لماذا تموتُ عندنا الأَفكار وتُقبرُ المشاريع؟!


 

 

نـــــــــزار حيدر

موقع الإمام الشيرازي

 

لماذا تتحوَّل عندهم الأَفكار الى مشاريع؟ أَمَّا عندنا فالأَفكارُ ليس أَمامَها طريقٌ إِلَّا طريق سلَّة المُهمَلات عادةً؟!.

أَوَّلاً؛ لأَنَّنا لا نتعامل بتجرُّد مع الفكرة وإِنَّما نُرجعَها الى مصدرِها والى أَصلها والى صاحبِها، أَي الى الخلفيَّة التي تنتمي اليها، ولهذا السَّبب ترانا نتعامل مع الأَفكار دينيّاً أَو مذهبيّاً أَو إِثنيّاً أَو حتّى أُسَرِيّاً وعشائريّاً! فاذا كان صاحبها من نَفْسِ الدِّين أَو المذهب أَو الاثنيَّة أَو الأُسرة والعشيرة والحزب والكُتلة فهي آيةٌ أَأْخذُ بها من دونِ نقاشٍ مهما كانت تافهةٍ! وقد أَسعى لفرضها على الآخرين بكلِّ الطُّرق والوسائل والأَساليب حتّى إِذا اضطُررتُ لاستخدام كاتمِ الصَّوتِ مثلاً أَو سياسات التَّسقيط والتَّشهير واغتيال الشَّخصيَّة وما الى ذلك!.

ولعلَّ من أَبرز مظاهر هذه الظّاهرة في مجتمعِنا هو رفض مشايخ السلفيَّة التكفيريَّة القَبول بكلِّ سُنَّةٍ من سُنَن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الثَّابتة عندهُم إِذا هي اليوم شعارٌ من الشِّعارات التي ترمز الى [الرَّوافض] على حدِّ قولهِم!.

فالسُّجودُ على الأَرْضِ، وهي سنَّةٌ يتناقلها كلُّ فقهاء المذاهب قديمهُم وحديثهُم، إِلّا أَنَّهم يتساهلون في هذه السنَّة حدِّ الرَّفض لأَنَّ السُّجودَ على التُّربةِ باتَ مظهرٌ من مظاهر التَّشيُّع!.

وهكذا، مع كلِّ فكرةٍ أَو مشروعٍ أَو رأيٍ! نُضخِّمهُ وننفخُ فيهِ ونبِّرر لهُ إِذا كان صاحبهُ من [جماعتِنا] أَمّا اذا لم يكُن كذلك، فما لنا ومثلَ هذه الخُزعبلات التي لا تضرُّ ولا تنفع؟!.

ينبغي التَّمييز بين الأَفكار العامَّة والأُخرى الخاصَّة، فالأُولى يجب أَن تكونَ عابرةً للانتماءات الضَّيِّقة ولا بأس بأَن تكون الثَّانية كذلك فهي شأنٌ خاصٌّ أَمّا الأُولى فشأنٌ عامٌّ! يلزمنا التَّفاعل معها بايجابيَّةٍ والّا فسنظلَّ نخسر وسنظلَّ نتقهقر أَو أَن نستورد الأَفكار والمشاريع من خارجِ الحدود!.

ثانِياً؛ إِنَّ النَّفي حاضرٌ عادةً على طرَفِ لساننا! حتّى من دونِ أَن نُحاول ونجرِّب ونسعى إِذا اعتقدنا بصحَّة الفكرة أَو المشروع!.

في كثيرٍ من الأَحيان يكتب لي مُتابعون لكتاباتي العبارة التَّالية [الفكرة أَو المشروع الوارد في مقالتِك اليوم مهمٌّ جدّاً وضَروري، ولكنَّهُ مستحيلٌ ولا يُمكنُ إِنجازهُ]! أَسأَلهُم؛ هل حاولتُم وتبيَّن لكُم إِنَّهُ مُستحيل؟! هل سعيتُم لإنجازهِ أَو على الأَقلِّ هل فكَّرتم في إِنجازهِ فتبيَّن لكُم إِنَّهُ مستحيلٌ ولا يمكنُ إِنجازهُ؟! طبعاً؛ الجوابُ حاضرٌ؛ لا! لا يحتاج أَن نُحاول ونسعى! فالموضوعٌ واضحٌ وظاهرٌ للعَيانِ كالشَّمس في رابعةِ النَّهار!.

