شهر المحرم الحرام وإعادة بناء الشخصية الإنسانية

السيد مرتضى الشيرازي

 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين،

ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً،

واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

يقول الله تبارك وتعالى:

(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[1].

ويقول سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي (صلوات الله وسلامه عليهما):

"من حاول أمراً بمعصية الله كان أفوت لما يرجو, وأسرع لمجيء ما يحذر".

وهنا عدة إضاءات:

 

الأولى: بنيان الفرد والعائلة والمجتمع والدولة

إن البنيان الذي تحدثت عنه الآية الشريفة، تارة يكون بنيان (الشخصية الفردية) المصداقية الحقيقية، وتارة يكون بنيان (عائلة) من العوائل، وثالثة يكون البنيانُ بنيانَ(تجمعٍ) من التجمعات، فـ(.. بنيانه ..) يراد به إطلاقاً أو ملاكاً: الأعم من بنيانه الشخصي والعائلي وغيرهما,هل أسسه على تقوى من الله ورضوان؟ أم أسسه على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم.

وهناك صور وأنواع أخرى من البنيان، منها: (بنيان الدولة)، فإن الدولة تارة يبنيها القائمون عليها على تقوى من الله ورضوانه، وتارة تبنى على العكس من ذلك.

ومنها(المجتمع) بأكمله فإنه قد يبنى على التقوى والرضوان، وقد يبنى على السخط والعدوان.

وذلك يعني: إن البنيان مفهوم عام وشامل، لا يتحدد[2] ببناء محدد ومفهوم ضيق، كما قد يُتوهم: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير, أم من أسس بنيانه على شفا[3] جرف[4] هارٍ فانهار به في نار جهنم).

فعلى الإنسان أن يتدبر ويتفكر في ذاته وما يحيط بها, كيف هو بناء شخصيته؟ وعلى ماذا بنى شخصيته وحياته وعلاقاته الاجتماعية؟ وعلى أي شيء بنى أسرته؟ أو تجمعه أو حزبه أو العشيرة أو الدولة أو المجتمع بأكمله؟.

 

الثانية: معادلة الباني، البناء، والمبني

إن مفردة (أفمن أسس بنيانه) تستبطن معاني ثلاثة، أو قل أنها تدل بالدلالة التضمنية على:

1) الباني.

2) البناء.

3) المبني.

ولا بد من تقييم ودراسة هذه الأضلاع الثلاثة:

الباني ما هي شخصيته أو ما هي شاكلته ـ بحسب أية قرآنية أخرى ـ؟ ثم إن البناء كيف هو؟ بعد ذلك الناتج من البناء أي المبني (المصنوع) ما هي خصوصياته؟ وما هي أبعاده؟ وما هي مواصفاته؟

إذن هنالك (باني، وبناء، ومبني), أو قل (صانع، وصُنع, ومصنوع)، فهذه ثلاثة مفاهيم وحقائق، كلها تضمنتها كلمة (بنيانه) الواردة في الآية الكريمة.

 

الثالثة: التجانس بين الباني والبناء والمبني

إن هذه الحلقات الثلاثة (الباني، والبناء، والمبني), أو قل (الصانع، والصُنع, والمصنوع), أو نقول تماشياً مع مفردة أخرى وردت في الآية الشريفة، وهي (أسّس): (المؤسس, والتأسيس، والمؤسسة), فإن المؤسس له شخصيته، والتأسيس له خصوصيته، والمؤسسة لها مواصفاتها، هذه الحلقات الثلاثة يوجد فيها نوع من التجانس والسنخية بينها، أي بين عملية البناء وبين الباني ثم بين المبني والبناء والباني (أفمن أسس بنيانه...)، إذ أن هذه الإضافة – إضافة بنيان للضمير - فيها من الدلالة الشيء الكثير.

 

نوعية النظام تدل على شخصية المنظم

إذا دخلنا الى مؤسسة ما، فوجدنا الفوضى فيها هي الغالبة: السجلات والأوراق متناثرة هنا وهناك، والكراسي والأشياء موضوعة كيف ما اتفق.. إلى غير ذلك, فإننا سنكتشف من خلال هذه الحالة الفوضوية، شخصية القائم على هذه المؤسسة، وأنه إنسان فوضوي، وغير متقن لعمله.

