كَانَ عَلِيٌ فَكَانَ أَلْغَدِيرُ!


 

 

نزار حيدر

موقع الإمام الشيرازي

 

 

على الرَّغمِ من كلِّ ما تعرَّض لَهُ الامام أَميرُ المؤمنين علي بن أَبي طالبٍ (عليه السلام) من محاولاتٍ مستميتةٍ للتَّقليلِ من شأنهِ وإِخفاءِ علومهِ ومكانتهِ وطمسِ مُختلفِ الحقائِق والمناقبِ التي تتعلَّق بهِ وعلى مُختلفِ الاصعِدةِ! إِلّا أَنَّهُ يبقى الضَّوء الذي تعشُوَ إِليهِ كلُّ الخلائقِ وعلى مرِّ التَّاريخ!

يقول اِبْنُ أَبي الحديد المعتزِلي [١١٩٠ - ١٢٥٨] في مقدِّمة شرحهِ لكتابِ [نهجِ البلاغةِ] الذي جمعَ فيه الشَّريف الرَّضي [٩٦٩ - ١٠١٥] المُختار من كلام أَميرِ المؤمنين (عليه السلام) في الخطبِ والمواعظ والحِكَم وغيرها، عن الحَرْبِ الشَّرسة التي شنَّها الأَمويُّون ضدَّ الامام؛

وما أَقولُ في رجلٍ أَقرَّ له أَعداؤهُ وخصومهُ بالفضلِ، ولم يمكنهُم جحدَ مناقبهِ، ولا كتمانَ فضائلهِ، فقد علِمتَ أَنَّهُ إِستولى بنو أُميَّة على سلطانِ الاسلامِ في شرقِ الأَرْضِ وغربِها، واجتهدوا بكلِّ حيلةٍ في إِطفاءِ نورهِ، والتَّحريضِ عليهِ، ووضعِ المعايبِ والمثالبِ لَهُ، ولعنوهُ على جميعِ المنابرِ، وتوعَّدوا مادحيهِ، بل حبسوهُم وقتلوهُم، ومنعوا من روايةِ حديثٍ يتضمَّن لَهُ فضيلةً، أَو يرفع له ذكراً، حتَّى حظروا أَن يُسمَّى أَحدٌ باسمهِ، فما زادهُ ذلك إِلَّا رِفعةً وسُموّاً، وكان كالمسكِ كلَّما سُترَ انتشر عَرفهُ، وكلَّما كُتم تضوَّع نشرهُ، وكالشَّمس لا تُستر بالرَّاحِ، وكضوءِ النَّهار إِن حُجبت عنهُ عينٌ واحدةٌ، أَدركتهُ عيونٌ كثيرةٌ!.

ومع كلِّ هذا، ظلَّ الامامُ هو مصدر الإلهام الأَوَّل والوحيد لكلِّ الفِرق والمذاهب والمدارس، وعلى صعيدِ مُختلفِ العلومِ والمعارفِ ويفخر به حتَّى غير المسلمين.

يضيفُ ابن أَبي الحديد بهذا الصَّدد قائِلاً؛ وما أَقولُ في رجُلٍ تُعزى إِليه كلُّ فضيلةٍ، وتنتهي إِليهِ كلُّ فِرقةٍ، وتتجاذبهُ كلُّ طائفةٍ، فهو رئيسُ الفضائل وينبوعَها، وأَبو عُذرها، وسابق مضمارها، ومُجلي حلَبتها، كلُّ مَن بزغَ فيها بعدهُ فمنهُ أَخذ، ولهُ اقتفى، وعلى مثالهِ احتذى. وقد عرفتَ أَنَّ أَشرفَ العلومِ هو العلمُ الإلهي، لانَّ شرفَ العلمُ بشرفِ المعلومِ، ومعلومهُ أَشرف الموجودات، فكان هوَ أَشرف العُلوم! ومن كلامهِ (عليه السلام) اقتُبِس، وعنهُ نُقِل، وإِليهِ انتهى، ومنهُ ابتدأَ! فإِنَّ المعتزلةَ الذين هم أَهل التَّوحيد والعدل وأَرباب النَّظر، ومنهم تعلَّم النَّاسُ هذا الفنِّ، تلامذتهُ وأَصحابهُ، لأَنَّ كبيرهُم واصل بن عطاء تلميذ أَبى هاشم عبد الله بن محمَّد بن الحنفيَّة، وأَبو هاشمٍ تلميذُ أَبيهِ وأَبوهُ تلميذهُ (عليه السلام).

