في رحاب قائد ثورة العشرين: الإمام الميرزا محمد تقي الشيرازي


 

موقع الإمام الشيرازي

 

كلمة الناشر

العراق هو مهد أقدم الحضارات في العالم، وهو مهبط الأنبياء ومستقر الأئمة والأولياء ومرقد الأئمة المعصومين الأطهار (عليهم السلام) والمركز الأكبر الذي تنتشر فيه الأماكن الدينية والمقدسة، والموقع الذي انطلقت منه الحركات الإصلاحية الكبيرة مثل ثورة العشرين التي قادها الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي.

وحسبك من أعماله الجبارة موقفه الجليل في الثورة العراقية، وإصداره تلك الفتوى العظيمة التي أنقذت العراق من الاحتلال البريطاني فهو فدى استقلال العراق بنفسه وأولاده. وكان العراقيون طوع إرادته لا يصدرون إلا عن رأيه، وكان لا يستبد برأيه في مثل هذه المواقف بل يستشير جميع العلماء وأصحاب الفضيلة ليتخذ القرار الصائب، وكانت اجتماعاتهم تعقد في بيته بكربلاء المقدسة مرات عدة. حتى توفي في الثالث عشر من ذي الحجة عام (1338هـ) مسموماً ودفن في الصحن الحسيني الشريف ومقبرته فيه مشهورة.

نعم جثم على صدر العراق الجريح ـ ولفترة غير قصيرة ـ كابوس الاستبداد الذي ألقى الشعب في دوامات البؤس والشقاء.. فتحول العراق إلى رعب وبطش تلاعب به الدكتاتوريون والطغاة، ونشروا الظلام البهيم وصادروا أمن الشعب وطمأنينته وحريته وسائر حقوقه، فكان التهجير والتشريد والسجن واليتم والجوع والتغريب والتعذيب وانتهاك الأعراض والقتل والإبادة الجماعية كلها محن تلقي بظلالها على الجباه البائسة، وكان من أسباب هذه المآسي، أنه لعشرات السنين ظلت الأقلية هي التي تسيطر على الحكم في العراق وتتحكم في مقدراته وتفرض آراءها وأفكارها على الأكثرية المضطهدة.. فالأكثرية الشيعية في العراق التي تناهز 85% من مجموع السكان قمعت ومنعت من حقوقها ومصالحها ومعتقداتها، مع أنها هي التي حررت العراق من سيطرة الأعداء مرارا عديدة وضحت من أجل الدين والوطن بالغالي والنفيس.

وكان من أسبابها أيضا: تلك الحروب المدمرة التي اجتاحت العراق لفترة من الزمن قادها الطغاة لإرضاء نزواتهم وتحقيق مصالح المستعمرين حيث أدت هذه الحروب إلى تدمير بنية العراق وقتل وجرح الملايين واستنفاذ ثرواته وأمواله.

وكان من أسبابها: تحطيم البنية الثقافية والاجتماعية، حيث حطم الطغيان المستبد في العراق المراكز الثقافية والعلمية والمتمثلة في الحوزات العلمية والتي يزيد عمرها عن الألف عام وقد شتتها وسجن العلماء وأعدمهم وصادر الحريات الدينية، وحوّل المدارس إلى سجون، ومسخ الثقافة الإنسانية إلى ثقافة العنف والإعدام والحرب وعدم احترام الرأي الآخر.

فإذا كان العالم ينادي بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان فكان منطق طغاة العراق شيء آخر وهو الحزب الأوحد الذي يتحكم بالنفوس والأموال والأعراض، أما الحرية فكانت معتقلة في بطون السجون، وأما حقوق الإنسان فقد داسها رجال الأمن، فالشعب كلهم كالعبيد للحاكم الأوحد الذي يحكم بما يشاء، فيعلن بجرة قلم الحرب ويصدر أوامر الإعدام والاغتيال ويطرد من يشاء من بلده و…

وإذا أردنا أن نغير ملامح العراق المأساوية ونوجد واقعا جديدا مفعما بالأمل والسعادة والاستقرار فلابد أن نغير هذه الخطوط التي رسمها الاستبداد ونرسم خطوطا واقعية تعتمد على الحرية والتعددية والاستقلال والاكتفاء الذاتي وحكم الأكثرية والأخلاق الفاضلة والحفاظ على حقوق الناس ومصالحهم وحماية مقدساتهم..

ومن هذا المنطلق كان العراق ولا زال يحجز الحيز الأكبر من اهتمام المرجعية الدينية وخاصة أسرة الإمام الشيرازي، بدء من المجدد الكبير الذي كان يقطن سامراء المقدسة، إلى الميرزا محمد تقي صاحب ثورة العشرين، إلى المجدد الثاني الإمام السيد محمد الشيرازي وأخيه الشهيد السيد حسن الذي اغتاله البعثيون، وإلى المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي، حيث أخذت القضية العراقية وما يرتبط بالشعب العراقي المظلوم أكبر همهم، فاتخذوا تلك المواقف التاريخية المشرفة زمن الطاغية وحين السقوط وبعده، فقد أفتى السيد المرجع بضرورة إنقاذ الشعب العراقي وإسقاط الطاغية صدام، وبعد سقوط حزب البعث رسم الأسلوب السياسي الصحيح لإدارة العراق المستلهم من حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) العادلة، وأكد على ذلك في عشرات الخطابات والبيانات والكتب والمؤتمرات واللقاءات التي عقدها مع مختلف أصناف الشعب العراقي، وركز سماحته على ضرورة نشر الوعي والثقافة الإسلامية المستلهمة من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) المبنية على التعددية واحترام الرأي الآخر وحرية الأحزاب وشورى الفقهاء المراجع واتخاذ سياسة السلم واللاعنف في كافة المجالات بعيدا عن كل مظاهر العنف والخشونة.

كما أكد سماحته على ضرورة المطالبة بحقوق الأكثرية الشيعية كاملة غير منقوصة، وكذلك إعطاء الأقليات حقوقها، قال الله تعالى «لا تظلمون ولا تظلمون»، فإن التغاضي عن حقوق الأكثرية سيوقع العراق في نفس المآسي السابقة، كما حدث ذلك بعد ثورة العشرين التي قادها الشيخ محمد تقي الشيرازي.

وهذا الكتاب مقتطفات من سيرة قائد ثورة العشرين وحياته الشخصية والسياسية لتكون نموذجا صالحا يقتدي به المؤمنون، وخاصة من يتسلم أزمة الأمور وقيادتها.

قدوة وأسوة

لم يكن الإمام القائد الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي (قائد ثورة العشرين المجيدة) قائد ثورة فحسب، بل كان قائد دين، وعملاق فكر، ومعلم خير وفضيلة، قضى عمره الشريف في خدمة الله ومصالح المسلمين، برحابة صدر، وانشراح قلب، وانفتاح باع.

كان علماً من أعلام الاجتهاد والمرجعية في العالم الإسلامي إذ ذاك، وقد ألف في الفقه والأصول والأدب كتباً عديدة منها:

1: حاشية على المكاسب.

2: رسالة في صلاة الجمعة.

3: رسالة في الخلل.

4: شرح على المنظومة الفقهية في أحكام الرضاع.

5: ديوان شعر، جلّه مدائح الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام).

كما كان قدوة في الأخلاق الحسنة، والصفات الخيرة، نذكر ما وصلنا من ذلك ليكون درساً لنا، وأسوة في أعمالنا، وعظة بليغة في مسيرتنا، وهى كما يلي:

1: قمة الحياء والتواضع‏

نقل المرحوم آية الله الميرزا عبد الله الشيرازي شقيق آية الله العظمى السيد ميزرا مهدي الشيرازي وقد كان ملازماً للميرزا محمد تقي الشيرازي عشرين سنة يتتلمذ على يديه ـ قائلاً:

إن سماحته كان في غاية الحياء وقمة التواضع، ينظر إلى الأرض أكثر مما ينظر إلى السماء ـ كما جاء ذلك في وصف نبينا، خاتم الرسل محمد (صلى الله عليه وآله)، ولم يعهد منه أن يقع نظره في نظر أحد وإني رغم صحبتي له عشرين عاماً لم يقع نظري في نظره إلا مرتين فقط، كل ذلك لتواضعه، وحيائه وكثرة إطراقه برأسه إلى الأرض.

2: تسبيح دائم‏

ونقل المتحدث المذكور عن سماحته أيضاً بقوله:

لقد كان سماحته كثير الذكر، بل دائم الذكر، لا يفتر عن التهليل والتسبيح والتحميد لله تعالى حسب طاقته إلاّ إذا أراد الجواب عن مسألة، أو الإفصاح عن بيان أمر، أو إلقاء درس على تلامذته، كما كان في كل ذلك مطرقاً برأسه، لا يرفع طرفه إلى من حوله، ولا ينظر في وجوههم، وكان مصداقاً حياً في مواظبته على ذكر الله العظيم لقولـه تعالى: (... الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم...) (1).

3: الزهد في المأكل‏

وأضاف المتحدث السابق عن سماحته قائلاً:

لقد كان سماحته زاهداً بما في الكلمة من معنى، غير متقيد بمظاهر الزينة، ولا مكترث بمباهج الحياة وزخارفها، لا في الملبس، ولا في المسكن، ولا في المطعم، ولا في المشرب. وهو حين ذاك يشغل منصب المرجعية العليا للشيعة في العالم الإسلامي، ففي مطعمه ومشربه لم ير ولا مرة أنه ينتقد أو يصف الطعام الذي أحضر لـه أو ينتقصه بأنه مثلاً مالح، أو قليل الملح، أو جيد، أو غير جيد، أو لذيذ، أو غير لذيذ، ولا غير ذلك.

