نقد الهِرمينوطيقـــــــــــــا (33)


نقد الهرمينوطيقـــــــــــــا ونسبية الحقيقة والمعرفة واللغة

 

السيد مرتضى الشيرازي

موقع الإمام الشيرازي

2

بعض مكامن الخلل في نظرية كانط المعرفية والفلسفية

 

كانط والزمان والمكان

 

إن أقوال كانط التالية: (إن الذهن الإنساني يمنح الظواهر، بحكم خواصه، صوراً وأشكالاً، بحيث...) و(يسبغ الذهن...) و(كل شيء يتصوره الإنسان يتصوره في ظرف الزمان والمكان) و(الزمان والمكان ليس لهما وجود خارجي..)، يلاحظ عليها: أنها كلها أحكام ودعاوى بلا دليل، بل إن الدليل قام على خلافها كما يظهر ذلك من مباحث الوجود الذهني ومباحث مناط الصدق في القضايا ومباحث الجوهر والعرض، والانتزاعي والحقيقي وشبهها، ونشير إلى أن (القوة المتخيلة) هي التي لعلها لا تتصور الشيء إلا في ظرف الزمان والمكان([1])، أما (القوة المتعقلة) فهي قادرة، ولذا (يتعقل) الملايين من الناس (الله حق) بدون زمان ومكان، ولذا (تعقل) الفلاسفة وكثير من العلماء (المجردات)، نعم قد لا يمكن (تخيلها) بقوة الخيال، كما لا يمكن (الإحساس) بها، بالحواس.

ثم إن الزمان والمكان لا دليل على أنه ليس لهما وجود خارجي؛ بل الوجدان يشهد بأن المكان ليس أمراً موهوماً وكذا الزمان، وكما تقبل شهادة الوجدان في الأشكال والألوان وفي العلية والمعلولية _كما قبل كانط هذه الشهادة_ كذلك تقبل شهادته في الزمان والمكان، بل نقول: من الناحية العلمية والفلسفية فإن (الزمان) إما هو البعد الرابع([2])، أو هو مقدار الحركة([3])، أو غير ذلك وعلى أي تقدير، فإن الزمان والمكان، هما أمران حقيقيان غاية الأمر أنهما من المعقولات الثانوية، وليسا اعتباريين أو متوهمين؛ أي ليسا ذهنيين محضين.

ومما يشهد لذلك أنه لا يمكن أن (يعتبر) الإنسان النهار ليلاً، أو الليل نهاراً، أو يتوهمه كذلك، أو أن يعتبر أو يتوهم (السنة) في الكرة الأرضية هي 465 يوماً أو هي 265 يوماً، أو أقل أو أكثر من ذلك. ثم إن من البديهي أن (الزمان والمكان) ليسا (كيفيتين للذهن)([4]) بل لهما واقع، والذهن إنما هو مرآة كاشفة عنهما.

وقد اتضح أيضاً خطأ قوله (ذهن الإنسان بمقدوره أن يجرد الأشياء عن مختلف عوارضها، إلا الزمان والمكان، فإنه لا يمكن تصور أي أمر أو أي شيء للإنسان، منفصلاً عن الزمان والمكان... إن الزمان والمكان شرط واجب لتصور الأشياء).([5])

والجواب أن الذهن بمقدوره أن (يتصور) المعاني الجزئية بلا زمان ولا مكان، ألا ترى أن الحديث إذا كان عن معنى (الحب) أو (البغض) و(العداوة) وغيرها بقول مطلق، وتصورناها بذاتها، لم نتصور لها زماناً ولا مكاناً، نعم إذا تحدثنا عن حب وبغض شخصي (كحب زيد للدراسة، أو لأبنائه) كان تصوره مقترناً بالزمان والمكان، بل قد يفارق صنف هذا التصور المكان بل والزمان أيضاً، كما لو درسنا ظاهرة (حب الإنسان لأبنائه) وحقيقتها وآثارها، من وجهة نظر علم النفس أو علم الاجتماع، مع قطع النظر عن الماضي أو المستقبل.

