السلام.. رؤية متقدمة


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

إن القيمة الفكرية الإنسانية في مدرسة الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (رضوان الله عليه)، المتجسدة من خلال أنسنة البحث العلمي وأخلاقياته النبيلة، والتي تمحورت حولها مجموعة الأطر والمبادئ، المشكلة للجوانب المعرفية والعلمية، التربوية والسلوكية، تعد (= القيمة الفكرية الإنسانية)، الضامنة الأساس، لدعم وإشاعة السلم الأهلي، وثقافة قبول الآخر، واحترام الإختلاف، والعيش المشترك والتعايش السلمي، والشراكة في الوطن والموارد، فهي الحالة المنتجة لعنوان (اللاعنف والسلم المجتمعي)، والتي تشكل الثقافة الداعمة، والموضوعية المتقدمة، لكل جوانب الحياة المشرقة.

ولقد أصبحت ثقافة اللاعنف والسلم المجتمعي عنواناً ملازماً لرؤية السيد المجدد، لجوهر الإسلام وسماحته ورحمته، فهي ثقافة أسست لفكر مجدد وحداثي، يلامس الجوانب السلوكية للفرد كوحدة بناء، والمجتمع كمنظمة جامعة، في العلاقات المجتمعية الرأسية والإشرافية، وما دونها من العلاقات البينية بين الأفراد والهيئات، وسائر التنظيمات المتحركة داخل المجتمع، وبينها وبين الدولة ومؤسساتها، وبين المكونات الوطنية والدينية والقومية، في علاقاتها مع بعضها بينياً، وبين الدولة والدول التي تمثلها.

ويتجاوز مبدأ اللاعنف في فكر الإمام المجدّد، الجانب الوطني أو القومي، وحتى الديني الإسلامي، ليرتقي بهذا النهج إلى السمو الإنساني الرفيع، فهو مقدمة لتأسيس ثقافة قبول الآخر، وثقافة التنوع والاختلاف، وثقافة الحوار الهادئ، وثقافة التمدن والتحضّر والمعاصرة، وثقافة مقارعة الحجة بالحجة، لتقدم بذلك منظومة سلوكية وجمالية، وبديلاً راقياً وحضارياً، عن ثقافة العنف والتحاور بالسلاح، وإلغاء الآخر ورفض الاختلاف، والأخذ على الشبهات.

إن إشاعة هذه الثقافة لدى الرأي العام، واعتماد الأطر الفكرية والحضارية، المهنية والتقنية، في تشكيل الرأي العام، بديلاً عن نهج الفرض والقمع والإملاء، والتهديد ومصادرة الحريات، فضلاً عن  استخدام أدوات الإعلام الحقيقي، المتشكل بالمصداقية والشفافية والمصارحة، بدلاً عن الخداع والتشويه للحقائق، هذه الثقافة النبيلة تمثل الجوانب الإنسانية المشرقة، في  فكر السيد المجدد وتعاليمه، المعتمدة على الأخلاقيات والمعايير المهنية الصحفية والإعلامية، وقواعدها القياسية الحرفية، بدلاً عن إلغاء عقل المتلقي، وتصنيم الرأي المسبق.

ويضع المفكر المجدد، مبدأ استراتيجياً، مفاده إن العنف، لا يوصل الإنسان إلى أهدافه التي يتوخاها، مبيناً (أنك مهما كنت عنيفاً فإن عدوك أعنف منك)، بمعنى أن الآخر قد تتهيأ له المقدرة من سلاح وتجهيز، لا تتوفر للمسلم، فيكون عليه (إشهار سلاح الروح لمقاومة سلاح البدن)، وفق ثقافة الحوار والكلمة الطيبة، ونبذ العنف في سجال الأفكار والآراء المختلفة، عملاً بالآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)(البقرة/210).

إن ذلك وفق النظرة الثابتة للسيد المجدد إلى مبدأ اللاعنف، كونه يشمل بمنهجه، النفس والقلب واللسان والقلم واليد، وفق المرويات عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، خدمة للسلام وتثبيت الاستقرار في المجتمع، وقبول الآخر وتحكيم لغة الحوار بدلاً من لغة العنف، (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(النحل/125)، وذلك (يلزم تجنيب الشباب مفاهيم العنف، لئلا يصبح منهجاً في حياتهم وملكة من ملكاتهم، فالعنف يفسد كل أمر صالح).

إنها رؤية متقدمة وحتى سابقة لزمانها، لحالة الفوضى في المجتمع العراقي المعاصر، والمجتمعات التي تعيش تغييرات سياسية، كنتيجة لإشاعة العنف، لغة للحوار ورفض الآخر وعدم قبول الاختلاف، فيؤكد سماحته أنه (فيجب أن يصبح اللاعنف ملكة)، وهو يبدأ من النفس إلى الأعضاء والجوارح، وقد أبسط المجدد لمباحث اللاعنف، في الكثير من آثاره الفكرية، باعتبارها من صلب سلوك وأخلاقيات مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وأعمالهم في السلم والحرب.