ولم يستشكل قط في تأخيره إذا تأخر إحضار طعامه، أو تقديمه إذا تقدم، ولا في أنه بارد أو أنه فاتر، أو أنه شديد الحرارة، ولا غير ذلك، بل كان حينما يحضر الطعام ويجلس على المائدة، يبدأ بـ (بسم الله) ويأكل دون الشبع، ويختم بحمده تعالى وشكره، والدعاء بإشباع الجائعين، وإغناء الفقراء والمساكين.

4: فرصة مغتنمة

وأردف المتحدث السابق عن سماحته قائلاً:

لقد أصيب سماحته بنقاهة جسمية، وعارضة مرضية، دامت معه طويلاً، طبعاً لم تكن عارضة شديدة تجعله طريح الفراش، بل كان بقوة روحه وصلابة عزمه متغلباً عليها لمدة غير قصيرة وهي تلازمه، وكنت أتحرّى مصدر هذه النقاهة، وأرى أنها وليدة عدم انتظام أكله، وقلة تركيز طعامه، لكن لم أحرز صحة رأيي هذا، أو مدى صحته، إلى أن اتفق لعائلة سماحة الميرزا أن يغادروا البيت في سفرة دينية لزيارة مرقد السيد محمد ابن الإمام الهادي (عليه السلام) المعروف بسبع الدجيل، آنذاك استأذنت سماحته في أن أتعهد لـه بطبخ طعامه، وإعداده له. فتفضّل علىَّ بالإذن في ذلك.

فرحت أتعمد تركيز الطعام، وتجهيزه بالمواد الغذائية اللازمة، وإعداده لـه في وجبات منتظمة، والطريف أنه لم تمض إلا أيام معدودة إلا وقد عرفت صدق حدسي وصحة رأيي في نقاهة الميرزا حيث بدأت بعد ذلك تتحسن صحته وتعود إلى نصابها. وبالتالي بعد مرور أيام، ارتفعت نقاهة الميرزا وأصبح بوضع صحي طبيعي.

5: الزهد في الملبس‏

ونقل متحدث آخر عن سماحته قائلاً:

لقد قمنا وجماعة بزيارة تفقديّة لسماحته، علماً بأنه إذ ذاك كان مرجعاً أكبر للطائفة الشيعية في العالم الإسلامي الكبير، وقائداً للثورة الإسلامية ضد المحتلين الإنجليز، فألفت نظرنا تواضعه وزهده، فقد كان يرتدي ملابس عادية جداً في مستوى الطلبة العاديين، بل يزداد عليهم خرقاً ورقعاً، في حين أنها كانت نظيفة جداً، مما أثار ثائرتنا تجاه محرومية الميرزا وعدم قيام ذويه بواجباته.

وعند الانصراف، التقيت بنجله الأكبر الميرزا عبد الحسين الشيرازي وأخذت أوبخّه على تقصيره في خدمة والده، وعدم تعهده بما يليق وشأنه من قيادته لثورة عارمة ضد الاحتلال، ومرجعيته للعالم الإسلامي وغير ذلك.

فنهنه عليّ الميرزا عبد الحسين وقال: أشكرك على شعورك الطيب، إنه صحيح ما قلت، ولكن على الولد أن يمتثل أوامر والده، وأن ينـزل إلى رغبته، أليس كذلك؟

قلت: نعم، وكيف؟

قال: إن لوالدي أرضاً موروثة في شيراز، وصلته إرثاً عن والده، وواردها سنوياً يضاهي مبلغاً قدره مائة تومان إيراني ـ مثلا ـ فقط، يصرفها والدي في مؤونة سنته لنفسه وعائلته وذويه، ولا يتصرف في شيء من الحقوق الشرعية الحاصلة تحت يده بالملايين، كما لا يسمع لنا بشيء من ذلك قط، وهو ينتظر كل عام وصول عائده المذكور دون زيادة ونقيصة وهي كما ترى لا تكفي حتى لسدّ الحوائج الأولية للحياة، إلا بصعوبة وجشوبة. ثم أردف قائلا: أترى مع ذلك كله قصوراً منّا بالنسبة إلى سماحته؟ فأعذرته على ذلك واعتذرت منه، وودعته بعين الإكبار والإجلال.

6: رفق وسماحة

وقد أشار متحدث آخر حيث نقل عن سماحته ما يلي:

كان سماحته مثالاً للأخلاق الكريمة، ومجسماً للحلم والصبر والشكيمة، وكان يتمالك نفسه ويكظم غيظه، ولا يدع غضبه يطفح على وجهه، أو يظهر على محياه وجوارحه، حتى تعاهد بعض زملائه وحاشيته على‏ أن يعمل ما يثير غضبه وسخطه. وحيث إن الإنسان جبل على حبه لنفسه، وتعظيمه وتبجيله لها، وانزعاجه ممن يزدري به ولا يحترمه، دخل هذا المتعاهد من هذه الثغرة لعلّه يظفر بأمنيته ويثير سخط الميرزا وغضبه، متناسياً كرامة الميرزا وعظمته الروحية الفائقة.

وفي سفرة دينية من سامراء إلى زيارة السيد محمد بن الإمام علي الهادي (عليه السلام)، حيث اصطحب الميرزا جماعة، من بينهم هذا المتعاهد، انتهز الفرصة واستقل مقعده في محمل الميرزا وهودجه، فقد كان السفر آنذاك على الجمال المزوّدة بالمحامل والهوادج، وفي أثناء الطريق أخذ يناقش الميرزا حول بعض المسائل الأصولية، ويعترض عليه كلما أجابه، وذلك بشدة لحن وخشونة في المقال، ويقصد بذلك إثارته، لكن دون جدوى، فإن الميرزا كان يقابله برصانة في النفس، ومتانة في الكلام.

فلمز إلى المتعاهد بعض أصدقائه، بأنه قد فشل في محاولاته تجاه إثارة غضب الميرزا، لكنه أجاب قائلاً: نعم، ولكن بقي لي واحد، وفنً آخر، وهو آخر شيء في حقيبتي لإغضابه، ولعلي سأكون ناجحاً في إنجازه.

بقي الجميع يترصدون فنّه الأخير، ومهمته الأخيرة، حتى إذا وصل الموكب على مقربة من روضة السيد محمد (عليه السلام)، قفز المتعاهد فجأة من مقعده، وإذا بالمحمل ينقلب من على الجمل على وجه الأرض، وإذا بالميرزا يسقط فيقوم وهو ينفض ملابسه، ويعدل ردائه، ويقول: الحمد لله رب العالمين، أما أنا فلم يصبني سوء، كيف أنت يا أخي لم يصبك سوء؟!

وعندما كان الجواب منفياً، أخذ يردد: (الحمد لله.. الحمد لله)، وهكذا فشل المتعاهد في عهده وتعاهده.

7: حسن المعاشرة

وذكر متحدث آخر عن سماحته القصة التالية:

لقد قام بزيارة سماحته أحد شخصيات إيران، المعروفة آنذاك. وكان مدة توقفه في كربلاء المقدسة، لزيارة الأعتاب الكريمة، يلازم صلاة جماعته التي تقام في الصحن الحسيني الشريف، وكان أحياناً يأتي بعد الصلاة لتقبيل يد الميرزا. وحيث كان هذا الزائر يحلق لحيته، اعترض بعض حاشيته على سماحته، بأنه لم لا يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر حين يأتي إليه لتقبيل يده؟

فأجاب سماحته قائلاً: لم أكن لحد اليوم قد نظرت إلى وجهه، لأراه ملتحياً أو حالقاً، والآن حيث أخبرتموني بذلك، فسأقوم بما أجبه الله تعالى علي.

وبالفعل لما اتفق مجيء ذلك الزائر إلى سماحته لتقبيل يده الكريمة والتشرف بخدمته تفقد الميرزا أحواله ولاطفه، ثم تسائل منه قائلاً: فضيلتكم من تقلدون من المراجع؟

الزائر: افتخر بتقليدي لسماحتكم‏.

الميرزا: يبتسم ويلين في كلامه، ويقول: كيف تكون مقلدي، ولم تقلدني في أظهر شيء من ذلك، وهو إعفاء اللحية وعدم حلقها؟؟

الزائر: يعتذر من سماحته ويعده بالالتحاء فيما بعد وتقليده لـه في ذلك، ولم ير بعد ذلك حالقاً.

وتحدث واحد من أعلام تلامذة الميرزا وهو آية الله العظمى السيد ميرزا مهدى الشيرازي عن سماحته قائلاً:

كان سماحته يمتاز بأسلوبه الخاص في تدريسه، ومن جملتها أنه إذا اشتد نقاش الطلبة وعلا بحثهم ونقضهم وإبرامهم فيما بينهم، لم ينهرهم الميرزا ولم يعنف بهم، بل يتركهم وشأنهم، ويشتغل هو بالذكر والتسبيح والتهليل، إلى أن ينحلّ نزاعهم وتهدأ أصواتهم، فإذا سكنت الأنفاس، وهدأت الأصوات وعاد الجوّ الدراسي المناسب، بدأ سماحته من جديد يواصل إلقاء درسه على تلامذته، وذلك برحابة صدر، وطيب خاطر، دون أن يظهر تذمراً أو انزجاراً من مقاطعتهم لـه، أو تفويت الوقت عليه، ودون أن يبدو على أسارير وجهه شيء من علائم الغضب أو بوادر الإثارة.

8: وراء الأحداث‏

وتحدث واحد من الأعلام وهو آية الله العظمى السيد مرتضى الطباطبائي عن كيفية وفاة الميرزا قائلاً:

لقد دسّ الإنجليز السم إلى الميرزا وقضوا على حياته، وذلك عبر أحد عملائهم المتظاهرين بالتدين والتقدس المشتغلين بمهنة العطارة، حيث كان العطار في ذلك الزمان بمثابة الدكتور في زماننا، وعطارته تشكل دور مذخر الأدوية من الصيدليات الموجودة في زماننا.

