في ذكرى انطلاق الحرية في العراق


 

محمد الأديب

موقع الإمام الشيرازي

 

سياسيو العراق ما بعد 2003، وهم من داخل العراق وخارجه، قدّموا ما عندهم، نجحوا في أشياء وفشلوا في أكثر، لكن ما عندهم يؤكد أنه لم يكونوا وليس لهم ما يؤهلهم لإسقاط صدام، أبداً، ولا الشعب كان قادراً على ذلك، شعب العراق بطوليّ ومِقدام ومضحّي لكنه كان مُنهَكاً بأثقال خمسة حروب، إحداها دامية على مدى ثمان سنوات ضارية، وكان الشعب مخترقٌ بعضُه بعضا، وفي بغداد يقبع وحشٌ كاسر، أنيابه تمتد إلى كل بيت وشارع وقرية ومدينة، وكانت أشدّ وجعاً على الشعب من صدام نفسه. كما أن دول الجوار العراقي والإقليمي والدولي، عموماً، لم تكن مع إسقاط صدام، لاعتبارات عديدة، منها تتعلق بالبلدان ذاتها، كما أن كثيراً من الدول كانت تنتفع من نفط العراق الذي يبيعه صدام سراً.

اليوم، هل نحن في وضع أحسن، بالتأكيد نحن في وضع أحسن، وفي مجالات عديدة، وأحسن ما عليه العراق اليوم أنه تخلّص من عبأ تاريخيّ مُتخم بالطغيان وصناعة الطاغية، صدام وما قبله والى قرون غابرة، ولم يكن ذلك العبء تاريخاً فقط، بل كان  سلوكاً مبرراً وربما مألوفاً أو حتى طبعاً متوارثاً. في العراق اليوم ليس فقط لا يمكن أن يكون فيه طاغية، بل أصبح الطغيان والتسلط والتفرّد عيباً وقد كان بطولة "لك هذا محد يگدرله"، حتى مجرد التصفيق لفاسد أو فاشل أصبح منقصة بعد أن كان "يمعود صفگ وإچّفه الشر هيه ظلت علينا" "يابه دصفگ هيه كله صبغ وكلاوات".

أهم ما في العراق اليوم، انكشافنا على حقيقة انتمائنا لأفكارنا، هل هو فعلاً انتماء أم "حشرٌ مع الناس عيد" أو "على حسْ الطبل خفّنْ يا رجليه"، ثم ما مدى صلاحية تلك الأفكار!. أحصوا ما بعد صدام، ليس في العراق فقط، كم "فكرة عظيمة!" تحجمت أو تبدلت أو حتى سقطت. وكم فكرة من نمط "معقول؟! يمعود شنو هذا تخبّل؟! والله هذا بطران! راح تنگلب الدنيا!" كم من هذه الأفكار أو السلوكيات أضحت اليوم تُستذكَر بـ"صدگ چنه متقشمرين" "شفت طلعت كلها كلاوات" "بشرفك على شنو العالم راحت وشي تعلكت والدگ يشتغل عليها" "والله چنه نايمين". أصنام سقطت وأفكار، وستسقط، وأفكار ستولد ثم يولد غيرها، فلا سكون مع الحرية ولا جمود، ولا حدود للأفكار ولا حدّ للأحلام، والعراقيون على طريق الحياة. بعض ما عندنا يحتاج إلى تغيير أو تأهيل أو إلغاء/شطب، وعموماً في العراق اليوم التغيير كبير ومتسارع، وأكثر مما هو متوقع، لأن العراقيين يفتخرون بأنفسهم ومواقفهم ويفاخرون ببلدهم لكنهم لا يترفعون عن انتقاد أنفسهم وربما بقسوة، ولا يترددون كثيراً في الشروع بالتغيير، وصلتهم بالحياة راسخة، وإذا ما خبتْ بفعل قاهر أو وقع دامٍ فإنها سريعاً ما تتوثب وتنمو وتتوهج، لذلك دائماً هم أفضل مما هو متوقع.

أما الفساد الفظيع والفشل الكارثي، وقد انكشف عنه بأبعاده المتعددة وجذوره الضاربة، فهو تشخيص مرضٍ قديم ينخر بنا، وهذا المرض ليس كالأمراض، فهو خطيرٌ إذا ظل في أخبية النفس، أما علاجه فسهل جداً، فما أن تكشف عنه وتلوحه أشعة الشمس، حتى يبدأ الاستشفاء منه، هذا فقط ولا أكثر، فإن التلقائية الكامنة في نفوس البشر تقتضي ذلك، فقط يحتاج الإنسان إلى حرية ليُساق (من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب) إلى الأفضل ثم الأفضل.

* من العراق

22/رجب/1439هـ