الإمام المهدي في التوراة والإنجيل (3)


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

   ما جاء في المزمور/72/ يُعدُّ من أقوى البشارات التي وردت في الكتاب المقدّس بحقّ كلّ منْ رسول الله محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) وحفيده المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حيث جَمَعَتْ خُلاصةَ أمرَيْهما صلوات الله وسلامه عليهما، ولم يستطع التحريف الذي أُحدِثَ مِنْ أنْ ينال منها، ومن مضامينا، فظلَّت متماسكةَ البناء واضحةَ المعاني والدلالات.

ولمزيدٍ مِنَ الإيضاح، ينبغي إلقاء الضوء على الأوصاف الواردة في هذه البشارة، لتأكيد أنّها تشير بوضوح إلى كل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفيده الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

فالفقرة الأولى منها (اللهم اعطِ شريعتَكَ للمَلِك وعدلَكَ لابن المَلِك) تشير إلى أن المُبَشَّر به سيكون له سلطان، ولذا عُبِّرَ عنه بـ«الملك»، وسيكون صاحبَ شريعةٍ وأحكامٍ لجميع الناس حيث يلزم على جميع الشعوب والأمم الانضواء تحت رايتها.

ومن المعلوم أن هذه الصفة لا تنطبق إلا على رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) صاحب الشريعة المستقلة عن جميع الشرائع السابقة، وصاحب السلطة الإلهية على جميع البشر، إذْ أرسله الله تعالى للناس كافَّة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (سبأ/28)، وجعله رحمةً للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/107)، بينما أرسَلَ بقيةَ الأنبياء برسالة خاصة بكل منهم إلى بني قومه.

فقد جاء في "سفر الملوك الأول" أن الله تعالى منع أنبياء بني إسرائيل وقومهم مِنَ الدخول على الأقوام الأُخرى، خشيةَ أنْ تميل قلوبهم إلى آلهة تلك الأقوام والشعوب:

«... ومِنَ الأُممِ التي عناها الرب في قوله لبني إسرائيل: «لا تختلطوا بهم، ولا يختلطوا بكم فهم يميلون بقلوبكم إلى آلهتهم» (سفر الملوك الأول، الاصحاح 11: 1 – 2).

وبهذا يتبيَّن أن أنبياء بني إسرائيل لم يُرْسَلوا إلى جميع الشعوب والأمم، بل حُدِّدَ تكليفهم بهداية نبي قومهم فقط. وقد أكَّد هذه الحقيقة عيسى بن مريم (عليهما السلام) عندما قال: «ما أرسلني اللهُ إلا إلى الخِرافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَني إسرائيلَ» (إنجيل متى 15: 24).

ولذا تم التعبير عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بـ«الملك» لأن شريعته ستحكم جميع الشعوب والأُمم. وهذا ما دعا نبي الله دانيال (عليه السلام) الى الإشارة إلى رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) بوصفه صاحب السلطان والمملكة التي ستبقى إلى الأبد، فقد ورد في كتاب دانيال ما نصُّه:

«وفي أيام هؤلاء المُلوكِ يُقيمُ إلهُ السَّماء مَمْلَكَةً (أي شريعةً) لن تنقرضَ أبداً، ولا يَغْلِب سُلطانها شعبٌ آخَرُ، فتَسحَقُ وتَفْني جميعَ تِلْكَ الممالك، وهي تَثْبُتُ إلى الأبدِ» (سفر دانيال 2: 44).

كما تنبّأ دانيال (عليه السلام) مرّة أُخرى بمجيء رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وبأن شريعته لن تنمحي أبداً فقال:

«كنت أرى في رؤى الليل، فإذا بمثلِ ابْنِ إنسانٍ آتياً على سحاب السَّماء، وجاء إلى القديمِ الأيام "(القديم الأيام) تعبير مألوف في العهد القديم يقصد به الله تعالى (أي القديم الأزل)". فَقُرِّبَ إلى أمامه "اشارة إلى معراج رسول الله(ص)" فأُعطِيَ سُلطاناً ومَجداً ومُلْكاً لتتعبَّدَ له كلُّ الشعوبِ والأُمَمِ والألسنة. ويكونَ سُلطانُهُ سُلطاناً أبديّاً لا يزولُ، ومُلْكُهُ لا يتعدَّاهُ الزَّمنُ» (سفر دانيال 7: 13 – 14).

كما نادى نبي الله يحيى (عليه السلام) ببني إسرائيل وهو يُعَمِّدهم بأنْ يتوبوا إلى الله ويعدُّوا أنفسهم، ويعدُّوا الناس لاستقبال شريعة الله الخاتمة والخالدة التي عبَّر عنها بملكوت السموات فقال لهم:

«توبوا لأنَّه مَلكوتَ السَّماواتِ اقتربَ! فإنَّ هذا هو الذي تكلّم عنه النبيُّ إشعياء قائلاً: «صوتُ صارخٍ في الصحراء، أعدِّوا طريقَ الرّبِّ واجعلوا سُبُلَهُ مستقيمة» (إنجيل متى 3: 2 – 3).

ومعلوم أن هذا الصوت الصارخ في الصحراء والذي دعا إلى عقيدة التوحيد الخالص وإلى التمسك بصراط الله المستقيم هو محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وعودة إلى البشارة الواردة في المزمور /72/ فإن جميع ما ورد فيه جاء مشتركاً بين رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وحفيده المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلا بما يخص الرسالة والنبوة فهي من خصوصيات رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله).

فالصفات الواردة في كل من الفقرات /4،3،2/ (ليحكمَ بين الناس بالعدلِ، ولعبادك المساكين بالحق/ فَتَحْمِلَ الجبالُ والآكامُ السلامَ للناس في ظلِّ العدل/ ولِيَحكُمْ للمساكين بالحقِّ، ويُخَلِّصِ البائسينَ ويَسحقْ ظالميهم!) مشتركة بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفيده المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) حيث إنَّ مهمتهما، بعد دعوة الناس إلى الإيمان بالله وطاعته، هي رفع الظلم عن كاهل الشعوب، وردع الظالمين، ونصرة المظلومين والمساكين. ومن يقرأ تاريخ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتبيّن له أنّه كان عوناً للمظلومين والفقراء والمساكين، وحرباً على الظالمين والمستكبرين، وهكذا حفيده المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فإنه مكلَّفٌ ببسط القسط والعدل في الأرض، بعد أن تكون قد مُلِئت ظلماً وجوراً، كما ورد في الأحاديث النبوية المتواترة عند المسلمين، روى أبو داود في سننه (4/107) عن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني»، أو قال: «من أهل بيتي» يواطئ اسمه اسمي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً».

يتبع..

 

20/ شعبان/1438هـ