وكان هذا العطار قد استأجر محلاً على قرب منزل الميرزا، واتفق أن أصيب الميرزا بنقاهة جسمية ومرض خفيف، على إثره جلبوا له عقاقير طبية من ذلك العطار.

ولما أن سقوا الميرزا من ذلك الدواء، تدهورت حالته ووخم مرضه، وأدّى به إلى الموت، لكن دون أن يتفطن إلا القليل إلى ما وراء هذا الحادث الجلل، والمصاب الأليم.

قال: حتى إذا نقلنا جثمان الميرزا إلى المغتسل وإذا به بعد موته ينـزف من فمه وأنفه دم كثير، بحيث تصورنا أنه لم يبق قطرة دم في جثمانه الشريف.

وعلى أثر ذلك اعتقدنا إلى أن وراء وفاة الميرزا يد خارجية قد دست السم إليه، وذلك عبر تلك العقاقير التي اجتلبت لـه من ذلك العطار الظاهر الصلاح. وعندما راجعنا العطار لم نجد لـه أثراً، فقد أنهى مهمته ونفذ خطّة أسياده الإنجليز وتمّ كل شيء.

نعم هكذا يخططون لنا، ونحن بعد في غفلة ورقدة وسبات.

9: أشداء على الكفار

نقل المرحوم الشيخ هادي كمونة رئيس بلدية كربلاء المقدسة في أيام الحرب ضد الاحتلال البريطاني، عن حنكة الميرزا وسياسته قائلا:

لقد كان الاستعمار العجوز (بريطانيا) ولا يزال يخطط ضد الإسلام والمسلمين، وعلى قول أحد السياسيين: (إن المؤامرات في الشرق الإسلامي تحاك من قبل الاستعمار البريطاني العجوز، والوسائل والمعدات الحربية الأمريكية والسوفيتية هي التي تشعل نار الفتن المخططة فيها، والمسلمون المساكين هم وقود تلك النيران).

ومن جملة تلك المخططات آنذاك هو اللقاء من قبل (كوكس) القائد العام للقوات البريطانية المحتلة في العراق مع سماحة الميرزا قائد الثورة العراقية ضد الاحتلال، حيث قد أخبرني بأن أطلب من سماحته وقتاً لذلك.

فأقبلت إلى سماحة الميرزا لأخبره بالنبأ وأطلب منه تعيين وقت للقاء (كوكس) بسماحته، فلما دخلت وسلمت رحب بي الميرزا كثيراً بعد أن رد السلام بأحسن منه، وقام من مجلسه احتراماً، وطلب لي العصير والشاي، وبعد ذلك لما استقرّ بي المجلس التفت إليه وقلت: سماحة الميرزا أخبرني الرئيس (كوكس) بأنه يحب لقائكم، ويطلب منكم فرصة مناسبة لذلك.

أجاب الميرزا بكل صراحة: وأنا لا أحب لقائه، وأصرّ على ذلك. فرجعت خائباً أدراجي، وأخبرت الرئيس (كوكس) برفض الميرزا لطلبه، وعدم الاستعداد للقائه.

فقال (كوكس): سنـزوره ولو برفض منه، فإن لدينا نبأ مهماً ومأمورية خاصة من لندن، لابد من إيصالها إليه.

وفي ذات يوم جاءني (كوكس) وقال: هيا بنا لزيارة سماحة الميرزا لأداء مأموريتنا إليه.

فصحبته إلى دار سماحة الميرزا ودخلنا عليه على حين غفلة، فلما علم سماحته بمجيء (كوكس) ودخوله عليه طأطأ برأسه إلى الأرض، وأخذ يواصل تسبيحه وذكره دون أن يلتفت إلينا حتى كأنه لم يعرفنا قبل ذلك، فتقدم نحوه (كوكس) وأخذ يسأل عن أحواله وصحته، والمترجم يترجم لـه ذلك، لكن دون جدوى‏، فإن الميرزا كان قد غرق في شغل شاغل عنّا، وعن تفقدنا لـه، ولذلك لم يجب على شيء من الأسئلة، عندها أردف (كوكس) قائلاً:

لقد جئت إلى سماحتكم لمأمورية خاصة جاءتني من لندن، وفرضت علىّ الالتقاء بسماحتكم وعرضها عليكم فاسمحوا لي بذلك، ثم عرضها عليه، والمترجم يترجمها.

لكن الميرزا لم يلتفت إلى شيء من ذلك أدنى التفاتة، ولم يعبأ بالنبأ ولا بالمبعوث ولا بالباعث، مما أدهشني كثيراً، وسبّب عدم ارتياحي من عدم التجاوب معنا.

ثم إن الرئيس (كوكس) تريث بعدها قليلاً، وأشار إلي بعد لحظات بأنه يريد المغادرة، فقمت معه وغادرنا الدار وهو يردّد ويقول: إنه ذو شخصية فذة، ونفسية كبيرة لاتُطال ولا تنال، ولا يمكن مخادعته ولا مراوغته.

ثم إني بعد ذلك زرت الميرزا وقلت لسماحته: لا يكاد ينقضي تعجبي من معاملتكم لي واحترامكم إلي وأنا إنسان عادي، فكيف انقلب تعاملكم مع ممثل بريطانيا على العراق، (كوكس) ذي الشخصية العسكرية البارزة، وقائد الاحتلال البريطاني للعراق، فلم تعبؤوا به؟

فأجابني سماحته بلطف وحنان وهو يقول: يا فضيلة الشيخ (كمونة)! هل تعلم السرّ في ذلك؟

قلت: لا، يا سماحة الميرزا، أخبرني عنه.

قال: إنك يا فضيلة الشيخ، رجل مسلم، لكن هذا رجل مراوغ يمثل دولة مراوغة، قد اعتدوا على الإسلام والمسلمين، وشنّوا علينا حرباً عدوانية غاشمة، قتلوا فيها الشيوخ والنساء والأطفال، وسعوا في الأرض فساداً، وأهلكوا الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وقد أراد بلقائه هذا شراً، فهل تراني بعد ذلك كله أعامله كمعاملتي لك؟ ثم إنهم يهدفون من هذه اللقاءات إطلاء ظاهرتهم العدوانية بصيغة قانونية وشرعية؟؟

10: مع المحتاجين‏

ونقل أيضاً آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي عن سماحته بقوله:

لقد كان الميرزا متواضعاً إلى أبعد حد، لم يثأر لنفسه من أحد أبداً، فلقد اتفق أن جاءه أحد الأفراد المحوجين، يسأله عن مال يقوم تجاهه بقضائه صلاة أو صوم عن ميت، فلقد كان ولحد اليوم من المتعارف لدى المتشرعة، استئجار من يقوم بقضاء صلوات أو صوم أو حج عن ميتهم المديون بشيء من ذلك في قبال أجرة معينة، ويسلّمون تلك الأجرة إلى مرجعهم، حتى يوصلها إلى من هو أهل لها.

وجاء هذا الرجل المحوج يسأل الميرزا عن ذلك، لكن في ذلك الوقت لم يكن شيء من هذه الأموال مودعة عند الميرزا، فاعتذر الميرزا من الطالب ووعده أن يوصل إليه متى ما جاءه شيء من ذلك، غير أن الرجل كان قد ألحّ عليه العوز، فلم يتمالك نفسه، بل انهال على الميرزا قدحاً وقذفاً، مما أغرى بالحاضرين أن يقوموا إلى تأديبه.

لكن الميرزا منع الحاضرين من ذلك وصرفهم، ومضت أيام جاءت الميرزا أموال بهذا الصدد، وإذا بالميرزا يفرز قسماً محترماً ويأمر واحداً من حاشيته بإيصاله إلى ذلك الطالب المذكور.

وهنا اعترض عليه أحد الحاضرين الذين شهد الواقعة المذكورة وقال: يا سماحة الميرزا! ألم تشترطوا في الأجير الذي يقضي الصلاة والصوم عن الميت بأن يكون عادلاً؟

أجاب الميرزا: نعم، اشترط ذلك.

فأردف المعترض وقال: ألم تعدّوا القذف والقدح من الكبائر المسقطة للعدالة؟ أجاب الميرزا ثانية: نعم، إنها من الكبائر ومسقطة للعدالة، إلا أن يرجع ويتوب.

فأضاف المعترض: إذن هذا الشخص الذي تبعثون لـه بالمال، قد قدحكم وقذفكم، فسقط عن العدالة، فلا يستحق شيئاً من المال لعدم أهليته لقضاء شيء من ديون الميت.

انتقل الميرزا إلى ما يهدفه هذا المعترض، وقال: ألم تسمع الحديث الشريف يقول: احذر الكريم إذا جاع، فإنها ساعة لايؤاخذ عليها فهي لا تنافي ملكة العدالة، ثم إنه لم يتعرض لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) وللإمام (عليه السلام)، وإنما تعرض لي وقد عفوت عنه.

11: بلا كوكبة

وتحدث أحد العلماء المعاصرين لسماحة الميرزا عن سماحته قائلاً:

كان من تواضع سماحة الميرزا، أنه لا يحب التظاهر بالعظمة، ولا بما يلفت أنظار الآخرين إليه، وعلى أثر ذلك كان يفضل أن يمشي وحده ولا يصحبه أحد في ذهابه وإيابه.

وفي مناسبة من مناسبات زيارة أبي الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام) في كربلاء المقدسة، حيث يفد الزائرون آلافاً مؤلفة، وأحياناً يصل عددهم المليون زائر يفدون لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ويجددون معه ولائهم ومحبتهم ويتبركون بمرقده الشريف وضريحه المقدس، جئت وجماعة من العلماء إلى دار سماحة الميرزا لنصحبه في التشرف بزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ونحفظه من الزحام الكثير بجعله في وسطنا: لكنه أبى علينا ذلك ولم ينـزل عند طلبنا.

