منهم مَنْ خالف ومَنْ عصى (1)


 

موقع الإمام الشيرازي

 

في إطار البحث العلمي والحوار الفكري، لا مشكلة في إثارة سؤال حول أي موضوع، لكن المشكلة في استخدام الاختلافات في المعتقد والرأي لنشر الكراهية وإيقاظ الفتنة والتحريض على القتل، وهو ما يُشاهد على شاشات عشرات القنوات الفضائية الدينية، التي "تبرر" أو "تبيح" قتل الشيعة "أطفالاً ونساءا ورجالاً" لموقفهم من الصحابة.

شبهات عديدة تثار حول موقف الشيعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن الواضح أن طرح مثل هذه الشبهات قد يكون عفوياً، بسبب عدم الاطلاع على معتقدات الشيعة ومبادئهم، وقد يكون الهدف من ذلك الطعن بالشيعة والإساءة إليهم، ثم للتحريض على قتلهم.

بعض ممّن يسعى لتشويه الحقائق وخلط الحق بالباطل ليشتبه الأمر على الناس، ينسب إلى الشيعة أنهم "يكرهون الصحابة ويسبّونهم"، وهي دعوى ظالمة يكذبها الوجدان الشيعي، وموقف رجالات الشيعة قاطبةً، وكتبهم _قديماً وحديثاً_ تزخر بالإجلال والتعظيم لصحابة منتجبين.

وهناك مؤلفات كثيرة، حول العديد من أصحاب النبي الأبرار، تناولتها الأقلام الشيعية بالدراسة والترجمة والتحليل، فكيف يصحّ الزعم بأن الشيعة يكرهون الصحابة؟ إنه افتراء وظلم عظيم!

 

احترام الصحابة

لا يخفى على كل من عرف الشيعة، بأدنى معاشرة ومخالطة، أو طالع في كتبهم وكتاباتهم شيئاً قليلاً، أن أتباع أهل البيت يجلّون بعض الصحابة (بعضهم وليس جميعهم)، ويعظمونهم ويزورون مراقدهم، فلا يترددون أبداً في إبداء الاحترام والحبّ لأمثال الصادق أبي ذر الغفاري الذي قال فيه نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله): (ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق منه)، وسلمان الفارسي المحمدي الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): (سلمان منّا أهل البيت)، وعمار بن ياسر الذي اطمأن قلبه بالإيمان كما أخبرنا القرآن وهو (الطيب المطيب الذي يدعو إلى الجنة)، ومالك الأشتر (وهو سيف من سيوف الله)، وهكذا أمثال الصحابي العظيم المقداد بن الأسود، وحذيفة بن اليمان، وحجر (الخير) بن عدي الكندي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وخزيمة ذي الشهادتين، وأبي أيوب الأنصاري، ومالك بن نويرة، وآخرين غيرهم (رضوان الله تعالى عليهم).

الشيعة لا يكرهون هؤلاء الأخيار وأمثالهم، ممّن ثبت إيمانهم وورعهم، وثبتت عدالتهم وتقواهم، والذين لم يكفروا بعد إيمانهم ولم يكونوا ممّن (انقلب على عقبيه) بل يتأسون بهم ويقتدون. ولذلك فإن الإمام الشيرازي الراحل(قده) يردّ على من يقول إن الشيعة يكفّرون الصحابة ويلعنوهم بأن: (هذا كذب وافتراء ودسّ، ولا يقوله إلا من يريد التفرقة).

وهنا سؤال: هل يجوز تقديس الصحابة لمجرد أنهم عاصروا النبي ورأوه وسمعوا الحديث منه؟! حتى المنافقين والذين  فسقوا؟ وحتى مَن انقلب على عقبيه؟!.

بالتأكيد: لا، إنه أمر يأباه العقل ويخالف القرآن، كما لا يتفق مع سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). فليس هناك فضل وفضيلة لمَن عاصر النبي وصاحبه، إنْ كان من المنافقين أو الفاسقين. بل إن من التقى النبي (صلى الله عليه وآله) وصاحبه وكان فاسقاً أو منافقاً، قد يكون وزره أعظم ممن باعدت السنين _أو المسافات_ بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله).

 

الحب والبغض في الله

إذا ثبت أن بعض الأصحاب، قد آمنوا بالرسول حقاً، وعزّروه ونصروه، واتبعوه في كل شيء، وثبتوا على ذلك، فإن الواجب يحتم علينا أن نحبهم ونجلّهم ونقتدي بهم. أما إذا ثبت أنهم خالفوا النبي وعصوه، وثبت أنهم من الفاسقين أو المنافقين، فلا مناص من أن نتوقف فيهم، بل لابد من أن لا نتبعهم ولا نشايعهم ولا نحبهم. لماذا؟.. وذلك لأنه:

(أولاً) قد ثبت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن: (أفضل الأعمال الحبّ في الله والبغض في الله). وأن: (أوثق عرى الإيمان، الحبّ في الله، والبغض في الله). فمن أطاع الله ورسوله، وجب علينا حبّه والاقتداء به، ومن عصى الله ورسوله وخالفهما فعلينا أن نبغضه لله تعالى.

