وحوش العصر وثقافة نحر بني البشر

عبد الرحمن أبو عوف مصطفى

 

موقع الإمام الشيرازي

   إن بناء الانسان هو جوهر الدين الإسلامي الحنيف وأما السلام فقد كان ولايزال عنوانه الأبرز، حيث جاء القرآن ليؤكد القيمة العليا للنفس الإنسانية في قوله تعالى (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، فذلك ما أكّده الخطاب القرآني وأقرّه الإسلام كـ (قانون طبيعي للحياة) يرسم الطريقة التي يتبناها الإسلام تجاه بني البشر، بغض النظر عن الجنس واللون والدين والطائفة. وفي هذا المجال يقول الإمام علي(ع) : "الناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظيرُ لك في الخلق".

إلا أن الخطاب الأموي قد جاء فيما بعد ليجعل من القرآن والسُنّة وسيلة لتثبيت أركان السلطة أو "المُلكْ" كما سمّاه أبو سفيان في مشورته التي حثّ قومه فيها بالقول: "تلاقفوها، فوالذي يحلف به أبو سفيان، لا جنة ولا نار، إنما هو الملك". فكان لهم ذلك، عن طريق سفك الدماء واستباحة القيم، وخير مايمكن أن نختزل به بشاعة السياسة الأموية في الكلمات المعدودة التي قالها الحجاج بن يوسف الثقفي: "أرى رؤوساً أينعت وحان قطافها". تلك العبارة التي يرددها أحفاد الأمويين اليوم على المنابر قولاً، وينتهجها أوغادهم سلوكاً ومسلكاً لإستعادة أمجاد الأسلاف.

فقد غلتئم شمل العصابات الإرهابية وشذاذ الآفاق، من كل مكان، عاقدين العزم على اغتيال روح العصر في الشام والعراق، بسيوف السلف الطالح، يستمدّون عزمهم من صهيل الفتاوى الجامحة، التي أطلق عنانها علماء السوء، من أمثال القرضاوي والعرعور والعريفي، لإهلاك الحرث والنسل، بالسيارات المفخخة والأحزمة االناسفة والعبوات اللاصقة والأسلحة الفتاكة، تحت لواء ما يطلقون عليه بـ(الجهاد)، الذي يستنكره المخلصون من علماء الأمة من مختلف المذاهب، وكما أشار لذلك (خطيب المسجد الأقصى) بالقول: "إن هذا الفعل التدميري لا يمت الى الجهاد بصلة، وما هو إلا تخريباً وإرهاباً أعمى، يستهدف حياة الأبرياء من المسلمين وغير المسلمين، ويصيب بشروره الصغار والكبار والشجر والحجر تحت ذريعة (إسقاط الحكومة)".

وحقيقة الأمر هي بالفعل كذلك، فقد رأى العالم أجمع، من خلال المقاطع التي عرضتها وسائل الاعلام، مدى الوحشية التي تمثلت في سلوك المجاميع الإرهابية المتمرّدة على قوانين الأرض والسماء، وبالتحديد إحدى الشبكات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة التي تطلق على نفسها (جبهة النصرة)، وما قامت به من أفعال شنيعة في (قرية حطلة / في ريف دير الزور)، تلك القرية الآمنة، التي يعيش أهلها منذ زمن طويل بأمن وسلام، دون تمييز طائفي، والبعيدة كل البُعد عما يجري من صراعات سياسية على أرض الشام. الى أن دخلها (خوارج العصر)، لينشروا فيها الرعب والموت المجّاني، الذي طال الأطفال والشيوخ والنساء.. ويشرعوا في إزهاق الأرواح على الهوية لأكثر من 60 نفس انسانية، بطرق تراوحت بين النحر بالسيوف والرمي بالرصاص الحي. وذلك ما أكدّه (أمير الشبكة الارهابية) علنا أمام عدسات الكاميرا، وهو يزف البشرى لشيوخ الفتنة، مؤكداً لهم إصداره الأوامر، لنحر أحد أئمة المساجد الشهيد السيد إبراهيم موسى الملا عيسى، محاطاً بصرخات التكبير التي تطلقها حناجر التكفيريين من حوله.