ويدل على ذلك أيضاً أن الرياضيات غالباً ما يكون تصورها مجرداً عن الزمان والمكان، على عكس ما يصرح به من أنهما أيضاً لا يمكن تصورهما بدون زمان ومكان ـ ألا ترى أننا نتصور واحداً زائد واحد، ونحكم بأنه يساوي اثنين، دون تصور ذلك في زمان خاص أو مكان خاص، بل مع قطع النظر عنهما بالمرة.

ولا داعي لإطالة نقد كلامه حول الزمان والمكان، لعدم ارتباطه بصميم البحث، والظاهر أنه خلط بين (تصور الشيء منفكاً ذلك الشيء عن الزمان والمكان) وبين (وقوع كل تصور في زمان ومكان)([6])، هذا كله إضافة إلى أن (الصور والأشكال) أمور واقعية وليست أموراً غير موجودة إلا بعد أن يعطيها الذهن، وجودها، كما قال. كما أن الظاهر أن (الحواس تقدم للذهن مادة المعلومات وصورها أيضاً)، لا المادة فقط كما زعم.

 

كانط وقانون العلية والإمكان

وقد اتضحت أيضاً مكامن الخلل في قوله (قانون العلية من صنع عقولنا)، فإن (العلية) من المعقولات الثانية الفلسفية، التي الاتصاف بها في الخارج والعروض في الذهن، والتي هي موجودة بوجود منشأ انتزاعها.

بل إنه يناقض نفسه بذلك، بل إذا كان (قانون العلية) من صنع عقولنا، فلنا أن نعتبر المعلول علة والعلة معلولاً وأن نعتبر وجود (النار) معلولاً لضوئها، وضوؤها ونورها علةً لها؛ كما سيكون لنا أن نعتبر الثلج علة الحرارة والإحراق، والنار علة البرودة والتجمد.

اللهم إلا أن يريد من (قانون العلية) خصوص الحتمية في صدور هذا المعلول من علته (كصدور الإحراق من النار)، كما لعله ظاهر قوله بعد ذلك (وليس واضحاً أن علاقة العلة بالمعلول في عالم الحقيقة، علاقة الضرورة والوجوب) وذلك كأن يرى أن الله تعالى _مثلاً_ هو العلة الحقيقية، وأن (النار) علة مجازية أو (يتقارن) الإحراق والإنارة والحرارة _عادة_ مع وجودها، وإذا كان مراده هذا، فإنه غير بعيد، وقد أشار إليه احد فلاسفة المسلمين:

(وهل بتوليدٍ أو إعدادٍ ثبت أو بالتوافي عادة الله جرت)، إلا أن مراده لو كان هذا، فإنه سيكون نقاشاً (صغروياً) مصداقياً([7])، ويبقى عليه: أنه هل يرفض أصل قانون (العلية) ويراها مطلقاً من صنع العقل، فحتى خالق الكون([8])، ليس بالضرورة علة لمخلوقاته؟

إن ذلك مما يكذبه الوجدان بالضرورة والبداهة.

على أنه لو تمّ لنقض كلامه هذا، كلامه السابق؛ إذ كيف تيسر (لذهنه) أن ينفذ إلى بواطن كل الأشياء (ماديات ومجردات) وحتى لله تعالى ليحكم بـ(قانون العلية من صنع عقولنا)؟

وبعبارة أخرى: لو قصد من (وليس واضحاً...) إنكار قاعدة (الشيء ما لم يجب لم يوجد وذلك بسد جميع أبواب العدم) فقد أوضح المتكلمون، ضرورة هذه القاعدة، نعم النقاش صغروي، وأن الشيء هل (يجب) بإيجاب الله تعالى، له أو (يجب) حتى بإيجاب العلل الطبيعية له؟

وبعبارة أخرى: إذا لم تكن علاقة العلة والمعلول في عالم الحقيقة، هي (علاقة الضرورة والوجوب)، لكانت بلا ريب أما علاقة الاستحالة أو الإمكان، والإستحالة بديهية البطلان، وإلا لما صدر الإحراق عن النار أبداً.

