وبعد أن انتهت زيارة الأربعين


 

موقع الإمام الشيرازي

 

إبان كان العراق تحت سلطة الطغيان، كان السائرون على الأقدام، من زوار أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، يتنقلون من قرية إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى، متخفين من عصابات نظام الطاغية التي كانت تلقي القبض على الزوار، وتزجهم في سجون التعذيب، ومنهم من يكون طريقه إلى الإعدام، بعد محاكمات صورية.

حتى تغير الحال، بأن منَّ الله تعالى بخلاص العراق من نظام إجرامي، قتل وهتك وفتك ودمّر وخرّب، وحارب القضية الحسينية بكل الوسائل المتاحة، حتى وصل به الأمر إلى أن قصف العتبات المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة بالمدفعية والصواريخ.

وبعد التغيير الكبير والتاريخي، الذي حدث في العراق، في العام 2003م، أخذ العالم يشهد حدثاً فريداً بامتياز، حيث يتجمع ملايين الناس، في مدينة كربلاء المقدسة، لإحياء ذكرى أربعينية سيد الشهداء، الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

الحشد البشري الأربعيني المبهر، جعل زيارة الأربعين حدثاً سنوياً لافتاً لأنظار الناس، في شتى أنحاء الأرض، فلم يذكر التاريخ أن يدفع الحب أتباع إمام أو قائد لقطع مئات الكيلومترات سيراً على الأقدام، مستصحبين معهم الأهل والعيال لزيارة ضريح سيدهم المقتول، فيتركون تجارتهم، ويتقوون على علل أجسادهم، ويغالبون همومهم، ويصارعون الحر القارض والبرد القارص والأمطار، ويبذلون الأموال، وغير آبهين بالإرهاب التكفيري الذي قتل وجرح الآلاف، على طريق زيارة الأربعين.  

وعبر تاريخ طويل، فإن الكثير من المؤمنين والمؤمنات قُتلوا على طريق الحسين (عليه السلام)، وخصوصاً في زمن طغاة بني أمية وبني العباس، فلمدة قرن، كان القتل والتعذيب والسجن ومصادرة الأموال والأملاك، مصير كل من يشترك بعزاء الحسين (عليه السلام)، أو من يذهب إلى زيارته، بل حتى مَنْ كان يسمي ولده حسيناً، كان يتعرّض للسجن والقتل.

ومع كل هذه المظالم، التي تعرض لها زوار الإمام الحسين (عليه السلام) ومحبو أهل البيت (عليهم السلام)، لم يَنْهَ الأئمة الأطهار (عليهم السلام) شيعتهم ومحبيهم عن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، بل كانوا(ع) يقرون ذلك، ويدعون الله في صلواتهم وسجودهم، ليمن بالرحمة والجزاء الجميل والأجر العظيم على زائري سيد الشهداء (عليه السلام).

وقد حرص الشيعة على ذلك، فكانت أعداد الزائرين تتزايد، وفي السنوات العشر الأخيرة تزايدت أكثر وأكثر، رغم الأعمال الإرهابية الفظيعة، ولقد حدث مراراً وتكراراً، أن الزوار الذين كانوا قد أنهوا زيارة الأربعين، وهم في طريق عودتهم إلى مدنهم وبيوتهم، حينما يسمعون بوقوع انفجار استهدف الزوار، يعودون مجدداً لزيارة مدينة كربلاء، تحدياً منهم وتأكيداً لثباتهم على حب سيد الشهداء (عليه السلام).

عبر ذلك كله، الأربعين الحسيني _اليوم_ الحدث المليوني العالمي الأكبر، وإن شاء الله تعالى، سيزداد يوماً بعد يوم علوّاً وحضوراً، كما جاء في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله): (وليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً وأمره إلا علوّاً). لذلك، ولغرض استيعاب معطيات ومستلزمات هذا الحدث الضخم، لابد من عمل أكبر وأكبر في إطار أكثر وأكثر تنظيماً، يشرف على إدارته نخبة من علماء دين، ومتخصصين في علوم المجتمع والإدارة والإعلام والطب والبيئة، مع مشاركة خبراء في مجال الأمن والسياحة.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)، في الزيارة الأربعينية للعام 1438هـ، كان قد أصدر بياناً قال، في جانب منه، أن (زوّار الإمام الحسين عليه السلام، في كل المناسبات وخاصّة في الزيارة الأربعينية المقدّسة، هم في قمّة القدس والشموخ عند الله تعالى، وعند رسول الله، وعند العترة الطاهرة عليه وعليهم السلام .. فالأحرى والأحرى أن تتكاتف الجهود من الجميع، حكومات وشعوب، في تأمين كل وسائل الراحة لهم).

وأكد (دام ظله) أن (الشعب العراقي الكريم، في هذا العصر، ضرب أعلى المثل والقيم النبيلة في التضحية والفداء، من أجل تأمين حاجات الزوّار الكرام، بكل ما أمكنهم من طاقات، وباسترخاص كل شيء، حتى ببيع ممتلكاتهم ودورهم ومحلاّتهم وسياراتهم، لتوفير حاجات الزوّار، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء).   

لكن الزيارة الأربعينية العالمية، بتفاصيلها المتعددة ومجالاتها الواسعة، مازالت تحتاج إلى تخطيط استراتيجي لإنجاز الزيارات القادمة بشكل أفضل، من خلال اتخاذ قرارات تُعنى بالحاضر ومشاكله، وتستشرف المستقبل ومتطلباته، وأول ذلك التفكير الدقيق الذي يسبق التنفيذ الدقيق، ثم التعبئة وتوجيه الموارد والطاقات والقوى البشرية لإنجاز الأهداف المرسومة، وفي فترة زمنيّة محددة، لتحقيق أقصى منفعة بأقل التكاليف، وهذا لا يكون بخطوة واحدة بل بخطوات، ولا يكون برأي واحد، وإنما برأي علماء وخبراء، فإن زوار الأربعين مازالوا يعانون من أمور كثيرة، من الممكن حلها، لو توفرت إرادة الإنجاز، وتوفر التخطيط السليم، وتحسن الأداء.

 

17/ ربيع الأول/1439هـ