![]() |
|
|
الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) لطف إلهي (3)
الصلاة على آل رسول الله (صلوات الله عليهم) موقع الإمام الشيرازي من الواضح لدى جميع المسلمين أن السنة تفسير القرآن، وتخصص عموماته وتقيّد مطلقاته، وتبيّن مجملاته. ومثال ذلك: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون"[1]، فظاهر الآية هو وجوب الإنصات لقراءة القرآن، وهذا الوجوب مطلق يشمل صلاة الجماعة وغيرها، إلا أن جماعة من العلماء خصوصاً بصورة الجماعة[2]، أي أن الإنصات واجب إذا كان خلف إمام الجماعة فقط، وذلك استناداً منهم إلى السنة. فعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): (.. "وإذا قرئ القرآن.."، يعني في الفريضة خلف الإمام..)[3]. وفي رواية معاوية بن وهب عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: "سألته عن الرجل يؤم القوم، وأنت لا ترضى به في صلاة يُجهر بها في القراءة؟ فقال: إذا سمعتَ كتاب الله يُتلى فأنصت له"[4]. وهذا القول تبناه ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومجاهد والزهري، بل حكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: "أجمعت الأمة على أنها نزلت في الصلاة"[5]. إذن فقد حُملت هذه الآية على غير ظاهرها، وقُيِّدت، وذلك بسبب ما ورد في شأنها من روايات. وكذلك الأمر فيما نحن فيه، فإن الآية وإن قالت: (صلوا عليه)، إلا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما يُسأل عن كيفية الصلاة عليه يفسرها بقوله: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد..))، والخبر كما رواه كعب بن عجرة يقول: ((قال رجل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد علمناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قل: (اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) )). وهذه الرواية أو ما يشبهها نقلها البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن مردويه وعبد بن حميد[6]. فهذه سنة مجمع عليها فسرت مراد القرآن الكريم في هذه الآية، وقد أورد صاحب الدر المنثور ثمانية عشر حديثاً تدل على تشريك الآل في الصلاة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)[7]. وأورد البخاري هذا الحديث ـ مع اختلاف يسير ـ في كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ((إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً)[8]، وأورد ما يشبهه أيضاً في كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)[9]. العجيب من البخاري أنه في الوقت الذي يروي فيه هذا الحديث الذي يفسر الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة عليه وآله، فإنه يعنون الباب بقوله: باب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم)!!، وأعجب منه ابن حجر الهيثمي حيث أنه بعد تصحيحه لرواية كعب بن عجرة، وأنها جاءت بعد نزول الآية، ثم قوله معترفاً: ((.. فسؤالهم بعد نزول الآية وإجابتهم باللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى آخره دليل ظاهر على أن الأمر بالصلاة على أهل بيته وبقية آله مراد من هذه الآية ، وإلا لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزولها، ولم يُجابوا بما ذُكر، فلما أجيبوا به دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به..)). والعجب منه أنه بعد هذا الكلام يشير إلى النبي بقوله: ((.. وأنه (صلى الله عليه وسلم) أقامهم في ذلك مقام نفسه..))!! بل العجب العجاب أنه بعد هذا يذكر رواية الصلاة البتراء (الآتية)، ويدافع عنها، حيث يذكر أن ما ورد في الصحيحين من الأمر بالصلاة على النبي وأزواجه وذريته دون آله لا ينافي هذا الخبر ((لأن ذكر الآل يثبت في روايات أخر، وبه يعلم أنه (صلى الله عليه وسلم)!!! قال ذلك كله ـ أي بما فيه حديث الصلاة البتراء ـ فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر))[10]، ولكنه وبعد كل هذا يصر على القول: (صلى الله عليه وسلم)، فسبحان الله!!!. وأما مسلم فقد أورد الحديث في كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة[11]، وأورد حديثاً آخر عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأورد حديثاً آخر عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد..))[12]. وهنا ملاحظة يجدر بنا أن ننتبه إليها، وهي: لماذا سكت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لفترة طويلة قبل أن يجيب؟ ولماذا لم يبادر بسرعة إلى الإجابة؟ يمكن لنا أن نذكر سببين: الأول: كأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد لفت الأنظار إلى أهمية الموضوع، لأن سكونه بهذا الشكل أمر غير معتاد، مما سينبه الناس، ويجعلهم يحرصون على المتابعة والتركيز من أجل الاستماع إلى ما سيقوله في النهاية. الثاني: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أدرك ثقل القضية عليهم، وصعوبة تحملها وتقبلها، حيث أنه لم يكن من السهل على بعضهم أن يقبل بفكرة الصلاة على الآل، (بل قد أشرت أن بعضهم لم تكن تروق له أصل فكرة الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف تروق له الصلاة على الآل؟!)، لذلك فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تمهّل قليلاً، وكأنه أراد أن يهيئهم نفسياً لما سيقول، وشأنه في هذه القضية شأنه في قضية التبليغ بولاية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث أنه تمهّل لعلمه بصعوبة مثل تلك القضية على الكثيرين، حتى جاءه الأمر الإلهي بشكل نهائي: ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس..))[13]، فإن قوله: ((والله يعصمك من الناس))، إشارة إلى ما ذكرناه من ثقل هذه القضية على الناس بحيث أنّ النبي كان يتوقع منهم الخلاف حتى وعده الله تعالى بأن يعصمه منهم. وهذا الحديث ـ أعني حديث كيفية الصلاة على النبي ـ أخرجه أحمد بن حنبل أيضاً في مسنده، باب: مسند الكوفيين، حديث كعب بن عجرة: عن كعب: لما نزلت: ((إن الله وملائكته يصلون على النبي)) قالوا: كيف نصلي عليك؟ قال قولوا: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد))[14]. إذن فالروايات المتفق عليها والمجمع على صحتها في الجملة جاءت تفسّر الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الشكل، بل قد ورد في بعض الروايات النهي عن إفراد النبي بالصلاة دون آله، فمن طرق العامة ما ذكره ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ((لا تصلوا علي الصلاة البتراء!! فقالوا: وما الصلاةُ البتراء؟ قال: تقولون: اللهم صل على محمد وتمسكون، بل قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد))[15]. ومن طرقنا ما روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ((من صلى عليَّ ولم يصلِّ على آلي لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة خمسمائة عام))[16]. وفي رواية عن أبي عبد الله (عليه السلام): ((سمع أبي رجلاً متعلقاً بالبيت وهو يقول: اللهم صل على محمد، فقال له أبي: يا عبد الله: لا تبترها، لا تظلمنا حقنا، قل: اللهم صلِّ على محمد وأهل بيته))[17]. والشيء الذي لا نفهمه ونستغربه أنه بعد كل هذا ترى الطرف الآخر مصراً على الصلاة البتراء، ولا يمكن أن نفسّر ذلك إلا برغبتهم بمخالفة شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ومحبيهم، وها هو الزمخشري يمنع من إفراد الآل بالصلاة ـ مع اعترافه بجوازها ـ لا لشيء، إلا لأنها صارت شعاراً لأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وبحسب تعبيره: ((لأن ذلك شعاراً لذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض))، ثم يكمل قائلاً: ((وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يفقنّ مواقف التهم))[18]!! والشيء الذي يثير الاستغراب أكثر أنهم لو أضافوا الآل في بعض الأحيان، فإنهم لا يضيفونهم وحدهم بل يلحقون الصحب بهم!! والحال أنه ليس هناك رواية واحدة تأمر بالصلاة على الأصحاب، والروايات الصحيحة الثابتة عندهم ذكرت الآل فقط، ولم تذكر الصحب، ولو كانت الصلاة عليهم بخصوصهم مطلوبة لورد الأمر بها. لا يقال لنا: إنهم مشمولون بقوله تعالى ((أولئك عليهم صلوات من ربهم))[19]، وقوله تعالى: ((هو الذي يصلي عليكم وملائكته))[20]. لأننا نقول: إننا نتحدث عن الصلاة عليهم بالخصوص، أي بما هم أصحاب، فلو كانت مثل هذه الصلاة مطلوبة ـ مقارنة لاسمه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لورد الأمر بها منه عند سؤاله عن كيفية الصلاة عليه. إذن لا رواية واردة تأمر بالصلاة على الصحب، وما ورد في دعاء يوم الثلاثاء للإمام زين العابدين (عليه السلام) من الصلاة عليهم فإنه مع ندرته ـ حيث أنه لا يعبر عن السنة المتبعة الثابتة التي ذكرت الآل فقط ـ مقيدٌ بالمنتجبين منهم وليس مطلقاً، حيث قال: ((اللهم صل على محمد خاتم النبيين، وتمام عدة المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين..))