مكافحة الفقر في منهج الإمام علي بن أبي طالب (5)


 

 

السيد مرتضى الشيرازي

موقع الإمام الشيرازي

 

العوامل الغيبية والأخلاقية لإنتاج الثروة، والحفاظ عليها، وتنميتها، ولمكافحة الفقر

 

المقصود بالعوامل الغيبية، عوامل كـ(التقوى) و(تجنب الربا) حيث انها عوامل تستجلب البركة الإلهية غيبياً وتستدعي لطف الله لرزق عبيده من خزائن غيبه حيث رآهم مطيعين لأمر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾.

وأما العوامل الأخلاقية، كالصدق والنزاهة والإنصاف، فانها سلسلة عوامل أخلاقية، لكنها تصب بشكل غير مباشر في إنماء الثروة والحفاظ عليها، فإن الناس لو عرفوا من الكاسب أو التاجر الصدق والنزاهة والإنصاف، وثقوا به واقبلوا عليه وازداد عملاؤه، واودعوه أموالهم، وفتحوا له قلوبهم وسهلوا له أموره وأعانوه بعلاقاتهم التجارية أيضاً.

وبذلك كله يظهر أن (العوامل الغيبية والأخلاقية) هي في جوهرها من عوامل إيجاد الثروة، والحفاظ عليها، وتنميتها، مثل عوامل الفصل الأول، لكنها أفردت في فصل خاص، لأن عوامل الفصل الأول كان طابعها العام هو العوامل المادية الظاهرية التي تبنى على معادلات اقتصادية ملموسة، أما عوامل الفصل الثاني فهي عوامل غير مرئية وغير معروفة مادياً بتأثيراتها الاقتصادية، لدى أكثر الناس أو لدى الماديين منهم، لذا افردناها في فصل خاص، لتحظى بتركيز مؤكد.

 

وصايا غيبية - أخلاقية ذات نتائج كبرى اقتصادية

وهذه سلسلة من العوامل والحلول الغيبية والأخلاقية، لحل مشكلة الفقر، ولزيادة الثروة والحفاظ عليها، وتنميتها، ذكرها الإمام علي بن أبي طالب على شكل (وصايا) نشير إليها بشكل موجز:

للإمام علي (عليه الصلاة والسلام) وصايا عامة لو عمل بها الناس ـ إضافة لما سبق وسيأتي ـ لاقتلع الفقر من جذوره، وهي تتوزع بين أخلاقية – غيبية، لكنها ذات تأثيرات اجتماعية – اقتصادية كبيرة جداً. وهذه بعضها:

 

أ: إتقوا الله

(يا معشر التجار اتقوا الله عز وجل)([1])

ومن الواضح أن الخوف من الله، يردع الإنسان عن امتصاص دماء الفقراء عبر الغش والخداع والاحتكار ورفع الأسعار، مما ينتج تقلص مساحة الفقر.

 

ب- (قُدموا الاستخارة)

الاستخارة تعني طلب الخير من الله تعالى فانها من باب الاستفعال فإن من المستحب عند بدأ كل عمل أن يستخير العبد من ربه أي أن يطلب منه أن يجعل الخير فيما هو مقدم عليه، ومن صور ذلك ان يقول (استخير الله برحمته خيرة في عافية) والأفضل أن يصلي ركعتين أيضاً، ولأن الله تعالى هو (الرزاق ذو القوة المتين) فانه سيبارك في كل عمل، قدم الإنسان فيه الاستخارة.

 

ج: اتخذوا السهولة منهجاً

(وتبركوا بالسهولة)([2]) ..وقال أمير المؤمنين (وليكن البيع بيعاً سمحاً)

فإن أي روتين إداري أو تعقيد أو بيروقراطية، يعرقل حركة رؤوس الأموال، ويضاعف التكاليف، ويستهلك قسماً كبيراً من الأوقات، ويضخم الجهاز الإداري ويزيد عدد الموظفين، ويضغط بشدة على الأعصاب والصحة، مما يسبب بدوره الأمراض التي تضغط بشدة على الفقراء.

