فيه خير الدنيا والآخرة


(من كتابات الإمام الشيرازي الراحل)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

الفضائل والرذائل تتقسم على الأعضاء، فللسان الصدق والكذب، وللعين الطهارة والخيانة، ولليدين العمل والبطش.. وللقلب الطيب والخبث. وهناك فضيلة تدعى بـ(حسن الخلق) تعم جميع المشاعر، ويقابلها سوء الخلق، وهو أيضاً عام، ولا يخص حاسة أو عضواً.. يسري في جميع جهاز البدن، سريان الروح في الجسد الحي. وغالباً يسعد الإنسان بهذه الفضيلة أكثر من سواها، فالصدق والأمانة والحياء وحسن النية.. وما إليها، لا تجلب صديقاً ولا تنقص عدواً، أما الخلق الحسن فهو وحده كفيل بجلب أكبر عدد ممكن من الأصدقاء!!

وقد امتنَّ الله على نبيه بهذه الموهبة الأخاذة، حيث يقول: (فبما رحمة من الله لنت لهم..)(آل عمران/159). إنها حقيقة رحمة، رحمة لهم، وله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أما لهم فقد أنجاهم من العذاب الذي كان يحرق دنياهم، ويفسد آخرتهم، وأما له فقد حصل له من الأتباع، وحسن الذكر، ومثوبة الهداية، ما لم يكن يحصل له لولا اتصافه صلوات الله عليه وآله بهذه الأخلاق، قال تعالى (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك...)(آل عمران: آية 159).

وهكذا ينقلب العدو صديقاً، بينما سوء الخلق بالعكس من ذلك، فكثيراً ما يبدل الصديق عدواً، وأية صفة أغلى من تلك؟ وأفضع من هذه؟ ويرشد القرآن إلى هذه النقطة المهمة في قوله: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)(فصلت: الآية 34). لكن هل هذا صنع كل أحد، كلا وكلا: (وما يلقاها إلا الذين صبروا). ليس هذا فحسب (وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيمٍ)(فصلت: الآية 35). إنه حظ عظيم حقيقة، وأي حظ أكبر مما يجعل المناوئ ودوداً، والعدو حميماً.

وسوء الخلق زمام كل شر، إن سيئ الخلق يكذب ويغضب، ويسب ويلعن، ويحقد ويضرب، يكلح وجهه ويمنع رفده، فكل إحسان أحسنه، وكل خير فعله إلى الناس، يتلاشى أمام خلقه السيئ، ولنفرض أنه أعطى درهماً لفقير ليكتسب وده، إنه بسوء خلقه وعبس وجهه، يقلبه عدواً، أو لنفرض أنه جلب لزوجته ما يرضيها، لكن سوء خلقه _سرعان_ ما يكدر الصفو، ويورث العداوة.

يقول الإمام الرضا (عليه السلام): (قال رسول الله: الخلق السيئ يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل)(الكافي: ج2، ص322، دار الكتب الإسلامية ـ طهران) فالعسل الحلو يصبح حامضاً بالخل، وكذلك العمل الحلو يصبح حامضاً بسوء الخلق!

في حسن الخلق خير الدنيا، من صداقة الناس، وسؤدد، وعيش هنيء.. والآخرة، من نعيم، وحور، وولدان، ولم لا يكون فيه خير الآخرة، والله يحب صاحبه؟. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن جبرئيل الروح الأمين، نزل عليّ من عند رب العالمين فقال: يا محمد، عليك بحسن الخلق، فإنه ذهب بخير الدنيا والآخرة، ألا وإن أشبهكم بي أحسنكم خلقاً)(بحار الأنوار: ج64، ص387).

والطابع العام للمسلم هو حسن الخلق، فمن لا يحسن خلقه، لا يكون مسلماً! قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (خصلتان لا تجتمعان في مسلم: البخل، وسوء الخلق)(وسائل الشيعة: ج6، ص23، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت).

ثم ما فائدة سوء الخلق؟ هل يرفع مشكلة، أو يجلب منفعة، أو يدفع مضرة؟ كلا. لا هذا، ولا ذاك، ولا ذلك، إنه بالعكس يجلب كل ويل على الشخص نفسه قبل غيره فهو دائماً مهموم مجانب. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من ساء خلقه عذب نفسه)(الكافي: ج2، ص321).

ثم إنه لا يسود أحداً، ولا يكون له خليل! قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ في وصيته لابنه محمد بن الحنفية ـ: (إياك والعجب، وسوء الخلق، وقلة الصبر! فإنه لا يستقيم لك على هذه الخصال الثلاث صاحب، ولا يزال لك عليها من الناس مجانب، وألزم نفسك التودد)(بحار الأنوار: ج66، ص297). ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): (لا مروة لكذوب، ولا أخ لملول، ولا راحة لحسود، ولا سؤدد لسيئ الخلق)(بحار الأنوار: ج66، ص297).

وسيئ الخلق مادام منطبعاً على هذه الخصلة، يكون على قمة الشرور، كلما تحرك وقع في شر، كمن على جبل ذلق، فلا يتوب من سوء خلق، إلا وسرعان ما يقع فيه. قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ لأبي أيوب الأنصاري ـ: ما بلغ من كرم أخلاقك؟ قال: لا أوذي جاراً فمن دونه، ولا أمنعه معروفاً أقدر عليه، ثم قال: ما من ذنب إلا وله توبة، وما من تائب إلاّ وقد تسلم له توبته، ما خلا سيئ الخلق، لا يكاد يتوب من ذنب، إلا وقع في غيره أشد منه)(مستدرك الوسائل: ج12، ص75، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لاحياء التراث ـ بيروت).

ومن ساء خلقه كدر جوه، كما يكدر الوحل أطراف الماء، لا يزال يبث الشر حتى تحيط به هالة من الكلح، يمجه من ينظر إليه، ويجانبه كل صديق، والويل ـ كل الويل ـ لعائلته، والله يجزيه بالشر، وإن صام وصلى، وحج وأعتق.. إنه لابد أن يذوق ما أذاق الناس.

وهنا حديث يستغرب ـ بادئ النظر ـ لكنه لا غرابة فيه، بعد ما علمنا من عدل الجزاء. قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أتى رسول الله، فقيل له: إن سعد بن معاذ قد مات! فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقام أصحابه، فحمل، فأمر بغسل سعد، وهو قائم على عضادة الباب، فلما ان حنط وكفن وحمل سريره، تبعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا حذاء ولا رداء! ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة، ويسرة مرة، حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى لحده، وسوى عليه اللبن، وجعل يقول: ناولني حجراً، ناولني تراباً رطباً، يسد به ما بين اللبن، فلما أن فرغ، وحثى التراب عليه وسوى قبره.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني لأعلم أنه سيبلى، ويصل إليه البلى، ولكن الله عز وجل يحب عبداً إذا عمل عملاً فأحكمه. فلما أن سوى التربة عليه، قالت أم سعد ـ من جانب ـ: هنيئاً لك الجنة! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أم سعد، مه! لا تجزمي على ربك! فإن سعداً قد أصابته ضمة. قال: فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورجع الناس. فقالوا: يا رسول الله، لقد رأيناك صنعت على سعد، ما لم تصنعه على أحد؟! إنك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء!!

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الملائكة كانت بلا حذاء ولا رداء، فتأسيت بها. قالوا: فكيف تأخذ يمنة السرير مرة، ويسرة السرير مرة؟ قال: كانت يدي في يد جبرئيل، آخذ حيث ما أخذ. فقالوا: أمرت بغسله، وصليت على جنازته، ولحدته، ثم قلت: إن سعداً أصابته ضمة؟! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (نعم، إنه كان في خلقه مع أهله سوء)(بحار الأنوار: ج66، ص298).

إن سوء خلقه سبب الضمة، وإن كان صلى عليه الرسول، وشيعته الملائكة وجبرائيل، وكان له في الإسلام سوابق ناصعة، وصحائف بيضاء! لا عجب، فالله عدل، لا تجوزه مظلمة، وإن غلف صاحبها بأغلفة العبادة والطاعة.

 

24/ جمادى الأولى/1439هـ