أما علاقة الإمكان، فإن قصد أن العلاقة بينهما حتى مع تدخل العامل الفوقي ـ وهو الله تعالى مثلاً ـ هو الإمكان، أي قصد أنها مهما حدث وأية شروط وظروف وعوامل تصورناها فإن (الإحراق) قد لا يصدر (عن النار)، بل حتى (عند حصول النار)، فإنه يمكن أن تصدر البرودة من النار، حتى لو ثبتّنا كل العوامل والشروط والظروف بما فيها إرادة الله تعالى، وإذا كان ذلك كذلك، للزم أولاً: ترجح الشيء بلا مرجح، وهو محال؛ إذ نسبة الشيء الممكن لطرفيه، هي على السوية، وما دامت العوامل الخارجية أجنبية، فإن حدوث أحد طرفيه، يعني الترجح بلا مرجح.

وللزم ثانياً: أن يكون كل شيء (بما فيه كل العلل حتى الفوقية) أجنبية عن كل شيء، ولا توجد بينها علاقة أيضاً، وللزم صحة صدور كل شيء من كل شيء، وللزم حتى في الرياضيات التي أذعن بصوابيتها وصحتها، (إمكان) أن يخلق الذهن فروضاً رياضية أخرى معاكسة، كأن يخلق (الدائرة)، بحيث تكون نسبة مركزها، لكافة نقاط محيطها، كنسبة مركز المستطيل لأضلاعه، وهو مما لا يمكنه قبوله، وعلى أي حال فإنه لو التزم بـ(الدوام) و(العِندية) دون (الضرورة) و(العلية)، لما استطاع التخلص من هذه الإشكالات، بل حتى (الدوام) لا يمكنه الإلتزام به عندئذٍ، إذ (الحس) لا يدرك إلا الجزئيات، أما (التعميم) فشأن (العقل) ومع إنكار قاعدة العلية، لا تبقى للعلم قاعدة يتمسك بها للتعميم.

 

كانط والذوات الثلاثة

ويتحدث "كانط" عن الذوات الثلاثة (أي النفس، والعالم، والله) والتي تفرعت عنها العلوم الثلاثة: "Psychologie, وهو علم النفس, وCosmologie, وهو علم الكون أو الكونيات, وTheologie, وهو علم اللاهوت".

ويقول: (إن هذه الذوات: لا يمكن أن تدرك بالعقل النظري، كما لا يمكن إثباتها؛ لأن العقل محدود بالتجربيات التي هي ظواهر فيخرجها تحت القاعدة والنظام ويجعلها معلومة)([9])، وباختصار: إنه ينكر (إمكان التصور) كما ينكر إمكان البرهنة وصولاً لـ(التصديق).

لكن يردّه: ـ إضافة إلى ما سبق ـ أنه يستدل على وجود الخالق تعالى، ببرهان إبطال التسلسل ويقول: (إن العقل ينتقل من المعلول للعلة، لكنه يرى أن العلة هي معلولة بدورها، فيصل للتسلسل، لكن عقل الإنسان لا يقبل التسلسل، ويرى ضرورياً انتهاء السلسة إلى مبدأ وإلى علة ليست بمعلولة). فليس العقل محدوداً بالتجربة إذن([10])، وقد أمكن إدراك بطلان التسلسل بالعقل النظري فكيف لا يمكن إثبات تلك الذوات أو إدراكها بالعقل النظري؟

كما ينقضه أن نفس هذين الحكمين (لا يمكن إدراك الذوات بالعقل النظري) و(لا يمكن إثباتها به) هما حكمان للعقل، وقد أدركهما العقل، وقد حكم بهما على الذوات.