فأي بيع أو شراء أو تعاقد يجب أن يتم بمنتهى السهولة وبدون روتين وتعقيد، ولذا نجد أن قسماً من حكومات عالم اليوم بدأت تنحو منحى تخفيف الروتين الإداري في تسجيل الشركات وفي كافة المعاملات، وفي الإسلام: لا حاجة لذلك أبداً!!

 

د: اقتربوا من العملاء([3])

(واقتربوا من المبتاعين)([4])

فإن كثرة الوسائط، تسبب الغلاء والتضخم، لأن الواسطة يعيش على رفع سقف الأسعار ليربح ـ ربحاً مضاعفاً أحياناً ـ فكلما ألغيت الوسائط كلما رخصت الأسعار وانخفضت نسبة الفقر..

وعلى الدولة أن تخطط لإلغاء الوسائط لأنها إضافة إلى ذلك تزيد من احتمالات التلاعب بالأسواق نظراً للقدرة المتمركزة الكبيرة للشركات الوسيطة.

 

هـ: (وتزينوا بالحلم)

(الحلم) مفتاح القلوب، وأفضل وسيلة لمدّ جسور المحبة مع الآخرين، ومن هنا فإن الناس يتهافتون على (التعامل) مع الحليم والتعاون معه.

فإذا أردت أن يفتح الرب لك أبواب الرزق فكن حليماً مع الموظفين والعمال والشركاء، ومع رب العمل، ومع العملاء والمتعاملين ومن تبيع لهم أو تشتري منهم، إضافة إلى الحلم مع الأهل والأولاد والعشيرة، وحتى الأعداء أيضاً وفي الحديث (ما وضع الحلم على شيء إلا زانه، وما وضع الخرق على شيء إلا شانه) وورد (كاد الحليم أن يكون نبياً)

 

و: (وتناهوا عن اليمين)

وجاء في رواية أخرى عنه صلوات الله عليه (إياكم والحلف فانه ينفق السلعة ويمحق البركة)([5])

وقد أوضحنا السبب في ذلك، في موضع آخر من الكتاب.

 

ز: كونوا صادقين

(وجانبوا الكذب)([6])

فإن الكذب في المعاملات يعني: مزيداً من الضغط على الفقراء! لأن التاجر أو الشركة تكذب لكي تبيع المنتج بسعر أغلى أو تبيع الرديء بعنوان أنه جيد! أو ما أشبه ذلك.

 

ح: (تجافوا عن الظلم)

ان قبح (الظلم) يعد من المستقلات العقلية، وكذلك حرمته، بل هو أمر فطري، كما ان الظلم يدعو إلى الظلم فكما تدين تدان، فليحذر التاجر ظلم العملاء، الخفي من الظلم والجلي، وإلا فسيسلط الله تعالى عليه من يظلمه ثم لا يجد على ظالمه نصيراً وكما يقول الشاعر:

لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدراً

فالظلم أخره يدعو إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنمِ

وفي الحديث ان الله تعالى: (لا يَظْلِمُ وَلا يُجَاوِزُهُ ظُلْمٌ وَهُوَ بِالْمِرْصَادِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى مَنْ أَحْسَنَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد)([7])

 

ط: انصفوا المظلومين

(وأنصفوا المظلومين)([8]).. وفي عهده (عليه السلام) للاشتر (ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى)

ففي أية معاملة يجب إنصاف المظلوم قبل أن يرفع المظلوم شكوى، ثم لو رفع المظلوم ـ شخصاً كان أو شركة أو جهة ـ شكوى، كان على الظالم أن يتراجع فوراً، وإلا فإن ذلك يعني إضافة إلى كونه انتهاكاً لحقوق الإنسان، مزيداً من الضغط على الفقراء.. لأن المحامين سيثرون على حساب الطرفين([9]).. ولأن الظالم أو المظلوم (حسب من هو الخاسر) سيحاول استرجاع ما بذل من أجور للمحامين وشبه ذلك، برفع الأسعار أو باتخاذ قرار بعدم زيادة أجور العمال.. مما يعني ضغطاً على الفقراء أيضاً.

