الكدح الى الكمال


(من كتابات الإمام الشيرازي الراحل)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

   يسعى الإنسان في هذه الحياة الدنيا بجد ليصل إلى هدفه الأخير وهو الكمال، ولذلك يصف الله عز وجل سير الإنسان في الحياة بالكدح، وهو العمل الشاق المتعب؛ (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ)(الإنشقاق/6). أي إن نهاية الأمر هو الرجوع إلى الله تعالى.

ولكن غايات البشر متباينة، فالمؤمن يكدح ليحصل على رضا الله، والملحد يكدح ليلتذ بالدنيا، ويتمتع بزخارفها. وكلامنا يخص الإنسان المؤمن وسيرته، وهذه المسيرة الإيمانية عادة تمر بمراحل عديدة، حتى يصل المرء إلى الشوط الأخير.

فيبدأ الإنسان يفتش عن خبايا نفسه العجيبة وأسرارها، وهي المرحلة المسماة بـ(معرفة النفس)، أي الاطلاع على حقيقة فقر الذات الإنسانية، وكيف أنها لا تستغني عن خالقها في كل آن.

وهو الأمر الذي يدعو الإنسان إلى (معرفة الله)، وهي المرحلة الثانية من مراحل مسيرة الكمال، فيبدأ يبحث عن صفات الله عز وجل ويستشعرها.

أما المرحلة الأخرى، فهي العيش في الأجواء النورانية التي تفيض عليه نوراً ومعرفة، وهي مرحلة العبور من الإيمان السطحي المتمثل بأداء الواجبات عن خوف وطمع إلى اليقين وأداء الواجبات حباً وطاعة وشكراً.

عندها يتهذب السلوك، لأنه سوف يتنوّر بالمشارق النورانية الإلهية، وتتبدل أعماله من اشباع للغريزة إلى صفة التقوى وملازمة الطاعة والشكر والقرب إلى الله تعالى. فهذا حال المؤمنين، تراهم يأكلون ويشربون لأجل الكدح المُوصل إلى الله عز وجل، لا لأجل الملذات نفسها، أو لنداء الغرائز الشهويّة، وبذلك يرتفع هؤلاء إلى المستوى الذي يفضلون منه على ملائكة الله عز وجل.

ومنها تبدأ مرحلة الكدح الأخيرة، وهي محاولة الاندكاك والفناء في الله، وهي التي يصلها الأنبياء والأوصياء، ولكن بمراتب متباينة، وقد فاز الرسول الأعظم وأهل بيته (عليهم أفضل الصلوات) بهذه المرتبة العظمى، ولذلك كانت الخلائق كلها في الدنيا والآخرة تنهل من النورانية المحمّدية، والقدسية الشريفة التي يفيضها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) على الخلائق.

أما سائر الناس فانهم يتسافلون إلى حد البهيمة، لأنهم دائموا الطاعة لنداء الغرائز الشهوية، وهكذا هي المسيرة، فهو صراع حادّ بين الايمان والهوى، وبين حب الله وحب الدنيا، وبين الكدح واللامبالاة، إلى أن يصلوا إلى اليقين الذي يقربهم من ربهم، فتتسدّد خطاهم، وتنشرح صدورهم لاستقبال الفيض القدسي، الذي ينشر على جوارح وجوانح الإنسان رحمةً وقراراً وسكينة.

 

15/ ذو القعدة/1438هـ