عودة الدين ومكث الدين


 

 

حكمت البخاتي

موقع الإمام الشيرازي

 

لا يمكن الحديث عن عودة الدين في حياتنا، فالدين حاضر في عالمنا، ولم يشهد الدين غياباً ظاهراً في منطقتنا، لكن الدين شهد تراجعاً كاد أن يصل الى حد الأفول أو مغيب شمسه في عالم الغرب، من هنا صار الحديث عن عودة الدين ممكناً، بعد طرد مستمر له من السياسة، وإقصاء من الحياة، ونبذ من الفضاء العام.

ولم يكن نيتشه يتنبأ بقدر ما كان يعلن _بلسان الغرب_ عن موت الإله، وإعلان خطاب الى العالم، وليس مجرد نبوءة تتحدث عن كشف ذاتي، وفي تأكيد حالة الإعلان، أنه يقول "ألم تسمعوا جلبة حفاري القبور وهم يكفنون الإله.... لقد مات الإله! لقد مات الإله! ونحن الذين قتلناه"، لكن لماذا إعلان القتل للإله.... إنه إعلان يكرس ادعاء الغرب بإزاحة الإله، لغرض حيازة السلطة التي كانت بيد الله، سواء تلك التي تمثلت بسلطة البابا أو بسلطة الكتاب المقدس، أو السلطة التي يمكن أن يكرسها الإيمان بالله حقيقة، وتكرس نهاية الإله بالقتل الفعل المتعمد والمقصود لحضارة الغرب الحديثة باتجاه هذه النهاية، فالإله يجب أن يقتل لأنه لا يموت باختياره، لأن الإنسان يختار بقاءه، ولو لم يكن هناك إله، فإن الإنسان سيصنعه، وهكذا عاد الإله الى الغرب مرة أخرى، لأن الإنسان لا يستطيع أن يحى بلا إله، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وفق ما تمليه ثقافة الغرب المسيحي.

وبإزاء ذلك العود المفاجئ للإله، عاد الغرب الى الجدل مجدداً بشأن الإله، وتجددت مفردات الله والإيمان والإلحاد في الجدل الثقافي والعلماني والديني في الغرب، ولعل ما لفت انتباه الغرب الى ذلك العود المفاجئ، هو الحضور الرسمي والشعبي والاهتمام غير المتوقع في أوربا بوفاة بابا الكنيسة المسيحية في 2/ 4/ 2005م، فقد حضر تشييع جنازته أربعة ملوك وخمس ملكات، وما لا يقل عن 70 رئيس جمهورية ورئيس وزراء، إلى جانب 14 رئيس ديانة مختلفة من العالم، وقدر عدد المشيعين من الأوربيين في روما بأربعة ملايين، وهي حالة لم تشهدها أوربا في تشييع رأس الكنيسة المسيحية، منذ الطلاق بينها وبين الدين، على أثر ما تُعرف بـ حركة التنوير والحداثة التي اجتاحتها خلال قرنين من الزمان.

لكن ذلك على الصعيد الأوربي العام، أما على صعيد العالم فإن الدين دخل النطاق العام، واكتسب رواجاً عاماً، وفارق موقعه المحدد في نطاقه الخاص الذي فرضته عليه الحداثة في الغرب، وصارت الجماهير المتنوعة تعير اهتماماً وانتباهاً للدين، وفق (خوسيه كازانوفا) في كتابه الأديان العامة في العالم الحديث، لكن كازانوفا يدمج هذا الرواج للدين في العالم بأحداث سياسية كبرى إسلامية ومسيحية، في آسيا واوربا وأميركا اللاتينية، وهي ثورة ايران، وحركة التضامن في بولندا، وزعامة قس مسيحي للثورة في رومانيا، ودور اللاهوت المسيحي في الحركة السندينية في نيكاراغوا.

لقد كتب (شارلز غورهام) بشأن الدين في أوربا في كتابه (هل الدين عائق للتقدم)، كتب: يوجد الآلاف من الناس الذين اعترفوا باستنتاجات العلم الرئيسية، الى درجة غير محدودة، ومع ذلك يذهبون الى الكنيسة، ويرتلون ويصلون وحتى يحضروا القداس، ويعتبرون بشكل واسع أنهم مسيحيون صادقون، ويعتقد غورهام أن الإلحاد فشل في جذب الناس إليه، ويعني بهم الأوربيين، وهؤلاء الناس في رأيه يتوخون وجوب أن يكون لديهم تفسيرات من نوع ما وفق قوله، رغم أن غورهام يميل في كتابه الى عدّ الدين عائقاً للتقدم، ويتبنى موقفاً مضاداً للدين في العالم الحديث، لكنه ينتهي الى اعترافه بمحدودية المعرفة عن العالم الذي نعيش فيه، وأنه لا يعرف شيئاً عن العالم الذي تم الإقرار بأنه مجهول، مما يتيح لأفكار الدين أن ترتاد هذا العالم المجهول، بفضل ما تمتلكه من آليات وأدوات تتناغم وطبيعة النفس البشرية وتساؤلاتها ومشاعرها البديهية إزاء العالم والوجود، وهذه المسألة هي التي ترسي العلاقة بالدين بأوسع مما ترسيه علاقة الدين بالسياسة، وتتسبب بعودة الدين.