 

ي: تجنبوا الربا

(ولا تقربوا الربا)([10])

وقال في نهج البلاغة راوياً قول رسول الله (يا علي ان القوم سيفتنون بأموالهم... فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع) والسبب في اننا اعتبرنا تجنب الربا بنداً غيبياً، مع أنه بند اقتصادي لأنه نوع من أنواع زيادة ثراء الأثرياء، السبب هو: أن الربا سلوك مادي، لكن عدم الربا هو سلوك غيبي لزيادة الثروة، بمعنى أن الإنسان إذا تجنب الربا، فإن الله سيبارك في أمواله، ويفتح له آفاقاً غير متوقعة لنماء ثروته أو للحفاظ عليها أو سيدفع عنه أخطاراً محدقة – كحادث اصطدام أو شبه ذلك – مما لو كان يرابي، لأبتلي به فخسر صحته وأمواله في العلاج أو في دفع تلك الداهية دون طائل.

وقد تحدثنا عن ذلك في بند آخر.

 

ك: عليكم بالنزاهة

قال الله تعالى: (وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)([11])..

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع)([12])

وهذا يعني تحريم التلاعب بالأسواق، وقد سبق.

 

ل: تاجروا الله بالصدقة

يقول الإمام علي(عليه السلام):

(إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة)([13])

والصدقة لها تأثير مباشر في احتواء الفقر كما هو بديهي.

كما لها تأثير غير مباشر لكنه أساسي وإستراتيجي جداً، فإن الصدقة تقوي النسيج الاجتماعي وتزيد أواصر المحبة بين أفراد المجتمع مما ينعكس إيجاباً على الإنتاجية.

هذا كله إضافة إلى عامل الغيب، فإن الرزق بيد الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المَتِينُ﴾([14]).

وقال الإمام علي(عليه السلام): (الغنى والفقر بعد العرض على الله)([15]).

وإذا رأى الله من عبده الإنفاق رغم حاجته، فإنه يفتح له باباً إلى الرزق من حيث يحتسب وقد يرزقه من حيث لا يحتسب.

وهذا العامل مشترك يشمل الأفراد والشركات والدول أيضاً.

ثم إن منهج الصدقة لو شاع، فإنه يعود بالفائدة على الإنسان نفسه، وذلك عندما تنعكس الظروف، فاليوم هذا يتصدق على ذاك، ثم تدور الأيام ليتصدق الثاني على الأول، فالصدقة إذن نوع أساسي وهام وشمولي من أنواع التكافل الاجتماعي.

 

م: صلوا أرحامكم

إن صلة الرحم عامل مهم من عوامل القضاء على الفقر، غيبياً ومادياً أيضاً.

قال الإمام علي (عليه السلام):

(ألا لا يعدلنّ أحدكم عن القرابة، يرى بها الخصاصة، أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه إن أهلكه)([16]).

ويذكر (عليه السلام) فوائد ذلك منبها على أن (القرابة):

1: هم أعظم الناس حيطة من وراءه.

2: وألـمّهم لشعثه.

3: وأعطفهم عليه عند نازلة أن نزلت به.

4: ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير من المال يرثه غيره([17]).

فصلة الرحم ـ عاطفياً ومالياً وغير ذلك ـ تؤثر مباشرة في تقليص مساحة الفقر كما هو واضح، وتصنع البنية التحتية الاجتماعية للقضاء على الفقر أيضاً، إذ بصلة الرحم تتقارب القلوب وتتكاتف الأيدي فيكون المجموع ـ بالتعاون ـ أقدر على مكافحة الفقر وعلى النهوض الاقتصادي المتواصل.

ولذا نجد أن كثيراً من الشركات العائلية نجحت ما دامت متمسكة بصلة الرحم، وتهاوت عند ما دب الخلاف وقطعت الرحم وانفصمت عرى المودة والمحبة.

ثم إن صلة الرحم تعدّ من أهم عوامل سلامة الأعصاب والقضاء على الكآبة، والثقة بالنفس، وكل ذلك ينعكس بشكل إيجابي على قدرة الإنسان على النهوض الاقتصادي.