وهكذا نقبُر الفكرة ونُطلق الرَّصاص الحيِّ على المشاريع مع سبقِ الإصرارِ! والجهل بالشَّيء غَير مُبرَّر أَبداً! وهذا هو حال الشُّعوب المتخلِّفة والمجتمعات المتقهقِرة دائماً! تُضيِّع الفُرصة من بين أَصابعها لأَنَّها تقبُر الأَفكار والمشاريع حتّى من دونِ أَن تبذل أَبسط مُحاولةٍ! وبالتَّالي هي تقتل الفكر الخلَّاق والمُبدع!.

أَمَّا في المجتمعات النّاجحة، فالخُطوات تأتي كالتَّالي؛

١/ يُناقشون الفكرة أَو المشروع بغضِّ النَّظر عن صاحبهِ وخلفيَّتهِ.

٢/ فاذا وجدوها سليمةً ونافعةً، يبذلونَ المستحيل من أَجل إنجازِها مهما كانت العقبات التي تقِف في طَريقِ ذلك!.

٣/ وكلُّ واحِدٍ منهم يبذل جهدهُ لتذليلِ العقبات! فلا تسمع أَحدهُم يتذرَّع بالعقبات والمشاكل! بل أَنَّ نجاح أَو فشل الفرد عندهم ليس في تنفيذِ الفكرة السَّهلة والجاهزة أَبداً، فذلك جهدُ الأَغبياء والعاجزين! وإِنَّما فيما يبذلهُ من جُهدٍ لتذليلِ عقباتِ تنفيذ المشروع أَو الفكرةِ العظيمةِ! وبعقليَّة الفريق المسؤول وليس بعقليَّة الفرد المتربِّص بصاحبهِ! ولذلك يُبدعون ويُنتجون فيتقدَّمون! ولقد إِنتشر في الآونة الأَخيرةِ في وسائلِ التَّواصل الاجتماعي منشورٌ يُشيرُ الى الفرقِ بين النَّاجح والفاشل وطريقة تفكير كلُّ واحِدٍ منهم مع الفكرةِ أَو المشروع، وهي كالتَّالي؛

الياباني؛ إِذا لا يوجد من ينفِّذ الفكرة أَو المشروع فأَنا مَن سيقومُ بهذهِ المُهمَّة!.

العراقي؛ إِذا لا يمكنُ لأَحدٍ أَن يُنجز الفكرة أَو المشروع فكيفَ تريدُني وتنتظر منّي، إِذن، أَن أَنجزها أَنا؟!!! يا حبيبي!.

النَّجاح طريقة تفكير وليس إمكانيّات وقدُرات! وهو يعبِّر عن طريقة تعامل الشُّعوب مع الأَفكار والمُقترحات والمشاريع! فعلى سَبِيلِ المثال لا الحصر؛

في الولايات المتَّحدة توجد في كلِّ مؤسَّسةٍ تدخلها صندوقاً خاصّاً لجمع آراء وأَفكار ومقترحات الزَّبائن، مكتوبٌ عليهِ العبارة؛ [فكرتُك تُساهم في صناعةِ التَّّغيير] طبعاً نحو الأَفضلِ والأَحسن!.

أَمّا عندنا فاذا تقدَّم زبونٌ بفكرةٍ أَو رأيٍ في أَيَّة دائرة من الدَّوائر، يبادرهُ الموظَّف أَو صاحب العلاقةِ وبعصبيَّةٍ شديدةٍ بالقول [إِنتَ شِنو جاي تتعِيقَل بْراسي؟!].

 

19/ شعبان/1438هـ