(ثانياً) إن القرآن الكريم قد ذمّ كثيراً ممّن عاصروا النبي وصاحبوه، لأنهم خالفوه، أو لأنهم آذوه، أو لأنهم كفروا بعد إيمانهم، أو لأنهم كانوا من المنافقين.

وقد ذمّ القرآن لكريم والسنة النبويّة الشريفة الأصحاب الذين زاغت قلوبهم، أو كانوا من  المنافقين.

 

ألم يعلموا

قال تعالى: (كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، والله لا يهدي القوم الظالمين * أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم يُنظرون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم)(آل عمران: 86/87/88/89).

فمَن لم يتب فإن عليه لعنة الله، وعليه لعنة الملائكة والناس،وإن كان مصاحباً للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

أما الآيات التالية، فقد نزلت في صحابة كانوا مع رسول الله، في غزوة تبوك (أي كانوا معه في الجهاد)، وقد سعوا إلى قتل النبي (صلى الله عليه وآله)، عند عودته من المعركة، وقد قال تعالى فيهم: (ألم يعلموا أنّه من يُحادد الله ورسوله، فأنّ له نار جنهم خالداً فيها، ذلك الخزي العظيم * يحذرُ المنافقون أن تنزّل عليهم سورة تُنبئهم بما في قلوبهم * قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم، ليقولُنّ: إنما كنّا نخوض ونلعب، قل: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون)(التوبة: 63/64/65).

يذكر الإمام الشيرازي(قده) في تفسير (تقريب القرآن إلى الأذهان) في معرض تفسيره للآيات السابقة: (يحذر المنافقون) أي يخافون ويخشون، (أن تنزل عليهم سورة) من القرآن، (تنبئكم بما في قلوبهم) أي تخبرهم بنفاقهم، فتكون فضيحة لهم، وقوله (تنبئهم) لإفادة أنهم كانوا يخفون نفاقهم فكأنهم لا يعلمون، وإنما السورة المنزلة تخبرهم _بحسب تظاهرهم النفاقي_ ورد أنه لما خرج رسول الله إلى (تبوك)، قال قوم من المنافقين _فيما بينهم_ أيرى محمداً أن حرب الروم مثل حرب غيرهم، لا يرجع منهم أحد أبداً، فقال بعضهم ما أحراه أن يخبر الله محمداً بما كنا فيه وبما في قلوبنا، وينزل قرآناً يقرأه الناس _قالوا هذا على حد الاستهزاء_ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعمار بن ياسر: (إلحق القوم، فإنهم قد انحرفوا). فلحقهم عمار فقال لهم: (ما قلتم؟). قالوا: (ما قلنا شيئاً، إنما نقول شيئاً على حد اللعب والمزاح). فنزلت هذه الآية: (قل) يا رسول الله لهؤلاء المنافقين (استهزؤوا)، أمر في معنى الوعيد (إن الله مخرج ما تحذرون)(التوبة/64). أي مُظهرٌ ما تحذرون ظهوره من نفاقكم وقولكم الاستهزائي.

وقد ذكر هذه الحادثة بعض أعلام أهل السنة، منهم الحافظ أبو بكر البيهقي الشافعي في كتابه (دلائل النبوة) ومنهم أحمد بن حنبل في آخر الجزء الخامس من مسنده عن أبي الطفيل ومنهم ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة. وإذا كان في أصحاب رسول الله منافقون، فكيف يسوغ لنا أن نحبّهم جميعاً وأن نقتدي بهم جميعاً؟.

 

لن يغفر الله لهم

يقول تبارك وتعالى مخاطبا ًرسوله الكريم (صلى الله عليه وآله):

(إذا جاءك المنافقون، قالوا: نشهد إنّك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جُنّة فصدّوا عن سبيل الله، إنهم ساء ما كانوا يعملون)(المنافقون: 1/ 2).

وهذه الآيات تشير بوضوح إلى بعض الصحابة، بأنهم منافقون وكاذبون، وإنهم ساء ما يعملون، فهل يمكن أن نحب مثل هؤلاء؟! وهل يجوز الاقتداء بهم؟!

ثم يبيّن الله تبارك وتعالى، أن هؤلاء المنافقين مستكبرون فاسقون، لن يغفر لهم، وإن استغفر لهم النبيّ. يقول (عز وجل): (وإذا قيل لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدّون هم مستكبرون * سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين)(المنافقون: 5/ 6) .

وهذا _وغيره كثير_ مما لا يبقي العذر لمن يحابي أو يبرر لصحابي قد نافق أو كذب أو فسق _ومنهم كذلك بحسب كتاب الله_ وإنْ صحبوا الرسول، وسمعوا منه، ونقلوا عنه.

وللمقال تتمة...

17/ ربيع الآخر/1439هـ