نقد الهِرمينوطيقـــــــــــــا (24)


نقد الهرمينوطيقـــــــــــــا ونسبية الحقيقة والمعرفة واللغة

 

 

السيد مرتضى الشيرازي

موقع الإمام الشيرازي

 

12ـــ لا يوجد منهج علمي موصِل لحقيقة النص

 

المعنى الثاني عشر للنسبية:

لا يوجد أي منهج علمي، أو غير علمي، يستطيع أن يضمن الوصول إلى حقيقة النص.  

 

مناهج تضمن الوصول لحقيقة النص

وهناك وجوه عديدة تشكل مجموعة من الاعتراضات على هذا الرأي:

1: هنالك (مناهج علمية) تضمن الوصول إلى (حقيقة النص) وقد ذكرها المفسرون وعلماء الأصول والمنطق والبلاغة، عبر بحوث كثيرة عقدوها، تحت عناوين مختلفة نشير إلى بعضها:

 

مناهج أدبية:

(المحكم والمتشابه) و(النص والظاهر) و(المجمل والمبين) و(المشترك اللفظي والمعنوي) و(الحقيقة والمجاز) و(الدلالة التصورية والتصديقية) و(الإرادة الجدية والاستعمالية) و(دلالة الاقتضاء).

 

المنهج الوصفي السردي:

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك انتهاج العلماء (المنهج الوصفي التقريري) في مقابل (المنهج المعياري التقليدي) فإنه يعد دليلاً واضحاً على وجود (مناهج علمية) تضمن الوصول الدائم أو الأكثري، للواقع؛ إذ أن المنهج الوصفي التقريري:

1- يعتمد على مقاييس واحدة في التحليل.

2- يتحرى الوضوح والتبسيط في شرح العناصر ووصفها.

3- يقوم بدراسة المستويات كافة.

4- يخضع الافتراضات للتجربة ولا يعتمد على الافتراضات المسبقة.

كما أن من المناهج (المنهج الرياضي) أو (الاستدلالي)، ومن ذلك منهج حساب الاحتمالات، ومنه التركيب بعد التحليل والتجزئة، وعلى المناهج السابقة ابتنت الجامعات وتطور العلم الحديث، وإنكارها يساوي التأخر وحتى الطرد من الجامعة!

ودلالة (الإيماء والإشارة وغيرها)، وكذلك (الظاهر بأقسامه والباطن) و(التفسير والتأويل) وضوابطهما إلى غير ذلك.([1])

 

منهج الاستقراء والتجربة

كما أن هنالك مناهج علمية ـ عملية، تضمن الوصول إلى حقيقة النص، كما تضمن الوصول إلى حقيقة الواقع، وذلك كمنهج (الاستقراء)، و(التجربة)، ومنهج (السبر والتقسيم) و(الدوران والترديد) وغيرها ومن أوضح الشواهد على ذلك (تعلم اللغات) فإن من يريد أن يتعلم معنى لفظٍ معيّن في لغة أجنبية، فإن من الطرق أن يتكرر استعمال تلك الكلمة في ذلك المعنى، على مسامعه، وهي الطريقة التي يتعلم بها الطفل اللغة، كما أنها الطريقة المفضلة في بعض المدارس النموذجية لتعليم اللغات الأجنبية، حيث يتعاملون مع المتعلم كتعامل الأبوين مع الطفل؛ بمداومة استعمال اللفظة في معناها، ويتركون لملاحظة المتعلم واستقرائه ـ الشعوري أو اللا شعوري ـ لموارد استعمالهم، أن تكون هي المرشد له للمعرفة بوضع الألفاظ ومعانيها، كما يتركون لملاحظته وتجربته ـ بمشاهدته القرائن الحافة ـ أن تكشف له المجاز من الاستعمالات وكشف العلاقة الخفية، وهذا هو (التعلّم التعيُّني).

بل حتى (التعلم التعييني) والذي يعني التصريح للمتعلم بأن هذه الكلمة موضوعة لهذا المعنى، أو وضع مجاميع المعاني مقابل مجاميع الألفاظ، في عمود الألفاظ في كتب اللغة، فإنه أيضاً (منهج علمي) يكفل الوصول إلى حقيقة المعاني عبر ألفاظها الموضوعة لها في تلك اللغات.

