في مولد المخلّص – 4


 

 (قراءة في كتابات الإمام الشيرازي)

 

روى الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي والطبرسي وغيرهم (قدس سرهم) بأسانيد صحيحة عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار، ورواها البعض عن علي بن إبراهيم بن مهزيار(1) أنه قال: حججت عشرين حجة كلاً أطلب به عيان الإمام (عجل الله تعالى فرجه) فلم أجد إلى ذلك سبيلاً، فبينا أنا ليلة نائم في مرقدي إذ رأيت قائلاً يقول: يا علي بن إبراهيم قد أذن الله لك في الحج. فانتبهت وأنا فرح مسرور فما زلت في الصلاة حتى انفجر عمود الصبح وفرغت من صلاتي وخرجت أسأل عن الحاج، فوجدت فرقة تريد الخروج فبادرت مع أول مَن خرج، فما زلت كذلك حتى خرجوا وخرجت بخروجهم أريد الكوفة.. فما وافيتها نزلت عن راحلتي وسلمت متاعي إلى ثقات اخواني وخرجت اسأل عن أبي محمد (عليه السلام)، فما زلت كذلك فلم أجد أثراً ولا سمعت خبراً وخرجت في أول من خرج أريد المدينة، فلما دخلتها لم أتمالك أن نزلت عن راحلتي وسلمت رحلي إلى ثقات اخواني وخرجت أسأل عن الخبر وأقفو الأثر، فلا خبراً سمعت ولا أثراً وجدت. فلم أزل كذلك إلى أن نفر الناس إلى مكة وخرجت مع من خرج حتى وافيت مكة، ونزلت فاستوثقت من رحلي وخرجت اسأل عن آل أبي محمد(عليه السلام) فلم أسمع خبراً ولا وجدت أثراً، فما زلت بين الأياس والرجاء متفكراً في أمري وعائباً على نفسي وقد جن الليل. فقلت: أرقب إلى أن يخلو لي وجه الكعبة لأطوف بها وأسأل الله عزوجل أن يعرفني أملي فيها، فبينما أنا كذلك وقد خلا لي وجه الكعبة إذ قمت إلى الطواف فإذا أنا بفتى مليح الوجه، طيب الرائحة متزر ببردة متشح بأخرى وقد عطف بردائه على عاتقه فرعته. فالتفت إليّ فقال: ممن الرجل؟ فقلت: من الأهواز. فقال: أتعرف بها ابن الخصيب؟ فقلت: رحمه الله دُعي فأجاب. فقال: رحمه الله.. لقد كان بالنهار صائماً، وبالليل قائماً، وللقرآن تالياً، ولنا موالياً. فقال: أتعرف بها علي بن إبراهيم بن مهزيار. فقلت: أنا علي. فقال: أهلاً وسهلاً بك يا أبا الحسن أتعرف الصريحين. قلت: نعم، قال: ومن هما؟ قلت: محمد وموسى. ثم قال: ما فعلت العلامة التي بينك وبين أبي محمد(عليه السلام). فقلت: معي. فقال: أخرجها إليّ فأخرجتها إليه خاتماً حسناً على فصه(محمد وعلي) فلما رأى ذلك بكى ملياً ورن شجياً وهو يقول: رحمك الله يا أبا محمد، فلقد كنت إماماً عادلاً، ابن أئمة وأبا إمام، أسكنك الله الفردوس الأعلى مع آبائك(عليهم السلام). ثم قال: يا أبا الحسن صر إلى رحلك وكن على أهبة من كفايتك حتى إذا ذهب الثلث من الليل وبقي الثلثان فالحق بنا فانك ترى مناك إن شاء الله. قال ابن مهزيار: فصرت إلى رحلي أطيل التفكر، حتى إذا هجم الوقت فقمت إلى رحلي وأصلحته وقدّمت راحلتي وحملتها وصرت في متنها حتى لحقت الشعب، فإذا أنا بالفتى هناك يقول: أهلاً وسهلاً يا أبا الحسن، طوبى لك فقد اُذن لك، فسار وسرت بسيره حتى جاز بي عرفات ومنى وصرت في أسفل ذروة جبل الطائف. فقال لي: يا أبا الحسن انزل وخذ في أهبة الصلاة، فنزل ونزلت حتى فرغ وفرغت، ثم قال لي: خذ في صلاة الفجر وأوجز فأوجزت فيها وسلم وعفر وجهه في التراب، ثم ركب وأمرني بالركوب فركبت، ثم سار وسرت بسيره حتى علا الذروة، فقال: المح هل ترى شيئاً؟ فلمحت فرأيت بقعة نزهة كثيرة العشب والكلاء.  فقلت: يا سيدي ارى بقعة نزهة كثيرة العشب والكلاء. فقال لي: هل ترى في أعلاها شيئاً؟ فلمحت فإذا أنا بكثيب من رمل فوق بيت من شعر يتوقد نوراً. فقال لي: هل رأيت شيئاً؟ قفلت: أرى كذا وكذا. فقال لي: يا ابن مهزيار طب نفساً وقرّ عيناً.. فان هناك أمل كل مؤمّل. ثم قال لي: انطلق بنا، فسار وسرت حتى صار في أسفل الذروة، ثم قال: إنزل فها هنا يذّل لك كل صعب، فنزل ونزلت حتى قال لي: يا ابن مهزيار خلّ عن زمام الراحلة. فقلت: على من أخلّفها وليس ها هنا أحد؟ فقال: إن هذا لا يدخله إلا ولي ولا يخرج منه إلا ولي. فخليت عن الراحلة فسار وسرت، فلما دنا من الخباء سبقني وقال لي: قف هنا إلى أن يؤذن لك، فما كان هنيئه فخرج إلي، وهو يقول: طوبى لك قد أعطيت سؤلك. قال: فدخلت عليه صلوات الله عليه وهو جالس على نمط، عليه نطع أديم احمر متكئ على مسوره أديم، فسلمت عليه وردّ عليّ السلام، ولمحته فرأيت وجهه مثل فلقة قمر، لا بالخرق ولابالبزق، ولا بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللاصق، ممدود القامة صلت الجبين، أزج الحاجبين، أدعج العينين، أقنى الأنف، سهل الخدين، على خدّه الأيمن خال، فلما أن بصرت به(عجل الله تعالى فرجه) حار عقلي في نعته وصفته. فقال لي: يا ابن مهزيار كيف خلّفت أخوانك في العراق؟ قلت: في ضنك عيش وهناء، قد تواترت عليهم سيوف بني الشيطان. فقال: قاتلهم الله أنى يؤفكون، كأني بالقوم قد قتلوا في ديارهم وأخذهم أمر ربهم ليلاً ونهاراً، لتملكونهم كما ملكوكم وهم يومئذ اذلاّء. ثم قال: إن أبي صلوات الله عليه عهد إلي أن لا أوطن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها، إسراراً لأمري وتحصيناً لمحلي من مكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم الضوال...