وبالعكس فإن (قطع الرحم) هو من أهم عوامل الكآبة ودمار الأعصاب والعديد من الأمراض الأخرى، مما يسبب تضاؤل القدرة على التخطيط الاقتصادي السليم، وعلى الإدارة المتميزة، والأداء الجيد، كما يسبب قصر العمر أيضاً، ولذلك قال الإمام علي(عليه السلام):

(يا نوف صل رحمك، يزد الله في عمرك)([18]).

وقال الإمام الرضا(عليه السلام): (صلة الأرحام تحسن الخلق وتسمح الكف وتطيب النفس وتزيد في الرزق وتنسي من الأجل)([19]).

وقال الإمام علي (عليه السلام): (حلول النقم في قطيعة الرحم)([20]).

وقال (عليه السلام): (إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار)([21]).

إن قطيعة الرحم هي من أهم عوامل تفكك الأسرة وضياع الأولاد، مما يعني أيضا:

1: إن أموال الأسرة تنتقل ـ بالإرث وغيره ـ إلى أولاد أشرار.

2: إن أموال الأسرة ستصرف ـ نتيجة تفكك العائلة وفسادها ـ في المحرمات: القمار، الخمر، الزنا وغير ذلك، مما يعني وصول الأموال لأيدي الأشرار.

3: إن أموال الأُسر الصالحة التي قطعت الرحم تنتقل إلى الأسر غير الصالحة التي وصلت الرحم، نتيجة إفلاس شركات الأسر الأولى ـ على ضوء النزاع وغيره ـ ونتيجة تعاون الأسر غير الصالحة([22])، ولذلك كله وغيره قال الإمام الباقر(عليه السلام): (صلة الرحم تعمر الديار، وتزيد في الأعمار، وإن كان أهلها غير أخيار)([23]).

 

ن: استعينوا بمفاتيح الغيب

عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّه قال: (من تعذّر عليه رزقه وتغلّقت عليه مذاهب المطالب في معاشه ثم كتب له هذا الكلام في رق ظبي أو قطعة من أدم وعلّقه عليه أو جعله في بعض ثيابه التي يلبسها فلم يفارقه وسّع الله رزقه وفتح عليه أبواب المطالب في معاشه من حيث لا يحتسب وهو: اللهم لا طاقة لفلان بن فلان بالجهد ولا صبر له على البلاء ولا قوّة له على الفقر والفاقة، اللهم فصلّ على محمد وآله محمد ولا تحظر على فلان بن فلان رزقك ولا تقتر عليه سعة ما عندك ولا تحرمه فضلك ولا تحسمه من جزيل قسمك ولا تكله إلى خلقك ولا إلى نفسه فيعجز عنها ويضعف عن القيام فيما يصلحه ويصلح ما قبله بل تنفَرِدُ بلم شعثه وتولي كفايته وانظر إليه في جميع أموره، إنّك إن وكلته إلى خلقك لم ينفعوه وإن الجأته إلى أقربائه حرموه وإن أعطوه أعطوه قليلاً نكداً وإن منعوه منعوه كثيراً وإن بخلوا بخلوا وهم للبخل أهل، اللهم أغن فلان بن فلان من فضلك ولا تخله منه فإنّه مضطر إليك فقير إلى ما في يديك وأنت غني عنه وأنت به خبير عليهم ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ ([24]) ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ([25]) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾([26]) ([27])

إن أول صفة للمؤمنين هي أنهم (يؤمنون بالغيب) ثم تليها (ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) والله تعالى هو الخالق وهو الرازق، وقد جعل للرزق أسباباً منها المادي ومنها المعنوي، فهل يبقى مجال بعد ذلك للاستغراب من الروايات الكثيرة التي تذكر طرقاً كهذه الرواية، لفتح ما استغلق من أبواب الرزق؟

 

س: أتركوا أموراً ضارة وعادات مُفقِرة

عن سعيد بن علاقة قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) يقول:

ترك نسج العنكبوت في البيت تورث الفقر،  والبول في الحمام يورث الفقر، والأكل على الجنابة يورث الفقر، والتخلّل بالطرفاء([28]) يورث الفقر، والتمشّط من قيام يورث الفقر، وترك القمامة في البيت يورث الفقر، واليمين الفاجرة تورث الفقر، والزنا يورث الفقر، وإظهار الحرص يورث الفقر، والنوم بين العشائين يورث الفقر، والنوم قبل طلوع الشمس يورث الفقر، وترك التقدير في المعيشة يورث الفقر، وقطيعة الرحم يورث الفقر، واعتياد الكذب يورث الفقر، وكثرة الاستماع إلى الغناء يورث الفقر، وردّ السائل الذكر بالليل يورث الفقر.

وهنا مجموعة من النقاط الهامة:

1- هذه العوامل، بعضها عوامل غيبية ميتافيزيقية، وبعضها عوامل مادية ظاهرية وبعضها مزيج منهما.

2- إن هذه العوامل (تورث الفقر) بنحو الاقتضاء لا العلية، والمقتضي لا يؤثر إلا مع وجود الشرائط وإنتفاء الموانع، كما أن باب التزاحم مُشرَع على مصراعيه، والغلبة والرجحان للأقوى من الملاكين، فرُبّ عاملِ فقرٍ، زاحمه عامل غنى أو عوامل غنى، أقوى منه، فرجحت عليه، فصار الشخص غنياً، والعكس بالعكس، فلا يقال: كيف يعبر بـ(يورث كذا الفقر أو الغنى) مع أننا كثيراً ما نجد الواقع الخارجي على العكس؟

ويتضح ذلك أكثر بملاحظة اللغة العلمية واللغة العرفية أيضاً؛ فإن (الطبيب) يقول: الدواء الفلاني علاج للمرض الكذائي، مع أننا كثيراً ما نجد المريض يلتزم بشرب الدواء ولا يشفى، وما ذلك إلا لأن الدواء مقتضٍ للشفاء، وهناك شروط لابد من توفرها، وموانع ومزاحمات لابد من رفعها أو القضاء عليها، كما أن مما لا شك فيه صحة القول بأن النار محرقة، وذلك لا يعني عدم وجود شرائط للإحراق، كالمحاذاة الخاصة، كما لا ينفي اشتراط انتفاء الموانع، كأن لا يكون الجسم مطلياً بمادة كيماوية عازلة.

3- إن هذه العوامل تتوزع بين (محرمات) كالزنا وقطع الرحم والغناء والكذب واليمين الفاجرة، وبين (مكروهات) وهي الكثير من غيرها مما ذكر في الرواية.

4- إن هذه المحرمات، وتلك المكروهات، على درجات، فبعضها أشد تأثيراً وأقوى وأسرع في استجلاب الفقر، وبعضها أضعف وأبطأ.

5- كما أن الحديث عن كل مفردة مفردة، وفلسفتها الاقتصادية أو آثارها الكيماوية أو الفيزيائية أو الطبية - على المخ والأعصاب - أو السيكولوجية أو الاقتصادية أو غيرها، يحتاج إلى عقد مبحث مستقل ولعلنا نوفق له في المستقبل بإذن الله تعالى.

 

ع: قوموا بأفعال نافعة وعبادات جامعة

ثم قال أمير المؤمنين(عليه السلام) ألا أنبئكم بعد ذلك بما يزيد في الرزق قالوا: بلى يا أمير المؤمنين فقال:

الجمع بين الصلاتين يزيد في الرزق، والتعقيب بعد الغداة وبعد العصر يزيد في الرزق، وصلة الرحم تزيد في الرزق، وكسح الفناء([29]) يزيد في الرزق، ومواساة الأخ في الله عز وجل يزيد في الرزق، والبكور في طلب الرزق يزيد في الرزق، والاستغفار يزيد في الرزق، واستعمال الأمانة يزيد في الرزق، وقول الحقّ يزيد في الرزق، وإجابة المؤذّن يزيد في الرزق، وترك الكلام في الخلاء يزيد في الرزق، وترك الحرص يزيد في الرزق، وشكر المنعم يزيد في الرزق، واجتناب اليمين الكاذبة يزيد في الرزق، والوضوء قبل الطعام يزيد في الرزق، وأكل ما يسقط من الخوان يزيد في الرزق، ومن سبّح كلّ يوم ثلاثين مرة دفع الله عز وجل عنه سبعين نوعاً من البلاء أيسرها الفقر.([30])