ولولا الإذعان بذلك لانهار أساس تعلم اللغات، ولما أمكن لأحد أن يتعلم أية لغة أجنبية، ولا للطفل أن يتعلم لغته الأم؛ إذ لا منهج علمي يضمن أن هذه الكلمة تدل على هذا المعنى، لا على غيره، وأن هذا المعنى يرمز إليه بهذا اللفظ، والنص ـ أي الكلمات والجمل ـ حي متحرك يتعدد بتعدد قارئيه وسامعيه، والقراءات مفتوحة، وفهم كل أحد للكلمة الأجنبية ومعناها، بأية طريقة كان هو عين تلك اللغة! كما ادعوا من أن فهم كل أحد للشريعة هو عين تلك الشريعة!

ولنشر إشارة سريعة إلى بعض الأمثلة، فإن: Pاسْأَلِ الْقَرْيَةَO([2]) لا شك أنه يراد به: (اسأل أهل القرية) على نحو المجاز في الحذف، ويمكن المجاز في الإسناد أيضاً، وذلك من القواعد البلاغية الواضحة، ولا يشكك عاقل في قول عاقل مثل ذلك أنه أراد غير ذلك!

كما أن من البديهي أن الحكيم العالم الملتفت، له أن يستنبط من: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)([3]) و: (حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)([4]) أن أقل مدة الحمل هي ستة أشهر في مراد العالم الحكيم المحيط الملتفت، كما استنبط الإمام أمير المؤمنين  سلام الله عليه ذلك.

كما أن من الواضح لدى العقلاء أن منهج بتر النصوص وإخراجها عن سياقها ومحيطها، أمر مرفوض، ولا يوصل لمرادات المتكلم أو الكاتب، ولا يمكن إلزامه بها أو إدانته، ولذا لا يصح إلزام من قال: (رأيت أسداً يرمي) بأنه ادعى أنه رأى أسداً جارحاً، بحذف قرينة يرمي! أو من قال: إنني لا أستريح طوال النهار إلا ساعة، بأنه ادعى عدم الاستراحة أبداً بحذف ما استثناه.

 

للعقلاء نظام مرجعي

وأن بناء العقلاء ـ من كل الفرق والنحل والملل ـ مستقر على سلسلة من القواعد والأصول والمناهج والأسس، التي تلزم الطرفين بإتباعها، ليتم نظام التفاهم والتحاور بل نظام الحياة كله، وإلا للزم الهرج والمرج ولما استقر حجر على حجر، والخارج عنها (شاذ)، وعلى ذلك فإن له أن يعترف بأنه (لا يفهم حقيقة النص)! وأنه لا يعترف بمنهج من المناهج، لكن ليس له أن يجعل خروجه عن بناء العقلاء من كل الملل والنحل، ضابطة عامة، ومقياساً شاملاً مرجعياً للفهم وعدم الفهم، وأنه (لا يوجد منهج علمي أو غير علمي..)

نعم له أن يقول: إنني أرفض هذه المناهج العقلائية، كما له أن يرفض قوانين البلاد، وقوانين المرور، لا أن يدعي أنها غير موجودة!

ومن الواضح أن رفض بناء العقلاء هذا، يستلزم (الفوضى المعرفية) وفي (الحياة العلمية) و(التدفق العبثي اللا منضبط للمعاني) بل ويستلزم (الهرج والمرج) و(اختلال النظام)، كما يستلزم التخلف عن ركب الحياة.

ولنشر إلى قاعدة من القواعد الآنفة الذكر، كمثال على ذلك([5])، فإن من القواعد (حجية الظواهر) ومنها أن (الأمر الصادر من سلطة أعلى، ظاهر في الوجوب) وكذا (النهي ظاهر في الحرمة) وأن (جميع وكل) نص في العموم، وأن الجمع المحلى بأل ظاهر في العموم، فلا يحق لأحد مخالفة أوامر السلطة الشرعية([6]) في (المرور) و(قوانين السوق) وغيرها، بحجة أنه لا يوجد منهج علمي أو غير علمي يستطيع أن يضمن الوصول إلى حقيقة النص!

ولنذكر ههنا أيضاً بعض الأمثلة السريعة على بعض الأصول السابقة، فإن العقلاء في كل الملل والنحل يفهمون الفرق الكبير بين (الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع) أو (الإسلام مصدر رئيسي) ولذا نجد حرباً ضروساً عند كتابة دساتير البلاد بين من يرتأي أن الإسلام هو المصدر الوحيد للتشريع أو أنه مصدر من مصادر التشريع ولئن لم يفهم هرمينوطيقي الفرق بين (مصدر) و(المصدر) فإنه لابد أن يفهم الفرق بين (المصدر الوحيد) وبين (مصدر من المصادر)!

 

أنواع العلوم

إن العقلاء سواء كانوا متدينين أم لا، فرقوا بين أنواع العلوم، فأدركوا:

1: ضرورة أن تكون نصوص بعض العلوم، كلها، (نصوصاً) بالمعنى الحرفي للكلمة، وقد (اكتشفوا) عدداً من تلك (النصوص المطلقة)، أولاً، ثم إنهم التزموا في كل جديد بأن (يضعوا) نصوصاً محددة صريحة، دالة على مطلوبهم ومرادهم أو على ما توصلوا إليه واكتشفوه، وذلك من البيّن لمن له أدنى معرفة بعلوم الحساب والهندسة.

كما أنه هو الأصل في علوم كالفيزياء والكيمياء؛ لأن أي خطأ في أية معادلة، فإنه قد ينتهي إلى كارثة، ثم إنه لو كانت نصوص الكيمياء والفيزياء، نسبية، للزم أن يفهمها العلماء بطرق متغايرة بل متناقضة، كما يلزم أن تكون نتائج تجاربهم ـ وإن تقيدت حرفياً بمعادلاتها الرياضية ـ مختلفة تمام الاختلاف، بل أن لا يستطيع أحد من العلماء إجراء نفس التجربة التي أجراها عالم آخر، أبداً؛ لأن ما يفهمه من النصوص الدالة على الأدوات والمواد المستخدمة في تجربته، خاضع لأفقه المعرفي والنفسي، والمغاير بالضرورة للأفق المعرفي النفسي للعالم الآخر، فلا يمكنه أبداً (توحيد) الأدوات والمواد، واستخدام عين ما استخدمه الآخر، مما ينتج استحالة وصول عالم إلى نفس نتائج التي وصل إليها عالم آخر، ومما ينتج عدم إمكان وضع قواعد عامة في أي علم من العلوم، بل يستلزم لغوية كتابة أية تجربة أو معادلة، وكل هذه النتائج، مما لا يقول بها من له أدنى مِسكة من العقل أو المعرفة.

والحاصل: إن العقلاء كافة قد أذعنوا بأنه لا مدخلية لقناعات الكاتب أو القارئ والمفسر، ولا لنفسيته وعاداته وتقاليده، في دائرة هذه الحقائق والنصوص، بل هي (نصوص) مطلقة، إيجابية، ذات دلالات محددة، لا يشك فيها إلا مكابر.

2: كما أدركوا ابتناء علوم أخرى على (الظواهر) واعتبروها حجة في التفهيم والتفهم، كما كانت (النصوص) حجة في العلوم الأولى، وذلك في كافة (العلوم الإنسانية)، كما أن العقلاء أدركوا واكتشفوا أن التشكيك في ذلك، وإن كان نتيجة شبهة أو إجتهاد معين، أحياناً، إلا أنه في غالب الأحيان يكشف عن المكابرة عن قبول الحق والتعلم، والعناد رغم وضوح الحق، وحب المخالفة والظهور؛ تبعاً لقاعدة: (خالف تُعرَف)، كما أن التشكيك في ذلك، كالتشكيك في الكثير من البديهيات الأخرى، قد يعود لعامل نفسي، ويكشف عن اضطراب في الشخصية، أو مرض، كمرض (ضعف الأعصاب) و(الوسوسة) فإنها قد تكون في توهمِ وجودِ أرواحٍ أو جنٍ في المنزل، وقد تكون في الطهارة والنجاسة، وقد تكون في (الالسنيات) وفهم اللغة والكلمات ودعوى نسبية المعرفة!! وأن (النص) ليس بنص! والظاهر ليس بظاهر! وأنه المبين كالمجمل والمجمل كالمبين ولا فرق بين المبهم والمعلوم، والحقيقة والمجاز والتكنية والتصريح.