كما أننا لو دخلنا الى مؤسسة أخرى، فرأينا النظام فيها، نظاماً مركزياً استبدادياً، فنستكشف من ذلك شخصية هذا القائم على هذه المؤسسة وهذا المشروع، وأنه ذو شخصية أنانية، وأنه لا يرى للآخرين نصيباً من المعرفة أو الحرية أو الرأي، ولذلك لم يفتح لهم المجال لكي يدلوا بآرائهم، ليأخذ بها ولو في الجملة، وهذا واضح لأن نوع النظام يكشف عن شاكلة المنظم.

 

لون الحديث يكشف عن شخصية المتحدث

ولنضرب مثالاً آخر : فإنك تستطيع أن تكتشف شخصية الخطيب أو الأستاذ أو المتكلم أو المؤلف، من خلال خطابته أو درسه أو كتاباته.

كيف يدخل في صلب البحث؟ وكيف يبتدئ مطلع الحديث؟ وكيف يتوسط ويتوغل في الثنايا والأثناء؟ ثم كيف يختم وينتهي؟ وهل هناك تسلسل منطقي يحكم مختلف ما تناثر من أحاديثه خلال ساعة معينة من كلامه أو لا؟

وهل هذا (الخطيب) مهتم بالآخرين ومقدِّر لهم، فيعد الإعداد الجيد أم إنه لا يعير أهمية لهؤلاء الذين تجشموا العناء لكي يستمعوا منه بعض العظات؟

إن نوع الحديث يكشف عن توفر الحكمة في (المتحدث) أو عدمها، كما أنه يكشف عن عمق تفكيره أو سطحيته. وأن الإنسان الحصيف إذا استمع الى متحدث ولو لبرهة قليلة، يعرف من ذلك أنه ذو شخصية جادة متزنة، أو شخصية مترهلة عابثة. بل قد يعرف ما وراء ذلك أيضاً، أي يعرف هل أنه متواضع؟ أو أنه مستعلي على الناس؟ هل هو شجاع؟ أم جبان؟ أم متهور؟

وحاصل الكلام في (الصانع، والصُنع, والمصنوع): إن الأثر يدل على المؤثر, لا في وجوده فقط، بل في تفاصيل وجوده أيضاً. فإن الدلالة دلالة تكوينية شاملة، على الأصل والخصوصيات, لكن هل في عالم الإثبات نكتشف ذلك كله أو بعضه أم لا؟ ذلك أمر آخر، وقد جعل الله له طرقاً، منها التدبر والتأمل والتفكر والفحص وغير ذلك.

 

(المحرم) من أكبر الفرص لإعادة تشكيل (البنيان)

شهر المحرم الحرام هو من أفضل الفرص, كشهر رمضان الكريم، لكي نعيد التفكير فيما بنينا عليه حياتنا، وفي بنيان شخصيتنا، ولكي نعيد بناء شخصيتنا من جديد, وعلى كل واحد منا أن يفكر في سره:

من أنا؟ وكيف أنا؟ وهل أنا سائر على الطريق الصحيح في تعاملي مع الآخرين، في الأسرة أو المجتمع، أم لا؟ وما هو ناتج ذلك كله؟

ولكن لماذا شهر المحرم هو فرصة استثنائية نادرة؟

إن الإجابة واضحة جداً، وذلك لأن الرمز الذي يذكّرنا شهر محرم به، هو أقدس رمز بعد رسول الله المصطفى محمد، وبعد أبيه أمير المؤمنين, وأمه الزهراء وأخيه الإمام الحسن (عليهم جميعا أزكى الصلاة والسلام)، فإنه صلوات الله عليه مجمع الفضائل بل قمتها، وسيد الأولياء وقدوتها.

إن شهر المحرم لَهُوَ فرصة استثنائية نادرة الوجود، لكي يعيد كل إنسان التفكير في شاكلته النفسية، من أنا؟ وكيف أنا؟ وما هو التغيير والتطوير الذي يجب أن يتبلور ويتجسد في هذه الذات؟

وهو شهر استثنائي لكي يعيد كل من الخطيب أو المؤلف أو الأستاذ أو الطبيب والمحامي أو المهندس أو الآخرون بناء شاكلتهم النفسية وشاكلة عوائلهم وتجمعاتهم.

