على طريق الإصلاح

 

بناء الأجيال .. ضرورة وخبرات

 

تشير دراسات إلى أن الأطفال الذين يتربون في بيت مشحون بمستوى عالٍ من المشاكل الزوجية لديهم مستويات مرتفعة ومزمنة من هرمونات التوتر. كما يتعرض هؤلاء الأطفال الى نوبات أكثر من الأمراض المعدية مثل الزكام والأنفلونزا.

وفي سن الخامسة عشرة، لهؤلاء الأطفال معدلات عالية من الاضطرابات النفسية والاجتماعية، فضلاً عن مشاكل أخرى مثل الاكتئاب، وتجنب الأصدقاء والأقارب، وأحياناً يتصرفون بشكل سيء وربما عدواني، كما أنهم في المدرسة يكونون عرضة للحصول على درجات سيئة وتجاوز المدرسة.

وينصح خبراء في التربية والتعليم بأن حل تلك المشاكل النفسية والاجتماعية والتعليمية التي تصيب أولئك الأطفال يكمن بأن يسعى الزوجان إلى تحسين العلاقة بينهما، وصولاً إلى خلق بيئة أسرية أكثر استقراراً وراحة وسعادة، وهذا أهم ما ينبغي توفيره للأطفال من أجل تربيتهم وإعدادهم بشكل سليم.

لكن تلك الدراسات والعديد من الاستبيانات تؤكد أن كثيراً من المتزوجين لا يملكون المعلومات التي تساعدهم على التفاهم بينهم، وإيجاد سبل مواجهة المشاكل التي قد تحدث بين أي متزوجيْن، كما أنهم لا يعرفون حجم التأثيرات السلبية للخلافات الزوجية على الأطفال من عدة جوانب، وأن تلك التأثيرات غالباً سيحملها الأطفال في مراحلهم العمرية القادمة. 

هذه المعطيات تدلّ فيما تدلّ عليه أن الطفل كائن يسمع ويرى ويشعر ويدرك ويتفاعل ويتأثر، كما أنه ومذ هو جنين في بطن أمه يتأثر بمحيطه، وخاصة الأسري، وهذا ما يتطلب البحث في تراثنا الإسلامي، أكثر وأكثر، عما يتعلق بقضايا التربية والتأهيل، وفي الوقت نفسه، ينبغي للمؤمنين والمؤمنات التزود من تلك المعلومات والإرشادات لاستثمارها في تربية أولادهم، وتقديم أهم ما يحتاجه أولادهم في حياتهم.

وإن استعراض جملة من تلك الروايات لمؤشر على أهمية التفاصيل التي تتضمنها المرويات عن أهل البيت (عليهم السلام)، ومنها على سبيل المثال الروايات التي تتحدث عن إرضاع الطفل من حليب أمه، والنهي عن أن ترضع الطفل امرأة حمقاء أو مصابة بأمراض نفسية أو عقلية أو كافرة أو شاربة الخمر أو آكلة لحم الخنزير، حيث تشير النصوص إلى أن هذهِ الأمور تؤثر على نفسية الطفل وعقله. 

عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (أَطْعِمُوا حَبَالَاكُمُ اللُّبَانَ فَإِنَّ الصَّبِيَّ إِذَا غُذِّيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِاللُّبَانِ اشْتَدَّ قَلْبُهُ وزِيدَ فِي عَقْلِهِ)(الكافي: ج6/23). وهذه التوصية لتنمية العقل وقوة الحفظ، كما تحسّن قوام السلوك.

وعن الإمام علي الرضا (عليه السلام): (أَطْعِمُوا حَبَالَاكُمُ اللُّبَانَ فَإِنْ يَكُنْ فِي بَطْنِهَا غُلَامٌ خَرَجَ ذَكِيَّ الْقَلْبِ عَالِمًا شُجَاعًا، وإِنْ تَكُنْ جَارِيَةٌ حَسُنَ خُلُقُهَا وخِلْقَتُهَا، وعَظُمَتْ عَجِيزَتُهَا، وحَظِيَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا)(التهذيب: ج7/ص440).