 

 

13- لا توجد حقائق دائمة

 

المعنى الثالث عشر من معاني النسبية:

إن نسبية المعرفة يقصد بها أنه لا توجد لدينا (حقائق([7]) دائمة) بل الحقائق كلها (مؤقتة)؛ وذلك لأن الواقع متغير، والعالم كله متغير، فلكي تكون الحقائق صادقة، لابد أن تكون متغيرة كنتيجة طبيعية لتغير المعلوم والخارج، وإلا؛ فإن (القضية) لو دامت وثبتت مع تغير المعلوم والمدلول والخارج، لكانت كاذبة، دون ريب.

وهنا نسجل مجموعة من النقوض على هذا الرأي حيث نثبت بها وجود حقائق دائمة كثيرة دون شك:

 

أولا: الضرورة الأزلية والذاتية والوصفية

 إن قسماً كبيراً من (الواقعيات) هي واقعيات دائمة ثابتة في وجودها الخارجي أو النفس الأمري أو في ظرف تقررها أو ظرف فرضها، ولذلك فإنها (حقائق دائمة) بمعنى أن القضية أو الإدراك المطابق لها، صادق أبداً.

وقد فصلنا ذلك في موضع آخر، وهذه مجاميع من نماذج (الواقعيات) أو (الحقائق الدائمة):

1: القضايا التي يجب فيها ثبوت المحمول لذات الموضوع بالضرورة، على وجه يمتنع سلبه عنه بالنظر لذاته، من دون قيد وشرط حتى الوجود([8])، وذلك منحصر في واجب الوجود جل اسمه ـ وقد عنينا بالمحمول ههنا وجوده جل اسمه وصفاته الذاتية كالعلم والقدرة، كما سيأتي ـ على أن في التعبير مسامحة، لأن الواجب لا ماهية له ليحمل عليها الوجود، إلا أن (الحمل) بلحاظ (القضية) إذ تقول: (الله موجود) أو (واجب الوجود).

2: كافة القضايا التي يستحيل فيها ثبوت المحمول لذات الموضوع، مما عبر عنه بالمستحيل ذاتاً([9])، وذلك كشريك الباري وكوصف الاجتماع أو الارتفاع بالنسبة للنقيضين، وكالدور والتسلسل، وكون الجزء أكبر من الكل و...([10])

3: القضايا الممكنة بالذات، فإنها ممكنة بالضرورة، ويستحيل تخلف الإمكان عنها فهي من حيث وصفها بالإمكان، دائمة، وتمتد مساحة ذلك لتشمل كافة الممكنات.

4و5: كافة القضايا التي يصدق عليها إما الممتنع وقوعاً أو الواجب وقوعاً، مما يعبر عنه بـ(الضرورة الذاتية)([11]) أو (الامتناع الذاتي)، فالإمتناع الوقوعي، كسلب الشيء عن نفسه([12])، ووصف الإنسان بما هو إنسان بالحجرية، وسلب الزوجية عن الأربعة، أو إثبات الفردية لها، فإن سلب الذات والذاتي، عن الذات، ممتنع وكذا العكس، وهو إثبات الذات والذاتيات، للذات كقولك (كل إنسان حيوان بالضرورة) فإنها ضرورية؛ إذ ثبوت الشيء لنفسه ضروري، وسلبه عن نفسه ممتنع، لأن مآله إلى رفع النقيضين.

والمراد بالذاتي ههنا: الأعم من ذاتي باب الكليات (إيساغوجي) وذاتي باب البرهان.

وبعبارة أخرى: لا يعقل أن يكون الشيء، بالحمل الذاتي الأولى، إلا هو، وذلك مقترن مع الحمل الشايع الصناعي.

6: كما أن الوجوب أو الإمتناع قد يكون لأمر خارج عن الموضوع، مما يسمى بالضرورة الوصفية أو الامتناع الوصفي كـ(كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة مادام كاتباً) وكسلب التفكير عن النائم؛ لأنه فاقد للوعي والإدراك، لا لذاته، وكسلب حركة الأصابع، عن الكاتب، مادام كاتباً.

 

ثانيا: الموجهات

 إذا نقلنا الكلام الى (الموجهات) نجد الأنواع التالية من الحقائق والقضايا الدائمة الصدق:

1: (الضرورية المطلقة) وهي: ما دلت على ضرورة ثبوت المحمول لذات الموضوع، أو سلب المحمول عن ذات الموضوع، مادام ذات الموضوع موجوداً، أي في ظرف وجود الذات، لا بشرطها؛ لتختلف عن المشروطة العامة.

كقولك (الإنسان حيوان([13]) بالضرورة) (البقر ليس متكلماً([14]) بالضرورة) (الماء مركب من الأوكسيجين والهيدروجين بالضرورة) (مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين بالضرورة) وهكذا وقد تطابق في المقام: (الحملان) الذاتي الأولي، والشائع الصناعي، سلباً وإيجاباً.

2: (المشروطة العامة)، وهي نفس السابقة، لكن (بشرط) بقاء عنوان الموضوع ثابتاً لذاته، كقولك: (الماشي متحرك بالضرورة مادام ماشياً)، أي مادام على هذه الصفة، ولكن بدون هذه الصفة فإن ذات الماشي (وهو الحيوان) لا يجب له التحرك، بل يجوز له التحرك.

3: (الدائمة المطلقة) وهي ما دلت على (دوام) ثبوت المحمول لذات الموضوع، أو سلبه عنه، مادام الموضوع بذاته موجوداً، سواء كان (ضرورياً) له أم لا، وذلك مثل (الإلكترون في الذرة، يدور حول النواة والبروتون دائماً) و(كل فلك متحرك دائماً)، (كل حبشي أسود) وذلك في كل ما ثبت دوام إتصاف الموضوع بالمحمول.

كما نجد أنواعاً أخرى من (الموجَّهات) بقسميها: البسيطة، والمركبة، ولا حاجة هنا للخوض في ذلك إذ قد فصله علماء المنطق([15]) وفيما ذكرناه، الكفاية.

وهذه كلها، (حقائق) دائمة، كما هي (واقعيات) دائمة.

 

ثالثا: المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ

ولننتقل إلى مستوى آخر أعمق من البحث فنقول استناداً الى المبحث الأصولي الشهير في (المشتق):

إن الأمر كذلك([16]) حتى في القضايا الزمنية المتغيرة، كشروق الشمس وغروبها، ونجاح تجربة وفشل أخرى، وذهاب زيد وإيابه، وولادة شخص أو وفاته، وصعود حضارة أو إنحطاطها؛ فإن كافة القضايا، بلحاظ (ظرف التلبس)([17]) تعدُّ من الحقائق الدائمة؛ فإن (المشتق) حقيقة في (المتلبس بالمبدأ، بلحاظ حال التلبس) سواءاً كان الزمن ماضياً أم حاضراً أم لاحقاً مستقبلاً.

ويكفي للتمثيل لذلك: كافة القضايا التاريخية، كقولك النبي (صلى الله عليه وآله) بعث في مكة، ثم هاجر للمدينة، ثم استشهد عام 11 للهجرة.

إن هذه القضايا كلها صادقة، وستبقى أبداً صادقة مهما تغير الزمن، وليس المهم الآن خصوص المثال؛ إذ لنا إفحام الطرف بأي مثال تاريخي يؤمن به، كولادة طفله في سنة كذا، وأرض كذا، أو تخرجه من الجامعة، أو تأسيس دولة حديثة، أو سقوط دولة بمعركة، أو بإنقلاب عسكري أو غير ذلك، أو كشروق الشمس وغروبها يوم 1/1/1111 مثلاً، أو الخسوف والكسوف في الوقت الذي حدثا فيه.

إن هذه القضايا، تبقى صادقة أبداً مهما تغير الزمن، مادام اللحاظ لحاظ حال التلبس، أي في نفس حالة وقوع الحدث، ومهما تقادم الزمن، فإنها تبقى هي هي.

نعم القضية تتغير فقط لو نسبت (الحادثة) لا إلى ظرف حدوثها، بل إلى عامل آخر متغير. كقولك في (يوم الأحد): سيخرج زيد غداً للجامعة، ثم قولك في (يوم الإثنين) زيد خارج الآن، ثم قولك في (يوم الثلاثاء): خرج زيد أمس للجامعة.