إعلم أنه قال(2) صلوات الله عليه يا بني، إن الله جل ثناؤه لم يكن ليخلّي أطباق أرضه وأهل الجّد في طاعته وعبادته بلا حجة يستعلي بها، وإمام يؤتم به ويقتدى بسبل سنته ومنهاج قصده، وأرجو يا بني أن تكون أحد من أعده الله لنشر الحق ووطي الباطل وإعلاء الدين وإطفاء الضلال، فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض وتتبع أقاصيها، فإن لكل ولي من أولياء الله عزوجل عدواً مقارعاً، وضداً منازعاً… فلا يوحشنّك ذلك.

واعلم أن قلوب أهل الطاعة والإخلاص نزع إليك مثل الطير إلى أوكارها، وهم معشر يطلعون بمخائل الذلة والاستكانة وهم عند الله بررة أعزاء يبرزون بأنفس مختلة محتاجة وهم أهل القناعة والاعتصام، استنبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الأضداد. حضهم الله باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم باتساع العز في دار القرار وجبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى وكرامة حسن العقبى،فاقتبس يا بني نور البصر على مــــوارد أمورك تفز بدرك الصنع في مصادرها، واستشعر العز فيما ينوبك تحظ مما تحمده غبه إن شاء الله.

وكأنك يا بني بتأييد نصر الله وقد آن وتيسر الفلج وعلو الكعب قد حان، وكأنك بالرايات الصفر والأعلام البيض تخفق على أثناء اعطافك ما بين الحطيم وزمزم، وكأنك بترادف البيعة وتصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدر في مثاني العقود، وتصافق الأكف على جنبات الحجر الأسود. تلوذ بفنائك من ملأ برأهم الله من طهارة الولادة، ونفاسة التربة، مقدسة قلوبهم من دنس النفاق، مهذبة أفئدتهم من رجس الشقاق، لينة عرائكهم للدين، خشنة ضرائبهم عن العدوان، واضحة بالقبول أوجههم، نضرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحق وأهله، فإذا اشتدت أركانهم وتقوت أعمارهم فدنت بمكانفتهم طبقات الأمم إلى إمام إذ تبعتك في ظلال شجرة دوحة تشعبت أفنان غصونها على حافات بحيرة الطبرية فعندها يتلألأ صبح الحق وينجلي ظلام الباطل ويقصم الله بك الطغيان ويعيد معالم الإيمان، يظهر بك استقامة الآفاق وسلام الرفاق يود الطفل في المهد لو استطاع اليك نهوضاً ونواشط الوحش لو تجد نحوك مجازاً، تهتز بك أطراف الدنيا بهجة، وتنشر بك أغصان العز نضرة، وتستقر بواني الحق في قرارها وتؤوب شوارد الدين إلى أوكارها، تتهاطل عليك سحائب الظفر، فتخنق كل عدو وتنصر كل ولي، فلا يبقى على وجه الأرض جبار قاسط ولا جاحد غامط ولا شانئ مبغض ولا معاند كاشح ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدراً. ثم قال: ليكن مجلسي هذا عندك مكتوماً إلا عن أهل الصدق والأخوة الصادقة في الدين... قال إبراهيم بن مهزيار: فمكثت عنده حيناً أقتبس ما أؤدي إليهم من موضحات الأعلام ونيرات الأحكام وأروى النبات الصدور من نضارة ما أدخره الله في طبائعه من لطائف الحكم وطرائف فواضل القسم… فاستأذنته بالقفول وأعلمته عظيم ما أصدر به عنه من التوحش لفرقته والتجرع للظعن عن محاله، فإذن وأردفني من صالح دعائه ما يكون ذخراً عند الله ولعقبي وقرابتي ان شاء الله. فلما أزف ارتحالي وتهيّأ اعتزام نفسي غدوت عليه مودّعاً ومجدداً للعهد وعرضت عليه مالاً كان معي يزيد على خمسين ألف درهم، وسألته أن يتفضل بالأمر بقبوله مني. فابتسم وقال: استعن به على مصرفك، فإن الشقة قذفة وفلوات الأرض أمامك جمة.. ثم دعا لي كثيراً وانصرفت إلى وطني.