لقد كان البديل الممكن بل والضروري عن الدين، هو العلم وفق ما أرسته المنطقية الوضعية، وما بثته المادية الحداثية، لكن العلم التزم حدوده في العقل، وامتنع عن جدل الكينونة، تاركاً ذلك الجدل الى اختيارات الإنسان وتصوراته الأكثر خصوصية، في حقل الضمير، ليندمج مفهوم الضمير بالتصور الديني، وفق مقترح الغرب، وبمعنى أدق إضمار تصوراته في الوجود، لاسيما الدينية، بشكل شخصي ليمنح الدين بعداً خاصاً يمهد لفصله عن الفضاء العام الاجتماعي، ليمهد الى فصله عن الفضاء السياسي، ثم تحقيق الغرض في فصله عن الدولة في العلمانية، وتلك هي الممارسة السياسية العلمانية في تاريخ الدولة الحديثة.

لكن الدين لا يستطيع أن يظل محتجزاً في مجال الضمير الخاص للأفراد، لاسيما وأن الدين يرسي نظاماً اجتماعياً من العلاقات، تؤسس له فكرة الأخوة الدينية العابرة للحدود الفاصلة الجغرافية والعرقية، وتتكون في تأسيساته الأولى جماعة المؤمنين، وهو ما يمهد الى دخول الدين في السياسة، بالبحث عن مصالح هذه الجماعة التي تتمدد في مواقعها الجغرافية نتيجة تمدد الدين بين أمم العالم، مما يثير ملابسات التدخل في الشؤون الداخلية للمجتمعات والدول، وهنا يمكن استغلال الدين بشكل فج في التواءات السياسة وصراعات المصالح، وفي ظل تلك الأجواء ينشأ العنف والتطرف وباستعارة مسميات دينية، لكن انعكاسات الدين الوجودية في أفق فضاءات كونية أرحب من حدوده السياسية، كلغة في فهم الوجود الإنساني، وإضفاء المعنى، وتعكس الفهم الديني العام للوجود والكون، وتلك وظيفة الأديان في تجاوزها الآني والعابر والوقتي والدنيوي، لاسيما المصالحي الذي يشكل محور الهمّ السياسي للعلمنة.

لقد كانت في التاريخ البشري فكرة الأخوة، بل وحتى مسمى الأخوة هي دينية في تأسيسها المبكر للعلاقة بين البشر، بعد أن كانت علاقة سادة وعبيد، لقد تحول مفهوم العبودية في ظل حركة الأديان الى مفهوم المساواة الوجودية بين البشر باعتبارهم ينتظمون في علاقة واحدة ومتساوية أمام الله، وكان مفهوم المساواة تستغرقه أو تنظمه دينياً حالة العبودية لله، فهم خلق الله أولاً، بعد أن كانت أديان الوثنية تروّج الى خلق السادة من رؤوس الآلهة وخلق العبيد من أطرافها السفلى، أو الملوك السادة هم من نسل الآلهة وأنهم أنصاف آلهة، وثانياً هم عباد الله الذي هو موضوع المساواة الوجودية بين البشر، وثالثاً هم عبيد الله لغرض كسر غرور البشر الذين يريدون استعلاء على البشر واستعباداً للآخرين.

وفي تلك الأبعاد الثلاثة ينتظم مفهوم العلاقة بالله، الذي كرسته الأديان الإلهية في موضوعة الإيمان الذي تتشكل في نطاقه العلاقة في بنية الأخوة الدينية، باعتبارهم جماعة المؤمنين (وإنما المؤمنون إخوة) في منطق الدين الإلهي، وفي بنية الأخوة الدينية هذه تنكسر إرادة العلمنة في عزل الدين في مجال ضمير خاص، لأن مبدأ الأخوة يُنشأ مجالاً هاماً وعاماً في شبكة العلاقات الإنسانية، يغذي فيها الجوانب الروحية ذي الضرورة الفائقة في الوجود الإنساني، مما يحيل الدين الى تجاوز مجاله الخاص المفترض علمانياً الى إمكانيات المجال العام، لكن من العبث بالدين حصر ذلك المجال العام بالسياسي.

وإذا كانت العلمنة سعت ونجحت في ترسيخ علاقة المواطنة، لكنها اكتفت بحدودها السياسية والقانونية، ولم تقحم نشاطها في المجال الروحي والعاطفي والأسري في تنظيم العلاقات الخاصة بها، في نطاق المعنى في حياة الإنسان، وهي أهم مدارك أو مجال العلاقات في الوجود الإنساني والتي تتشكل فيها إمكانيات المجال العام للأديان، مما يفسر ذلك الفقر الذي تخلّفه أو خلّفته الحداثة/العلمنة/الحضارة المادية في تلك المجالات الثلاث "الروحي والعاطفي والأسري"، ويفسر أيضاً والى حد كبير هذه العودة المبكرة للدين في الغرب، بعد أن كانت توقعات الغرب تشير الى انتهاء عصر الدين، واستحالة عودته الى ما كان عليه، قبل الحداثة، بعد أن قسر الغرب انتماء الدين الى ما قبل الحداثة.

بينما لا يمكن الحديث عن عودة الدين في عالمنا لأن الدين ظل هو الماكث في وجودنا الاجتماعي والثقافي، والفاعل والمنظم في شبكة علاقاتنا الإنسانية، لكنه تعرض الى صدمة الحداثة، لاسيما مع المنطق المشوّه الذي تم تسويقها من خلاله من جانب خصومه المحليين، وتعرض الى محاولات الاستغلال السياسي من جانب أدعيائه المحليين أيضاً.

* باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

 

17/ ربيع الأول/1439هـ