وبعد الإصرار الكثير، أظهر موافقته لنا وخرج بصحبتنا، حتى إذا تشرفنا بالوصول إلى الروضة الحسينية الطاهرة ودخلنا الرواق المبارك جاءنا موج قوي من طرف الزائرين، بعثر جمعنا، وفرق عددنا وإذا بالميرزا يصل إلى أمنيته، وينخرط في جموع الزائرين، ويضيع في سيلهم الجارف، وحيث كان الميرزا صغيراً في جثته، لم نعثر عليه بعد أن غطته حشود الزائرين الضخمة، لذلك رجعنا وحدنا إلى الدار بعد أن أكملنا الزيارة وانتهينا من الدعاء والصلاة. كما وقد حصل الميرزا على ما كان يرجوه من الانفراد والوحدة، ورجع وحده إلى داره.

12: في رحاب الله‏

وتحدث عنه أحد تجار كربلاء المقدسة وكان وكيلاً لسماحته، قائلاً:

كان سماحته وحيد عصره في التقوى والخوف من الله تعالى، فلقد اتفق أن زرته يوماً في منـزلـه، لتصفية الحساب الجاري بيننا، فلم أر أحداً في الدار، فقلت في نفسي: لعله في الغرف الداخلية، فدخلتها فلم أر فيها أحداً أيضاً، فابتدر إلى ذهني بأنه قد يكون على عادته قد ذهب إلى سطح الدار، لينفرد هناك وحده بالعبادة.

فارتقيت درج السطح، حتى إذا أشرفت عليه رأيته قد انهمك في سجوده وافتراشه الأرض يناجي ربه ويدعوه تعالى ويمرغ أنفه في التراب ويتضرع إليه سبحانه وقد خنقته العبرة، وقطّع أنفاسه البكاء المرير، فانسحبت راجعاً دون أن يعلم باطلاعي عليه ونزلت رويداً رويداً حتى إذا توسطت الدار، أخذت أصيح بصوت عالٍ:

يا الله! يا الله! أين انتم يا سماحة الميرزا؟

بعد لحظات من هتافي هذا ردّ عليّ الميرزا مجيباً: نعم، إنني‏ ها هنا، انتظرني فقد أقبلت إليك. وعندما جاء وقد كفكف دموعه، ومسح التراب عن أنفه وجبينه ودرأ عن نفسه كل معالم التضرع والتوسل، أخذ يلاطفني بالكلام ويبتسم إليّ كأن لم يكن في شيء من ذلك أبداً.

13: جود وسخاء

وتحدث التاجر الآنف الذكر عن سماحته أيضاً وقال:

كان الميرزا بالإضافة إلى شدة تقواه وورعه، جواداً كريماً، لايتخذ لنفسه شيئاً من الأموال الطائلة التي كانت تصله من مقلديه في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه، من بلاد الهند وباكستان والصين والاتحاد السوفيتي وغيرها من سائر البلاد التي كان المسلمون يتواجدون فيها، فقد كان هو مرجعهم الأعلى الذي يرجعون إليه في أمورهم، ويؤدون إليه الحقوق الشرعية المتعلقة بأموالهم.

فقد كانت تصله أكياس كبيرة من الحقوق الشرعية مملوءة بالذهب والفضة، وكان ينفقها كلها في مصالح المسلمين وكان أحياناً يدعوني إليه ويسلّمني كميات كبيرة من الذهب المسكوك والفضة، ويأمرني بإنفاقها على الفقراء والمعوزين، وفي تأمين خبز الطلبة وحاجاتهم الأولية وغير ذلك.

وكان يأمرني أحياناً بعد أن يسلّمني أموالاً كبيرة من الذهب المسكوك، والدنانير الذهبية المسكوكة، بأن أطرق باباً باباً، وأدفع لكل دار ديناراً ذهبياً مسكوكاً، دون أن أتحرى عن فقرهم وغناهم، وذلك في أيام الثورة العصيبة والظروف الصعبة القاسية.

14: ورقة علم‏

وتحدث بعض ثقاته عن سماحته قائلاً:

لقد كان سماحته عالماً نحريراً، وفارساً ممتحناً في ميدان الفقه والأصول، حتى كثرت مقالاته ومخطوطاته العلمية، لكن حيث لم يسمح لـه وقته إلا بتنقيح بعضها القليل وإعادة النظر فيه، وتصحيح ما يجب تصحيحه، وتعديل ما يلزم تعديله منها.

أوصى بما عدا تلك التي جدد النظر فيها، وصحح المشتبه منها، بأن تلقى‏ بعد موته في الماء أو يدفنوها في الأرض، وعندما سئل عن سبب ذلك أجاب:

إني حيث لم تواتيني الفرصة لمراجعتها والتدقيق فيها، وإعادة النظر إليها، أخشى أن تكون فيها أخطاء أو اشتباهات، تسبب وقوع من يراجعها في الخطأ والاشتباه، فيكون وزره علىّ وإثمه لي.

لذلك ابتعاداً من تبعات مخطوطاتي المحتملة، أوصيت بدفنها أو إلقائها في الماء.

15: قيادة حكيمة

نقل جماعة من العلماء الأعلام المعاصرين لسماحته عنه قائلين: كان سماحته في المجال السياسي محنكاً قديراً، يعطي اهتماماً بالغاً لسياسة جمع الكل واستقطاب الجميع، ويعير أهمية كبرى لجمع العقول واكتساب أحسن الآراء وأسدّدها.

لذلك ومن خلال التصدي لقيادة الثورة البطلة ضد الاحتلال البريطاني السافر، قام بتشكيل قيادة عليا، تضم بين ستين إلى سبعين عالماً مجتهداً منهم مراجع معاصرين لـه ومنهم من صار مرجعاً من بعده، من أمثال السيد أبي الحسن الأصفهاني، والشيخ مهدي الخالصي، والسيد حسين القمي وغيرهم.

وكان سماحته يستشيرهم في كل صغيرة وكبيرة، مما يخص الحرب والسلم والمعارضة وغير ذلك، حتى إنه إذا أراد أن يبرق إلى جهة أو إلى أحد في أمر من الأمور، استشارهم فيه، فإن وافقوا على ذلك جميعاً، أو وافق عليه أكثرهم، نفذ ذلك القرار وأمضاه وإلا عدل إلى رأي الأكثرية وانتهج نهجهم.

ولذلك جاءت كل خطواته ناجحة سديدة، أفشلت مخططات المحتلين الغاصبين وكبّدتهم الخسائر الفادحة. مما جعلتهم يعترفون بذلك ويفكرون في تعويضه عن طريق القضاء على سماحته، وذلك عن طريق دسم السم إليه، فبينما بقي البريطانيون في الهند ثلاثة قرون لم يتمكنوا أن يبقوا في العراق ثلاث سنوات بفضل قيادته الحكيمة، مع العلم أن بريطانيا في ذلك اليوم كانت أكبر دول العالم على الإطلاق، ونفوس العراق كانت لا تعدو حينذاك مليونين ونصف، وكانت أسلحتهم الجراز والمقوار، وبعض بندقيات الصيد وما أشبه، بينما كانت أسلحة بريطانيا القنابل والمدافع وسائر الوسائل الحديثة وكان لها الطائرات والباخرات والسيارات العسكرية وغيرها.

16: سهر دائم‏

وتحدث أحد علماء كربلاء المقدسة المعاصرين لسماحته عنه بقوله:

لما تزعم الميرزا ثورة الشعب العراقي المسلم بعد طلب أكيد من الشعب، كرس كل جهوده وبذل كل طاقاته في خدمة الشعب ونجاح الثورة، فكان لا يرى بعدها، إلا مع مجموعة كبيرة من العلماء والمراجع المعاصرين، وهو يستشيرهم ويأخذ رأيهم فيما يتعلق بشؤون الثورة، ولا ينفصل عنهم إلا في أوقات الصلاة، حيث يؤم الناس للصلاة بهم.

وكان مما يلفت النظر، أن سماحته لم يكتف في مواصلة شؤون الثورة بالنهار فقط بل كان أحياناً عندما ينصرف من صلاة المغرب والعشاء يجتمع بالقيادة العليا من إخوانه المراجع والعلماء ويقضي معهم الليل حتى الصباح، يفكر ويدبر أمور الثورة ومصالح الشعب العراقي المسلم بلا ملل ولا سأم.

وكان في ذلك يحذو حذو الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي كان عيناً ساهرة على الإسلام والمسلمين، ويقتدي بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) القائل: إن نمت ليلي ضيعت نفسي، وإن نمت نهاري ضيعت رعيتي.

17: في رحاب المدرسة

نقل سماحة آية الله العظمى النجفي المرعشي عن سماحته قائلاً:

كان سماحته أباً حنوناً، ووالداً عطوفاً للطلبة المعاصرين له، لم تغيره المرجعية عن ذلك ولا قيادة الثورة ولا زعامتها عن التفقد لهم والتعطف عليهم، وكنت أنا واحداً منهم ممن يعتز بلطفه وحنانه، ويفتخر ببركة ظلاله.

لكن سماحته لما رأى نفسه محاطاً بهالة من العلماء والمراجع، ورؤساء العشائر العراقية الثائرة، ومزدحماً بشؤون الثورة والثوار، مما يفصله عن شؤون الطلبة الأعزاء عليه، أشار علينا بقوله:

لعل أحدكم لـه حاجة ملحة، أو مسألة عارضة، يريد أن يلقاني بها، ولم تسمح لـه ظروفي العصيبة بأن يلقاني بحاجته متى شاء فإنها ظروف ثورة ونضال، فليكن على علم بأني قد اخترت لـه وقتاً مناسباً، ليلقاني فيه على مهل وسعة، ويعرض على ما يريد، وذلك بعد صلاة الفجر حتى ارتفاع النهار فإني أتمشى على ضفاف نهر الحسينية ذهاباً وإياباً على امتداد مقام المهدي (عليه السلام)، ومغتسل المخيم، وأنا على أتم استعداد لاستماع مسائلكم والإصغاء لمطالبكم، وقضاء حوائجكم.