إن من المعروف، أن شهر رمضان شهر تهذيب الأنفس، ولكن شهر المحرم أيضاً كذلك. ونحن عندما نرفع هذه الراية، وهي من قبل مرفوعة خفاقة، فلاشك في أن ذلك للحصول على الأجر والثواب, كما لا ريب في أن ذلك تعظيم أهل البيت (عليهم أزكى الصلاة والسلام)، وبيان مظلوميتهم، لكن أيضاً لكي نعيد التفكير، ولكي نعيد بناء هذه البنية التي بنينا أنفسنا عليها، لنكون الأحسن فالأفضل فالأكمل.

 

دلالات موقف سيد الشهداء (عليه السلام)مع (المساكين)

هناك قضية معروفة عن سيد الشهداء (عليه أزكى الصلاة والسلام) وقد وردت بها روايات عديدة:

الرواية الأولى: "أن الإمام (عليه أزكى الصلاة والسلام) مرّ على مساكين يأكلون كِسراً[5] على كساء، فسلّم عليهم, فدعوه لكي يتناول معهم، فجلس وقال: لولا أنه صدقة, لأكلت معكم، ثم دعاهم الى داره وضيفهم وأطعمهم وكساهم ووصلهم بدراهم".

الرواية الثانية[6]: "أن الإمام (عليه أزكى الصلاة والسلام) مرّ على مساكين يأكلون، في الصُفّه، فدعوه الى الغداء فقال: (إن الله لا يحب المتكبرين)، ثم أنه جلس معهم وتغدى معهم".

ولا تنافي بين هذه الرواية والرواية الأولى, إذ يبدو أن الحادثة كانت متكررة، ففي تلك القضية، كان طعامهم طعام صدقة، فلم يأكل الإمام (عليه أزكى الصلاة والسلام) معهم، أما في هذه القضية، فلم يكن طعامهم طعام صدقة، فأكل معهم (لأن المساكين أحياناً يحصلون على هدايا، أو هبات، أو من محصول وقف عام، أو غير ذلك)[7].

والحاصل: الظاهر أن القصة لم تكن في قضية واحدة، بل كانت في قضايا متعددة، و(الإمام جلس معهم وتغدى معهم، ثم دعاهم الى منزله، وقال لزوجته: اخرجي ما كنت تدخرين, فأعطاهم مما ادخرته ليوم ما من الأيام).

 

لنغير تعاملنا مع ذوي الدخل المحدود

وهنا نقول: هاتان القصتان على بساطتهما الظاهرية، تستبطنان سر تحول أمة بأكملها، إذ تكشف عن عمق (بنيانه) صلوات الله وسلامه عليه، وعن أنه كيف يجبر أن تكون عليه الأمة؟

هل يوجد تاجر يقوم بمثل هذا العمل؟ وهل هناك عالم أو طبيب أو مهندس أو محامي أو أستاذ جامعي أو صحفي لامع، أو رئيس أو وزير أو برلماني، يمر على مساكين فيجلس معهم على قارعة الطريق, ثم بعد ذلك يدعوهم الى منزله؟.

 

منهجية تربوية .. علينا أن نتعلمها

من سيد شباب أهل الجنة (عليه أزكى الصلاة والسلام) لنا جميعاً، وهي ليست قصة عابرة، بل أُريد منها التعليم، لأنه إمام وأسوة وقدوة، وهو سيد الكائنات وأشرف الخلائق في زمانه (عليه أزكى الصلاة والسلام).

إننا في شهر المحرم عندما نتحدث، وعلى المستمع عندما يستمع، أن نتجسد ونتمثل هذه المُثُل وهذه القِيَم في ذواتنا، فلو وجدت في داخل نفسي تعالياً على الناس مثلاً، فعليّ أن أكسر هذا التعالي، ولو كان في شاكلتي النفسية بعض التكبر أو الغرور أو الحسد أو الحقد على المؤمنين في مسائل شخصية، أو بعض العجب بالنفس، فعليّ أن أحاول إصلاح ما فسد وأقوم بتهذيبه.

نعم.. إن شهر المحرم شهر متميز في شهور السنة، الى جوار شهر رمضان الفضيل، وهو يعدّ فرصة مُثلى لكي نعيد حساباتنا: عائلتي كيف بنيتها؟ وجماعتي وتجمّعي، وذاتي أيضاً! إن من الضروري أن تنطلق الأمة كلها في البعد العاطفي وتنبعث ـ وتتحرك ـ بل يجب عليهم إحياء أمر أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، كما أن من المطلوب إحياء الشعائر بأرقى ما يمكن من الإحياء، وبمختلف تجسداتها وتمثيلاتها وهيئاتها وألوانها التي صرح مشهور العلماء بجوازها بل استحبابها، لكن وإضافة الى ذلك: علينا إعادة النظر في البنيان الذي بنينا عليه أنفسنا، وأن نفكر دوماً:

كيف بنيت عائلتي؟ وكيف بُنيت وعلى مَ بُنيتُ تلك الدائرة أو المؤسسة أو ذلك التجمع؟ هل بُنيت كلها على منهج سيد شباب أهل الجنة، ذلك المنهج المتميز الذي لا نجد له نظيراً في العالم كله؟.

