لا للعيش في عالم الأساطير


(رؤى من أفكار الإمام الشيرازي)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

قيل قديماً أن الأوطان لا يمكن أن تُبنى بالولوج في عالَم الأساطير، ولا يمكن للأحلام والتمنيات وحدها أن تضع آجرّةً فوق أخرى، فبناء الدولة مادياً وفكرياً وسياسياً ودستورياً واقتصادياً، لا يمكن أن يتم إلا من خلال الفكر النافر المقرون بالعمل الجاد والإرادة الفولاذية، والعقلية الخبيرة التي تستمدها من المبادئ الإنسانية العظمى، كما أن بناء الدولة القادرة على حماية حقوق الناس، لا تعني التشبّه بالأفكار الأجنبية الجاهزة، إنما يجب أن تُستمَد من الجذر الإسلامي لثقافتنا، التي منحت العالم كله والبشرية كلها بطاقة المرور نحو التنوير.

فلا يوجد أي تناقض بين بناء الدولة مع تعاليم الإسلام، ولا يمكن الابتعاد عنها، إنما المقصود هنا في قضية بناء الدولة، هو تلك الهيكلية الفكرية المبدئية العملية التي يوفرها الدين، كي يدفع هذا البناء الى أمام، ويجعل من سياساتها قادرة على أن تحترم حقوق الإنسان، كما جاء ذلك، في الآية الكريمة التي لا تقبل التأويل إلا لصالح حرية الاختيار والرأي بما لا يضر بالآخرين (لا إكراه بالدين).

وثمة ثوابت لا يختلف عليها اثنان، منها أن دور العلم في بناء الدولة، يتصدر المقومات كافة، لما له من دور أساسي في تأسيس وبناء الدولة والإنسان في الوقت نفسه، ولذلك عندما يتم احترام العلماء في دولة ما، ستجد أن التقدم حاصل لديهم لا محالة، لأن النتيجة الطبيعية لمسار العالم هو التقدم، ولأن احترام العلم والذين ينتجوه، يعني في المحصلة البناء الأجود للدولة.

من هنا فإن الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه القيم الموسوم بـ (طريق التقدم) يرى: (أن العلم في مقدمة العوامل التي تسبب تقدم الفرد، وبالتالي تقدم المجتمع، ومتى ما تواجد العلماء في مجتمع، وألتفَّ ذلك المجتمع حول علمائه واحتفوا بهم، إلاّ وسجل ذلك المجتمع لنفسه تقدماً باهراً وزاهراً).

ولن نأتي بجديد _بطبيعة الحال_ عندما نفصل بين العلم والتطبيق، ونبقي على العلم مجرد كلمات من حبر على الورق لا أكثر ولا أقل، وإذا بقي الفكر أو العلم حبراً على ورق، فإننا نبقى بلا نتائج عملية شاخصة، لذلك ينبغي أن تتحول مضامين العلم إلى عمل مادي ملموس، عندئذ يكون العلم قد حقق الهدف المنشود في الإسهام الحثيث في وضع الأسس الدقيقة لبناء الدولة:

ومن أقول الإمام الشيرازي في هذا الإطار: (إن العلم والعمل توأمان لا ينفصلان، ورضيعا لبان لا ينفك بعضهما عن البعض في تحقيق التقدم وتقويمه، فإن كل فرد وكذلك كل مجتمع يريد الرقي والتقدم، لا بدّ له من توفير هذين العاملين معاً).

 

الأمة كانت مجدّة بالفكر والعمل

فهل هناك تلكّؤ في قضية البناء؟ بالطبع تثبت أدلة الواقع خللاً كبيراً تلقي به على المسلمين، لأنهم لم يقوموا بما يلزم للبناء، لا فكرياً ولا مادياً، وهذه مشكلة كبيرة تطرح نفسها على جميع المسلمين، بالأخص قادتهم السياسيين، وعدم وضعهم البرامج القادرة على تحويل العلم إلى عمل، والبقاء في حالة الخمول والاتكال، والاستعاضة عن التخطيط والعمل بالتمني، الأمر الذي جعل من الفكر (مهما كانت جودته) حبراً على ورق، من دون فائدة تُرتجى منه، وهذا ما يحصل الآن في راهن وضع المسلمين، وعجز أنظمتهم السياسية على بناء الدولة التي تحمي حقوق الناس، وتضمن حرياتهم في التعبير والرأي، على العكس مما كانت عليه الأمة الإسلامية بقادتها العظماء، حيث بنوا دولة تضاهي أعظم الدول.