[21] ولم يقل: (وأصحابه أجمعين). إلا أن الطرف مصر على هذا القول ومتمسكٌ به، وأين هذا؟ هل هو في القرآن أم في السنة، نؤكد على ما قلنا: أحضروا لنا رواية واحدة تأمر بالصلاة عليهم أجمعين!!. والغريب أيضاً أنهم يصرون على القول: (صلى الله عليه وسلم) ـ مع حذف الآل ـ بالرغم من أن الصلاة على الآل واجبة عند بعضهم في الصلاة اليومية!! وقد ذكر ابن أبي الحديد فأن أكثر أصحاب الشافعي يوجبون الصلاة عليهم، وأنها شرط في صحة الصلاة[22]!! وهذا القول هو الذي تبناه الشافعي نفسه[23]، وقد اشتهر عنه في هذا المجال قوله:
يا آل بيت رسول الله حبكم فرضٌ من الله في القرآن أنزله كفاكُم من عظيم الشأن أنكم من لم يصلِّ عليكم لا صلاةَ لهُ[24] بل قد نقلوا عن أبي مسعود الأنصاري حدبثاً يدل على هذا المعنى، حيث روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ((من صلى صلاة لم يصلّ فيها عليّ، ولا على أهل بيتي، لم تُقبل منه)) [25] وعن أبي مسعود الأنصاري نفسه أنه قال: ((لو صليتُ صلاةً لا أصلي فيها على آل محمد لرأيت أن صلاتي لا تتم))[26]. وفي نهاية هذا الفصل بقيت ملاحظة مهمة يمكن أن تربطنا بالفصل القادم وتوصلنا به، وهي أنه: لماذا قَرن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل بيته في الصلاة عليه، ولم يقرن غيرهم كالصحابة؟! الجواب: لأنّ الآل معصومون، فهم يستحقون الصلاة في كل وقت[27]، أو على الأقل لأنهم عدول في أعلى درجات العدالة بحيث يمتنع في حقهم حتى ارتكاب الصغائر، لأنه قد بينا أنّ معنى الصلاة طلب إنزال الرحمة من الله سبحانه على عبد من العباد، والعبد الذي يرتكب الذنب ـ وإنْ في بعض الأوقات ـ لا يستحق الدعاء له بالرحمة وقت ذنبه، فلا يمكن له تعالى أن يطلب منا الدعاء له بذلك، نعم لو تاب استحق مثل هذا الدعاء، ومن هنا فإن الصلاة المطلقة من دون قيد لا يمكن أن تأتي إلى في حق آل محمد، وأما إذا جاءت في حق غيرهم، فإنها لا بدّ أن تُقيَّد بالمنتجبين والميامين والمجاهدين والطيبين، وما شابه، ولو لم يكن إلا هذا مؤشراً على عدم عدالة الصحابة أجمعين لكفى، إذ لو كانوا عدولاً جميعاً، لما كان هناك مانع من إلحاقهم بالآل، والأمر بالصلاة عليهم من دون قيد، وقد بينا أنّ هذا غير وارد، وليست هناك رواية واحدة تأمر بالصلاة عليهم أجمعين بل ولا مع القيد!!. 3/ذو الحجة/1432 [1] الأعراف: 204. [2] أنظر مجمع البيان: ج9 ص94، وقسم آخر حملوا الأمر في الآية على الاستحباب، أنظر: تفسير تقريب القرآن وتفسير الكاشف عند تفسير الآية. [3] البرهان: مج3 ص259. [4] البرهان: مج3 ص260. [5] أنظر: مجمع البيان: ج94 ص94 [6] الدر المنثور: مج5 ص216 (بتصرف). [7] راجع الدر المنثور، المجلد الخامس عند تفسير الآية. [8] صحيح البخاري: ح4423 (ترقيم العالمية). [9] صحيح البخاري: ح5880 (ترقيم العالمية). [10] الصواعق المحرقة: ص146. [11] صحيح مسلم: ح614 (ترقيم العالمية). [12] صحيح مسلم: ح613 (ترقيم العالمية). [13] المائدة: 67. [14] مسند أحمد: ح17431، وأخرجه بشكل آخر، انظر: ح17409، ح17410، ح17425، وكذلك يمكن مراجعة حديث إشراك الآل في الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ح445، وسنن النسائي: كتاب السهو، باب الأمر بالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ح1268، وباب كيفية الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ح1270وح1271 وح1272، وسنن أبي داوود: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد التشهد ح830، وسنن ابن ماجة: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ح894، وسنن الدارمي: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ح308 وح1309، وغيرها. [15] الصواعق المحرقة: ص146. [16] البرهان: مج6 ص309. [17] الكافي: ج2 ص495. [18] تفسير الكشاف: ج3 ص373. [19] البقرة: 157. [20] الأحزاب: 43. [21] الصحيفة السجادية الكاملة: ص283. [22] شرح نهج البلاغة: ج6 ص144 (بتصرف). [23] أنظر: الصواعق المحرقة ص148. [24] م.ن. [25] سنن الدارقطني: ج1 ص355. [26] سنن البيهقي: ج3 ص379 ح3782، وسنن الدار قطني: 1ص355، وفيها: ((ما رأيت أن صلاتي تتم)). [27] ومن هنا فقد قال الشاعر: مطهرون نقياتٌ ثيابهم تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا |