الدولة الحديثة وجدلية المواطنة التضامنية


 

 

حكمت البخاتي

موقع الإمام الشيرازي

 

   الدولة القديمة مرتهنة بالقبض على السلطة، سواء كان هذا القابض على السلطة فرداً أو جماعة معينة، ويتم القبض على هذه السلطة بوسائط القوة والعنف في الغالب، فهي دولة لا تملك شخصية مجردة اعتبارية بل يملكها حاكم أو سلطان.

من هنا ينفي جورج بوردو (فقيه القانون الدستوري وأستاذ كلية القانون والعلوم في جامعة باريس) صفة الدولة كتنظيم سياسي وقانوني حديث عن الدولة القديمة، ويحيل تشكيل الدولة الى امتلاكها الشخصية أو الكيانية المجردة، وحينئذ فإنها تنطبق مع شرط الدولة في الوجود، وهو وجود ملموس يتشكل في تصور الأفراد أعضاء الهيئة الاجتماعية العامة، فالدولة من وجهة نظر هؤلاء الأفراد ليست سلطة فرد أو جماعة بل (مؤسَسَة معينة) تنبثق عن سلطة مؤسِسة، وإذا كان الدستور ينبثق وفق فقهاء القانون عن سلطة مؤسِسة هي إرادة الأمة أو الشعب أو الكل.

ثم إن سلطة الدستور تتحول بهذا الحق أيضاً الى سلطة مؤسسة لسلطة أو سلطات الدولة الثلاث – تشريعية – قضائية – تنفيذية - وبذلك تكون الدولة سلطة مؤسَسة، لأن الدستور يؤسسها، والدستور تؤسسه إرادة الكل، وحينها تكون هذه الدولة المؤسَسَة هي دولة الكل دولة المواطن – الفرد، دولة المواطنة، لأنها تعبر عن سلطة الكل، إنها تجسد سلطة الدستور الذي يمارس من وجهة نظر بوردو انتزاعاً أو تجريداً للسلطة من مالكيها، الذين يقبضون عليها بشكل فردي أو جماعي معين وبطريق القوة والإكراه، وتحويلها بواسطة الدستور الى كيان مجرد هو الدولة بالذات. (فلسفة الدولة، منذر الشاوي، ص45 – 46).

إذن فالدستور هو تجسيد للدولة وتجريد للسلطة، بناءاً على بوردو، وبهذا يؤكد بوردو على حداثة الدولة في الفكر السياسي والقانوني في القرن السادس عشر الميلادي بعد أن تكونت صور هذا الكيان المجرد من الدولة في تصورات شعوب أوربا، ويرى جورج بوردو أن ليس كل مجتمع سياسي منظم هو دولة، وأن التمايزات بين الحكام والمحكومين، وإن كانت موجودة في هذه المجتمعات، إلا أنها تراتبية تكشف عن وجود سلطة وليس وجود دولة، ويرى أيضاً أنه كرم لفظي أن نطلق اسم أو صفة الدولة على التنظيم السياسي الذي عرفته شعوب الشرق القديم، فالسلطة في الدولة ترتدي سمات لا نجدها خارجها –الدولة، جورج بوردو، ترجمة د.سليم حداد، ص17–

فالدولة في رأي بوردو شأن ذهني بالمعنى الكامل للكلمة، الدولة هي فكرة ولها حقيقة إدراكية بمعنى أنها لا تدرك إلا بالفكر –م.ن ص10– ذلك أن القوى التي تنتج عنها الدولة ليست عفوية مثل الحركة التي تدفع التجمعات فينشأ مجتمع، وإنما تصدر عن إرادة واعية نحو شكل الدولة، إنها وفق بوردو (مقاومة العقل للدعوات التي تأتي من الأجزاء المظلمة في طبيعتنا) فهي ذات جوهر مختلف عن الجماعة المغلقة أو القبيلة، فالجماعة أو القبيلة عبارة عن اشتراك عفوي للأفراد –م.ن ص52– وبهذا فالسلطة في الدولة الحديثة نجد لها مفهوم آخر غير مفهومها في الجماعة والقبيلة أو الدولة القديمة وهو ما يدعو بوردو الى اعتبار الحاكم، رمز السلطة في الدولة الحديثة، مجرد وكيل يمارس سلطته عبر تنفيذه وتطبيقه قرارات دستورية وقانونية، وهذا يعود الى طبيعة الدولة ذات الشخصية المجردة التي لا يمكن أن تمارس سلطتها بذاتها، وإنما تمارس سلطتها عبر أعضاء يمارسون سلطة الدولة لحساب الدولة، فهؤلاء مجرد وكلاء في ممارسة سلطة الدولة، ولذلك يعتبر بوردو أن الحكام في الدولة، وهو يعني بها حتماً الدولة الحديثة، هو مسمى مجازي وليس حقيقي، لأنهم في الحقيقة مجرد وكلاء – فلسفة الدولة، مصدر سابق ص47 - مثلما يرى بوردو أن مسمى الدولة ليس حقيقياً في وصف الدولة القديمة، وإنما هو مسمى مجازي.