ويضيف المتحدث المذكور قوله:

بأنه قد عرضت لي أكثر من مرة من المسائل التي يصعب حلها على غير سماحته، فالتقيت به على المكان الموعود، وقد قصده غير واحد من الطلبة في حوائجهم، فقضاها لي ولهم بكل رحابة صدر، وبشاشة وجه.

18: لا دار ولا عقار

ونقل متحدث موثوق عن سماحته قائلاً:

لقد عاش سماحة الميرزا عيشة متواضعة، لم تغيره القيادة العامة والمرجعية الكبرى‏ عما كان عليه من التواضع والبساطة في العيش، فلقد زاول عمره الشريف في بيت متواضع، كان قد استأجره لسكناه هو وعائلته، وقضى عمره الشريف في ذلك البيت المستأجر، حتى انتقل إلى رحمة الله.

وخلفه أولاده في ذلك البيت المستأجر الذي كان على مقربة من الروضة الحسينية المقدسة، حيث عمدت السلطات العراقية بعد وفاته إلى هدمه، بحجة إحداث ساحة حول الصحن الشريف، وتوسعة الشارع المحيط به، فاضطر أولاده على أثرها أن ينتقلوا إلى بيت مستأجر ثانٍ للسكنى فيه.

كل ذلك لما كان عليه سماحته من التقشف والزهد في الدنيا وما يمت إليها بصلة، حيث لم يقدم على شراء دار لـه ولأولاده، مع ما كانت تحت يديه من أموال طائلة ليس لها حساب، وثروات كبيرة تستصعب على الأرقام.

19: في رحاب الحكم‏

وذكر متحدث آخر وهو يتحدث عن سماحته بقوله:

لقد كان سماحته لوفور عقله وعلو همته، ناجحاً في أهدافه، وموفقاً في خطواته، فلقد عقد أول تصديه لزعامة الثورة ـ حسب طلب الشعب العراقي المسلم، حيث كان يرى فيه الكفاءة اللازمة، والأهلية الكاملة لقيادة ثورته الباسلة ـ حكومة ثورية إسلامية ولكن ليس على غرار الحكومات العسكرية التي تفرض نفسها بين حين وآخر على بلاد المسلمين، بل حكومة ثورية عادلة، تعالج مظالم الشعب العراقي المسلم وتمهد طرد أعدائه المحتلين.

وكانت هذه الحكومة الثورية العادلة يترأسها سماحته، ويدير شؤونها بنفسه مستفيداً من تشاوره مع العلماء، ومع قواعده وسواعده، أحسن الطرق، وأفضل الأساليب، لإدارتها وتسييرها، وطبيعي لهذه الحكومة أن تكون مؤقتة، ومقصورة على زمن الثورة وأيام النضال، يعقبها حكومة مدنية منتخبة من قبل الأكثرية وتدير دفة الحكم وتنظيم شؤون البلاد.

لذلك بعد أن بانت علائم النصر، وأوشك المحتلون على الانسحاب، طرح سماحته فكرة تشكيل حكومة مدنية، بعد أن نصب مؤقتاً حاكماً مدنياً على المناطق المحررة من نير المحتلين الإنجليز، مثل: كربلاء المقدسة، والنجف الأشرف، وبعض المناطق القريبة منهما، تمهيداً لترشيح وانتخاب حكومة مركزية، حازمة وقوية.

20: على أعتاب النصر

وأضاف المتحدث السابق عن سماحته قائلاً:

كان سماحته كفوءاً في مجال الإدارة، ناقداً بصيراً للحوادث، يضع الحلول الصحيحة، ويتخذ الإجراءات اللازمة، قبل أن تحل الكارثة.

وعلى أثر ذلك، لما بدت بوادر النصر السريع تلوح على الشعب العراقي المسلم، وأخذت فلول جيش الاحتلال تجر ذيول الهزيمة وقد كبّدت بخسائر مالية كبيرة وعسكرية فادحة، دعا الميرزا الشيرازي الثوار ورؤساء العشائر الثائرة والعلماء الأعلام إلى مؤتمر طارئ، لتشكيل نواة الحكومة المدنية، من نفس الثوار والعلماء الأعلام، تحفظهم من التفرّق والاختلاف، بعد الانسحاب العسكري السافر، وتحصنهم من التسلل ونفوذ العملاء في أوساطهم.

وعندما اجتمعوا جميعاً، طرح عليهم الميرزا ما يقتضيه الوقت، ويتطلبه الزمن الحاضر، من تشكيل حكومة مدنية، تلم شعثهم وتجمع شملهم، وتحفظهم من التشتت والتفرّق، وتصونهم من التسلل واندساس العملاء فيما بينهم فتحصد ثمرات أتعابهم وتصبّها في كيس المستعمرين الإنجليز.

ثم عرض عليهم عدة أطروحات لتشكيل الحكومة المدنية كما يلي:

1: أن ينتخبوا واحداً من بينهم يكون رئيساً عليهم.

لكنهم أبوا أن يرضخوا لواحد منهم، أو ينصاعوا إلى حكمه، فعرض الميرزا طرحه الثاني وهو:

2: اشتراكهم جميعاً في الحكم، على نحو تشكيل حكومة ائتلافية يتناوبون فيها جميعاً رئاستها، وكان هذا الثاني أيضاً مما لم يوافق عليه الثوار ورؤساء العشائر، فطرح سماحته أطروحته الثالثة وهي:

3: انتخاب الرئيس من بينهم بالاقتراع، إذ القرعة تناسب هكذا أمور معضلة، لكن هذا الثالث أيضاً قد قوبل بالرد وعدم الموافقة عليه.

وهنا انبرى الشيخ مهدى الخالصي من مكانه، واستأذن الميرزا في عرض ما يرتئيه في هذا المجال من ترشيح رئيس للعراق يقبله الجميع، فسمح لها الميرزا بذلك.

فعرض الشيخ، ترشيح فضيلة آية الله العظمى الحاج السيد الميرزا علي الشيرازي، نجل سماحة آية الله العظمى المجدد الميرزا محمد حسن الشيرازي صاحب ثورة التبغ (التنباك) للرئاسة، حيث إنه من أصحاب الكفاءات، وله الأهلية المناسبة لتصدى هذا المقام اللائق به، بالإضافة إلى اقتناع الجماهير العراقية به، وارتضائه رئيساً لهم.

وصادف هذا الطرح الصائب موافقة الثوار ورؤساء العشائر العراقية الثائرة، غير أن السيد الميرزا علي الشيرازي نفسه لم ينـزل عند هذا الطلب ولم يوافق معتذراً بعدم تفرّغه لمهام الرئاسة، حيث إنه قد استفرغ وقته وطاقته في الفقه والمسائل الشرعية بحثاً ودرساً، وتدريساً وتأليفاً.

وعند عدم قبول طرح الشيخ مهدي الخالصي أيضاً، قدم الميرزا الشيرازي طرحه الرابع والأخير وهو:

4: هناك بيوتات موقرة قد مارست الحكم والرئاسة وأثبتت جدارتها في هذا المجال، فإن وافقتهم على ذلك، فإني سأبعث إليه من يخبره بالأمر، وأطلب منه القدوم والقبول لما توافقتم عليه.

وتفاجأ الميرزا حينما رأى الثوار ورؤساء العشائر يردون عليه هذا الطرح الأخير أيضاً، فلم ير سماحته بداً من أن يتركهم وشأنهم، فقد أعذر من أنذر.

ولم ينتبه الثوار لنتائج ردّهم أطروحات قائدهم المحنك الحنون، إلا بعد أن رأوا أنفسهم في سيطرة المستعمرين الإنجليز لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولكن لا بنحو سافر كما كانوا عليه زمن الاحتلال، بل تحت ستار الملك فيصل حيث إنه نكّل بالثوار، وهجّر العلماء الأعلام من العراق.

21: في طريق الهجرة

ونقل متحدث آخر عن سماحته القصة التالية قائلاً:

لقد كان مؤهلات الميرزا الشيرازي للمرجعية والرئاسة العامة للمسلمين قبل تصديه للثورة كبيرة وفائقة، وكانت لـه مواقف مشرّفة وشجاعة زادت ثقة الناس به، ورشحته قائداً لثورتهم البطلة ضد الاحتلال العسكري السافر، وضد المحتلين الإنجليز، ومن جملة تلك المواقف هو الموقف التالي:

عندما هاجر سماحته من سامراء، متوجهاً إلى كربلاء المقدسة، ومنها إلى النجف الأشرف، توقف في طريقه لمدة محدودة في الكاظمية، ليجدد عهد بزيارة الإمامين الهمامين، موسى بن جعفر الكاظم ومحمد بن على الجواد (عليهما السلام)، وأثناء إقامته هناك، التجأ أحد الشخصيات العراقية بسماحته، ودخل داره مستجيراً به، فراراً من حكم الإعدام الذي أصدرته في حقه السلطات البريطانية المحتلة.

فأجاره سماحته واستضافه في بيته أياماً، واطّلعت السلطات المحتلة بعدها على خبره فوسّطت ـ لاسترداد هذه الشخصية ـ إلى سماحته وجهاء الكاظمية.

لكن الوساطات كلها كانت بلا نتيجة، حيث ردّها الميرزا محتجاً بقوله: يجب إجارة المستجير وإن كان غير مسلم، فكيف بمن هو مسلم فر من كافر حربي؟

فإخراجه وتسليمه مما لا طريق إليه.