كما يرد عليه أنه استدل ببرهان نظري (لأن العقل محدود بالتجربيات..) بل الواقع أنه استدل بمدعى آخر _هو محدودية العقل وكأنه أخذه أصلاً مسلماً، مع أن منطلق كل مباحثه التشكيك فيما يقوله العلماء والفلاسفة الآخرون من المسلمات والبديهيات_ على مدعاه الأول، ولم يبرهن هذا المدعى الآخر ـ على أن برهانه لا يعقل أن يكون إلا العقل لا التجربة، لأن (السلب) لا يقع تحت التجربة، فعدم إمكان الإدراك والبرهنة، وعدم قدرة العقل على إدراك غير الأشياء المجربة والتجربيات، هي أحكام للذوات، حكم بها العقل، من غير أن يكون قد وصل للحس مظهر أو ظاهرة من الظواهر العدمية للذات. ولا تسمح لنا هذه العجالة، بالتطرق لنقد كلامه حول (تنازع الأحكام) و(تناقضها) وجدلياتها الأربعة.([11])

كما لا نتطرق لكلامه حول مناقشته للبراهين الثلاثة لإثبات وجود الله، وإلتزامه بأن (العقل لا طريق له إلى إثباته) بل لابد من طريق آخر، ولعلنا نبحث ذلك كله وغيره في أجزاء أخرى بإذن الله تعالى.

 

المقولات الأربع لدى كانط

كما أن من نظريات "كانط" المعرفية (هذه الوجوه, أي المقولات الأربعة، في القضايا، هي مما وجدها العقل لديه، ولم يحصل عليها من التجربة)([12])، (وهي مفاهيم ذهنية مطلقة) و(معلومات قبلية), وهي:

في (الكمية):  أ- الوحدة([13])، ب- الكثرة([14])  ج- الكلية (أي الكل)([15]).

وفي (الكيفية):  أ- الإيجاب،   ب- السلب،    ج- الحصر.([16])

وفي (النسبة): أ- الذاتية والعرضية، ب- العلية والمعلولية، ج- المشاركة أو المقابلة.([17])

وفي (الجهة):  أ- الإمكان والإمتناع، ب- التحقق الإيجابي أو السلبي، ج- الوجوب أو الإمكان.

وقال: (عرفنا أن الحس يتلقى التأثيرات الواردة عليه وينظمها وينقلها للوجدان، (أو ويجعلها وجدانية أو يخرجها ويظهرها للوجدان) والعقل يركب الوجدانيات مع بعضها ويحكم، كما أننا في قوة الحس، ميزنا الوجدانيات التجربية والبعدية، عن الوجدانيات القبلية أي الزمان والمكان، كما شاهدنا في قوة العقل مجموعة من المفهومات القبلية (المقولات)، وهي كأنها قوالب يقوم العقل، بصب نتائج التجربة المتشتتة، فيها ويعطي تلك المواد المتشتتة صورة).

و(لو لاحظنا التعاقب الدائمي لأمرين، حدث عندنا تصور العلية) (وإذا لوحظ شيء في كل الأوقات، فهو الوجوب) و(إن أحكام العقل حول مواد العلم أي الوجدانيات، كائنة تحت قواعد معينة لا مناص لقوة الفهم إلا من إتباعها، ولا يستطيع الذهن التحرر منها، وهي قضايا ذهنية وقبلية وهي أسس العلم... وتلك القواعد هي المقولات الأربعة الأصلية)، و(علم الإنسان هو وجدانيات حصلت للإنسان عن طريق الحس، والذهن يعطي صورة لتلك الوجدانيات، على حسب مقتضى شرائط هي ذاتية له، يعني يخرجها بصورة ظواهر تكون مدركة لنا، ولا يتيسر للإنسان إلا معرفة هذه العوارض (أو الظواهر) المعرفية وإن فهمنا لا طريق له للوصول إلى معرفة ذوات المعقولات، وأما العوارض (الظواهر)، فإنها تعرف لأن نفس ذهن الإنسان يخلقها (أو يصنعها) ويقولبها.

