المشهد الزينبي الشريف


(من كتابات الإمام الشيرازي الراحل)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

إن حرم السيدة زينب (عليها السلام) كسائر المقدسات لها احترامها الخاص، واللازم على الإنسان أن يراعيه، ولاشك أن فائدة هذا الاحترام يعود إلى الإنسان نفسه بخير. وهكذا الأمر بالنسبة إلى احترام القرآن الحكيم، وأضرحة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام) وذويهم، وكتب الأحاديث، وما أشبه ذلك. وهناك آثار كثيرة وكبيرة تترتب على هذا الاحترام..

يجب أن تكون منطقة الزينبية _مثل سائر مراكز المعصومين (عليهم الصلاة و السلام) وذويهم، كالسيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) في قم المقدسة، وبعض البقاع المطهرة في القاهرة، وما إلى ذلك_ مركزاً للإشعاع الروحي، بالهداية والتبليغ والإرشاد، حتى يشعٌ إلى العالم منها الخير والفضيلة والعلم والتقوى.

فاللازم أن تكون هناك المكتبات العامة والخاصة، ومراكز لإرسال المبلغين، ومجالس دينية للإرشاد والوعظ طول السنة وخاصة في أيام المواسم، والحسينيات العامرة بالشعائر الحسينية، والمدارس والحوزات العلمية والدينية، والمساجد التي تقام فيها الجماعات، ومراكز لاستضافة الطلاب المسافرين من مختلف بلاد العالم، وكل ذلك بالمستوى اللائق.

كما أن وجود الحوزة العلمية التي أسسها الأخ الشهيد(1) (رحمه الله) تصلح أن تكون نواة لمثل ذلك، إن ربيت فيها على ذلك تربية مناسبة. فان من أهم الواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهداية الآخرين، وإن كان من الواضح أن صلاح العالم بأجمعه وإصلاحه بالمستوى المطلوب إنما يكون على يد الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) ولكن هذا لا يعني ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أشبه من الوظائف التبليغية، فان (ما لا يدرك كله، لا يترك كله)(2) و(الميسور لا يسقط بالمعسور)(3). وقبل ذلك قال القرآن الحكيم: [فاتقوا الله ما استطعتم](4).

فاللازم لمثل هذا الأمر شيئان:

الأول: مؤسسة أو هيئة أو جمعية تعنى بهذا الشأن.

والثاني: تجار أخيار يبذلون المال في سبيل ذلك، كما يمكن جعل أوقاف خاصة لهذا الأمر، فإن الوقف من أهم الموارد الرابحة لإدارة أمثال هذه المشاريع المباركة.

وقد ذكرنا بعض الكلام في ما يرتبط بالمشاهد المشرفة وما ينبغي لها من مختلف الأمور المعنوية والمادية في كتاب (مشهد الإمام الرضا والحضارة الإسلامية)(5).

إن العالم المادي، وإن كان ينال في الحال الحاضر القسط الأكبر من الاهتمام، إلا إن المادة وحدها لا تكفي لملئ فراغ الإنسان الذي خلق من روح ومادة، ولذا نجد أنه كلما أوغلت الدنيا في المادية يبقى الإقبال على الروحانية والمعنوية، وكثيراً ما يكون آخذاً بالتقدم على قدم وساق ولله الحمد.

فمن كان يظن قبل "أربعين" عاماً أن تتكوّن حول مقام السيدة زينب (عليها السلام) حوزة علمية فيها المئات من رجال الدين من مختلف الجنسيات، ومن مختلف أنحاء العالم، وهذه الكثرة من المدارس والحسينيات وما إلى ذلك، ببركة هذه السيدة الجليلة (عليها السلام). نعم.. ( ما كان لله ينمو وما كان لغير الله يخبو)، وما ذلك على الله بعزيز.

----------------------------------

(1) هو سماحة آية الله الشهيد السعيد السيد حسن الشيرازي (قدس سره) (1354 ـ 1400هـ). قضى قسطاً كبيراً من عمره الشريف بين سجن وتعذيب ونفي وتشريد، وذهب الى ربه مضرَّجاً بدمه شهيداً على تراب لبنان. وهو مؤسس أول حوزة علمية في دمشق باسم الحوزة العلمية الزينبية عام 1393هـ 1973م، وأسس العديد من المشاريع الخيرية في سورية ولبنان. وله العديد من المؤلفات.

(2) حديث شريف، وقاعدة فقهية معروفة، راجع (موسوعة الفقه: كتاب القواعد الفقهية) للإمام المؤلف. وفي بحار الأنوار: ج56 ص283 ب25 (بيان). وفي غوالي اللئالي: ج4 ص58 ح207.

(3) قاعدة فقهية مشهورة، راجع (موسوعة الفقه: كتاب القواعد الفقهية) للإمام المؤلف. وفي بحار الأنوار:ج81 ص101 ب12 ح2 (بيان). وفي غوالي اللئالي: ج4 ص58 ح205: وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يترك الميسور بالمعسور).

(4) سورة التغابن: 16.

(5) يقع الكتاب في 64 صفحة من الحجم المتوسط، ويشتمل على المباحث التالية: الالتفاف حول المعصومين (عليهم السلام)، بين ائمة أهل البيت والأمويين والعباسيين، المراقد المقدسة وملايين الزائرين، من وظائف الحاكم الاسلامي، من واجبات الأمة الاسلامية، توسيع المشهد المقدس، توسيع المدينة وتجميلها، تكثير مراكز الثقافة والوعي، ترفيع مستوى الإعلام… انتهى سماحة الإمام المؤلف من تأليفه في قم المقدسة بتاريخ 24 ربيع الثاني 1416هـ وقام بطبعه مركز الرسول الأعظم (ص) عام 1418هـ 1998م.

 

15/رجب/1439هـ