بيان المرجع الشيرازي بمناسبة الوفادة العالمية إلى زيارة الإمام الحسين بالنصف من شعبان

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ). (سورة القصص: الآية5) صدق الله العليّ العظيم

 

الحمد لله ربّ العالمين, وصلّى الله على أشرف رسله محمّد المصطفى وعترته الطاهرين, ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

في مناسبة النصف من شهر شعبان الذي فضّله الله تعالى بجوامع من الفضل, واختاره منذ القدم ليكون مغفرة ورحمة لعباده, مقترناً بميلاد خاتم الأوصياء سيّدنا ومولانا الإمام المهديّ المنتظر صلوات الله عليه وعجّل الله تعالى فرجه الشريف.

هذا الإمام الذي جعله الله تعالى استثناءً في معظم أبعاد وجوده وأعماله ـ بدءاً من ولادته ووجود الشبه المتنوّع فيه بالأنبياء والمرسلين في شتى الحالات المرتبطة به، ومروراً بحياته الكريمة ومعاناته الطويلة والمريرة فيها، واختبار الله تعالى البشرية فيها باختبارات صعبة ومتواصلة ومختلفة، وانتهاءً بظهوره وإقامة حكم الله العادل على وجه الأرض ـ .

في هذه المناسبة المعطاءة أبارك للمسلمين جميعاً ميلاد هذا الإمام العظيم الذي ادَّخره الله تعالى لإعزاز المؤمنين وإقامة العدل في العالم كله من أقصاه إلى أقصاه، حيث تنحسر الرذيلة لتعمّ الناس الفضيلة، ويذوب الفقر ليحلّ الغنى، ويترك الخوف مكانه للأمن، وينعم كافة البشر بطمأنينة ورفاه وخير لم تتذوّقها الشعوب في شتى أدوار الحياة.

وفي هذه المناسبة المباركة حيث اختارها الله تعالى مزاراً لسيد الشهداء أبي عبد الله الإمام الحسين صلوات الله عليه, الذي يفد لزيارته من أطراف العراق الحبيب، وأكناف العالم الملايين من المسلمين, يشاركون في هذه الزيارة كل الأنبياء والمرسلين بما فيهم سيّدهم وخاتمهم رسول الإسلام صلى الله عليه وآله, الذين يستأذنون الله تعالى كل عام لهذه الزيارة العظيمة فيأذن الله تعالى لهم فيزورون الامام الحسين صلوات الله عليه على صعيد واحد وفي يوم واحد. (تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي/ ج6/ ص48/ الحديث109).

بهذه المناسبة العظيمة ينبغي للمسلمين في كل مكان الالتفات إلى النقاط التالية:

الأولى: ثقافة أهل البيت عليهم السلام هي الثقافة التي يدعو إليها القرآن الحكيم، وتدعو هي إلى القرآن الكريم، دعوة متبادلة ومتكاملة، وشاملة، فلا يزيد أحدهما على الآخر، ولا ينقص، وقد أكد عليها ـ كثيرا ًـ رسول الله صلى الله عليه وآله وفي مناسبات شتى، ومنها ـ وفي آخر خطبة خطبها للناس ثم دخل بيته فلم يخرج حتى قبضه الله إليه ـ حيث قال: «أيها الناس إني تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وأهل بيتي، فإنّ اللطيف الخبير قد عهد إليّ أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض كهاتين (وجمع بين سبابتيه) لاكهاتين (وجمع بين سبابته والوسطى) لأن إحداهما قدّام الأخرى [أطول من الأخرى]، فتمسّكوا بهما لا تضلّوا ولا تولوا، لا تقدّموهم فتهلكوا» (كتاب سليم بن قيس / ص414).

هذه الثقافة الوضّاءة ينبغي تعميمها عبر كل الوسائل، وفي كل مجال, ببنودها الثلاثة (العقائد ـ والأخلاق والآداب ـ والأحكام والتشريعات) حتى يرفل الجميع بخير الدنيا ونعيم الآخرة.

الثانية: المعضلات الاجتماعية: على الجميع أن يهبّوا لعلاجها ـ كل من منطلقه وفي مجاله ـ قبل أن تستفحل أكثر وأكثر، ويصعب علاجها أشدّ وأشدّ، من انحراف في العقيدة وبروز فرق ضالة وانتشارها وكذا الفساد الخُلقي المستشري، والمخدّرات المبيدة، وتفكّك العائلة، وانسياب المجتمع، هذه الأوبئة الفتّاكة، التي لم تزل تهدّد العالم ـ أكثر من ذي قبل -بدمار مطبق، وفناء شامل.

وإن من طرق العلاج تأسيس اللجان والمنظّمات والمؤسّسات المتخصّصة لكل واحدة واحدة من هذه الأمور.

الثالثة: الشباب، فإنهم أمل الغد، وبُناة المستقبل في كل مكان وقد أوصى بهم الإمام الصادق صلوات الله عليه حيث قال لمؤمن الطاق: «عليك بالأحداث فانهم أسرع إلى كل خير» (الكافي /ج8 /الحديث 66)، فإن وجّهوا التوجيه الصحيح كانت الحياة لهم ولشعوبهم نعيماً، وإن تركوا في مهبّ الرياح الفكرية والخلقية الهوجاء، أنذر ذلك بجحيم يشمل كل جوانب الحياة ـ لا سمح الله ـ .