 

من معاجزه (عجل الله تعالى فرجه)

لا يخفى أن المعاجز التي وردت عن الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه) منقولة ومسموعة ومحسوسة كثيرة جداً، وكذلك الأشخاص الذين رأوه(عجل الله تعالى فرجه) في غيبته الصغرى وغيبته الكبرى والى يومنا هذا… أكثر من أن يحصوا.

شاب علوي يحج كل سنة

روى الكليني(3) عن رجل من أهل المدائن إنه قال: كنت حاجاً مع رفيق لي فوافينا إلى الموقف، فإذا شاب قاعد عليه أزار ورداء وفي رجليه نعل صفراء، قومت الأزار والرداء بمائة وخمسين ديناراً وليس عليه أثر السفر. فدنا منا سائل فرددناه، فدنا من الشاب فسأله فحمل شيئاً من الأرض وناوله، فدعا له السائل واجتهد في الدعاء وأطال.  فقام الشاب وغاب عنا، فدنونا من السائل فقلنا له: ويحك ما أعطاك؟ فأرانا حصاة ذهب مضرّسة قدّرناها عشرين مثقالاً. فقلت لصاحبي: مولانا عندنا ونحن لا ندري، ثم ذهبنا في طلبه فدرنا الموقف كله فلم نقدر عليه، فسألنا كل من كان حوله من أهل مكة والمدينة، فقالوا: شاب علوي يحج في كل سنة ماشياً.

صاحب الشهباء والنهر(4)

وروى القطب الراوندي عن أبي الحسن المسترق الضرير انه قال: كنت يوماً في مجلس الحسن بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة، فتذاكرنا أمر الناحية(عجل الله تعالى فرجه). قال: كنت ازرى عليها إلى أن حضرت مجلس عمي الحسين يوماً فأخذت أتكلم في ذلك، فقال: يا بني قد كنت أقول بمقالتك هذه إلى أن ندبت لولاية قم حين استصعبت على السلطان، وكان كل من ورد اليها من جهة السلطان يحاربه أهلها، فسلّم إلي جيشاً وخرجت نحوها، فلما بلغت إلى ناحية طرز خرجت إلى الصيد ففاتتني طريدة فاتبعتها وأوغلت في اثرها حتى بلغت إلى نهر فسرت فيه وكلما اسير يتسع النهر، فبينما أنا كذلك إذا طلع عليّ فارس تحته شهباء وهو متعمم بعمامة خز خضراء لا أرى منه إلا عينيه وفي رجليه خفّان أحمران. فقال لي: يا حسين، فلا هو امرني ولا كناني. فقلت: ماذا تريد؟ قال: لِمَ تزري على الناحية؟ ولِمَ تمنع اصحابي خمس مالك؟ وكنت الرجل الوقور الذي لا يخاف شيئاً، فارعدت منه وتهيّبت وقلت له: أفعل يا سيدي ما تأمر به. فقال: إذا مضيت إلى الموضع الذي أنت متوجه إليه فدخلته عفواً وكسبت ما كسبته، تحمل خمسه إلى مستحقه. فقلت: السمع والطاعة. فقال: امض راشداً، ولوّى عنان دابته وانصرف، فلم ادر أي طريق سلك، وطلبته يميناً وشمالاً فخفي عليّ أمره، وازددت رعباً وانكفأت راجعاً إلى عسكري وتناسيت الحديث. فلما بلغت قم وعندي انني أريد محاربة القوم، خرج إلي أهلها وقالوا: كنا نحارب من يجيئنا لخلافهم لنا، وأما إذا وافيت أنت فلا خلاف بيننا وبينك، ادخل البلدة فدبرها كما ترى، فأقمت فيها زماناً وكسبت اموالاً زائدة على ما كنت أقدر، ثم وشي القوّاد بي إلى السلطان وحسدت على طول مقامي وكثرة ما اكتسبت، فعزلت ورجعت إلى بغداد، فابتدأت بدار السلطان وسلّمت عليه وأتيت إلى منزلي وجاءني فيمن جاءني محمد بن عثمان العمري، فتخطى رقاب الناس حتى اتكأ على تكأتي، فاغتظت من ذلك ولم يزل قاعداً ما يبرح والناس داخلون وخارجون وأنا أزداد غليظاً. فلما تصرم الناس وخلا المجلس دنا إلي وقال: بيني وبينك سر فاسمعه. فقلت: قل. فقال: صاحب الشهباء والنهر يقول: قد وفينا بما وعدنا. فذكرتُ الحديث وارتعت من ذلك وقلت: السمع والطاعة، فقمت فأخذت بيده ففتحت الخزائن فلم يزل يخمّسها إلى أن خمس شيئاً كنت قد اُنسيته مما كنت قد جمعته، وانصرف ولم اشك بعد ذلك وتحققت الأمر، فأنا منذ سمعت هذا من عمّي أبي عبد الله زال ما كان اعترضني من شك.