بعبارة أخرى: كل ما ندركه، فإنه مصنوع في ذهننا، ولا نعلم بواقع نفس الأمر، بعبارة أخرى: عقلنا يفرض قوانينه على الأمور، أي بدل أن ينطبق على الحقيقة، فإنه يجعل الواقع تحت قوانينه والتي هي مقتضى ذاته، إذن: العالم الذي ندركه هو مصنوع لعقلنا.. مثلاً رابطة العلة والمعلول، كما شرحنا، مصنوعة للعقل، ولا يعلم أنه في عالم الحقيقة هل ترتب المعلول على العلة واجب؟).([18])

 

نقد نظرية (المقولات الأربع)

وإن الباحث المحقق يجد في كلماته هذه، وجوهاً من الخلط، والعديد من الأخطاء، نشير إلى بعضها فقط، فنقول: إن الأحكام تختلف لدى ملاحظة عالم الثبوت والواقع، عما لو لوحظ عالم الإثبات والذهن. وبعبارة أخرى: تارة يكون الحديث عن (القضايا الفكرية) وأخرى يكون عن (الحقائق الخارجية)، فإن كان الحديث عن (القضية) بما هي (قضية) فإن أحكام القضية تعد من المعقولات الثانية المنطقية ـ وهي ما كان الاتصاف والعروض كلاهما في عالم الذهن ـ([19]).

وعلى هذا فإن كافة أحكام القضية بما هي قضية تكون من المعقولات الثانية المنطقية، وليس تلك المقولات الأربع فقط([20])، وذلك مثل صدق القضية وكذبها، بل حتى مثل كونها برهاناً أو جدلاً أو خطابةً، أو حتى قضية هامة أو لا؟

والحاصل: أنه لو أراد([21]) أن العلاقة بين كل قضية وأخرى([22]) _أو بين أجزاء القضية_ قد تكون علاقة العلية والمعلولية، أو علاقة إمكان الربط والإمتناع، أو علاقة السلب والإيجاب، أو علاقة الوحدة والكثرة الخارجية، فذلك غير خاص بهذه الأربعة التي ذكرها([23]).

توضيحه: إن مقولاته الأربع والتي قسمها إلى إثني عشر نوعاً، هي ناقصة غير كاملة، وقد ذكر علماء المنطق الأقسام الكاملة للمقولات وسنشير لها بعد قليل؛ وسيلاحظ القارئ الكريم أن الذهن يصوغ قضاياه ليس في الأطر الإثني عشر التي حددها كانط، بل في أطر أخرى أيضاً، فإن القضية إما حملية أو شرطية، والشرطية إما منفصلة أو متصلة) (وهي التي عبر عنها بـ(النسبة) بين الموضوع والمحمول وأنها إما حملية أو شرطية أو منفصلة).([24])

ثم إن أقسام القضية كلها، إما موجبة أو سالبة، وهي إما محصلة أو معدولة (وهو ما أشار إليه بـ"الكيف")([25])، وهذه ذكرها علماء المنطق من قبل أن يذكرها هو.

 

أقسام لم يذكرها كانط

لكن يبقى أن أقسام القضية باعتبار الكم هي أربعة وليست ثلاثة كما ذكر، وهذه الأقسام هي الشخصية، الطبيعية، المهملة([26])، والمحصورة([27])، بل لدى الدقة، فإننا نجد أنه لم يشر إلى (الطبيعية)([28]) ولا إلى (المهملة)، بل أشار فقط إلى (الشخصية) وألى قسمي (المحصورة)، وهما المسوّرة بسور الكلية والمسورة بسور الجزئية، مع أن (المهملة) من أكثر القضايا تداولاً.

