هل هي قضية عالمية كونية؟


 

 

إيزابيل بنيامين

موقع الإمام الشيرازي

 

قضية كربلاء ما زالت تتمدد على قدر مساحة الزمن الممتد أمامنا، ولازالت تقضّ مضاجع الظالمين، حتى باتت قضية الحسين أشهر من مآساة جميع الأنبياء، لأن ثورة الإمام الحسين هي من سقى شجرة الدين وجعلتها باسقة شامخة، بعد أن أحاطت بها فؤوس الظالمين.

هناك تصورات أثارت تساؤلات ولدتها قراءات معمقة لما حدث في وادي الرافدين، وخصوصاً في هذا البقعة من ضاحية بابل ـــ كربلاء حالياً ـــ وما جاورها، هذه التساؤلات أثارها من نقبوا منذ البداية في بابل وسومر وآشور وربلا Ribla، والذين أشاروا إشارات واضحة إلى واقعة تاريخية دونتها كل موروثات تلك العهود، فلم يجدوا لها جواباً إلا بربطها في واقعة كربلاء، حيث أجمع مستشرقون كبار هم كل من (أيردمن وشتريك ومايسنر) على أن ما حدث في وادي الرافدين من مناحات، تشبهها كل مناحات وشعائر وطقوس الدنيا، لأنه انطلق من هذه البقعة مع الهجرات الأولى من أور وبابل وسومر، فكانوا يتعجبون من مناحات المقدسة عشتار على أخيها تموز (إله سين)، فلم يجدوا لها شبيهاً، سوى مناحات المقدسة زينب على أخيها المقدس الحسين، وفي نفس البقعة التي جرت على مسرحها تلك الأحداث ضاحية بابل.

ولعل الذي أذهل هؤلاء المستشرقين، هو أنهم وجدوا أن أب هذا المقدس الشهيد اسمه إيليا، وابنه اسمه سين أو (إله سين)، وأن المناحة كأنها لا زالت تتوغل في أحزان آرام وشنعار، على مر العصور، ولفت انتباه هؤلاء المستشرقين، كلمة لا زالت تترد على ألسنة العراقيين، منذ آلاف السنين، وهي كلمة (ويلاه واويلاه) التي ذكرتها المدونات الشنعارية على أنها ندبة بإسم إيليا (علي) وبين (إله سين) الحسين، والتي تدل على مظلوميتهم، فقد جاء سين الى بابل في شهر تموز، واعتقلته أبالسة الشر، ومنعت عنه الطعام والشراب، حتى مقتله يوم الاثنين، يوم القمر، وهو مصير الإمام الحسين نفسه الذي قُتل ممنوعاً من الماء والزاد، في شهر تموز أيضاً، ويوم الاثنين وفي كربلانو التي يعني اسمها ضاحية بابل.

يقول هؤلاء المستشرقون: صرخت المقدسة عشتار لمقتل المقدس سين، وبكت نائحة: ويلاه ويلاه، ويلي عليك يا ولدي وأخي سين. لقد اختلط دمك بالتراب، وعفّر وجهك الأرض. يا فتيات مزّقن جيوبكنّ، والطمن صدوركنّ. وبقيت صرختها حتى زمن حزقيال، القرن السابع قبل الميلاد، حيث نراها تلوح في مرثيته، ولا زال دويها مستمراً إلى يوم القيامة.

في رأيي أن هذه القضية رشحت من مسامّ الأنبياء في حركة تبليغهم الرسالة للناس، فلا يوجد نبي إلا ومرّ بما يشابه وقعة كربلاء على يد فراعنة زمانه، وهذا ما رأيناه يلوح وبكل وضوح في أقوال آخر نبي محمد عليه البركات، حيث بكى على الحسين قبل مقتله، وهو الدليل على أن الأنبياء قبله أيضاً بكوا على هذه المصيبة قبل حلولها، خصوصاً إذا قرأنا في بعض زيارات الحسين (عظمت مصيبتك على أهل السماوات والأرض). فإذا كان العرش يهتز لقطع صلة الرحم، فما بالنا بصلة رحم أعظم الأنبياء، وبهذه الطريقة الوحشية المأساوية التي لم يجر مثلها إلا على يوحنا (في بعض تفاصيلها) الذي قطعوا رأسه ووضعوه في طست، وأهدوه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.

فلا نعجب إذا اطلقوا على العراق أرض الأنبياء، فلماذا مرّ كل الأنبياء على أرض العراق؟

 

14/ المحرّم الحرام/1439هـ