والملاحظ هنا: تعانق القضايا الثابتة مع القضايا المتغيرة، وإنه لا توجد قضية متغيرة ألا وهي مستبطنة لقضية دائمة، إذ أننا نجد في كل قضية:

1: وجود قضية دائمة أبدية هي: (خروج زيد يوم الإثنين) فغنها قضية دائمة تصدق في كل الأزمان، وتبقى صادقة مهما تقلبت الظروف وتغيرت الأزمان.

2: ووجود قضية متغيرة، وذلك فيما لو لاحظت خروج زيد منسوباً إليك أنت، بما أنك قد انتقلت من زمن لآخر، فتقول: (خرج)، (خارج)، (سيخرج).

وللتعبير عن القضية الثابتة نتجنب استخدام الأفعال([18])، بل نستخدم الأسماء فقط، فنقول في مثال بعثة النبي صلى الله عليه وآله: (إن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله هي يوم 27 رجب، وهجرته للمدينة في وقت لاحق لذلك وشهادته في العام 11 للهجرة)، كما نقول: (خروج زيد يوم الإثنين عام 1001 أمر مسلَّم)، وستبقى الجملة هي هي سواء استخدمت قبل وقوع الحدث أم معه أم بعده.

لكننا للتعبير عن القضية المتغيرة، نستخدم الأفعال من ماضٍ ومضارع، والأدوات.([19])

ومن هنا نستكشف أن نسبة خروج زيد  إلى (المجرد) و(اللا زماني) هي ثابتة أبداً، فلا يصدق بالقياس إليه: خرج، أو سيخرج زيد؛ بل كل هذه حاضر، عنده وهو محيط بها بأجمعها.

وذلك مما يطلب من مظانه في علم الكلام والفلسفة.

 

العلوم الاعتبارية

وبذلك يتضح أيضاً أن مطابقة القضايا الصادقة لمدلولاتها وعاكسيتها للواقعيات النفس الأمرية، أو مرآتية الأدوات للواقعيات، هي دائمة خالدة بلحاظ حال التلبس، سواء في ذلك (العلوم الحقيقية) أم (العلوم الاعتبارية) و(القوانين الاجتماعية)، وسواء في ذلك القضايا اليقينية أم الاحتمالية.

توضيح ذلك:

إن (العلوم الاعتبارية) المراد بها العلوم المبنية على (اعتبار من بيده الاعتبار) كعلم الأصول وعلم النحو والصرف([20])، بلحاظ ظرف التلبس، هي دائمة مطلقة، وكذلك القوانين الاجتماعية([21]) والأعراف والتقاليد، وكذا القواعد الأخلاقية (بناء على دعوى أنها مجعولة وليست ذات تأصل، وهو باطل على التحقيق)([22]) فإنها كلها بلحاظ (حال التلبس) دائمة.

أما في (الأخلاق) فقد يتوهم أن حسن الصدق مؤقت، لأنه مؤطر بإطار (مادام ليس مضراً) لكن الواقع هو أن كلتا القضيتين تبقيان دائمتين (الصدق النافع، حسن، دائماً وأبداً) و(الصدق الضار، قبيح دائماً وأبداً) وكلما تغير الواقع الخارجي، بأن صار الكذب النافع بالأمس، ضاراً اليوم، لتغير الظروف والشروط، تغيرت القضية المؤطرة بالأفعال وأدوات الزمن، ولم تتغير القضية المجردة عن الأفعال كما سبق.

وأما في (الأصول) فكذلك فإن المعتبر قد يعتبر (حجية خبر الواحد) في ظرف إنفتاح باب العلم وقد يعتبره حجة في ظرف الانسداد، وقد لا يعتبره حجة مطلقاً، وقد يعتبره حجة في ظرف دون آخر، وقد يعتبر ثم يسلب أو العكس، لكن تبقى القضية دائمة بلحاظ حال التلبس.