كما أن هناك تقسيماً آخر، لم يشر إليه، وهو أن الحملية تنقسم إلى (الذهنية)([29]) و(الخارجية) و(الحقيقية)([30])، والفرق أن (القضية الخارجية) لوحظ فيها وجود الأفراد في أحد الأزمنة الثلاثة، أما (الحقيقية) فقد (فرض فيها) الوجود وإن لم يوجد في أحد الأزمنة الثلاثة أصلاً، أي كلما فرض وجوده، وإن لم يوجد أصلاً، فإنه داخل في الموضوع ويشمله الحكم. كما أنه في (جهة القضية) اقتصر على الجهات الثلاث المعروفة: الوجوب والإمكان والإمتناع.

ولم يلتفت إلى أن (الموجهات) إما بسيطة وإما مركبة، وأن البسيطة لها أقسام كثيرة أهمها ثمانية، وأصولها أربعة وهي: الضرورة والدوام والفعل والإمكان، ولكل منها أنواع([31])، وأن المركبة([32]) لها أيضاً أقسام كثيرة، والأكثر نفعاً منها ستة.

كما أنه خلط بين الجهات الذاتية (الوجوب والإمكان والإمتناع) والجهات الخارجة عن الذات (أي الفعلية) ولذا ذكر في (جهة القضية)، أنها (ما احتمالية أو تحققية أو ضرورية)،([33]) مع أن (الاحتمال) عائد لمرحلة الإثبات و(التحقق) عائد لمرحلة الثبوت، ومرتبط بالوجود والوقوع، لا الذات، و(الضرورة) ترتبط بالذات، ونظيره بعض كلماته الأخرى.([34]) كما أن هنالك مقولات عديدة أخرى يجدها العقل لديه وليس بالضرورة أنها تحصل بالتجربة، وذلك مثل المتواطئ والمشكك ومثل الكل والجزء والكلي والجزئي وأيضاً (الأشكال الأربعة) وغيرها أيضاً، فتأمل.

وقد ظهر مما مضى أن (الذهن) ليس مجبراً على التحرك في إطار تلك المقولات الأربع التي ذكرها، بل إن له خيارات أخرى، منها (الاهمال) كما سبق من (القضية المهملة) وهي من أشد القضايا تداولاً في العلوم، وعلى الألسنة، ولا يقصد بالمهملة أنها مهملة في ذاتها أو غير مفيدة، بل يقصد أن (سورها) قد أهمل فلم يصرح أنها كلية أو جزئية مع كونها محتملة للأمرين.

هذا كله إضافة إلى أن الذهن، ليس (مجبراً) على الإلتزام والعمل على طبق هذه المقولات، بل هو (يراها) كذلك، وله أن يقلب أحدها إلى الآخر، ومعه قد يجد أنه قد وقع في الخطأ، مما يدل بدوره على محورية الواقع الخارجي لا الذهن، وأن الذهن إن طابقه فصحيح حكمه، وإلا فلا.

هذا. إضافة إلى أن (الذهن) في هذه المقولات الأربع، لا يقوم بعملية استقلالية، بل هو في ذلك كالمرآة العاكسة للحقائق الخارجية؛ فإن الذهن إن وجد أن المحمول ثابت في الخارج لفرد واحد، صاغ ذلك (قضية شخصية). وإن وجده ثابتاً للكل، صاغها قضية كلية... وإن رأى الارتباط بين الموضوع والمحمول وثبوته له ـ صاغها قضية موجبة وإلا فسالبة. وإن رأى وثاقة الارتباط بحيث لا يمكن التفكيك بالنظر لذات المحمول والموضوع، عرف أنها (واجبة) وصاغها كذلك.

وسيأتي تفصيل ذلك بإذن الله تعالى.