وعندما رأت السلطات المحتلة أن الوسائط والإغراءات غير ناجحة في حصولها على من حكمت عليه بالإعدام، استنجدت بوسائل التهديد والإرعاب، وأرسلت من يقول للميرزا: إن لم تتنازلوا عند طلب الوساطات، فستقتحم السلطات العسكرية المحتلة داركم، وتسوقكم معاً إلى المحكمة وتنفذ فيكم حكمها بلا رادع ولا مانع.

وكان جواب الميرزا على هذه التهديدات كجوابه على الترغيبات والوساطات، مضيفاً إليها قولـه: إن استطعتم أن تفعلوا شيئاً من ذلك، فافعلوا ما بدا لكم؟

فكانت التهديدات هي الأخرى‏ كالإغراءات لا تزلزل نفسية الميرزا، ولم تغيّر موقفه مما اضطرت السلطات المحتلة إلى التنازل عن حكمها. وغض النظر عن إعدام تلك الشخصية العراقية، غير أنه كان لابد من امتثاله أمام المحكمة، لتصدر في حقه الحكم ببراءته، لتحكم له بالبراءة، ويرجع سالماً مأموناً إلى المنزل، فعرض سماحته طلب السلطات المحتلة على تلك الشخصية مستشيراً له بقوله:

وهل تطمئن أنت إلى ما وعدتني به السلطات المحتلة؟

المستجير: نعم، لأنه لا طريق لهم سوى ذلك، ثم استعد للخروج من منـزل سماحة الميرزا للمثول أمام المحكمة الصورية.

خرج والجيش قد اصطف على جانبي الطريق من دار سماحة الميرزا إلى المحكمة، فدخل المحكمة، وحكمت له بالبراءة كما أوعدت الميرزا بذلك، ورجع آمناً ليبشر سماحة الميرزا، ويشكره على ما قام به تجاهه من الإنسانية والخلق الإسلامي الكريم. ثم استأذن الميرزا في الانصراف إلى‏ منـزلـه، بعد أن حصل على الأمان وتخلص من حكم الإعدام، وودعه شاكراً.

22: نحو كربلاء المقدسة

ويواصل المتحدث نقله عن سماحة الميرزا ويقول:

بعد أن تبرك سماحته بزيارة الإمامين الكاظمين (عليهما السلام)، وأنقذ حياة رجل مسلم من أيدي السلطات المحتلة، وبذلك ارتفع شأنه لدى الناس، وعرفوه رجلاً شجاعاً ومقداماً، لا تأخذه في الله لومة لائم، وازدادوا ثقة به، واصل طريقه إلى النجف الأشرف ليستقر فيها، ويدير شؤون المرجعية منها.

وصلها وتشرف بزيارة الإمام أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام) وبقي فيها أياماً وقد أحاط الناس به، واحتشدوا حوله، ورحبوا بقدومه.

غير أنهم فوجئوا بمغادرة الميرزا النجف الأشرف وحده متجهاً إلى كربلاء المقدسة، بلا سابق إنذار، ولا إعلام منه لأحد بذلك، فتبعه جماعة والتحقوا به ليسألوه عن الحادث الذي حدى بسماحته للخروج، وعن العزم الذي عزم عليه؟

فأجاب سماحته قائلاً: النجف الأشرف مثل كربلاء المقدسة مهد العلم والعلماء وفي أي البلدين المقدسين كنت ففي حماية الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، ففي النجف الأشرف تحت راية أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي كربلاء المقدسة تحت راية ولده الشهيد الإمام الحسين (عليه السلام).

غير أنه رأيت وظيفتي الشرعية تحتم عليّ بالهجرة من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة حيث إني أحسست بأن هناك في النجف الأشرف اتجاه خاص، يريد أن يستفيد من تواجدي في النجف الأشرف، للنيل من شخصية المجتهد الأكبر سماحة آية الله العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي صاحب (العروة الوثقى)، ففضلت الخروج على البقاء، لئلا يصدر من أحد ما يخالف الشرع بسبـبي أو ينال من شخصٍ لأجلي، وبالفعل هاجر سماحته إلى كربلاء المقدسة وبقي فيها حيث قاد ثورة العشرين المعروفة إلى أن قضى فيها مسموماً شهيداً.

23: في رحاب أهل البيت (عليهم السلام)

ونقل متحدث آخر عن سماحته قائلاً:

لقد كان سماحته إلى جانب الفقه والأصول، وتفوقه وبراعته فيهما على أقرانه ومعاصريه، أديباً بارعاً، وشاعراً عبقرياً ذا حس مرهف، وذوق سليم، فقد ساقه ولاؤه الصادق لأهل البيت (عليهم السلام) أن تتفتح قريحته، وتتأجج مشاعره ليعبر عما في ضميره ومكنونه، من الحب الذي يكنه للمعصومين (عليهم السلام)، فلذلك جاءت أغلب قصائده مكلّلة بذكرهم (عليهم السلام)، ومعطرة بمدحهم والثناء عليهم، وأصبحت تلك هي الظاهرة الجلية التي تغطي ديوانه الكبير، وتصبغ قصائده الرائعة، التي أنشأها ونظمها باللغة العربية والفارسية.

وها نحن نشير إلى معنى مطلعين من قصيدتين لسماحته، انشأ إحداهما في ميلاد الإمام المهدي صاحب العصر والزمان، (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وثانيهما في مناسبة أخرى، لنستعرض من خلالها، أدبه الجميل وطبعه السليم، فقد استهل سماحته قصيدته الأولى بما مضمونه ومعناه:

أفواج حاشدة من الملائكة الكرام‏

تتنـزّل من سبع سماوات طباق‏

لتبشر أهل الأرض وتقول:

لقد زهق الباطل، فإن الحق جاء

ويستهل قصيدته الثانية بما معناه:

عيــــد بديـــــــع في العالمين.....أطبق الدنيا نشاطاً وسرورا

أطرب النـــاس جميعــــــاً.....كل من كان ذهولاً أو خبيرا

24: الصفح الجميل‏

ونقل متحدث مطّلع عن سماحته القصة التالية وقال:

كان سماحته طيب النفس رحب الصدر، يتجاوز عن المسيء، ويعفو عمن ظلمه، ويستر عليه، ولا يكشف القناع عن أحد، ولا يشكو من أحد أبداً، حتى اتفق لـه أيام كان في سامراء ـ حيث كان من دأبه المشي مسافات بعيدة أطراف سامراء وعلى ضفاف دجلة، للتفكير الهادئ في أمور وقضاياه ـ أن سارقاً هاجمه وسرق منه عباءته، فلم يعبأ به ولم يمتنع عليه ورجع إلى منزله بلا عباء، ليهيئ لنفسه عباءة أخرى، يرتديها لصلاة المغرب والعشاء التي تقام بإمامته في روضة الإمامين العسكريين (عليهما السلام) وصحنهما الشريف.

فسأله بعض أولاده عن العباءة وعمن سرقها، وأصروا عليه في ذلك، لكن لم يزدد سماحته في مقابلهم إلا إصراراً في عدم التصريح بقصة العباءة وعدم الكشف عن سارقها، وهو يبرر موقف من أخذها، باحتياجه إليها.

25: رجل الحرب والسلم‏

ونقل آية الله العظمى السيد محسن الحكيم ـ وكان من المعاضدين لسماحته والمناصرين لـه في ثورة العشرين المجيدة، ومن المرابطين على جبهة «الشعيبة» مع فضيلة السيد سعيد الحبوبي حيث إن لهما موقفاً مشرّفاً وشجاعاً ذكرته التواريخ المدونة بهذا الشأن ـ عن سماحته قائلاً:

لقد كان سماحته رجل دين ودنيا، بما للكلمة من معنى، فلقد كان يهيئ كل الأمور والأسباب المادية اللازمة، ويأخذ كل الاحتياطات والاستعدادات الحسية الكفيلة بنجاح الثورة وتقدمها، وكان لا ينسى إلى كل ذلك الجانب المعنوي والمعدات الغيبية البالغة الأثر في تفوق الثورة وانتصارها، ألا وهو جانب الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، والتوسل بأهل البيت (عليهم السلام) ووساطتهم إلى الله سبحانه.

قال: نظرت ذات مرة وقد توجه سماحته وهو في خضم المعركة القاسية، وحميم نيرانها الملتهبة، مع جملة ممن يصحبه من الثوار والعلماء ورؤساء العشائر الثائرة إلى الكوفة ومنها إلى مسجدها المعروف، ومسجد السهلة المبارك ليبتهل إلى الله تعالى ويتوسل إليه بوليه الغائب المستور، صاحب العصر والزمان الحجة ابن الحسن العسكري (عليه السلام) في أن يسدّده في خطاه، ويكلّل الثورة بالنجاح، والثوار بالظفر والنصر العاجل، وذلك امتثالاً لقوله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين)(2) وإجابة لأمره سبحانه: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)(3).

واتفق ذات مرة (بعد أن أتم سماحته صلاة المغرب والعشاء في مسجد السهلة وخرج متوجهاً نحو مسجد الكوفة، وجموع الناس وراءه) أن قد توقف وكأنه فقد شيئاً يبحث عنه، فسأل سماحته من كان قريباً منه عن توقفه، فلم يجبه بشيء بل تراجع عن مسيره واتجه إلى مسجد السهلة ملتفتاً إلى الجماهير من الناس يأمرهم بمواصلة سيرهم، حتى إذ وصل إلى مصلاه، أخذ قلمه ومحبرته التي قد نسيهما هناك، ثم رجع متجهاً إلى مسجد الكوفة، وذلك حرصاً من سماحته على أن يقوم هو بمهامّه الشخصية ولا يكلف فيها أحداً من الناس أبداً.

