لزيارات الأربعين القادمة .. ماذا يمكن أن نعمل؟

(2)


مدهش، محيّر، إعجاز، عظيم، مشهد فريد، لم أر مثل الذي أرى..
من الكلمات التي وصفوا بها زيارة الأربعين...
مفكرون وأكاديميون وإعلاميون، من شتى بقاع العالم، تابعوا زيارة الأربعين كحدث له خصوصيات عديدة واستثناءات فريدة، بحسب رؤيتهم، وقد ضاقت بهم سبل التحليل ثم التعبير، فاكتفوا بهذه الكلمات في وصف مشهد زيارة أربعينية سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام). وبالرغم من أنها أشد وأقوى كلمات الانبهار والتعظيم والتفخيم، إلا أنهم بكلماتهم الموجزة بينوا عجزهم عن وصف حقيقة ما يرون من حدث يتجاوز الحسابات ويفوق التوقعات، فكل شيء في هذا الحدث العظيم شيء عظيم.
ولم يقتصر الأمر بوسائل إعلام ومعاهد تعنى بحركة الأمم ومجريات الأحداث المؤثرة عالمياً، أيضاً اهتمت بالحدث الأربعيني مراكز أبحاث دينية وأنثروبولوجية، بتوجهات متعددة ودوافع متباينة، ومن إفرازات هذا الاهتمام كثرة وتنوع الأسئلة المطروحة حول الأسس التاريخية والدينية لزيارة الأربعين؟ وهل هناك بعد غيبي فيما يجري اليوم في هذا الحدث الذي لا مثيل له على وجه الأرض؟! وما السر الذي يجمع ملايين الرجال والنساء والأطفال، في حشود تسير مشياً على الأقدام، مئات الكيلومترات، إلى مدينة كربلاء، في الحر والبرد، وبتعب متواصل على مدى أيام، ورغم أخطار عصابات إرهابية متوحشة تترصد للزائرين، فقط لتقتلهم وبأي طريقة ممكنة؟!!.
وفي إطار تلك الأسئلة، وبعضها صدر من أتباع الأديان الأخرى، كتبت باحثة مسيحية متخصصة في شؤون الأديان عدة مقالات عن زيارة الأربعين، وتساءلت في إحدى مقالاتها عن "سر هذا التدفق المليوني الهائل، والسيل المتعاظم من الحشود البشرية على قبر الإمام الحسين؟!!". وتجيب الباحثة في اللاهوت (إيزابيل بنيامين ماما آشوري) عن تساؤلاتها بأن "النصوص الموجودة في الكتاب المقدس (الإنجيل والتوراة) والتي تمتدح زحفاً بشرياً سنوياً باتجاه قبر شخص واحد فقط، تخبرنا تلك النصوص بأن هذه الأرتال البشرية لا تأتي من ذاتها، بل إن الرب هو الذي جمعها وأتى بها من أطراف الأرض، من الشمال والجنوب والشرق والغرب".
وتتابع الباحثة المسيحية (عراقية الأصل) القول أن "هذه الحشود المليونية مهما كبرت فهي لا تجوع، ولا تتعب، ولا تعطش، وتسير في طريق مليئة بالماء، ولا يعثرون فيها أرضٌ سمحة سهلة لا عثرة فيها". وأضافت "لم نر في أي زمنٍ أرتالاً من البشر تتقاطر على قبر من قبور هؤلاء الأنبياء، ولا في أي يوم من أيام السنة، فإذا كان كذلك فلمن تعود النصوص الموجودة في الكتاب المقدس والتي تمتدح زحفاً بشرياً سنوياً باتجاه قبر شخص واحد فقط؟!".
إن القارئ لعديد المقالات والدراسات التي كتبها مسلمون وغير مسلمين، حول زيارة الأربعين، يجد أن زيارة الأربعين حدث استثنائي يجري في الحاضر ومؤثر باتجاه تغييره وإصلاحه، كما أن مضامين هذه الكتابات تنحو في جانب منها إلى استشراف المستقبل، وتبين أن حدث زيارة الأربعين، بحيثياته وانعكاساته، يؤشر إلى أنه حدث يتعاظم دوره في صناعة المستقبل.
والسؤال هنا، إزاء هذه الزيارة المليونية، هل هناك عمل يتماهى مع أهميتها وتنامي عدد المشاركين فيها؟ وهل الرؤية المستقبلية حاضرة، سواء في جانب التخطيط والاستشراف، أو الجانب المعنوي (إعمار الإنسان) أو الجانب المادي (إعمار الأرض)؟ أم إن الأمور تجري في سياقات غير منظّمة؟
والجواب: عموماً لا!! وبمثال وإيجاز، فإن قصة مطار مدينة كربلاء (مطار الإمام الحسين) تؤكد كما هي تؤلم، حيث لم يتم استحصال الموافقة على تشييد المطار، إلا بعد ثمانية أعوام تعاقبت فيها حكومتان اتحاديتان، وأربعة وزراء نقل، وحكومتان محليتان، ولولا التدخل الحكيم والحازم لإدارة (العتبة الحسينية المقدسة) لكان المطار مازال في طي النسيان.
وكما لا يوجد عمل ينسجم مع هذه الزيارة المليونية، فإن الرؤية المستقبلية غائبة، على المستويات كافة، الحكومية والمؤسساتية والمجتمعية، وكان من الممكن (على سبيل المثال) للأربعينيين الكرام، وأهل مدينة كربلاء الأعزاء خصوصاً، ممارسة الفعاليات السلمية والقانونية، وهو من حقهم، للحيلولة دون بقاء مشروع مطار كربلاء معلّقاً، مع أهميته الاستراتيجية، ورغم ما سببه ويسببه هذا التأخير من خسائر فادحة، للأربعينية العالمية وزوارها ولمدينة كربلاء وأهلها، وفي أكثر من مجال.

يتبع 

=================================
إضاءة
المرجع الشيرازي (دام ظله): هناك أشخاص يعيشون من دون تخطيط، ويقولون أن كل ما يأتي فهو خير، ولكن الصحيح، أولاً: أن يخطط ويعزم السير على ما خطّط. ثانياً: والأهم من ذلك أن يعرف الهدف الذي يخطط له.

إضاءة
ادعم زيارة الأربعين/ راسلنا عن مشكلة واجهتك في الزيارة السابقة أو قدم مقترحاً فيه نفع للزائرين وراحة، خدمة جارية لسيد الشهداء (عليه السلام)، وهي خدمة من خير العمل.