زيارة الأربعين .. ضرورة المؤتمر

 

للتقييم والتقويم والتطوير

 

في الإعلام، فإن مما يُسمى بـ"حدث دولي أو استراتيجي أو مهم"، وتُعقد من أجله مؤتمرات، لا يعدل معشار معشار معشار ما يجري في زيارة الأربعين، فكم من مؤتمر ينبغي إقامته يُعنى بشأن حدث فريد واستثنائي على مستوى العالم.

في البلاد المتقدمة من هذا العالم، ترى الشعوب أن المؤتمر نقطة شروع لتقديم حل لمشكلة أو مشاكل كبيرة، وتفاؤل الناس هذا بعقد المؤتمرات، صغيرة أكانت أم كبيرة، لا يأت من فراغ، بل هو تفاؤل تعزَّزَ عبر نتائج ملموسة ووقائع محسوسة، ومن خلال تجارب على مدى سنوات طويلة. في الوقت، أن آراء معظم الناس في بلاد الشرق الأوسط أو بلاد المسلمين عن المؤتمرات بمختلف عناوينها، خاصة السياسية والاقتصادية، هي آراء سلبية، نظراً لأن غالبيتها تكون شكلية أو غير جادة، أو إنها لا تعتمد على أسس تنظيمية صحيحة أو لا تعمل وفق ضوابط علمية، فتكون غالباً بلا جدوى.

لقد ثبت أن 75% من الحلول لمختلف المشاكل، خاصة الاجتماعية والعلمية والاقتصادية والتعليمية، تنبثق عبر اللقاء المباشر بين المهتمين والمتخصصين وتفاعلهم في أثناء المؤتمرات أو الندوات، ولا تنحصر نتائج المؤتمرات فقط في البحوث والدراسات التي تُقدَم فيها، فهناك نتائج هامة تُستحصَل من خلال أفكار يجري تداولها في لقاءات غير مخطط لها، أو من خلال معلومات تُطرَح في نقاشات جانبية.

تعريفاً، المؤتمر هو تجمع مجموعة أفراد متماثلين في مستواهم الثقافي أو التعليمي، ويكون بينهم تواصل بهدف حل مشكلة أو صنع قرار، أو المشاركة في التخطيط أو التفكير في موضوع محدد. ويُنظَم المؤتمر من قبل مؤسسة تعليمية كالجامعة أو مركز بحوث، أو برعاية مؤسسة ثقافية أو إعلامية، وعادة ما يَمتد المؤتمر ليومين أو ثلاثة تُناقش فيها البحوث والأوراق المقدمة، ثم يُختتم بقراءة قرارات أو توصيات والتي هي خلاصة ما طُرح في المؤتمر وتمت مناقشته.

يقول السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده) عن أهمية المؤتمرات من أجل النهوض بواقع الإنسان والدول: "إن الاجتماع قوة، والتنظيم والتخطيط وتقسيم الأعمال وتحديد الأدوار هو أفضل السبل لتحقيق الهدف". وهذا هو ما نحتاجه من أجل تقييم زيارة الأربعين وتقويم بعض تفاصيلها من أجل تطويرها، ثم استثمار هذا الحدث العالمي فكرياً وثقافياً وإنسانياً، وهو الأهم.

اليوم، فإن مما ينبغي تهيئته للزوار لاستيعاب الزيارات المليونية، هو جميع مفاصل مدينة كربلاء، وليس مكاناً من المدينة دون آخر، في الوقت أن الزيارات الكبيرة غير المليونية باتت ظاهرة تتكرر على مدار السنة، ما ينبغي لحكومة كربلاء أن تسعى الى مغادرة أسلوب الأزمة أو العمل الطارئ أو التنفيذ المتلكأ لدعم إدارة الزيارات وأدائها، بالتالي فإن مدينة كربلاء بحاجة لوضع دراسات مستقبلية، ترسم آلية لاستقبال أعداد مليونية آخذة بالتزايد، كما هو واضح.

كما أن التهيئة الشاملة لزيارة الأربعين تتطلب تهيئة مدينتي كربلاء المقدسة والنجف الأشرف وجوارهما، وسائر المدن المقدسة وجوارها، بل العراق بكامله، سياسياً وأمنياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وإعلامياً وطبياً وصحياً وبيئياً وسياحياً وحياتياً وحضارياً وجمالياً، وهذه الأمور كلها تصب في نجاح الزيارة الأربعينية بشكل أفضل وأكبر، فضلاً عن أنها من مستحقات العراقيين أولاً، وهم أصحاب وطن غني بل الأغنى في كل شيء.

إن أداء الزيارة الأربعينية بحاجة إلى تخطيط شامل لإنجاز الزيارات القادمة بشكل أفضل، من خلال إدارة الموارد والطاقات البشرية لإنجاز الأهداف المرسومة، فإن زوار الأربعين مازالوا يعانون من أمور كثيرة، من الممكن حلها، لو توفرت إرادة الإنجاز، وتوفر التخطيط السليم، وتحسن الأداء.

وإن الإحصاءات الرسمية تتحدث عن أن معدل عدد زوار مدينة كربلاء، في أيام الخميس والجمعة، يناهز ثلاثة ملايين، وهو عدد يفوق عدد حجاج بيت الله الحرام، وإن المعدل المتوقع لعدد الزوار الذين يفدون إلى مدينة كربلاء سنوياً، خلال السنوات الخمس القادمة، هو أكثر من سبعين مليوناً، بينما تستقبل كربلاء من الزوار، حالياً، أكثر من خمسين مليون، يصلون من 100 بلد من بلاد العالم، وهذه الأرقام تؤكد الحاجة إلى مؤتمر يُعقد _بعد زيارة الأربعين بأيام_ للتعرف على واقع الزيارة وما ينبغي توفيره للزوار، من خلال الاستماع إلى مجمل آراء المتواجدين أثناء الزيارة في مدينة كربلاء من مسؤولي المواكب القادمين من شتى مدن العراق، والزوار الذين جاؤوا من شتى بقاع العالم، وكوادر مؤسسات دينية وثقافية وإعلامية.

بالتالي، فإن من أولويات عقد مؤتمر أربعيني، بعد الزيارة الأربعينية بأيام، هي لتكون مخرجاته أكثر قرباً للواقع وتتحدث بلغة المعلومات والأرقام، لا بلغة "ربما" و"لعل" و"أغلب الظن" و"تقريباً"، ومن أجل العمل وفق لغة القرار والعزم على التنفيذ، لا بلغة المجاملات والتردد والتسويف، ثم ليكون المؤتمر نقطة شروع بالعمل والإنجاز لا منبراً لإلقاء الكلمات فقط، ومثل هكذا مؤتمر يحتاج إلى وجود خبراء باختصاصات شتى ومن دول شتى، كي يتسنى تقييم وتقويم ثم تطوير زيارة الأربعين، شكلاً ومضموناً، حاضراً ومستقبلاً.

-------------------------------

إضاءة

الحاجة ماسّة لتقييم زيارة الأربعين من أجل تطويرها، ثم استثمار هذا الحدث العالمي فكرياً وثقافياً وإنسانياً.