26: في رحاب السياسة

ونقل متحدّث آخر عن سماحته قائلاً:

كان سماحة الميرزا إلى جانب علمه وتديّنه، فطناً ذكياً، كيّساً محنكاً، يكتشف خطط الأعداء ومكائدهم، ويتصدى لإحباطها وإجهاضها وهي في الرحم، قبل أن ‏ترى عالم النور.

وكانت من مكائد السلطات المحتلة في إقعاد الناس عن الثورة وإبعادهم عن ساحات الجهاد، ومن الالتفات بقائدهم العظيم، هو إشاعة أخبار كاذبة تقول: بأن سماحة الميرزا محمد تقي الشيرازي رجل دين وتقوى، وإنه لم يفت بالجهاد ضد الإنجليز.

وكادت الإشاعة هذه أن تطغى على فكر الناس وتتغلغل في أدمغتهم، لولا أن تداركها سماحته بموقفه الحاسم حيث أقام الصلاة جماعة على أول شهيد من شهداء الثورة، وذلك وسط جموع كبيرة من الناس في الصحن الحسيني المبارك.

وبهذا التأييد العملي الصريح، اكتسح كل ما كان يحتمل أن يلج في أذهان الناس من الإشاعات الكاذبة التي بثها عملاء السلطة المحتلة في أوساط الناس، وأثبت أنه هو الذي أفتى بوجوب مقارعة المحتلين، وإخراجهم من أرض العراق الحبيب وإنهاء سلطتهم الغاشمة على الشعب المسلم، وكان فتواه بعد استشارة العشرات من العلماء والفقهاء.

27: العمل بالاحتياط

وقال متحدث آخر يصف سماحته بما يلي:

لقد كان سماحته في مجال العلم، عالماً نحريراً، ومحققاً بارعاً ومدققاً بصيراً، يستخرج لطائف المعاني ودقائق الأمور من آيات الكتاب وعبارات الحديث، مما أعطته القوة في بحوثه العلمية، والرصانة في آرائه الفقهية، والتفوق على أقرانه ومعاصريه، حيث أذعن لـه الجميع وأقرّوا لـه بالأعلمية، وقلده جماهير الشيعة في العالم الإسلامي الكبير، وبذلك صار لهم موئلاً ومرجعاً يرجعون إليه في أحكامهم ومسائلهم. 

وكانت الصفة البارزة فيه والمميزة لـه من بين معاصريه من العلماء والمراجع، هو احتياطه الكبير في كل الأمور.

28: رجل الدين والدنيا

ونقل متحدث آخر عن سماحته قائلا:

كان سماحته دقيقاً في تطبيق أحكام الإسلام، وتعاليمه الإنسانية في كل جوانب الحياة، وكان مثالاً حياً للحديث الشريف: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا».

وعلى أثر ذلك كان سماحته رجل دين ودنيا في وقت واحد، لايسمح لنفسه أن تضيع عليه شيئاً من دينه، كما لم يترك المقدمات التي تقوي نفسه على حب الطاعات والعبادات، وتمنحها الطراوة والنضارة. ولأجل ذلك كان سماحته، ينتهز أجمل الأوقات وأحلاها، وينتخب أثمن الساعات وأغلاها، الساعة التي ليست هي من ساعات الدنيا، بل من ساعات الآخرة والجنة، ألا وهي الساعة التي تتوسط طلوع الفجر وطلوع الشمس، فكان يستغلها بعد أن يصلي الفجر بالناس جماعة في تلطيف نفسه وتقويتها، حيث يتمشى على شطوط الأنهار بين نفحات النسيم. وأريج الزهور، وتغاريد الطيور، وأنفاس الصباح، هناك في أطراف المدينة بعيداً عن الضوضاء واللغط، والزحام والشطط، التي تملأ أجواء المدينة وتعكر صفوها. فيفضي على روحه نشاطاً وعلى نفسه رصانة، وعلى فكره صفاءاً، وعلى بدنه صحة وسلامة، وكان يقضي في ذلك الوقت حوائج الناس الذين يرجعون إليه.

29: على مشارف كربلاء

وذكر غير واحد عن سماحته يصف وفوده إلى كربلاء المقدسة قائلاً:

كان سماحته إلى جانب علمه الجم يتقشف في الدنيا، ويتحلى بحسن الخلق مع الكبير والصغير، ولهذه الصفات بالإضافة إلى واقعيته الراسخة، أحبه الناس كل الناس، وأخذ من قلوبهم كل مأخذ، وفور ما وصلهم نبأ وفود الميرزا وتوجهه إلى كربلاء المقدسة، هرعت الجموع الغفيرة وكل طبقات الناس لاستقباله، على شفاههم بسمات السرور والفرح، وفي لسانهم ذكر الصلاة والسلام على محمد وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام).

وبعد هذا الاستقبال الحاشد، الذي قلّ لـه من نظير، والترحيب الكبير الساخن من الجماهير، طلبوا من سماحته إقامة الصلاة جماعة في الصحن الحسيني الشريف، والقيام بالمرجعية وإدارة المهام الدينية والدنيوية لهم وللمسلمين عامة.

فلبّى سماحته ما عرضوا عليه، ونزل إلى طلبهم، وأقام الصلاة جماعة في الجانب الغربي من الصحن الشريف، مدة حياته الكريمة.

كما تصدى لشؤون المرجعية العامة، وقيادة الثورة الإسلامية المباركة ضد الاحتلال البريطاني السافر، على أحسن ما يرام، وأفضل ما يتصور.

30: في الأمور الشخصية

ونقل متحدث موثوق عن سماحته قائلاً:

كان سماحته من أولئك النفر البيض، الذين ينظرون بنور الله، ويقفون على حقائق الأمور، ويطلعون على الضمائر والأسرار، كما في الحديث الشريف: «اتقوا فراسة المؤمن، فانه ينظر بنور الله» (4).

فكان لا يطرح عليه أحد طلباً، إلا وتروّى سماحته في الأمر، وأطرق لحظات يفكر فيه، وكأنه يستلهم من باطنه، ثم بعد ذلك التروّي كان يعلن النتيجة الصائبة والمسدّدة، طبعاً كان هذا أدبه في الأمور الشخصية التي لا مجال لها في التشاور والاستفسار حولـه من الآخرين، وإلا ففي الأمور الاجتماعية والتي ترتبط بالآخرين وخصوصاً القضايا المصيرية منها، فإنه كان لا ينفرد في إبداء الرأي فيها، ولا يأذن لأحد الاستبداد بها، وإنما كان يعقد الجلسات الطويلة لمناقشة الآراء في حلها، وبعد استقرار رأي الأكثرية على ذلك، كان ينفذ القرار بعزم وإرادة.

31: الاحتفاء برجال الدين‏

ونقل أحد أعلام الثورة العراقية آية الله السيد مرتضى الطباطبائي عن سماحته قائلاً:

كان سماحة الميرزا كبير النفس، عظيم الروح، يحمل بين جوانبه أخلاقاً كريمة، ويكن في ضميره حباً جمّاً، واحتراماً فائقاً لكل فرد من الناس صغيراً كان أو كبيراً، قريباً كان أو بعيداً، وكان يبدي حبه هذا واحترامه بشكل خاص للعلم ورجال العلم، وبشكل أخص للعلماء ورجال الدين البارزين.

قال: وكان قد أعد لجنة مكوّنة من رجال العلم والدين وأنا من جملتهم، لاستقبال كل عالم يصل كربلاء المقدسة للزيارة. وعندما توجه آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني من النجف الأشرف إلى زيارة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) خرجنا بأمر من سماحته لاستقباله من كربلاء المقدسة إلى (باب النجف) حيث استقبلناه هناك وهو على أبسط حالة وفي غاية التواضع، بلا كوكبة ولا فخفخة..

علماً بأن سماحته كان من الأعلام المجاهدين تحت قيادة الميرزا محمد تقي الشيرازي، ومن جنوده الأوفياء الذين حملوا السلاح وارتدوا لامة الحرب، ونزلوا ساحات الوغى، حيث اعترضه رؤساء العشائر الثائرة بالمنع الشديد، والردع الحاسم وعزموا عليه بالرجوع إلى صفوف القيادة، وهم يقبلون يديه ويعتذرون منه بقولهم: معذرة يا سيدنا، سدد الله خطاك، وأبقاك لنا ذخراً، وملاذاً ومرجعاً وقائداً، فإن جنودنا كثيرة، ونحتاجك يا سيدنا قائداً لا جندياً.

وبعد محاولة كبيرة تمكنوا من إقناعه وإرجاعه من خط النار إلى صفوف القيادة المركزية.

32: مع أحد أعلام الأسرة

ونقل متحدث موثوق عن سماحته يصف جلالة أسرته قائلاً: لم يكن سماحة الميرزا محمد تقي في تقواه وزهده، الوحيد في أسرته: أسرة الميرزا العلمية المعروفة، بل كان سماحته واحداً منها، فقد كانت من الأسر التي يشار إليها بالبنان، ويغتبط فضلها كل عالم وفاضل، فلقد كان لسماحته أخ جليل وهو آية الله الشيخ الميرزا محمد علي، وكان مرجعاً في فارس، يعرف فيها بأنه صاحب كرامات، وقد نقل عنه: أنه قد تعرضت منطقة فارس ذات مرة لحملات كبيرة من أفواج الجراد، واكتسحت المزارع والحقول وأشرفت على الدمار.

فطلب واحد من المزارعين ممن كانت لـه صلة بالميرزا محمد على الشيرازي من سماحته بأن يكتب لـه دعاءاً يوقي به مزرعته من شر الجراد، ويصون به محاصيله الزراعية عنها.