ولمرحلة النفاس وهي المرحلة التالية لوضع المولود ومدتها عشرة أيام أهمية خاصة أشارت إليها روايات عديدة عن أهل البيت (عليهم السلام)، حيث توصي المرأة النفساء بتغذية خاصة فقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أَطْعِمُوا الْمَرْأَةَ فِي شَهْرِهَا الَّذِي تَلِدُ فِيهِ التَّمْرَ، فَإِنَّ وَلَدَهَا يَكُونُ حَلِيماً نَقِيًّا)(مستدرك الوسائل: ج16/ ص384). وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (أطعموا نساءكم التمر البرني في نفاسهن، تجملوا أولادكم)(مكارم الأخلاق: ص168).

ولا يخفى ما لهذه التوصيات من أثر إيجابي بالغ في صناعة الشخصية على مستوى السلوك والنفس والصحة، وحتى على مستوى الشكل والمظهر والجمال، وهذا ما تؤكده دراسات علمية حديثة.

وتُقسَم مرحلة تنشئة الطفل، بحسب علماء النفس، إلى أربع مراحل هي: 1ـ مرحلة الطفولة الأولى، وتمتد من الولادة إلى سن سبع سنوات. 2ـ مرحلة الطفولة الثانية (المتأخرة)، وتمتد من سن 7 سنوات إلى سن 14 سنة. 3ـ مرحلة المراهقة، وتمتد من سن 14 سنة إلى سن 21 سنة. 4ـ مرحلة الرشد، وتمتد من سن 21 سنة فما فوق.

ويركز علماء التربية على المرحلة الأولى، حيث يعتقدون أنه على أساسها تتشكل شخصية الفرد، في حين تتوجه روايات أهل البيت (عليهم السلام) على المرحلة الثانية، وتعطيها أهمية بالغة، وتبيّن أنه بالإمكان للمربي تلافي بعض الأخطاء التي تقع في المرحلة الأولى، عبر المرحلة الثانية، والتي فيها ترسم خطوط شخصية الفرد، وأن المرحلة الأولى عمومًا مرحلة لعب، وإن تتضمن عملية تحسين إدراك الأشياء والتواصل مع الآخرين. عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (دَعِ ابْنَكَ يَلْعَبْ سَبْعَ سِنِينَ ويُؤَدَّبْ سَبْعَ سِنِينَ وأَلْزِمْهُ نَفْسَكَ سَبْعَ سِنِينَ فَإِنْ أَفْلَحَ وإِلَّا فَإِنَّهُ مِمَّنْ لَا خَيْرَ فِيهِ)(من لا يحضره الفقيه/الشيخ الصدوق/ج٣/ص٤٩٢).

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (يُربى الصبي سبعًا، ويُؤدب سبعًا، ويُستخَدم سبعًا، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين سنة، وما كان بعد ذلك فبالتجارب)(من لا يحضره الفقيه/ج٣/ص٤٩٣).

وعنه (عليه السلام) أيضاً قال: (الْغُلَامُ يَلْعَبُ سَبْعَ سِنِينَ ويَتَعَلَّمُ الْكِتَابَ سَبْعَ سِنِينَ ويَتَعَلَّمُ الْحَلَالَ والْحَرَامَ سَبْعَ سِنِينَ)(الكافي/الشيخ الكليني/ج٦/ص٤٧).

وللحديث بقية

-----------------------------

إضاءة

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (أيُّما ناشئٍ نشأ في قوم ثمَّ لم يؤدَّب على مَعْصِيَة، فإنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أول ما يعاقِبُهُم فيهِ أنْ يُنقِصَ مِنْ أرْزَاقِهِم)(بحار الأنوار: ١٠/٧٨).