لزيارات الأربعين القادمة .. ماذا يمكن أن نعمل؟

(17)

 

    حققت البشرية إنجازات هائلة، في العديد من مجالات الحياة، وقد سبر الإنسان أغوار الفضاء، وغاص الى تحت قعور البحار، وتوصل لحقائق دقيقة عن الإنسان، إلا إن كل ذلك التطور العظيم، لم يوفر قدراً كافياً من الأمان ولا الرفاه، بل العكس قد حدث ومازال يحدث، ويُرجع أهل العلم والحكمة هذا الفشل العالمي في إنتاج نظام صالح، إلى قصور في الحكم وإدارة الدولة وضمور في فضيلة النفوس، حتى بات الإنسان على شك كبير بوجود حل لما يعيشه العالم من أزمات.

حكومة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كانت تشمل ما يقارب خمسين دولة حسب خارطة اليوم، منها العراق ومصر والحجاز واليمن والخليج وإيران وغيرها، بالرغم من ذلك، وفر الإمام (عليه السلام) العدل والأمان والرفاه لكل شعبه. وسر بناء تلك الدولة، يبينه الإمام الشيرازي فيقول(قده): (طبق الإمام (عليه السلام) قانون الإسلام بكامله، وقد قال الرسول الأعظم(ص): (الأرض لله ولمن عمّرها). فكان الإمام (عليه السلام) يعطي الأرض للناس مجاناً، ثم يساعدهم من بيت المال لأجل إحياء الأراضي وعمرانها، وفي حكومته أيضاً، كانت التجارة والزراعة والصناعة وغيرها  حرة، فكان الناس ينتفعون بمختلف المكاسب ويحصلون على الأرزاق الحلال، بالإضافة إلى ما كان يقسم عليهم الإمام (عليه السلام) من بيت المال، وبذلك كله تمكن الإمام أن يهيأ لعموم شعبه المسكن والرزق والماء، وهذا ما لم تتمكن منه أكثر البلاد المتقدمة اليوم التي ترى نفسها أنها وصلت إلى قمة الحضارة).

في حكومة الإمام (عليه السلام)، أيضاً، تجلت العدالة بأروع صورها، وفي (قصة الدرع) مثال من مئات الأمثلة على ذلك، يقول الإمام الشيرازي(قده): (تحاكم الإمام أمير المؤمنين ، وهو الحاكم على أكبر دولة في العالم، مع يهودي من رعيته، في درع لبيت المال، ويحكم القاضي لصالح اليهودي، يدل على أن الإمام (عليه السلام) كان لا يفرط حتى بدرع واحد مرتبطة ببيت المال، وإن الإمام يترافع إلى القاضي، وإن كان طرفه يهودياً، يدل على أن القضاء مستقل، والقاضي لا يخشى أحداً، وهو يحكم ضد الحاكم الأعلى للبلاد، إذا لم تكن له البيّنة).

وكان من سياسة الإمام (عليه السلام)، أن جعل الحكم استشارياً، يحترم آراء الشعب، وقد ورد في (نهج البلاغة) أن الإمام (عليه السلام) قال: إن (من حقكم عليّ ــ يعني حق الناس على الإمام ــ أن تعطوني المشورة). أما حروبه (عليه السلام) فكانت كلها دفاعية، وكان الإمام(ع) يقتصر على أقل قدر ممكن من القتل، وبمقدار الضرورة القصوى فقط.

والعراق بلد علي بن أبي طالب، اليوم، يحتاج أولاً إلى بناء دولة حديثة تُدار من خلال مؤسسات كفوءة ونزيهة، فدولة العراق اليوم ليست نتاج نضج سياسي، كما أنها أسيرة مصالح حزبية ضيقة، وقد انعكس ذلك إلى فشل في بناء دولة مؤسسات، وفشل في توفير مجمل الخدمات الحياتية الضرورية فضلاً عن الكمالية.

العراق بلد سيد الشهداء وزيارة الأربعين العالمية، اليوم، يحتاج إلى تهديم تركة الدولة الفاشلة، لبناء دولة تفرض سيطرتها على أراضيها، لتصون شعبها من الجريمة والمخدرات والفساد والإرهاب، دولة قادرة على ردع أية دولة تتدخل في شؤونها، دولة توفر جميع الخدمات للناس ولا مكان فيها ولا مأمن لمثيري الفتن ولمن يعتاش على الفوضى، دولة تستثمر الطاقات والموارد البشرية والكفاءات العلمية والخبرات النزيهة لخير الشعب والبلاد، دولة عدل وحرية وسلام وفضيلة، دولة تحرز ثقة المواطن وتحفظ حقوقه وتصون حرياته وتؤمّن مستقبل أجياله.

وإزاء هذا الواقع العراقي ومتطلباته وتحدياته، وقد انتهت الانتخابات النيابية، ينبغي أن تكون إستراتيجية العراقيين _في المدى المنظور_ هي مراقبة ما سيتمخض عن الانتخابات من مجلس نواب ينبغي أن يحرص على مصالح الناس ويحمي حقوقهم، وصولاً لتنصيب حكومات محلية واتحادية ينبغي أن يمتلك مسؤولوها مؤهلات علمية رصينة، وخبرات إدارية عالية، وصفات أخلاقية كريمة، للانطلاق في بناء دولة صالحة، يرفل فيها الشعب العراقي الكريم، بأمان وسلام ورخاء وتقدّم ومَنَعَة وقوة ورفاه، لينعكس كل ذلك، راحة وخيراً ورفاهً على زوّار سيد الشهداء (عليه السلام).

أيضاً، وفي الوقت الذي أكد سماحة المرجع الشيرازي ضرورة المشاركة الواعية في عملية الانتخاب التي تجري في البلاد، وبيّن أهمية التفحص لاختيار الناخب لممثليه من جهة، شدّد سماحته (دام ظله) على أن (ليس المطلوب من الناخب أن يدلي بصوته في صناديق الاقتراع وينتهي الأمر، بل عليه مواصلة مسؤولياته من خلال مراقبة أنشطة "ممثلي الشعب).

كما دعا سماحته المجتمعات المسلمة، والعراقيين تحديداً، إلى مراقبة متواصلة وثاقبة لمجريات (العملية السياسية) وتوجهاتها واستشراف معطياتها، ثم التعامل مع الأحداث والتطورات بحكمة ومسؤولية.

يتبع...

إضاءة

تقول سيدة نساء العالمين، مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام):

(ما يصنع الصائم بصيامه، إذا لم يصن لسانه، وسمعه، وبصره، وجوارحه).

 

إضاءة

ادعم زيارة الأربعين: راسلنا عن مشكلة واجهتك في الزيارة السابقة أو قدم مقترحاً فيه نفع للزائرين وراحة، خدمة جارية لسيد الشهداء (عليه السلام)، وهي خدمة من خير العمل.