وروى الشيخ الطوسي وغيره عن علي بن بابويه(قدس سره): أنه كتب عريضة إلى الإمام صاحب الأمر(عليه السلام) وأعطاها للحسين بن روح(رضوان الله عليه) وكان قد سأل الإمام(عليه السلام) أن يدعو له ليرزقه الله ولداً، فأجابه الإمام بان الله سيرزقه ولدين صالحين. فرزقه الله بعد قليل ولدين من جارية عنده، فسمى أحدهما محمد والآخر الحسين، ولمحمد تصانيف كثيرة منها كتاب(من لا يحضره الفقيه)(5) وللحسين عقب كثير فيهم المحدثون والعلماء، وكان محمد يفتخر بأنه ولد بدعاء الإمام الحجة(عليه السلام) وكان أساتذته يمدحونه ويقولون: جدير بالذي ولد بدعاء الحجة(عليه السلام) أن يكون هكذا. هل رأيته؟

وروى الشيخ الطوسي في كتابه(الغيبة): أخبرني جماعة عن محمد بن علي بن الحسين قال أخبرنا أبي ومحمد بن الحسن ومحمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري انه قال: سألت محمد بن عثمان رضوان الله عليه فقلت له: رأيت صاحب هذا الأمر؟ فقال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول: اللهم انجز لي ما وعدتني، قال محمد بن عثمان: ورأيته متعلقا بأستار الكعبة في المستجار وهو يقول: اللهم انتقم لي من أعدائك(6).

وروى الشيخ الطوسي(7) عن رشيق انه قال: بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر، فأمرنا أن يركب كل واحد منا فرساً ونجنّب آخر ونخرج مخفين لا يكون معنا قليل ولا كثير إلا على السرج مصلي، وقال لنا: الحقوا بسامرة، ووصف لنا محلة وداراً وقال: إذا أتيتموها تجدون على الباب خادماً أسود، فاكبسوا الدار ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه. فوافينا سامرة فوجدنا الأمر كما وصفه وفي الدهليز خادم أسود وفي يده تكة ينسجها، فسألناه عن الدار ومن فيها، فقال: صاحبها، فوالله ما التفت الينا وقل اكتراثه بنا. فكبسنا الدار كما أمرنا، فوجدنا داراً سرية، ومقابل الدار ستر ما نظرت قط إلى أنبل منه، كأن الأيدي رفعت عنه في ذلك الوقت ولم يكن في الدار أحد، فرفعنا الستر فإذا بيت كبير، كأن بحراً فيه ماء، وفي أقصى البيت حصير قد علمنا انه على الماء، وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلي، فلم يلتفت الينا ولا إلى شيء من اسبابنا، فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطى البيت فغرق في الماء ومازال يضطرب حتى مددت يدي إليه فخلّصته وأخرجته وغشي عليه وبقي ساعة، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل فناله مثل ذلك وبقيت مبهوتاً. فقلت لصاحبي البيت: المعذرة إلى الله واليك فوالله ما علمت كيف الخبر والى من أجئ وانا تائب إلى الله، فما التفت إلى شيء مما قلنا وما انفتل عما كان فيه فهالنا ذلك وانصرفنا عنه.  وقد كان المعتضد ينتظرنا وقد تقدم إلى الحجاب إذا وافيناه أن ندخل عليه في أي وقت كان، فوافيناه في بعض الليل فأدخلنا عليه، فسألنا عن الخبر، فحكينا له ما رأينا. فقال: ويحكم لقيكم أحد قبلي وجرى منكم إلى أحد سبب أو قول؟ قلنا: لا. فقال: أنا نفي من جدي وحلف بأشد أيمان له أنه رجل إن بلغه هذا الخبر ليضربن أعناقنا، فما جسرنا أن نحدث به إلا بعد موته.

وفي كتاب الصراط المستقيم قال: لما مات العسكري(عليه السلام) بعث المعتضد ثلاثة نفر يكبسوا داره ومن لقوه فيها يأتونه برأسه، ففعلوا فدخلوا الدار فرأوا سرداباً وفي ذلك السرداب ماءً ورجلاً على الماء يصلي على حصير ولم يلتفت إلينا، فسبق احمد بن عبد الله فطفر اليهم فهم ان يغرق فخلصوه، وطفر آخر فكان كذلك فخلصوه، فانتهروا وعادوا إلى المعتضد، فاستكتمهم(8).

وروى محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن قيس، عن بعض جلاوزة السواد، قال: شاهدت سيمآء آنفاً بسر من رأى، وقد كسر باب الدار، أي باب دار الإمام العسكري(عليه السلام) بعد وفاته(عليه السلام) فخرج عليه الإمام صاحب الزمان(عليه السلام) وبيده طبرزين، فقال له: ما تصنع في داري؟ فقال سيمآء: إن جعفراً زعم أن أباك مضى ولا ولد له، فإن كانت دارك فقد انصرفت عنك، فخرج عن الدار. قال علي بن قيس: فخرج علينا خادم من خدم الدار فسألته عن هذا الخبر، فقال لي: من حدثك بهذا؟ فقلت له: حدثني بعض جلاوزة السواد، فقال لي: لا يكاد يخفى على الناس شيء(9).