4/ جمادى الآخرة/1439هـ

 


([1]) كما أن عملية التصور نفسها تتم في الزمان، أما القوة المتعقلة فبناء على تجرد العقل، فإن ما يقوم به أيضاً مجرد من الزمان والمكان، وكان لابد من إضافة هذه الحاشية، لأن قوله (يتصوره في ظرف الزمان والمكان) يحتمل أحد الأمرين:

1- إن ما تصوره، أي متعلَّق التصور هو زماني، أي في زمانٍ، أي يتصوره الذهن مع زمانه، وهذا هو ظاهر كلامه والذي أشرنا لجوابه في المتن.

2- إن نفس التصور هو زماني أي عملية التصور تتم في الزمان وإن كان المتصور مجرداً، وهذا ما أشرنا إليه في هذه الحاشية.

([2]) وكما أن الأبعاد الثلاثة موجودة كذلك البعد الرابع.

([3]) ولذا يختلف الزمان باختلاف الحركة، وكما أن الحركة موجودة كذا معلولها ووليدها.

([4]) بل إذا كانا كيفيتين، فإنهما كيفيتان لكل الأشياء، لا للذهن فحسب.

([5]) سير حكمت در اروبا: ج2، ص210.

([6]) وقد سبق التنبيه عليه وتوضيحه في الحاشية، كما جرى بعض الحديث عن الزمان في مبحث آخر فليلاحظ.

([7]) لكن الظاهر أن نقاشه كبروي وأنه يرفض أصل قانون العلية، لا بعض المصاديق، وهذا ظاهر من تلك العبارة بوضوح.

([8]) سواء إلتزم بأن خالق الكون هو الله تعالى، كما هو كذلك، أم ذهب إلى أنها الطبيعة أو غيرها.

([9]) سير حكمت در اروبا, ص231.

([10]) إذ استحالة التسلسل أمر لا تمكن تجربته أبداً.

([11]) وقد أشار إليها في (سير حكمت در اروبا: ج2، ص233-236).

([12]) سير حكمت در اروبا: ج2، ص217-218.

([13]) مثّل له بـ(عماد خطاط جيد).

([14]) مجموعة من الناس خطاطون جيدون.

([15]) كل الناس يموتون.

([16]) مقصوده من الحصر، القضية المعدولة كـ(النفس لا ميتة)، مقابل السالبة المحصلة كـ(النفس ليست ميتة) ـ حسب أمثلته.

([17]) هذه الثلاثة بحسب ص218 من سير حكمت در اروبا، وفي صفحة 217 ذكر أن المراد من النسبة: أن القضية إما حملية، أو شرطية، أو منفصلة.

([18]) المصدر السابق, ص225.

([19]) إذ لا توجد (قضية) في الخارج، بل القضايا كلها في الذهن (والمراد من القضية الجملة المفيدة)، كما أن من البديهي أن الاتصاف والعروض كليهما في الذهن.

([20]) بل إن بعض تلك الأربعة، هو من المعقولات الثانية الفلسفية، لا المنطقية، وبعضها من المعقولات الأولى كما سيأتي.

([21]) كما هو ظاهر قوله (هذه الوجوه في القضايا...) فتأمل.

وكما هو ظاهر ذكره الإيجاب والسلب والحصر، وهي خاصة بالقضايا، لكن يرد عليه أن مساق الكلام عن الحقائق الخارجية لا عن القضايا، كما أن الأمثلة التي نقلناها عنه سابقاً في الهامش، كـ: (عماد خطاط جيد ــ كل الناس يموتون)، هي أمثلة عن حقائق خارجية، كما أن ذكره للوجوب والامتناع، وللعلية والمعلولية، والذاتية والعرضية، دليل على أن البحث عن العلاقة بين الحقائق الخارجية. والظاهر أن كلامه مشوش ومضطرب، وأنه خلط بين القضايا وبين الحقائق الخارجية، فتأمل.