إن مفهوم الدولة الحقيقي (المؤسَسَة) الذي ينبني عليه مذهب بوردو يواجه بالنقد القانوني والسياسي باعتبار أن أساس أو جوهر الدولة هو السلطة، وأن صور هذه السلطة تأخذ أشكالاً متعددة ومختلفة، فقد تكون لفرد أو جماعة معينة، وقد تكون لجهة أو شخصية مجردة، ويرى أستاذ القانون الدستوري الدكتور منذر الشاوي أن تصنيف الدولة عند بوردو ومعياره في تجريد ومعنوية شخصيتها يلغي أي اعتبار لوجود الدولة في العصور القديمة والوسطى – م.ن ص48.

إلا أن دولة بوردو هي النموذج الحديث في عالمنا الحديث، وأنها جاءت جنباً الى جنب مع تطورات، أو أنه نتاج تطورات تاريخية وثقافية ومعرفية صاغت المعنى الأهم في الدولة بأنها دولة القانون نتيجة استنادها الى الدستور في تعريف ذاتها، والتعبير عن هويتها، وهي أهم صورة بالنسبة لنا من بين صور متعددة للدولة الحديثة التي يتعدد التعريف بها على قدر تعدد صورها، وتؤسس دولة القانون قواعد للسلوك الاجتماعي والسياسي الذي يطال معنى المواطنة ويجذر السير القانوني والاجتماعي لها.

لكن الشرط في نجاح دولة القانون هو سيادة الروح التضامنية بين الشعب – المواطنين والدولة، فالدولة ملزمة بسيادة القانون وتطبيقه وتنفيذه وهو حق المواطن وإلا فقدت مشروعية إناطة التعبير بها عن إرادة الدستور كسلطة عليا مؤسِسة للدولة، وفقدت شروط الدولة كمفهوم حديث في انبثاقها عن هذه السلطة العليا ذات الشخصية المجردة والاعتبارية أو الكيان المجرد، والشعب ملزم بالإصغاء الى إرادة القانون، وهو واجب المواطن تجاه الدولة وحق المواطنة، بعد أن كانت إرادة القانون تعبير ثانوي عن إرادة الدستور كتعبير أولي عن إرادة الشعب والأمة، فالمواطنة جدلية حق وواجب، وفي دولة المواطنة يتقدم الحق على الواجب، وهي جدلية دولة المواطنة ثم هي إحدى صيغ العلاقة الاجتماعية الحديثة بالدولة الحديثة.

لقد كانت الدولة رهينة وعي حديث، والوعي كممارسة سياسية وإدارية وقانونية أصبح أحد أهم ضرورات تطبيقات الدولة الحديثة الذي تمارسه تجاه ذاتها وتجاه مجتمعها، ولكن الوعي كممارسة اجتماعية وثقافية يبقى مسؤولية المجتمع تجاه الدولة، وهكذا تتشكل المسؤولية التضامنية بين الشعب والدولة في دولة المواطنة.

وكذلك تتفوق الدولة على حالة اغترابها في السلطة وتخرج عن حيزها الضيق والناتئ في العلاقة بين المجتمع والدولة باتجاه الاندماج في وعي المجتمع وثقافته الاجتماعية، وحينها يتفوق المجتمع أيضاً على حالة اغترابه عن الدولة ويعود يستحضر ذاته في هذه الدولة كذات حضارية حديثة وفاعلة في بناء الدولة بناءاً واعياً يكفل ويضمن استجابة الدولة الى مصالحه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عبر الدور الرقابي الذي يتحول به المجتمع الى متبني لمشروع الدولة.

وفي جدل وتفاعل تلك العلاقة المتداخلة في المسؤولية والمعبر عنها بالمسؤولية التضامنية تتحول الدولة في أرقى تطوراتها المفهومية والذاتية من دولة تعبر عن إرادة الكل الى دولة تضمن مصالح الكل وتكفل تلك المصالح عبر القانون بعد أن كانت تكفل وتضمن إرادة الكل عبر الدستور، لكن من ضرورات المسؤولية التضامنية هو الوعي الاجتماعي بأهمية الدستور في حياة الدولة وأهمية القانون في حياة المجتمع.

 

مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

12/ ربيع الآخر/1438هـ
10/ يناير/2017م