علينا أن نعيد النظر في بنيان ذواتنا، وأن نعيد النظر في بُنية عوائلنا، وأن نعيد النظر في بَنيّة هذا التجمع أو هذه الدولة أو هذه الأمة أو ذلك الشعب.

ثم بعد ذلك كله: تجب علينا إعادة تركيبة هذا البنيان من جديد، على ضوء القيم والمُثل العليا التي ثار لأجلها سيد شباب أهل الجنة عليه الصلاة والسلام، فإن في ذلك إحياء لأمر أهل البيت (عليهم السلام) إذ (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم)

وإذا كنا كذلك، فإننا سنكون مصداقاً للآية الشريفة في شطرها الأول (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ...)، أي على ما يرضي الله سبحانه وتعالى. فهل أسس أحدنا بنيانه كله – بكافة أصوله وفروعه وتفاصيله وتضاريسه - على ما يرضي الله أو لم يؤسسه على ذلك؟

إن شهر المحرم هو موسم متميز لإعادة التفكير والتقييم والرقابة وإعادة البناء للنفس وللآخرين, وهو ذلك الشهر الذي يخرج فيه الإنسان، من كل مجلس منه، إنساناً جديداً قد محيت ذنوبه[8] وطهر تطهيراً، لكن عليه أن يبني حياته على هذه الطهارة المستجدة.

 

(البكاء والإبكاء) توبة وبناء

ونختم حديثنا برواية لها وثيق الصلة بما نحن فيه، إذ تتحدث عن آثار إحدى أهم مظاهر وشعائر شهر المحرم الحرام, والتي ينقلها السيد بن طاووس (رضوان الله تعالى عليه) وبمضمونها روايات أخرى:

"من بكى وأبكى فينا مائة فله الجنة..."، وما أعظمه من أجر، بل وما أغربه لدى بعض! لكنه ليس بغريب، فإن (البكاء) و(الإبكاء) تطهير للنفس وممحاة للذنوب، و(مقتضي) لإعادة بناء الذات، كما سنفصل ذلك في أحاديث قادمة بإذن الله.

والخطباء يتصدون لهذه المهمة بالذات ـ جزاهم الله خير الجزاء ـ لكننا نرى أن هذه المسؤولية ليست مسؤولية الخطباء فقط، بل على الطبيب أيضاً أن يُبِكي الناس على سيد شباب أهل الجنة، وعلى المهندس أو المحامي أو الأستاذ الجامعي أو المدرس أو المعلم في أسرته أو على طلابه، وذلك لعظيم الأجر المترتب على ذلك.

بل نقول: حتى لو كان الشخص رئيساً لدولة ما أو حاكماً أو وزيراً، فعليه أن يضطلع بهذا الدور – ولو بين فترة وأخرى -, فإذا كان الثواب هو (الجنة) فما المشكلة في ذلك؟ وما الرادع عن ذلك؟

والمطلوب أن تكون هذه الشعيرة، كسائر الشعائر الحسينية، ثقافة عامة وحالة عامة يشارك فيها الجميع، فإنها ليست خاصة برجال الدين والخطباء الكرام فقط، نعم هؤلاء متخصصون في هذا الحقل ولهم حق السبق، لكن ألا يتمنى كل شخص أن يكون من أهل الجنة؟ أوليست هذه طريقاً شارعة إليها؟.

يقول الإمام (عليه السلام): "من بكى وأبكى فينا مائة فله الجنة، ومن بكى وأبكى فينا خمسين فله الجنة، ومن بكى وأبكى فينا ثلاثين فله الجنة، ومن بكى وأبكى فينا عشرين فله الجنة، ومن بكى وأبكى فينا عشرة فله الجنة، ومن بكى وأبكى فينا واحدا فله الجنة".