وروى ابن بابويه وغيره أن أحمد بن إسحاق أحد وكلاء الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) أخذ سعد بن عبد الله من ثقات الأصحاب معه إلى الإمام(عليه السلام) كي يسأله عن اسئلة كانت في نفسه، فقال سعد: فوردنا سر من رأى فانتهينا منها إلى باب سيدنا فاستاذنا، فخرج علينا الإذن بالدخول عليه وكان على عاتق احمد بن إسحاق جراب قط غطاه بكساء طبري فيه مائة وستون صرة من الدنانير والدراهم على كل صرة منها ختم صاحبها. قال سعد: فما شبهت وجه مولانا أبي محمد(عليه السلام) حين غشينا نور وجهه إلا ببدر قد استوفى من لياليه أربعاً بعد عشر، وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر، على رأسه فرق بين وفرتين كأنه ألف بين واوين، وبين يدي مولانا رمانة ذهبيّة تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركبة عليها، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة، وبيده قلم إذا أراد أن يسطر به على البياض شيئاً قبض الغلام على أصابعه، فكان مولانا يدحرج الرمانة بين يديه ويشغله بردها كيلا يصده عن كتابة ما أراد. فسلمنا عليه، فألطف في الجواب وأومأ إلينا بالجلوس، فلما فرغ من كتبة البياض الذي كان بيده، أخرج أحمد بن إسحاق جوابه من طي كسائه فوضعه بين يديه، فنظر العسكري(عليه السلام) إلى الغلام وقال له: يا بني فض الخاتم عن هدايا شيعتك ومواليك. فقال: يا مولاي أيجوز أن أمد يداً طاهرة إلى هدايا نجسة وأموال رجسة قد شيب احلها بأحرمها؟ فقال مولاي: يا بن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميز ما بين الحلال والحرام منها.  فأول صرة بدأ احمد باخراجها قال الغلام: هذه لفلان بن فلان من محلّة كذا بقم، يشتمل على اثنتين وستين ديناراً فيها من ثمن حجيرة باعها صاحبها وكانت إرثاً له عن أبيه خمسة وأربعون ديناراً ومن أثمان تسعة أثواب أربعة عشر ديناراً وفيها من أجرة الحوانيت ثلاثة دنانير. فقال مولانا: صدقت يا بني، دل الرجل على الحرام منها.  فقال(عليه السلام): فتش عن دينار رازي السكة، تاريخه سنة كذا قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه وقراضة آملية، وزنها ربع دينار، والعلة في تحريمها أن صاحب هذه الصرة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منّاً وربع منٍّ فاتت على ذلك مدة وفي انتهائها قيض لذلك الغزل سارق، فأخبر به الحائك صاحبه فكذبه واسترد منه بدل ذلك منّاً ونصف منٍّ غزلاً أدق مما كان دفعه إليه واتخذ من ذلك ثوباً، كان هذا الدينار مع القراضة ثمنه.. فلما فتح رأس الصرة صادف رقعة في وسط الدنانير باسم من أخبر عنه وبمقدارها على حسب ما قال، واستخرج الدينار والقراضة بتلك العلامة. ثم أخرج صرة أخرى فقال الغلام: هذه لفلان بن فلان من محلّة كذا بقم تشتمل على خمسين ديناراً لا يحل لنا لمسها. قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنها من ثمن حنطة حاف صاحبها على اكاره في المقاسمة، وذلك انه قبض حصته منها بكيل واف وكان ما حصّ الاكار بكيل بخس. فقال مولانا: صدقت يا بني. ثم قال: يا احمد بن إسحاق احملها بأجمعها لتردها أو توصي بردها على أربابها فلا حاجة لنا في شيء منها، وائتنا بثوب العجوز. قال أحمد: وكان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيته.  فلما انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إليّ مولانا أبو محمد(عليه السلام) فقال: ما جاء بك يا سعد؟ فقلت: شوقني احمد بن إسحاق على لقاء مولانا. قال: والمسائل التي أردت أن تسأله عنها؟ قلت: على حالها يا مولاي. قال: فسل قرّة عيني وأومأ إلى الغلام… فأخذ يسأل مسائله والإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه) يجيب عليها حتى أن بعض الأسئلة كان الراوي قد نسيها فذكره الإمام(عليه السلام) بها على نحو الإعجاز، إلى آخر الرواية الطويلة(10).

أنا محمد بن الحسن(عليه السلام)

روى الشيخ الطوسي(رحمه الله) في(غيبته) عن أحمد بن علي الرازي، عن أبي ذر أحمد بن أبي سورة وهو محمد بن الحسن بن عبد الله التميمي وكان زيدياً قال: سمعت هذه الحكاية عن جماعة يروونها عن أبي(رحمه الله): أنه خرج إلى الحير، قال: فلما صرت إلى الحير فإذا شاب حسن الوجه يصلي، ثم إنه ودع وودعت وخرجنا وجئنا إلى المشرعة، فقال لي: يا أبا سورة اين تريد؟ فقلت: الكوفة. فقال لي: مع من؟ قلت: مع الناس. قال لي: لا تريد نحن جميعاً نمضي؟ قلت: ومن معنا؟ قال: ليس تريد معنا أحداً؟ قال: فمشينا ليلتنا فإذا نحن على مقابر مسجد السهلة. فقال لي: هوذا منزلك! فان شئت فامض. ثم قال لي: تمر إلى ابن الرازي علي بن يحيى، فتقول له يعطيك المال الذي عنده. فقلت له: لا يدفعه الي. قال لي: قل له بعلامة انه كذا وكذا ديناراً وكذا وكذا درهماً وهو في موضع كذا وكذا وعليه كذا وكذا مغطى. فقلت له: ومن أنت. قال: أنا محمد بن الحسن. قلت: فان لم يقبل مني وطولبت بالدلالة؟ فقال: أنا وراك. قال: فجئت إلى أبن الرازي فقلت له، فدفعني، فقلت له العلامات التي قال لي وقلت: له قد قال لي: أنا وراك. فقال: ليس بعد هذا شيء، وقال: لم يعلم بهذا إلا الله تعالى، ودفع الي المال(11).