وأَمَّا الأَشعريَّة فإنَّهم ينتمونَ إِلى أَبى الحسن عليِّ بن إِسماعيل بن أَبى بشر الأَشعري، وهو تلميذُ أَبى علي الجِبائي، وأَبو علي أَحد مشايخ المُعتزلة، فالأَشعريَّة ينتهون بآخرهِ إِلى أُستاذ المعتزِلة ومُعلِّمهم، وهو عليُّ بن أَبي طالب (عليه السلام)! وأَمَّا الاماميَّة والزَّيديَّة فانتماؤُهم إِليهِ ظاهرٌ.

ويضيفُ؛ ومن العلومِ عِلْمُ الفقهِ، وهو (عليه السلام) أَصلهُ وأَساسهُ، وكلُّ فقيهٍ في الاسلامِ فهوَ عيالٌ عليهِ ومستفيدٌ من فقههِ، فأَما أَصحابُ أَبي حنيفةٍ كأَبي يوسُف ومحمَّد وغيرهُما، فأَخذوا عن أَبي حنيفة، وأَمَّا الشَّافعي فقرأَ على محمَّد بن الحسَن، فيرجع فقههُ أَيْضاً إِلى أَبي حنيفة، وأَمَّا أَحمد بن حنبل، فقرأَ على الشَّافعي فيرجع فقههُ أَيْضاً إِلى أَبي حنيفة، وأَبو حنيفة قرأَ على جعفر بن محمَّد [الصَّادق] (عليه السلام)، وقرأَ جعفر على أَبيهِ (عليه السلام) وينتهي الأَمرُ إِلى عليٍّ (عليه السلام).

وأَمَّا مالك بن أَنس، فقرأَ على ربيعةَ الرَّأي، وقرأَ ربيعةُ على عُكرمة، وقرأَ عُكرمة على عبدِ الله بن عبَّاس، وقرأَ عبد الله بن عبَّاس على عليِّ بن أَبي طالب، وإِن شئتَ رددتَ إِليهِ فقه الشَّافعي بقراءتهِ على مالك كان لَكَ ذَلِكَ، فهؤلاء الفُقهاء الأَربعة! وأَمَّا فقهُ الشِّيعةِ، فرجوعهُ إِليه ظاهرٌ وأَيضاً فإِنَّ فُقهاء الصَّحابة كانوا: عُمر بن الخطَّاب وعبد الله بن عباس، وكلاهُما أَخذ عن عليٍّ (عليه السلام).

أَمَّا إِبْنُ عبَّاس فظاهرٌ، وأَمّا عُمر فقد عرِف كلُّ أَحدٍ رجوعهُ إِليهِ في كثيرٍ من المسائل التي أَشكلت عليهِ وعلى غيرهِ من الصَّحابة، وقولهُ غيرَ مرَّةٍ [لولا عليٌّ لهلكَ عُمر] وقولهُ [لا بقيتُ لمُعضلةٍ ليس لها أَبو الحسن] وقولهُ [لا يفتيَنَّ أَحدٌ في المسجدِ وعليٌّ حاضرٌ]. فقد عُرف بهذا الوجهِ أَيْضاً إِنتهاءُ الفقهِ إِليهِ.

وقد روت العامَّة والخاصَّة قولهُ (صلى الله عليه وآله): {أَقْضاكُم عليٌّ}. والقضاء هو الفقهُ، فهو إِذاً أَفقهُهم! ورَوى الكلُّ أَيضاً أَنَّهُ (صلى الله عليه وآله) قال لَهُ (عليه السلام) وقد بعثهُ إِلى اليَمَنِ قاضياً: {اللَّهمَّ اهدِ قلبهُ وَثبِّت لِسانهُ}. قال (عليه السلام) {فما شككتُ بعدها في قضاءٍ بين إِثنَين}.

ومن العلومِ: علم تفسير القُرآن، وعنهُ أُخذَ ومنهُ فُرع، وإِذا رجعتَ إِلى كتُبِ التفسير علِمت صحَّة ذلك، لأَنَّ أَكثرهُ عنهُ وعن عبد الله بن عبَّاس، وقد علِم النَّاسُ حال إِبنُ عبَّاس في ملازمتهِ لَهُ، وانقطاعهُ إِليهِ، وأَنَّهُ تلميذهُ وخرِّيجهُ! وقيل لَهُ: أَينَ علمُكَ من علمِ إِبنِ عمِّك؟ فقال: كنِسبةِ قطرةٍ من المَطر إِلى البحرِ المُحيط.