إن سفينة الإمام الحسين (عليه أزكى الصلاة والسلام) أوسع وأسرع، فلماذا نتخلف عنها؟ وما أجمل أن يتصدى الجميع، الرجال والنساء، والكبار والصغار، المسؤولون وشيوخ العشائر ومن أشبه، لكافة الشعائر الحسينية، ومنها هذه الشعيرة، أن يَبكوا ويُبكوا ولو واحداً على سيد شباب أهل الجنة، وسبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقرة عين أمير المؤمنين (عليه أزكى الصلاة والسلام).

 

السر في اختلاف العدد

وهنا قد تطرح أسئلة منها : لما اختلف العدد؟ مائة، خمسون، ثلاثون، عشرون، عشرة, واحد؟ فنقول:

1) لعله من باب التفضُّل, أي إن من أبكى مائة، فإنه يستحق الجنة، ولكن الله تعالى تفضلاً منه يعطي الجنة لمن أبكى أقل من هذا العدد، ولو كان شخصاً واحداً، وهناك نظائر لهذه الرواية، في أبواب أخرى؛ لعلنا نتطرق لها لاحقاً.

2) الجنة لفظ له مصاديق كثيرة ومتعددة، فإنه لفظ عام يستبطن مفردات وجنانا كثيرة، كما أن للجنان مراتب ودرجات، وهنا نجد أن بعض الأشخاص بإبكائهم مائة من الآخرين يستحقون مرتبة أعلى تلك المراتب العالية من الجنة، أما الذي يبكي عشرة أو واحداً فله مرتبة أخرى منها وهكذا.

وهذا كقولنا كل من بلّغ رسالات الله فله الأجر والثواب, فإن (الأجر)– والثواب - لفظ عام يستبطن مصاديق عديدة ومراتب مختلفة على حسب خلوص النية وصفاء السريرة وحجم العطاء والإنتاج وغير ذلك[9].

ومنها: كيف يكون من أبكى ولو واحداً، ممن وجبت له الجنة؟

والجواب: إن هذا البكاء يهيئ الطريق الى الجنة، كالاستغفار (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً)،[10] لكن بعد ذلك على الإنسان أن يصمم ألا يعصي الله سبحانه وتعالى، فإنه إن بكى وأبكى أو استغفر سبحانه وتعالى، فقد محيت ذنوبه ووجبت له الجنة، لكنه إن عصى الله سبحانه وتعالى فلعله بذلك يحبط عمله، أو لعله بذلك يستحق عقوبة في لحظات الاحتضار أو البرزخ أو القيامة – على حسب أنواع المعاصي ودرجاتها -*.

نسال الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لنكون جميعاً ممن يؤسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، وأن يوفقنا في هذا الشهر الكريم لكي نكون من خُلّص أولئك السائرين في طريق سيد شباب أهل الجنة (عليه أزكى الصلاة والسلام) والعاملين بنهجه في الحياة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العلمين

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

www.m-alshirazi.com

* * من سلسلة محاضرات في التفسير والتدبر، لسماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي حفظه الله تعالى، ألقيت في مدينة النجف الأشرف بتاريخ: الأربعاء/ 22 ذي الحجة/ 1433هـ.

تحرير www.alshirazi.com

9/ المحرم الحرام/1438


 

[1]- التوبة: الآية 109.

[2]- كمفهوم وموضوع بما هو هو، وأما بلحاظ وروده في الآية الشريفة، فإنه (لا يتحدد)، أما لإطلاقها أو لملاكها، ولعموم الحكم المستفاد من سائر الأدلة.

[3]- الحافة والشفير.

[4]- طرف الوادي او غيره.

[5]- جمع كسرة ,كقطعة وقطع . والمقصود قطعا من الخبز اليابس .

[6]- وهي مذكورة أيضاً في (تاريخ بن عساكر) ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) حديث 196، إضافة الى مصادرنا.

[7]- ويحتمل كونه من كدّ يمينهم أيضاً، فإن كثيراً من الفقراء والمساكين، يعلمون أعمالاً بسيطة، إلا انها لا تفي بحاجاتهم.

[8]- فيما بينه وبين ربه، اما حقوق الناس فعليه أداؤها.

[9]-  *- وهناك أجوبة أخرى، وتوضيحات إضافية سنتطرق لها لاحقاً بإذن الله تعالى، وقد فصلنا الحديث عن (كبرى) ذلك في كتاب (شعاع من نور فاطمة (عليها السلام)).

[10]- سورة نوح: الآية 10.