الرابعة: المرأة، فإنها والرجل شقّا الإنسان، وإنها (ريحانة) في كلام الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه, وإنها آخر وصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وآخر وصية الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه, ولقد ظلمت المرأة بالتضييق عليها تارة، وبإقحامها وتحميلها ما لا ينبغي لها تارة أخرى، وإن خير أسوة للنساء ـ في جميع جوانب الحياة ـ سيّدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء وابنتها عقيلة بني هاشم زينب الكبرى سلام الله عليهما، فعلى المرأة أن تتّخذ منهما خير أسوة في مسيرتها في معترك الحياة، كبنت، وكأخت، وكزوجة، وكأمّ وكمربّية أجيال، وعلى المسلمين مراعاتها ووضعها في الإطار المناسب لها الذي أكّد عليه القرآن الكريم وطبّقه عملياً رسول الله والأئمة الأطهار صلوات الله عليه وعليهم من بعده.

الخامسة: العالم الإسلامي، والمسلمون في كل مكان يعيشون نهضة شاملة في جميع الأبعاد، ويواجهون تحدّياً عنيفاً من شتى الأطراف، فينبغي لهم التمسّك بالإسلام، والاعتصام بما أكَّد عليه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله من الحبلين الممدودين بين الله وبين خلقه، القرآن الكريم والعترة الطاهرة عليهم السلام لكي يبنوا حضارة الإسلام من جديد، وينتشلوا أنفسهم من هذا التحدّي الظالم. ومن المفيد في هذا المجال الاستفادة من كتب السيد الأخ الأكبر (أعلى الله درجاته) التي تعالج هذا الجانب ومنها (الصياغة الجديدة) و(السبيل إلى انهاض المسلمين) و(ممارسة التغيير) و(طريق النجاة).

السادسة: العراق الجريح والمظلوم يمرّ اليوم بفترة عصيبة بين الشدّة والاستبداد في أبشع ممارساته، وبين الحريّة والانطلاق، وهناك أعداء للإسلام ولأتباع أهل بيت الرسول صلى الله عليه وعليهم وللعراق، وهؤلاء لا يريدون لهذا الشعب الصامد والأبيّ أن يعيش بخير ويحاولون بأساليب عديدة ـ سياسياً، وعسكرياً، وثقافياً وغيرها ـ أن يعكّروا صفو ذلك، فينبغي للشعب العراقي الواعي الانتباه بدقّة إلى الأمور التالية:

أ) حضارة الاسلام التي أكّد عليها القرآن الحكيم، وطبّقها رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما أيام حكومتيهما العادلتين، لا بديل لها، فلا يصلح العراق اليوم وغداً، إلاّ بما صلح به يوم حكمه الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه ضمن أكبر وأوسع وأقوى رقعة على وجه الارض، قسّمت ـ في خريطة العالم اليوم ـ إلى عشرات الدول والحكومات، فإن لم يكن أمير المؤمنين صلوات الله عليه اليوم بيننا فنهجه وسيرته وتاريخه ـ الذي يمكن أن يجعل دستوراً ومنهاجاً ـ موجودة عندنا.

ب) يعيش العالم اليوم في معظم الدول الكبار، الأكثرية في كل المجالات بدءً بانتخاب الرئيس، والمجلس والحكومة، وانتهاءً بكل حاجات الشعوب الكبيرة والصغيرة.

فينبغي أن لا يكون العراق - اليوم - وفي معترك الصراع العالمي المصطنع مستثنى عن هذه الأكثرية مع حفظ حقوق الأقليّات كافية ووافية.

ج) العراق أرضاً وشعباً من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب من الأكراد، والتركمان، والعرب، وغيرهم في المدن والقرى والأرياف، وحدة واحدة لا يمكن أن تتجزّأ تحت أي اسم، أو أي شعار.

د) ثقافة التعايش بين جماعات وأفراد الشعب العراقي الواعي، وأحزابه وهيئاته، وحوزاته وجامعاته، ينبغي أن تمارس بأحسن وجه كمقدّمة للوحدة الإسلامية الكبرى التي دعى إليها القرآن الحكيم حيث قال: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) سورة الأنبياء: الآية92. وفي هذه المرحلة الحسّاسة التي سيكون فيه تقرير مصير الأمة اليوم، والأجيال القادمة فلابد من السعي الحثيث لتسليم أزمّة الأمور إلى الأفراد الصالحين الكفوئين فإنه إذا صلحت القيادة صلحت البلاد وإذا فسدت القيادة فسدت البلاد.

وإنني إذ آمل ـ بفضل الله ورحمته، ورعاية مولانا وليّ الله الأعظم الإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ أن يُقبل العراق على مستقبل كريم، وغد مشرق هنيء, أدعو الجميع إلى التكاتف والتآزر ونبذ كل أنواع الخلاف ـ كبيره وصغيره وبكل أسمائه وعناوينه ـ والله ولىّ التوفيق وهو المستعان.

صادق الشيرازي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صدر هذا البيان عن سماحته دام ظله في 10/شعبان المعظّم/1425 للهجرة