لم يعد تمجيد هذه الأفعال المُشينة، مقتصراً على الحلقات المحيطة بالمجاميع الإرهابية، في مسرح الحدث أو على الفضائيات الصفراء الداعمة للإرهاب، بل ما يثير الدهشة ويدعو للقلق، انتقال فعاليات التكبير والتبجيل الى قلب الشارع العربي وسط العواصم والمدن الكبرى، وكما هو الحال مع التظاهرة الحاشدة التي نظّمّها المتطرّف الكويتي “شافي العجمي”، (المقرب من تنظيمات القاعدة في الخليج) في العاصمة الكويتية مخاطباً الجموع التي أحاطت به، بالقول (كما في الفيديو أسفل المقال): "إن المجاهدين من جبهة النصرة استطاعوا خلال الساعات الماضية ذبح السيد إبراهيم موسى الملا عيسى، والذين خطفوه مع أولاده من قرية حطلة في ريف دير الزور فقط لأنه شيعي" (حسب تأكيد العجمي )، مضيفاً بكل وقاحة وصلف: "المجاهدون أيضاً قاموا بذبح الطفل الصغير ابن السيد إبراهيم".. ثم أصدر (شافي العجمي) تهديداً - أكثر وقاحة وصلفاَ - الى القرى الأخرى التي سمّاها بالإسم (نُبل والزهراء) واعداً أهالي القريتين بمجابهة ذات المصير قريباً.. وبعد أن أكدّ العجمي استعداده للذبح بيده، كشف أيضاً وسط تكبيرات جموع الرعاع الناعقة خلفه.. "عن تجهيز 12 ألف مقاتل سيذهبون للجهاد في سوريا الى جانب جبهة النصرة والجيش الحر". (حسب تعبيره في الفيديو المرفق).

أن هذا السلوك الوحشي والأفعال الاجرامية التي يقوم بعض رجال الدين من أمثال القرضاوي بمنحها (الشرعية الدينية)، ويعطيها المتطرفون من أمثال شافي العجمي بُعداً أكبر، أي (الشرعية الشعبية)، وسط صمت بعض الحكومات في المنطقة وتشجيع الأخرى..  ومن الطبيعي لهذه الأفعال (إن تُركت دون ردع) أن تنتج إنفلاتاً أمنياً في المنطقة، يصعب التكهن بنتائجه، بل ومن المرجّح لهذه الظاهرة المرضية (ظاهرة النحر) أن تتفشى في أنحاء العالم لتتعدى بالنتيجة حدودها الشرق أوسطية، وبما يجعل ثقافة النحر سلوكاً عاديا في حياة الشباب.

فإن عُنصري الخير والشر موجودان في أعماق كل نفس بشرية، ولا يحتاج أمر توظيف أي من العنصرين سوى الإيقاظ المبرمج، كالذي ينتهجه علماء السوء والفتنة، من أمثال القرضاوي والعريفي وغيرهم. وعندما تخرج الأمور عن السيطرة سيكتوي بنيرانه الجميع، وليس الشيعة وحدهم. فالمثال الإقليمي على ذلك: أن الإنقسامات قد دبّت من الآن في صفوف ما يسمى بـ(المعارضة السورية)، أما المثال العالمي، فمن غير المستبعد لظاهرة النحر أن تغزو نفوس الشباب في أي مكان من العالم، بدليل ما حدث مؤخراً في لندن، من ذبح للجندي البريطاني في وضح النهار على يد  النيجيري، (مايكل أديبولاجو)، الذي غيّر اسمه إلى (مجاهد)، بعد اعتناقه الإسلام الأموي. ورغم أن الجيش البريطاني ليس جيشاً عقائدياً، تقف العقيدة حافزاً وراء تنفيذ الواجب من قبل أفراده، بل جيشاً إحترافياً، ومع ذلك ظهر (القاتل مايكل) أمام وسائل الإعلام، يده تقطر من دم ضحيته، وهو في منتهى درجات التلذذ بالفعل، دون أن يبدو عليه أي ندم أو تأنيب ضمير.. فالثقافة التي يعمل على تعميمها علماء التطرف والفتنة، من أمثال القرضاوي، وتجد استحساناً اليوم لدى البعض، أو إغفالاً متعمداً لها، سيكتوى بنيرانها الجميع غدا،َ إن بقي الحال على ماهو عليه، دون تحرك عالمي حقيقي لمكافحة ظاهرة النحر وثقافة القتل الأعمى.

مقطع شافي العجمي المقرّب من القاعدة، وهو يخطب في تظاهرة تحرض على الإرهاب من قلب الكويت

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=l_C-Yhqbj50

9/شعبان/1434