([22]) وأما لو أراد أن العلاقة بين الحقائق الخارجية، هي إحدى هذه الأربعة، فسيأتي تفصيلاً بعد صفحات، لكن نقول هنا إنه يرد عليه: أنها ليست كلها ذهنية ومعقولات ثانية منطقية، بل كثير منها (كالعلية والمعلولية، والوحدة والكثرة والإمكان والوجوب) معقولات ثانية فلسفية، فقوله (هي مفاهيم ذهنية مطلقة) خطأ، والذي يبدو لي إنه حدث عنده خبط وخلط بين عالم الثبوت وعالم الإثبات وعالم الذهن وعالم الخارج، إذ هو يصرح بـ(هذه الوجوه في القضايا)، كما أن مجمل بحثه عن إرتباط المحمول بالموضوع، لكنه في ثنايا كلامه يبحث عن الحقائق الخارجية، ويثبت ما أقرّه للقضايا، للخارج، فتدبر جيداً.

([23]) ثم إن هذه المقولات، قد ذكرها علماء المنطق كافة، وليس كما زعم من أنهم لم يذكروها بل أبتكرها هو يقول كانط: (القدماء قالوا: العقل يرفض قبول  التناقض، واعتبروا ذلك أساس التعقل، وهذا حق، لكن هذه القاعدة حكم تحليلي، ونحن نبحث عن الأحكام التركيبية وعلينا أن نعرف أسسها..) ثم ذكر المقولات الأربع فراجع ص223 سير حكمت در اروبا، هذا مع قطع النظر عن عدم صحة إدعائه، (بأن إمتناع إجتماع النقيضين، قضية تحليلية) إذ التحليلية عنده ما كان المحمول مأخوذاً في حد الموضوع، و"(التناقض) محال" ليس المحمول وهو (محال) مأخوذاً في حد الموضوع وهو (التناقض)، بل هو أمر تدركه العقول بلحاظ (نسبة الوجود للعدم مشروطاً بالشرائط الثمانية المعروفة) وهو ما يعني التناقض.

([24]) سير حكمت در اروبا: ج2، ص217-218.

([25]) المصدر السابق.

([26]) المهملة: ما لم يبين فيه كمية الأفراد، لا جميعها ولا بعضها، كـ(الإنسان في خسر) و(العاقل لا يظلم) و(المؤمن لا يعصي) و(العدل أساس الملك) ولعلها ـ ثبوتاً ـ كلية، كما يحتمل كونها جزئية.

([27]) المحصورة: وهي المسوّرة وتنقسم إلى قسمين: الكلية والجزئية كـ(قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) "سبأ:13" و(بعض الناس علماء).

([28]) الطبيعية: ما كان الحكم فيها على الطبيعة من حيث هي كلية، كـ(الإنسان نوع).

([29]) وهي ما كان موضوعها في الذهن فقط كـ(كل اجتماع للنقيضين، فإنه مغاير لاجتماع المثلين) و(شريك الباري ممتنع).

([30]) لم يشر (كانط) إلى (الذهنية)، كما أنه لم يفرق بين (الخارجية) و(الحقيقية)، أو لعله لم يلتفت إلى خصوص (الحقيقية).

([31]) ولم يشر (كانط) إلا إلى بعضها.

([32]) الموجهات المركبة: ما انحلت إلى قضيتين موجبة وسالبة، مع التوافق بالكم، كـ(الوجودية الضرورية)، كقولك (كل مصلٍّ يتجنب الفحشاء بالفعل) أو (كل ماء سائل بالفعل)، وهي (مطلقة عامة) أي دالة على أن النسبة واقعة بالفعل، أي في أحد الأزمنة الثلاثة، سواء كانت ضرورية أم لا، دائمة أم لا، لذا تضيف (لا بالضرورة) وهي المسماة (الوجودية اللا ضرورية).

([33]) سير حكمت در اروپا: ج2، ص217.

([34]) راجع كلماته في المصدر السابق, ص218.