غانم الهندي

روى الشيخ الكليني وابن بابويه وغيرهما(رحمة الله عليهم) بأسانيد معتبرة عن غانم الهندي إانه قال: كنت بمدينة الهند المعروفة بقشمير الداخلة، وأصحاب لي يقعدون على كراسي عن يمين الملك وهم أربعون رجلاً كلهم يقرأ الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، نقضي بين الناس ونفقّههم في دينهم ونفتيهم في حلالهم وحرامهم، يفزع الناس إلينا، الملك فمن دونه. فتجارينا ذكر رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقلنا: هذا النبي المذكور في الكتب قد خفي علينا أمره ويجب علينا الفحص عنه وطلب أثره، واتفق رأينا وتوفقنا على أن اخرج فارتاد لهم. فخرجت ومعي مال جليل فسرت اثنى عشر شهراً حتى قربت من كابل فعرض لي قوم من الترك فقطعوا علي وأخذوا مالي وجرحت جراحات شديدة ودفعت إلى مدينة كابل. فأنقذني ملكها لما وقف على خبري إلى مدينة بلخ وعليها إذ ذاك داود بن العباس بن أبي الأسود، فبلغه خبري وإني خرجت مرتاداً من الهند. وتعلمت الفارسية وناظرت الفقهاء وأصحاب الكلام فأرسل إلى داود بن العباس فأحضرني مجلسه وجمع علي الفقهاء فناظروني فأعلمتهم اني خرجت من بلدي أطب هذا النبي الذي وجدته في الكتب. فقال لي: من هو وما اسمه؟ فقلت: محمد. فقال: هو نبينا الذي تطلب، فسألتهم عن شرائعه فأعلموني. فقلت لهم: أنا اعلم أن محمداً نبي، ولا أعلمه هذا الذي تصفون أم لا، فأعلموني موضعه لأقصده فأسائله عن علامات عندي ودلالات، فان كان صاحبي الذي طلبت آمنت به. فقالوا: قد مضى. فقلت: فمن وصيه وخليفته؟ فقالوا: أبو بكر. قلت: فسموه لي فان هذه كنيته. قالوا: عبد الله بن عثمان، نسبوه إلى قريش.  قلت: فانسبوه إلى محمد نبيكم. فنسبوه لي. فقلت: ليس هذا صاحبي الذي طلبت، صاحبي الذي أطلبه خليفته: أخوه في الدين وابن عمه في النسب وزوج ابنته وأبو ولده، ليس لهذا النبي ذريّة على الأرض غير ولد هذا الرجل الذي هو خليفته. قال: فوثبوا بي وقالوا: أيها الأمير إن هذا قد خرج من الشرك إلى الكفر هذا حلال الدم. فقلت لهم: يا قوم أنا رجل معي دين متمسك به لا أفارقه حتى أرى ما هو أقوى منه اني وجدت صفة هذا الرجل في الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه وانما خرجت من بلاد الهند ومن العز الذي كنت فيه طلباً له، فلما فحصت عن أمر صاحبكم الذي ذكرتم لم يكن النبي الموصوف في الكتب، فكفوا عني. وبعث العامل إلى رجل يقال له الحسين بن اسكيب(أحد أصحاب الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)) فدعاه، فقال له: ناظر هذا الرجل الهندي. فقال له الحسين: أصلحك الله، عندك الفقهاء والعلماء وهم أعلم وابصر بمناظرته. فقال له: ناظره كما أقول لك، وأخل به والطف له. فقال لي الحسين بن اسكيب، بعد ما فاوضته: إن صاحبك الذي تطلبه هو النبي الذي وصفه هؤلاء وليس الأمر في خليفته كما قالوا، هذا النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ووصيه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب وهو زوج فاطمة بنت محمد، وأبو الحسن والحسين سبطي محمد(صلى الله عليه وآله). قال غانم أبو سعيد: فقلت الله اكبر هذا الذي طلبت. فانصرفت إلى داود بن العباس فقلت له: أيها الأمير وجدت ما طلبت، وأنا أشهد أن لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله. قال: فبرني ووصلني وقال للحسين: تفقده. قال: فمضيت إليه حتى آنست به وفقهني فيما احتجت إليه من الصلاة والصيام والفرائض. قال: فقلت له: إنا نقرأ في كتبنا أن محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيين لا نبي بعده، وان الأمر من بعده إلى وصيه ووارثه وخليفته من بعده، ثم إلى الوصي بعد الوصي لا يزال أمر الله جارياً في أعقابهم حتى تنقضي الدنيا، فمن وصيّ وصي محمد؟ قال: الحسن، ثم الحسين ابنا محمد(صلى الله عليه وآله)، ثم ساق الأمر من الوصية حتى انتهى إلى صاحب الزمان(عليه السلام)، ثم أعلمني ما حدث فلم يكن لي همّة إلا طلب الناحية(عجل الله تعالى فرجه). قال الراوي: فوافى قم وقعد من أصحابنا في سنة أربع وستين ومائتين وخرج معهم حتى وافى بغداد ومعه رفيق له من أهل السند كان صحبه على المذهب. قال: وأنكرت من رفيقي بعض اخلافه فهجرته. وخرجت حتى سرت إلى العباسية أتهيّأ للصلاة وأصلي واني لواقف متفكر فيما قصدت لطلبه، إذا أنا بآتٍ قد أتاني فقال: أنت فلان؟ ـ اسمه بالهند ـ. فقلت: نعم. فقال: أجب مولاك. فمضيت معه فلم يزل يتخلل بي الطريق حتى أتى داراً وبستاناً، فإذا أنا به(عليه السلام) جالس، فقال: مرحباً يا فلان ـ بكلام الهند ـ كيف حالك؟ وكيف خلّفت فلاناً وفلاناً؟ حتى عدّ الأربعين كلهم، فسألني عنهم واحداً واحداً، ثم أخبرني بما تجارينا كل ذلك بكلام الهند. ثم قال: أردت أن تحج مع أهل قم؟ قلت: نعم يا سيدي؟ فقال: لا تحج معهم وانصرف سنتك هذه وحج من قابل، ثم ألقى إلي صرّة كانت بين يديه فقال لي: اجعلها نفقتك ولا تدخل بغداد إلى فلان سمّاه، ولا تطلعه على شيء،.. قال الراوي: ثم وافانا بعض الفيوج فأعلمونا أن أصحابنا انصرفوا من العقبة، ومضى نحو خراسان. فلما كان في قابل حج وأرسل إلينا بهدية من طرف خراسان فأقام بها مدّة ثم مات(رحمه الله)(12).