ومن العلومِ: عِلْمُ الطَّريقة والحقيقة، وأَحوال التصوُّف، وقد عرفتَ أَنَّ أَربابَ هذا الفنِّ في جميعِ بلادِ الاسلام إِليهِ ينتهونَ وعندهُ يقفونَ، وقد صرَّح بذلكَ الشِّبلي والجِنيد وسري وأَبو يزيد البسطامي وأَبو محفوظ معروف الكَرخي وغيرهم!.

ومن العلومِ: عِلْمُ النَّحو والعربيَّة، وقد علِم النَّاسُ كافَّةً أَنَّهُ (عليه السلام) هو الذي ابتدعهُ وأَنشأَهُ، وأَملى على أَبى الأَسود الدُّؤَلي جوامعهُ وأُصولهُ، من جملتِها، الكلامُ كُلَّهُ ثلاثة أَشياء: إِسمٌ وفعلٌ وحرفٌ، ومن جملتِها: تقسيمُ الكلمةِ إِلى معرِفةٍ ونكِرةٍ، وتقسيمِ وجوهِ الإِعرابِ إِلى الرَّفعِ والنَّصبِ والجرِّ والجزمِ، وهذا يكادُ يلحَقُ بالمعجزاتِ، لأَنَّ القوَّة البشريَّة لا تفي بهذا الحصرِ، ولا تنهض بهذا الاستنباطِ.

أَمَّا عن شخصيَّة الامام (عليه السلام) وكمالاتها فيقولُ إِبنُ أَبي الحديد؛ وإِن رجعتَ إِلى الخصائِص الخُلقيَّة والفضائل النفسانيَّة والدِّينيَّة وجدتهُ إِبن جلَّاها وطلَّاع ثناياها.

وأَمَّا الشَّجاعة: فإِنَّهُ أَنسى النَّاس فيها ذكر مَن كانَ قبلهُ، ومحا إِسم مَن يأتي بعدهُ، ومقاماتهُ في الحَرْبِ مشهورةٌ يُضرَبُ بها الأَمثالُ إِلى يَوْمِ القيامةِ، وهو الشُّجاع الذي ما فرَّ قطُّ، ولا ارتاعَ من كتيبةٍ ولا بارزَ أَحداً إِلّا قتلهُ، ولا ضربَ ضربةً قطُّ فاحتاجت الأُولى إِلى ثانيةٍ، وفي الحديثِ [كانت ضرباتُهُ وِتْراً]!.

وجُملةُ الأَمر أَنَّ كلَّ شُجاعٍ في الدُّنيا إِليهِ ينتهي، وباسمهِ يُنادى في مشارقِ الأَرْضِ ومغاربِها.

وأَمّا السَّخاء والجود: فحالهُ فيه ظاهرةً، وكان (عليه السلام) يصومُ ويطوي ويُؤثر بزادهِ، وفيه أَنزل {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} وروى المفسِّرون أَنَّهُ لم يكُن يملك إِلّا أَربعة دراهِم، فتصَّدق بدرهَمٍ ليلاً وبدرهَمٍ نهاراً، وبدرهَمٍ سِرّاً وبدرهَمٍ علانية، فأَنزل فيهِ: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. وقال الشَّعبي وقد ذكرهُ (عليه السلام): كان أَسخى النَّاس، كانَ على الخُلُقِ الذي يحبُّهُ الله: السَّخاء والجود، ما قال [لا] لِسائِلٍ قطُّ.

وأَمَّا الحُلُم والصَّفح: فكانَ أَحلمُ النَّاسَ عن ذنبٍ وأَصفحهُم عن مُسئٍ، وقد ظهرَ صحَّة ما قلناهُ يَوْمَ الجمل، حيث ظفرَ بمروانِ بن الحكم! وكانَ أَعدى الناسَّ لَهُ وأَشدَّهم بُغضاً، فصفحَ عنهُ.

وكان عبد الله بن الزُّبير يشتمهُ على رؤُوس الأَشهاد، وخطبَ يوم البصرة فقالَ: قد أَتاكم الوَغْدُ اللَّئيم علي بن أَبي طالب! وكان عليٌّ (عليه السلام) يقولُ: {مَا زَالَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ ابْنُهُ الْمَشْؤُومُ عَبْدُ اللهِ} فظفرَ بهِ يوم الجمل، فأَخذهُ أَسيراً، فصفحَ عنهُ وقال: {إِذهب فلا أُرينَّكَ} لم يُزدْهُ على ذلك.

