الإطلاقات بشكل عام وعن تعدد إطلاقات (الدين) و(أصول الدين) في (فقه الاجتهاد والتقليد) مباحث أصول الدين – كما توجد مباحثه في موقع مؤسسة التقى الثقافية m-alshirazi.com، في ضمن بحوث الخارج لعام 1434هـ.

([15]) ما لا يخرج عن الدين به وأيضاً: المستحبات ومراتب الكمال.

([16]) هذا بناء على الإطلاق الأعم للدين.

([17]) وهذا بناء على الإطلاق الأخص، بل الأعم منهما معاً.

([18]) نهج البلاغة: قصار الحكم 393.

([19])  كنز الفوائد: ج1 ص61 (في ذكر الدنيا)، أعلام الدين: ص173.

([20]) مستدرك الوسائل: ج13 ص27 ب10 ح2، عن الجعفريات: ص224.

([21]) (المشروعة) أعم من المحللة بالدليل أو بالأصل.

([22])  المعلومة أي المحللة بالدليل.

([23]) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص7 ب1 ح1.

([24])  بحار الأنوار: ج100 ص30 ب2 ح54.

([25])  من لا يحضره الفقيه: ج4 ص275 ب176 ح10.