فكتب سماحته دعاءاً وأمره أن يجعله وسط زرعه، وكان زرعه الحنطة. فجعل الزارع الدعاء كما أمره، فلم يدن إلى مزرعته، ولا إلى سنبلة أو حبة منها جراد أبداً، بينما كان الجراد قد أضرّ أكثر المزارع وأفسدها.

وبعد أن ابتعد خطر الجراد، واطمئن الزارع من هجماته، جاء إلى الدعاء ليرى ما كتب سماحته في هذه الرقية، وما هي مضامين هذا الدعاء. لكن ما راعه إلا أن وجد مكتوباً فيها:

«بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الجراد؛ إني أشهد لهذا الرجل بأنه يؤدي زكاة ماله، ولم يكن مطلوباً بالزكاة شيئاً» وقد ختم الكتاب بتوقيعه، وكأنه كان إشارة إلى الرواية الصحيحة المروية عنهم (عليهم السلام): (ما ضاع مال في بر ولا بحر إلا بترك الزكاة)(5).

33: من مفاخر أسرة الشيرازي‏

وحدثنا بعض الثقاة عن جلالة أسرة الميرزا الشيرازي وقال: لقد كانت الركيزة المهمة لدى أسرة الشيرازي الكريمة والسمة البارزة في حياتهم: اعتقادهم الأصيل، وإخلاصهم الكبير، لأهل البيت (عليهم السلام) والمعصومين الأربعة عشر من أجدادهم الطاهرين (عليهم السلام).

كأنهم كانوا يرون أنفسهم الفرع المتواضع، لتلك الشجرة الرفيعة، والدوحة الهاشمية المتيعة، ولا يرون أنفسهم في مقابلهم ـ رغم أنهم (عليهم السلام) آباؤهم وأسلافهم وهم أولادهم وذريتهم ـ شيئاً يذكر، وكانوا يقدمون كل ما بوسعهم هدية متواضعة وفداءاً متضائلاً لهم ولأهدافهم (عليهم السلام).

كيف لا وهم (عليهم السلام) حجج الله على خلقه، وخلفاؤه في أرضه، وبهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بأذنه، وينزّل الغيث وينفس الهم ويكشف الضر، وهؤلاء من أولادهم البررة، وأحفادهم الأوفياء وذريتهم الكريمة.

هذا وقد اتفق أن مرت كربلاء المقدسة بظروف قاسية، حيث اكتسحها وباء الطاعون، وأخذ من كل بيت فداءاً، ومن كل دار حصة، ولم يترك بيتاً إلا وقد دخله.

حتى أنه أودى بحياة السيدة زوجة الميرزا محمد رضا نجل الإمام القائد الميرزا محمد تقي الشيرازي شقيقة آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي، لكن البيت الوحيد الذي تخطاه الوباء ولم يدخله كان هو بيت آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي، وذلك على أثر دعاء والدته المكرمة وتوسلها بالخمسة الطيبة من أصحاب الكساء (عليهم السلام) باستمرار، وذكر مصائبهم ومناقبهم كل يوم، ومداومتها على دعاء التوسل المعروف، وقيل ذلك كان ببركة المداومة على قراءة زيارة عاشوراء.

ومما يذكر أن شخصاً موثوقاً كان قد رأى في تلك الأيام رؤيا صادقة، رأى أنه قد خرج من كربلاء المقدسة، وإذا به يرى على مشارف كربلاء تمثالاً مخيفاً قد فتح فاه وكشر عن أنيابه يطلب صيداً كالسبع الضاري وإذا بهاتف يقول: هذا هو وباء الطاعون وقد هاجم كل دار في كربلاء واقتنص منها فريسة، سوى دار السيد ميرزا مهدي الشيرازي فإنه لايجرأ على دخولها، وذلك لمواظبة أهلها على التوسل بأصحاب الكساء (عليهم السلام)، وقراءة التعزية والمراثي عليهم، ومداومتهم على الدعاء المعروف بدعاء التوسل أو زيارة عاشوراء.

ولا عجب فإنهم (عليهم السلام) كما في زيارة الجامعة الكبيرة، المأمن والملجأ لكل مستجير، فإن فيها: «فاز من تمسك بكم، وأمن من لجأ إليكم...» (6).

34: مع العظماء وآثارهم‏

ونقل متحدث موثوق عن سماحته وهو يصف مثواه الأخير قائلاً: الآثار المعنوية والمادية المتبقية من العظماء والشخصيات الكبيرة، لها الأثر البالغ في إحياء الشخصيات وإبقائها في النفوس والأذهان، وبقاء فكرهم وأهدافهم، وحياة مبدئهم وطريقتهم.

وكان من دأب العقلاء قديماً والأمم المتقدمة جديداً، الاهتمام بالآثار القديمة والذكريات التاريخية لشخصياتهم العلمية والدينية، حتى أنهم خصصوا لأجل ذلك مبالغ باهظة، ووزارات خاصة للعناية بها والاحتفاظ عليها، حيث قد عرفوا مدى تأثير هذه الآثار في بقاء المبادئ التي كان يحملها أولئك العظماء، وتحقيق الأهداف التي كان يعقّبها تلك الشخصيات.

لكن هذه السيرة الكريمة والحرص الكبير في الإبقاء على آثار العظماء وذكريات الشخصيات الكبيرة، قد انعكست وتغيرت في الآونة الأخيرة لدى المسلمين، وبدأوا يبيدون بكل رغبة وإصرار ما نالته أيديهم من آثار وذكريات لشخصياتهم وعظمائهم، وذلك تحت أغطية كاذبة وشعارات تافهة، كغطاء التوسعة وشعار العمران والازدهار، فينقضون عليها بلا رحمة، ويأتون عليها بلا هوادة. وهذه الأغطية والشعارات لايخفى زيفها وكذبها عند المسلمين، ولا تنطلي عليهم حتى وإن تظاهر منفذوها باسم الدين والوطن وادعوا الوطنية والإسلام.

ومن جملة تلك الآثار العظيمة ـ التي ببقائها يبقى عز الجهاد ولواء الاستقلال يرفرف على النفوس ويهيج الضمائر والقلوب ويوقضها ضد جرائم الأجانب المحتلين والبريطانيين الغاصبين، الذين قتلوا أبناء العراق، وأهانوا مقدساتهم، واغتالوا زعيمهم الديني الميرزا محمد تقي الشيرازي ـ هو مرقده الشريف في الجانب الشرقي إلى جهة القبلة من الصحن الحسيني المبارك، حيث كان المثوى الأخير والقبر الطاهر الذي يضم جثمانه.

وعندما تصدى الملكيون ومن بعدهم الحكم على العراق، أمروا بهدم هذا المرقد الشريف، وآثارً إسلامية أخرى، مثل:

مقبرة البويهيين، وهم الحكام الشيعة من آل بويه الذين حكموا العراق، فسعد العراق وأهله في ظل حكومتهم العادلة.

ومثل مرقد آية الله السيد محمد المجاهد، الذي حارب الروس المعتدين على إيران وصدهم عن زحفهم عليها وأوقفهم عند حدهم، وأنقذ بقايا إيران من عدوانهم، وذلك بعد أن قدم ضحايا كبيرة من الأنفس وتحمل أنواع الوحشية والضراوة من الروس، الذين لا رحمة لهم ولا إنسانية. ومثل مرقد آية الله المجاهد صاحب الضوابط.

ومن المساجد: مسجد رأس الحسين (عليه السلام)، والمسجد الناصري، ومسجد حسن خان.

ومن المدارس: مدرسة الصدر، والمدرسة الزينبية، ومدرسة حسن خان، إلى غيرها.

وعندما أرادوا هدم الآثار الإسلامية المحيطة بالصحن الشريف والذكريات التاريخية الهامة، أعلن آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي استنكاره لهذا العدوان السافر، وأضرب عن صلاة الجماعة التي كان يقيمها في الجانب الغربي من الصحن الحسيني الشريف حيث كان يقتدي به الجماهير الكبيرة، وكذلك عطل برنامجه الدرسي مما أثار العلماء والشعب معاً ضد المحاولات العدوانية وغطاء التقدمية الكاذبة.

علماً بأن هذا المخطط الغاشم لم يكن ليستهدف الآثار الإسلامية الموجودة في العراق فحسب، بل قد استهدف كل الآثار الإسلامية في كل البلاد المسلمة، وخصوصاً في مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة، مهبط الوحي ونزول القرآن، وقد بدؤوا بتنفيذه على أيدي الوهابيين، وكادوا أن يأتوا حتى على قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولا أن واجهتهم صرخات المسلمين واستنكارهم من كافة الأقطار، والتنديد بهم على أعمالهم العدوانية هذه.

ولا يخفى أن هذا المخطط مذخور ليوم تحين فيه الفرصة لتنفيذه، والخطر هذا محدّق بكل الآثار الإسلامية ومهدد لها، مادامت المراكز الإسلامية والأعتاب المقدسة والحوزات العلمية رازحة تحت وطأة أمثال هؤلاء الحكام، وعلى المسلمين في كل الأرض أن يطالبوا باستقلال هذه المواطن الكريمة والمراكز المقدسة من نفوذ كل حاكم، وأن تكون مفتوحة على الجميع، متحررة من القيود والأغلال، يديرها المسلمون بأنفسهم، فإلى ذلك اليوم القريب، إن شاء الله.

..............................

(1) سورة آل عمران:191.

(2) سورة الأعراف:55.

(3) سورة الأنفال:60.

(4) الكافي: ج1 ص218 باب أن المتوسمين الذين ذكرهم الله في كتابه هم الأئمة... ح3.

(5) الكافي: ج3 ص505 باب منع الزكاة ح15.

(6) من لا يحضره الفقيه: ج2 ص613 زيارة جامعة لجميع الأئمة (عليهم السلام).

..............................

شبكة النبأ

إعداد: لجنة إحياء تراث الإمام الشيرازي

16/ ذو الحجة/1438هـ