وكذلك الحال في الأعراف والتقاليد، فإن تغيرها، يغير فقط القضايا والجمل الفعلية، لا الجمل الإسمية، وبتعبير أدق لا يغير ما كان بلحاظ حال التلبس، ويغير غير ذلك.([23])

وعلى أية حال فإنه مهما تغير الواقع الخارجي للحقيقة الواحدة، بأن كان معدوماً مثلاً فوجد، أو للحقيقة المركبة، بأن كان جاهلاً فصار عالماً، أو لم يكن حجة فجعل حجة، فإن (الإدراك) لتلك الحقيقة، لو كان صائباً، فإنه سيبقى صائباً أبداً مع الحفاظ على كافة الشروط الموضوعية للتطابق، أي مع الحفاظ على لحاظ حال التلبس، ولو كان خطأ، فإنه سيبقى خطأ أبداً.

وبعبارة أخرى: (تغيُّر) المتعلَّق والمنكشَف والثبوت والواقع المرئي، إنما هو في زمن لاحق، لكنه يبقى هو هو في زمنه، إذ التغيّر (طارئ) وليس (سارياً)([24]) فإن الماضي لا ينقلب عما وقع عليه، فالحقيقة (أو الإدراك الكاشف عن الواقع كما هو عليه في الزمن الخاص وبالشروط الخاصة) تبقى بلحاظ كاشفيتها عن (الواقع كما هو عليه...) دائمة خالدة.

وقد ظهر بذلك أن الصور أربعة: إذ توجد في عالم الثبوت والخارج صورتان، وتوجد في عالم الذهن والإدراك صورتان تطابقان تينك الصورتين، أبداً ودائماً:

الصورة الأولى: الشيء بما هو هو في ظرفه الخاص بشروطه الخاصة.

الصورة الثانية: الشيء بلحاظ تغير زمنه، أو تغير بعض شروطه.

الصورة الثالثة: إدراك الصورة الأولى، وهو مثلها([25])، ثابت من حيث الصدق والكذب.

الصورة الرابعة: إدراك الصورة الثانية، وهو مثلها، متغير فلو (جَمُدَ) فمع الصدق، يتحول للكذب، وكذا العكس.

ويتضح ذلك بالمثال الآتي: تقول (ذهب علي إلى الجامعة يوم الاثنين في الساعة 7 صباحاً)، فإن هذا الواقع وهذه القضية تبقى هي هي أبداً، أي تبقى دائماً (واقعية) وأنه (ذهب في السابعة صباحاً للجامعة)، إذ الماضي لا ينقلب عما وقع عليه في ظرفه، أبداً، وكذلك الإدراك لهذا المتعلق بحذافيره وشروطه.

وأما (المتغير) فهو ما وقع بعد هذا الظرف، إذ أنه (رجع من الجامعة في الثانية ظهراً) فـ(ذهب) تغيرت إلى (رجع) لكن بعد تغيير عامل الزمن (من 7 صباحاً  إلى ظهراً)، وأما مع ثبات عامل الزمن فإن كلاً من (ذهب في الـ7) و(رجع في الـ2 ظهراً) تبقيان أبداً في متن الواقع كذلك، كما تبقيان أبداً في (الصورة الإدراكية الملتقطة عنهما) كذلك قضيتين حقيقيتين.

كما أن القضيتين الكاذبتين (وهما ذهب في الساعة 2) و(رجع في الساعة 7) تبقيان أبداً كاذبتين.

وبذلك كله ظهر أن (تراجع) بعض الفلاسفة المتأخرين، وتسليمهم (مؤقتية "الحقيقة" أي الإدراك عن الواقع) إذا كان مصبها (العلوم الاعتبارية) والقوانين الاجتماعية والأخلاق، وحصرهم دوامها بـ(العلوم الحقيقية)([26])، غير صحيح؛ إذ اتضح أن نفس ما يقال هنالك، يقال ههنا.

يتبع..

 

21/ شوال/1438هـ


([1]) وقد تحدثنا عن بعض تلك العناوين في كتاب (لماذا لم يصرح باسم الإمام علي عليه سلام الله في القرآن الكريم؟) تحت عنوان: (للحجة أنواع، وهي قائمة على كل حال) ص138.

([2]) سورة يوسف: 82 .

([3]) سورة البقرة: 233 .

([4]) سورة الاحقاف: 15.

([5]) وقد أشرنا إلى سلسلة أمثلة أخرى في دروس في التفسير والتدبر ـ سلسلة مع الصادقين ج2 (لماذا لم يصرح باسم الإمام علي عليه سلام الله في القرآن الكريم؟): ص147ـ 156.