كما يؤكد ذلك الإمام الشيرازي في قوله هذا: (سابقاً كانت الأمة الإسلامية مجدَّة في تحصيل العلوم وتربية العلماء والاحتفاء بهم والأخذ عنهم، ولذلك تطورت الأمة حتى سبقت جميع الأمم في مختلف مجالات الحياة فأصبح المسلمون آباء العلم الحديث).

وما أشد تعاسة الأمة أو المجتمع الذي يستعيض عن العمل بالأمل الكاذب والأمنيات الفارغة، فهذا دليل على تهرّب الإنسان من واجباته العملية المطلوبة في هذا المجال أو ذاك، وإنه أما أن يكون كسولاً، أو متكلاً على غيره، ويرغب أن يحقق ما يصبو إليه من سموّ وارتقاء بوساطة التمني لا غير، وهو أسلوب حياة خطير يعيشه كثير من المسلمين، الأمر الذي يؤدي بالنتيجة الى بقائهم في مربع الجهل والتخلف والمرض، فيما يسبقهم الى الأمام من كان وراءهم.

فيجب نبذ هذا الأسلوب، كما يرى الإمام الشيرازي في قوله: (إن الاعتماد على التمني فحسب، يورث حالة التواكل عند الإنسان والتخلي عن مسؤولياته، فكثير من المسلمين يرون بأن الشخص الفلاني، أو الجيش، أو الحزب، أو النظام هو المكلف بإنقاذ بلده، أي أنه ينتظر النتائج من غيره).

 

لا للتهرّب من المسؤولية

لقد اعتاد كثيرون على التخلي عن مسؤوليتهم، والبقاء في فضاء الوهم أو الحلم المزيّف أو الأمل الكاذب، لهذا فإن أسلوب مسايرة الحياة والعيش في ظل الأساطير والأحلام والتمنيات، لن يؤدي إلى بناء الفرد ولا المجتمع ولا الدولة المكتملة، لأن التهرّب من المسؤولية، وإلقائها على الآخرين، والعيش في ظل التمني، تكون نتائجه مؤسفة ولا يمكن أن تتيح للإنسان حياة كريمة تليق بإنسانيته، وردّ الفعل ضد هذا الأسلوب، هو أن يتخذ المسلمون من العمل والجدّية والمثابرة ونبذ التمنّي والاتكال، طريقاً لتحقيق مآربهم، وبناء دولتهم وجلّ تفاصيل حياتهم.

يرد في الكتاب المذكور للإمام الشيرازي: (إن ابتعاد المسلمين عن العمل، وإلقاء المسؤولية على الآخرين، هو نوع من العيش في عالم الأساطير والأحلام).

ويؤكد سماحته على: (أن عالم الأساطير والأحلام لا يتمخّض عن نتيجة، وكذلك الاتكال على الأمنيات والآمال، فإنه لا يمكن فيها الحصول على نتيجة واقعية في آخر الأمر).

ولعل اندثار الحضارات يبدأ من لحظة بزوغ الجهل والتهرب من المسؤولية ومحاربة العلم، وإهمال والعلماء، وانعدام الثقافة أو قلتها، حيث تتصدر هذا الأسباب كل ما عداها، لأن رفض أسلوب التمني ونبذ التكاسل يوفر أفرادا أكثر وعيا وإرادة وتطوّرا.

ويرى الإمام الشيرازي أن أسباب سقوط الحضارات يكمن في: (الجهل وعدم الوعي، وفقد العلم والعلماء، وقلة ثقافة الحياة، وتعد هذه من أهم أسباب تأخر الفرد والمجتمع، الذي يؤدي إلى تقهقر الأمم وسقوطها، بل إلى موتها وفنائها).

من هنا ينبغي التنبّه الى الأسباب التي تزرع الوهن في نسيج الأمة، وتمنع الإسهام الفعال في بناء الأمة، مع أهمية أن تعي أنظمة الحكم في الدول الإسلامية، حتمية تغيير السياسات القائمة على حماية السلطة وقهر إرادة الإنسان وتكبيل الحريات، وتركيز هذه القيادات على بناء مصالحها الذاتية أو الحزبية، وهو أسلوب يقتل جميع الفرص التي تقود الأمة الى بناء نفسها وتعزيز القيم والسياسات والأفكار التي تسهم بصورة فعالة في بناء الدولة الحامية للحقوق، وحفظ الحريات وليس العكس.

شبكة النبأ

22/ ربيع الآخر/1439هـ