وأَمّا الجهادُ في سَبِيلِ الله: فمعلومٌ عندَ صديقهِ وعدوِّهِ أَنَّهُ سيِّد المُجاهدين، وهل الجهادُ لأَحدٍ من النَّاسِ إِلّا لَهُ! وقد عرفتَ أَنَّ أَعظم غُزاة غزاها رَسُولُ الله (صلى الله عليه وآله) وأَشدَّها نِكايةً في المشركين بدْرٍ الكُبرى، قُتل فيها سبعونَ من المشركين، قتلَ عليٌّ نصفهُم، وقتلَ المسلمونَ والملائِكة النِّصفُ الآخر.

وأَمّا الفصاحةُ: فهو (عليه السلام) إِمامُ الفُصَحاء وسيِّد البُلغاء، وفي كلامهِ قيلَ: دونَ كلامِ الخالِق، وفوقَ كلامِ المخلوقينَ! ومنهُ تعلَّم النَّاسُ الخطابةَ والكتابةَ، قال عبد الحميد بن يَحيى: حفظتُ سبعينَ خُطبةً من خُطَبِ الأَصلع، ففاضت ثمَّ فاضت! وقال إِبْنُ نباتة: حفظتُ من الخطابةِ كنزاً لا يزيدهُ الانفاق إِلّا سعةً وكثرةً، حفظتُ مائة فصل من مواعظ عليّ بن أَبي طالبٍ!.

وأَمّا سجاحةُ الأَخْلاقِ وبِشرِ الوجهِ وطلاقة المُحيّا والتبسُّم: فهو المضروبُ بهِ المثلُ فيه حتَّى عابهُ بذلكَ أَعداؤُه، قال عمرو بن العاص لأَهل الشَّام: أَنَّهُ ذو دعابةٍ شديدةٍ! وقال عليٌّ (عليه السلام) في ذاك {عَجَباً لاِبْنِ النَّابِغَةِ! يَزْعُمُ لاَِهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِيَّ دُعَابَةً، وَأَنِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ: أُعَافِسُ وَأُمَارِسُ! لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً، وَنَطَقَ آثِماً}! وعمرو بن العاص إِنَّما أَخذها عن عُمر بن الخطَّاب لقولهِ لَهُ لمَّا عزمَ على استخلافهِ: للهِ أَبُوكَ لَولا دُعابةً فيكَ!.

قَالَ صعصعةُ بن صوحان وغيرهُ من شيعتهِ وأَصحابهِ: كانَ فينا كأَحدِنا، لينُ جانبٍ وشدَّةُ تواضُعٍ وسهولةُ قِيادٍ، وكُنّا نهابهُ مهابةَ الأَسيرِ المربوطِ للسيَّافِ الواقفِ على رأسهِ.

وأَمّا الزُّهد في الدُّنيا: فهو سيِّدُ الزهَّاد وبدل الأَبدال، وإِليهِ تُشَدُّ الرِّحال وعندهُ تُنفضُ الأَحلاس، ما شبِعَ من طعامٍ قطُّ، وكان أَخشن النَّاس مأكلاً وملبساً، وهوَ القائلُ: {أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ!}

وأَمّا العِبادة: فكانَ أَعبد النَّاس وأَكثرهُم صلاةً وصوماً، ومنهُ تعلَّم النَّاسُ صلاة اللَّيل، وملازمة الأَوراد وقيام النَّافلة، وما ظنُّكَ برجُلٍ يبلغ من محافظتهِ على وُردهِ أَن يُبسطَ لَهُ نطعٌ بين الصفَّين ليلةَ الهرير، فيصلِّي عليهِ وردهُ، والسِّهامُ تقع بين يدَيهِ وتمرُّ على صُماخَيهِ يميناً وشمالاً، فلا يرتاعُ لذلك، ولا يقومُ حتَّى يفرغ من وظيفتهِ! وما ظنُّك برجُلٍ كانت جبهتهُ كثِفنَةِ البعيرِ لطولِ سجودهِ.