([6]) أو مطلق السلطة، بحسب رأي البعض.

([7]) مقصودهم بـ(الحقائق) هو (الإدراك الذي يطابق الواقع) كما ذكرناه في تعريفهم للحقيقة، لا (الواقع بلحاظ مطابَقيته للإدراك أو للقضية) وقد جرينا في خصوص هذا البحث على حسب اصطلاحهم.

([8]) ويسمى بـ(الضرورة الأزلية)، وذلك لأنه ليس إلا الوجود، وليس ماهية ثبت لها الوجود.

([9]) وقد يعبر عنه بالاستحالة الأزلية.

([10]) فتأمل.

([11]) وهي: كون المحمول ضرورياً للموضوع لذاته مع الوجود لا بالوجود.

([12]) فإنه (مع الوجود) يستحيل سلب الشيء عن نفسه، لا مع عدمه، إذ مع عدمه، لا يوجد شيء ليقال إنه يستحيل سلبه عن نفسه، وبهذا يختلف عن الضرورة الأزلية والامتناع الأزلي، فتأمل.

([13]) المراد بالحيوان المعنى المنطقي للحيوان أي (الحساس النامي المتحرك بالإرادة).

([14]) هذا المثال مبني على اعتبار (التكلم) بمعنى (التعقل) والقوة العاقلة، وكونه فصلاً للإنسان.

([15]) راجع (الحاشية) أو (الشفاء) أو (منطق المظفر) في أقسام القضية / بحث الموجهات.

([16]) أي إن هذه الحقائق هي حقائق دائمة، أي إن الادراك المطابق لها صادق دائماً، حسب تعريفهم للحقيقة بأنها (الإدراك الذي يطابق الواقع) كما سبق.

([17]) أو بلحاظ حالة مطابقة المفهوم الذهني للواقع الخارجي بزمنه وبكافة ظروفه وشروطه.

([18]) أو إذا استخدمناها، نجردها عن معنى الزمن فيها، كـ(كان) المنسوبة إلى الله تعالى.

([19]) كالسين وسوف ولم.

([20]) فإن من بيده الاعتبار في علم (النحو) اعتبر الفاعل مرفوعاً، والمفعول منصوباً، واعتبر أن اسم كان وأخواتها مرفوع وخبرها منصوب، عكس اسم إن وأخواتها، وكان له أن يعكسه، وإن ذكروا لكل قاعدة وجهاً اعتبارياً مرجحاً، إلا أن تلك الوجوه، مع عدم تمامية بعضها في ذاته وكونها صرف استحسان، لا تعدو أن تكون مقتضيات لا عللاً.

كما أن من بيده الاعتبار في (علم الأصول)، اعتبر خبر الثقة حجة وكذا الظواهر، واعتبر القياس لا حجة، وكذا مطلق الظن، كما أنه اعتبر وشرع (التخيير) ـ على القول به ـ لدى التعارض، أو (التساقط) أو أي شيء اعتبره.

([21]) فإن المقنن قد يقنن (الضوء الأحمر) علامة للتوقف، و(الأخضر) علامة للإنطلاق، وله أن يعكس، كما له أن يغير ـ أن اقتضت المصلحة ذلك، أو قد يقرر (الغرامة المالية) على المخالفة الكذائية، ثم يقرر (السجن) عليها، وقد يعكس... وهكذا.

([22]) أشرنا في موضع آخر إلى قاعدة الحسن والقبح الذاتيين، وأنهما ليسا نسبيين، وقد أسهب علماء الكلام في الحديث عن ذلك في مناقشتهم للأشاعرة.

([23]) أي يغيِّر: بلحاظ انقضاء المبدأ أو بلحاظ لحوقه.

([24]) وذلك كالفرق بين (الاستصحاب) وبين (قاعدة اليقين) فإن (الشك) في الأول طارٍ وفي الثاني سارٍ.

([25]) أي (الادراك) يكون مثل (الصورة الأولى).

([26]) كما يظهر ذلك من كتاب (أصول الفلسفة والمنهج الواقعي)، تعليقات الشيخ المطهري على كتاب السيد الطباطبائي ج1، ص210، ترجمة عمار أبو رغيف / المؤسسة العراقية للنشر والتوزيع.