الحرية في مدى أبعد


(من كتابات الإمام الشيرازي الراحل)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

ينبغي أن يراعي القانون عواطف الناس ويماشي مذهب ودين كل طائفة، بحسب معتقداتهم وما جرت عليه تقاليدهم، بشرط أن لا يكون ذلك خلاف مصلحته الشخصيّة، ولا خلاف مصلحة الجماعة، لأنه إذا تعارضت المصلحتان قدمت الثانية على الاُولى، وذلك من جهة قانون الأهم والمهم، أو قانون لا ضرر، أو لأن مصلحة الفرد ـ بالأخرة ـ في مصلحة الجماعة، أو لغير ذلك.

وهذه المماشاة مع المعتقدات والعواطف البشرية هو الذي راعاه دين الإسلام، ولذا سنّ قانون الإلزام وما أشبه ذلك: من إقرار الناس على عقائدهم وعدم اكراههم على عقائد غيرهم.

وكما أن للإنسان حق الحريّة في كل شيء، وأقرّ له الإسلام ذلك، باستثناء ما فيه إضرار نفسه أو إضرار الآخرين، من المأكل والملبس، والمسكن والمركب، واختيار الزوج والكسب، وأشياء اُخر، كذلك يتطلب الحريّة في عقيدته وشريعته، ولذا أقرّ له الإسلام ذلك، فقرّر له الإنتخابات، حيث قال سبحانه: (وأمرهم شورى)(الشورى، الآية: 38). وفوّض إليه اختيار مرجع التقليد، والقاضي، وإمام الجماعة، ومن إلى ذلك.

وقد أشار القرآن الحكيم إلى إمضاء هذه الحريّة العقيدية والتشريعية في الإسلام، حيث قال سبحانه: (لا إكراه في الدين)(البقرة، الآية: 256). وقال تعالى: (كل امرء بما كسب رهين)( الطور، الآية: 21). وقال سبحانه: (لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً)(المائدة، الآية: 84). وقال تعالى: (ولو شاء اللّه لجعلكم اُمّة واحدة)(النحل، الآية: 93).

وكما يكون من الخطأ: اجبار الناس على توحيد أزياء ملابسهم، وتوحيد مأكلهم، ومشربهم، وخصوصيات مسكنهم، وأعمار زوجاتهم وأزواجهم، وأوقات عملهم و فراغهم، وألف شيء وشيء آخر من التصوّرات التي هي خلاف الطبيعة والفطرة البشرية.

كذلك يكون من الخطأ: إجبار الناس ليكونوا كلهم على قانون واحد، وقد فشل في هذا المجال كل من حاول من الحُكّام توحيد الناس في اللباس ونحوه فشلاً ذريعاً.

بل إنّ الكون الفسيح ليعدّ من أبهى جماله وكماله: التلوّن والتشكل بأشكال مختلفة، وألوان متميّزة، فهل من الصحيح أن يقول أحد: بأن من أن الأفضل توحيد أشكال الفواكه وطعومها وألوانها ومزاياها، وذلك بأن لا تكون فاكهة اطلاقاً إلا التفّاح، بل والتفّاح أيضاً - بما فيه من أشكال وألوان وخصوصيات ومزايا مختلفة - يكون من نوع واحد فقط؟

إنّ من حكمة اللّه البالغة ورحمته الواسعة أنْ (أعطى كلّ شيء خلقه ثُمَّ هَدى)(طه، الآية: 50). فكل محتاج إلى اللّه ـ بلسان التكوين ـ أعطاه اللّه تعالى حقّه: الماء العذب والمالح، والتراب والذهب، والفاكهة المرّة والحلوة والحامضة وغيرها.

وحتى الأنبياء (عليهم السلام) فضّل بعضهم على بعض، وفي آية اُخرى: (اُنظر كيف فضّلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً)(الإسراء، الآية: 21).

كذلك ليس من الصحيح جعل القانون للكل ـ إجباراً ـ على لون واحد، ولذا انتقد الفقهاء حكّام بلاد الحجاز في جبرهم الناس على الصلاة أوّل الوقت ـ ممّا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وآله ولا خلفائه ـ وفي جبرهم الناس على الصلاة، خلف إمام واحد في المسجد الحرام ومسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، مع ان الأمر لم يكن من قبل كذلك، بل كان لكل جماعة الحق في أن يصلّوا بإمام خاص لهم، في نفس المسجدين، في أول الوقت أو في غير أوله.

 

11/ جمادى الآخرة/1439هـ