وأَنت إِذا تأَمَّلت دعواتهُ ومناجاتهُ، ووقفتَ على ما فيها من تعظيمِ الله سبحانهُ وإِجلالهِ، وما يتضمَّنهُ من الخضوعِ لهيبتهِ، والخشوع لعزَّتهِ والاستخذاء لهُ، عرفتَ ما ينطوي عليهِ من الاخلاص، وفهمتَ من أَيِّ قلبٍ خرجت، وعلى أَيِّ لسانٍ جرت! ولقد قيل لعليِّ بن الحُسين (عليه السلام) وكان الغايةُ في العبادةِ: أَين عبادتُك من عبادةِ جدِّك؟ قال: عبادتي عندَ عبادةِ جدِّي كعبادةِ جدِّي عندَ عبادةِ رَسُولِ الله (صلى الله عليه وآله)!.

وأَمّا قراءتهُ القُرآن واشتغالهُ بهِ: فهو المنظورُ إِليهِ في هذا الباب، اِتَّفقَ الكلُّ على أَنَّهُ كانَ يحفظ القُرآن على عهدِ رَسُولِ الله (صلى الله عليه وآله) ولم يكن غيرهُ يحفظهُ، ثم هو أَوَّل من جمعهُ!.

وإِذا رجعتَ إِلى كتُب القِراءات وجدتَ أَئِمَّة القُرَّاء كلُّهم يرجِعونَ إِليهِ، كأَبي عمرو بن العلاء وعاصِم بن أَبي النُّجود وغيرهِما، لأَنَّهم يرجِعون إِلى أَبي عبد الرَّحمن السَّلمي القارئ، وأَبو عبد الرَّحمن كان تلميذهُ (عليه السلام) وعنهُ أَخذَ القُرآن، فقد صار هذا الفنُّ من الفنونِ التي تنتهي إِليهِ أَيْضاً، مثلِ كثيرٍ ممَّا سبق.

وأَمَّا الرأيُ والتَّدبير: فكان من أَسدِّ النَّاس رأياً، وأَصحَّهم تدبيراً، وهو الذي أَشار على عُمر بن الخطَّاب لمَّا عزِم على أَن يتوجَّه بنفسهِ إِلى حربِ الرُّوم والفُرس بما أَشارَ!، وهو الذي أَشار على عُثمان بأُمورٍ كان صلاحهُ فيها، ولو قبِلها لم يحدُث عليهِ ما حدثَ.

وأَمّا السِّياسة: فإِنَّهُ كان شديد السِّياسة، خشِناً في ذاتِ الله.

ثم يُضيف؛ وما أَقولُ في رجُلٍ تحبُّهُ أَهل الذمَّة على تكذيبهِم بالنبوَّة، وتُعظِّمهُ الفلاسفة على معاندتهِم لأَهل المِلَّة، وتصوِّر ملوك الفرَنج والرُّوم صورتهُ في بِيَعِها وبيوتِ عباداتِها، حاملاً سيفهُ، مشمِّراً لحربهِ، وتصوِّر مُلوك التُّرك والدَّيلَم صورتهُ على أَسيافِها!.

وما أَقولُ في رجُلٍ أَبوهُ أَبو طالبٍ سيِّد البطحاء وشيخ قُريش ورئيس مكَّة.

وأَبو طالبٍ هو الذي كفلَ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) صغيراً، وحماهُ وحاطهُ كبيراً، ومنعهُ من مُشركي قريش ولقِيَ لأَجلهِ عنَتاً عظيماً وقاسى بلاءً شديداً، وصبر على نصرهِ والقيامَ بأَمرهِ! وجاء في الخبر أَنَّهُ لمَّا توفَّى أَبو طالب أُوحى إِليهِ (صلى الله عليه وآله) وقيلَ لَهُ: أُخرج منها، فقد ماتَ ناصرُكَ.

وما أَقولُ في رجُلٍ سبقَ النَّاسَ إِلى الهُدى وآمن بالله وعبدهُ وكلُّ مَن في الأَرْضِ يعبدُ الحَجر، ويجحدُ الخالِق، لم يسبقهُ أَحدٌ إِلى التَّوحيد إِلّا السَّابق إِلى كلِّ خَيْرٍ، محمَّدٌ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وآله) ولقد ذهبَ أَكثر أَهل الحديث إِلى أَنَّهُ (عليه السلام) أَوَّل النَّاس إِتِّباعاً لرسولِ الله (صلى الله عليه وآله) وإِيماناً بهِ، ولم يُخالف في ذلك إِلّا الأَقلُّون! وقد قَالَ هو (عليه السلام): {أَنا الصِّدِّيقُ الأَكبَر وأَنا الفارُوقُ الأَوَّل، أَسلَمتُ قبلَ إِسلامِ النَّاس، وصلَّيتُ قبلَ صَلاتِهِم}.

 

17/ ذو الحجة/1438هـ