وفي عنوان (الهجرة ومسيرة التكامل)، يعرض المفكر المجدد لمسألة، تمثل قانوناً حاكماً في فلسفة التأريخ، وهي أن الهجرة والتغرب، من عوامل تفجر الطاقات، وتحريك الأمم وبزوغ الحضارات، ونمو المواهب، ويرى أن الإسلام لا يعترف بالحدود الجغرافية، كونها تحدد مسيرة التكامل الإنساني. ويحتج السيد المجدد في ذلك، بأمثلة وشواهد تأريخية، لشخصيات عبرت الحدود، وتحملت المسؤوليات، بمن فيهم الأنبياء (عليهم السلام)، وهو ما يدعو إليه، في (شورى الفقهاء)، دون النظر إلى موطن العضو فيها، وذلك ينصرف إلى جميع نواحي الحياة، ومجالات المسؤولية فيها، لجهة توليتها على أساس الكفاءة، وليس على أساس العرق، ويستشهد المبحث إلى ذلك، بأمثلة وشواهد واسعة، من التأريخ العربي الإسلامي، حتى فترة ما قبل قرن من الزمن.

من الرؤية الإنسانية للإمام الشيرازي، فإن ثقافة اللاعنف، تتجاوز العلاقة البينية بين الفرد والفرد، أو الفرد في مجتمعه، أو بين المجتمعات المتقاربة أو المتشاركة في الأوطان والموارد، بل يعبر المفهوم في فكر سماحته إلى المعادلة الأوسع، وضمن الرؤية العالمية لمنظومة الفكر الإسلامي، وهي العلاقة التي يعرضها سماحته، لتجمع الشعوب ببعضها، ثم بين الحضارات التي قد تتنافس، أو تتباين الرؤى والثقافات والعقائد بينها. فيطرح سماحته عنواناً رائعاً، ومتفرداً في جرأة طرحه، بين الأدبيات المقاربة، وهو أن (علينا أن نمنع الغرب من السقوط)، في "مسألة" مهمة واعية، وذات نظرة إيجابية واقعية، منفتحة على الآخر، للوصول إلى روح الحضارة البشرية، وفلسفة الحياة الإنسانية، من خلال التلاقح والحوار والتواصل، بين المجتمع الإسلامي، بقيمه وروحه، والغربي بنظامه وجماليته وتطوره العلمي، وهي معالم مستمدة من تموجات الحضارة الإسلامية، كمثل مبادئ التعددية والشورى والعدالة الإنسانية، بهدف تجديد إنطلاق الأول، ومنع الثاني من السقوط. ومن هنا فإن هذه الرؤية (الواعية المنفتحة) للإمام المجدد، تدعم مستقبل الحضارة الإنسانية، والمجتمع البشري، عبر دعوة إلى الحوار، ضمن ثقافة عالمية، وفي مقاربة واقعية نبيلة لمبدأ اللاعنف، بدلاً من تخرّصات (صامويل هنتنجتون)، في كتابه (صدام الحضارات)، في زعم جدليته وحتميته.     

ويدعو (قدس سره) في استكماله لهذا المبدأ، بألا يكون مجلبة للضعف والوهن، إلى أن يكون السلاح واستخدام العنف، هو لدفع التهديد الخارجي على بلاد الإسلام، في حرب ونحوها، مبيناً أن الضرورات تقدر بقدرها، (كالعملية الجراحية حيث لا يبضعون من المريض أكثر من القدر الضروري). والسبب الآخر للتسلح، هو لدفع الضرر الاجتماعي، في حالات الاعتداء على أرواح الناس وأعراضهم وممتلكاتهم داخل بلاد المسلمين.

(أما استخدام العنف في التبليغ وغيره فلا ينتج إلا العكس)، وبذا فقد حدد الإمام الشيرازي (قدس سره) استخدام القوة وامتلاك السلاح (لطائفتين فقط)، وهما للدفاع عن الوطن إزاء التهديدات الخارجية، وقوى الأمن الداخلي، التي تفرض الأمن المجتمعي وتكافح الجريمة العادية والمنظمة، وهي الدالة المنسجمة تماماً مع مرتكزات (الأمن الوطني) أو (الدفاع الوطني) الذي تتضمن المرتكزات الأساسية في الاستراتيجية الوطنية العليا أو (إستراتيجية الأمن الوطني).

 

15/ ذو القعدة/1438هـ