روى القطب الراوندي عن جعفر بن محمد بن قولويه(استاذ الشيخ المفيد(رحمه الله)) أنه قال: لما وصلت بغداد في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة للحج وهي السنة التي رد القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت(فانهم هدموا الكعبة وأخذوا الحجر الأسود إلى الكوفة ونصبوه فيها، ثم أرادوا إرجاعه في تلك السنة إلى مكانه أوائل الغيبة الكبرى) كان أكبر همّي الظفر بمن ينصب الحجر، لأنه مضى في أثناء الكتب قصّة أخذه وانه ينصبه في مكانه الحجة(عجل الله تعالى فرجه) كما ان زمان الحجاج وضعه زين العابدين في مكانه فاستقر. فاعتللت علة صعبة خفت منها على نفسي ولم يتهيّأ لي ما قصدت له فاستنبت المعروف بابن هشام وأعطيته رقعة مختومة اسأل فيها عن مدة عمري وهل تكون المنية في هذه العلة، أم لا؟ وقلت: همي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه واخذ جوابه وإنما أندبك لهذا. قال: فقال المعروف بابن هشام: لما حصلت بمكة وعزم على إعادة الحجر بذلت لسدنة البيت جملة تمكنت معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه وأقمت معي منهم من يمنع عنّي ازدحام الناس، فكلّما عمد إنسان لوضعه اضطرب ولم يستقم. فأقبل غلام اسمر اللون، حسن الوجه، فتناوله ووضعه في مكانه، فاستقام كأنه لم يزل عنه، وعلت لذلك الأصوات وانصرف خارجاً من الباب، فنهضت من مكاني أتبعه وادفع الناس عنّي يميناً وشمالاً حتى ظن بي الاختلاط في العقل والناس يفرجون لي وعيني لا تفارقه حتى انقطع عني الناس فكنت أسرع السير خلفه وهو يمشي على تؤدة ولا أدركه. فلما حصل بحيث لا أحد يراه غيري وقف والتفت إلي فقال: هات ما معك، فناولته الرقعة،  فقال: من غير ان ينظر فيها قل له: لا خوف عليك في هذه العلة ويكون ما لا بد منه بعد ثلاثين سنة. قال: فوقع عليّ الزمع حتى لم أطق حراكاً وتركني وانصرف، قال أبو القاسم فأعلمني بهذه الجملة، فلما كان سنة سبع وستين اعتل أبو القاسم فأخذ ينظر في أمره وتحصيل جهازه إلى قبره، وكتب وصيته واستعمل الجد في ذلك. فقيل له: ما هذا الخوف؟ ونرجو أن يتفضل الله تعالى بالسلامة فما عليك مخوفة. فقال: هذه السنة التي خوفت فيها، فمات في علته(13).

أنا القائم من آل محمد(ص)