وهذه العوامل([31]) تتوزع بين:

1- ما يرتبط بعلاقة الإنسان بخالقه، (كالجمع بين الصلاتين، والتعقيب بعد الصلاة و...) وحيث إنه تعالى مصدر الرزق، فانه سيكون التزام الشخص بتلك الأسباب، سبباً لاستمرار الرحمة الإلهية وباعثاً لإفاضته تعالى الرزق على عبده.

2- ما يرتبط بعلاقة الإنسان بمجتمعه (كصلة الرحم، المواساة، وقول الحق و...).

3- ما يرتبط بعلاقة الإنسان بالطبيعة (ككسح الفناء، الكلام في الخلاء، الوضوء قبل الطعام و...).

4- وما يرتبط بالبعد الاقتصادي مباشرة (كالبكور في طلب الرزق، والأمانة المالية بل مطلقاً و...).

يتبع

17/ رجب الأصب/1438هـ


([1]) الكافي: ج5 ص151.

([2]) الكافي: ج5 ص151.

([3])  أي المتعاملين معكم تجارياً، وحاولوا تجاوز الوسائط.

([4]) الكافي: ج5 ص151.

([5]) -الكافي: ج5 ص 162، ح4، وسائل الشيعة: ج17 ص 419.

([6]) الكافي: ج5 ص151.

([7]) بحار الأنوار ج73 ص373 باب 67.

([8]) الكافي: ج5 ص151.

([9]) يقول إد ماكريكين مؤسس شركة سيلكون جرافكس انكوربوريتد: (وأظن أن جميع شركات وادي السيلكون تقريباً قد رفعت ضدها قضايا مرات متعددة ـ مثل هيولت باكارد ـ وإنتل وشركتنا، والحقيقة أنه عند مقاضاة إحدى الشركات وعند التوصل إلى تسوية مالية كبيرة فإن حملة الأسهم لا يحصلون كأفراد على أي شيء منها. وإنما يحصل عليها في الحقيقة بيل ليراتش (وهو محامي بارز) وأصدقاؤه الذين حققوا كثيراً من الأموال من وراء ذلك)، المصدر كتاب في صحبة العمالقة تأليف جاجر واورتيز ص317.

([10]) الكافي: ج5 ص151.

([11]) سورة آل عمران: 130.

([12]) نهج البلاغة: عهد الإمام لمالك الأشتر.

([13]) نهج البلاغة: الحكمة 258

([14]) سورة الذاريات: 58

([15]) نهج البلاغة: ص555.

([16]) نهج البلاغة: ص65.

([17]) نهج البلاغة: ص 65.

([18]) بحار الانوار: ج74 ص89.

([19]) الكافي: ج2 ص 151.

([20]) غرر الحكم: ص406.

([21]) بحار الأنوار: ج74 ص138.

([22]) حول الصدقة وصلة الرحم ونظائرها يراجع (الفقه: الآداب والسنن)، وكتاب العشرة من بحار الأنوار، والوسائل، والكافي وغيرها.

([23]) بحار الأنوار: ج74 ص94.

([24]) سورة الطلاق: الآية 3.

([25]) سورة الشرح: الآية 6.

([26]) سورة الطلاق: الآيات 2 – 3.

([27]) مهج الدعوات: ص 126.

([28])  الطرفة: شجرة وهي الطرف، والطرفاء: جماعة الطرفة شجَرٌ وقال سيبويه: الطرفاء واحد وجمع، والطرفاء اسم للجمع، وقيل واحدتها طرفاءة، لسان العرب: ج9 ص220.

([29]) الكسح: الكنس.

([30]) الخصال: ج2 ص 504 ح2 (أبواب الستّة عشر).

([31]) وكذلك عوامل الفقر السابقة، تنقسم وتتوزع كذلك، فلاحظ وتدبر.