روى الشيخ ابن بابويه عن أحمد بن فارس الأديب انه قال: إن بهمدان ناساً يعرفون ببني راشد وهم كلهم يتشيعون ومذهبهم مذهب أهل الإمامة، فسألت عن سبب تشيعهم من بين أهل همدان، فقال لي شيخ منهم ـ رأيت فيه صلاحاً وسمتاًـ.. إن سبب ذلك أن جدنا الذي ننتسب إليه خرج حاجاً، فقال: إنه لما صدر من الحج وساروا منازل في البادية، قال: فنشطت في النزول والمشي فمشيت طويلاً حتى أعييت ونعست، فقلت: في نفسي: أنام نومة تريحني فإذا جاء أواخر القافلة قمت. قال: فما انتبهت إلا بحرّ الشمس ولم أر أحداً فتوحشت ولم أر طريقاً ولا أثراً، فتوكلت على الله عزوجل وقلت: أسير حيث وجهني؟ ومشيت غير طويل فوقعت في ارض خضراء نضراء كأنها قريبة عهد من غيث وإذا تربتها أطيب تربة ونظرت في سواد تلك الأرض إلى قصر يلوح كأنه سيف. فقلت: ليت شعري ما هذا القصر الذي لم اعهده ولم اسمع به، فقصدته فلما بلغت الباب رأيت خادمين أبيضين فسلّمت عليهما فردّاً ردا جميلا وقالا: اجلس فقد أراد الله بك خيراً، فقام أحدهما ودخل واحتبس غير بعيد ثم خرج فقال: قم فادخل. فدخلت قصراً لم أر بناءاً أحسن من بنائه ولا اضوء منه، فتقدم الخادم إلى ستر على بيت فرفعه ثم قال لي: ادخل فدخلت البيت فإذا فتي جالس في وسط البيت، وقد علّق فوق رأسه من السقف سيف طويل تكاد ظبته تمس رأسه، والفتى كأنه بدر يلوح في ظلام فسلّمت، فرد السلام بألطف كلام وأحسنه. ثم قال لي: أتدري من أنا؟ فقلت: لا والله؟ فقال: أنا القائم من آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) أنا الذي أخرج في آخر الزمان بهذا السيف ـ وأشار إليه ـ فأملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.  فسقطت على وجهي وتعفرت. فقال: لا تفعل ارفع رأسك أنت فلان من مدينة بالجبل يقال لها: همدان. فقلت: صدقت يا سيدي ومولاي. قال: افتحب أن تؤوب إلى أهلك؟ فقلت: نعم يا سيدي وأبشرهم بما أتاح الله عزوجل لي، فأومأ إلى الخادم فأخذ بيدي وناولني صرّة وخرج ومشى معي خطوات، فنظرت إلى طلال الشجر ومسجد. فقال: أتعرف هذا البلد. فقلت: انه بقرب بلدنا بلدة تعرف بـ(أسد آباد) وهي تشبهها. قال: فقال: هذه أسد آباد أمض راشداً، فالتفت فلم أره، فدخلت أسد آباد، وإذا في الصرة أربعون أو خمسون ديناراً، فوردت همدان وجمعت أهلي وبشرتهم بما سيّره الله عزوجل لي ولم نزل بخير ما بقي معنا من تلك الدنانير(14).

روى المسعودي والشيخ الطوسي وغيرهما عن أبي نعيم محمد ابن أحمد الأنصاري انه قال: وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد العسكري(عليه السلام) ليناظره في أمرهم. قال كامل: فقلت في نفسي أسأله وأنا أعتقد انه لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي، قال: فلما دخلت عليه نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا بمواساة الأخوان وينهانا عن لبس مثله. فقال مبتسماً: يا كامل، وحسر عن ذراعيه فإذا مسح اسود خشن على جلده، فقال: هذا لله عزوجل وهذا لكم فخجلت وجلست إلى باب عليه ستر مسبل فجاءت الريح فرفعت طرفه فإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر من أبناء أربع وستين أو مثلها. فقال لي: يا كامل بن إبراهيم. فاقشعررت من ذلك، فألهمني الله أن قلت: لبيك يا سيدي. فقال: جئت إلى ولي الله وحجته وبابه تسأله هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك وقال بمقالتك؟. قلت: إي والله. قال: اذن والله يقل داخلها، والله انه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية. قلت: يا سيدي من هم؟ قال: قوم من حبهم لعلي صــلى الله عليه يحلفون بحقــــه ولا يدرون ما حقــــه وفضله، ثم سكت صلى الله عليه عني ساعة، ثم قال: وجئت تسأله عن مقالة المفوّضة، كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله فإذا شاء الله شئنا، وهو قوله: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)(15). ثم رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه، فنظر إلي أبو محمد(عليه السلام) متبسماً فقال: يا كامل ابن إبراهيم ما جلوسك وقد أنبأك الحجة بعدي بحاجتك، فقمت وخرجت ولم أعاينه بعد ذلك. قال أبو نعيم: فلقيت كاملاً فسألته عن هذا الحديث فحدثني به(16).

المصادر

1 - أنظر كمال الدين: ص465 ح22 ب43 ذكر من شاهد القائم(عجل الله تعالى فرجه) ورآه وكلمه، و(دلائل الامامة): ص296 باب معرفة من شاهد صاحب الزمان(عجل الله تعالى فرجه) في حال الغيبة وعرفه.

2 ـ أي الإمام الحسن العسكري(عليه السلام).

3 ـ الكافي: ج1 ص332 ح15.

4 ـ كشف الغمة: ج2 ص502 الباب 25 في الدلالة على كون المهدي(عجل الله تعالى فرجه) حياً باقياً منذ غيبته إلى الآن.

5 ـ من الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة.

6 ـ غيبة الطوسي: ص251.

7 ـ غيبة الطوسي: ص249.

8 ـ الصراط المستقيم: ج2 ص210 ح5، الحادي عشر صاحب الزمان(عليه السلام).

9 ـ راجع غيبة الطوسي: 267 عن الكليني، وفيه عن(نسيم) بدل(سيماء).

10 ـ أنظر كمال الدين: ص457 ب43 ذكر من شاهد القائم(عجل الله تعالى فرجه) ورآه وكلمه.

11 ـ غيبة الطوسي: ص270.

12 - راجع الصراط المستقيم: ج2 ص236، وكمال الدين: ص496 باب ذكر التوقيعات الواردة عن القائم(عجل الله تعالى فرجه).

13 - كشف الغمة: ج2 ص502 الباب 25، والصراط المستقيم: ج2 ص213، الحادي عشر صاحب الزمان(عجل الله تعالى فرجه)، ح14.

14 ـ كمال الدين: ص453 ح20 باب ذكر من شاهد القائم(عجل الله تعالى فرجه).

15 ـ سورة الإنسان: 30، وسورة التكوير: 29.

16 ـ راجع غيبة الطوسي: ص246، منتخب الأنوار المضيئة: ص139.

www.alshirazi.com

14/شعبان/1433