على طريق الإصلاح

 

بناء الأجيال .. ضرورة وخبرات

 

تواترت روايات عن أهل البيت (عليهم السلام) تدلّ فيما تدلّ عليه أن الطفل كائنٌ يسمع ويرى ويشعر ويدرك ويتفاعل ويتأثر، كما أنه ومذ هو جنين في بطن أمه يتأثر بمحيطه، وخاصة الأسري، وهذا ما يتطلب البحث في تراثنا الإسلامي، أكثر وأكثر، عمّا يتعلق بقضايا التربية والتأهيل، وفي الوقت نفسه، ينبغي للمؤمنين والمؤمنات التزوّد من تلك المعلومات والإرشادات لاستثمارها في تربية أولادهم، وتقديم أهم ما يحتاجه أولادهم في حياتهم.

وإن استعراض جملة من تلك الروايات لمؤشر على أهمية التفاصيل التي تتضمنها تلك المرويات المباركة والتي تهتم بالطفل وهو في ساعة ولادته. ومن ذلك:

الأذان

عن الاِمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: (قال رسول الله: مَنْ وُلد له مولود فليؤذن في أُذنه اليمنى بأذان الصلاة، وليقم في اليسرى فإنها عصمة من الشيطان الرجيم)(مستدرك الوسائل/الميرزا النوري/ج٤/ص٦٢).

وأوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): (يا علي إذا ولد لك غلام أو جارية، فأذّن في اُذنه اليمنى، وأقم في اليسرى، فإنّه لا يضرّه الشيطان أبداً)(تحف العقول/ابن شعبة الحراني/ص١٣).

ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): (مَنْ ساء خلقه فأذنوا في اذنه)(من لا يحضره الفقيه/ج1/ص299/ح912).

الرضاعة

إن أفضل غذاء للرضيع هو حليب الأم، كما تقرر شرعًا وطبًا إلا إذا طرأ مرض معد في ألام أو ما أشبه ذلك. وقد نصحت دراسات متخصصة بأنه على كل أمّ أن تحرص بشدة على الرضاعة الطبيعية لما لها من فوائد لصحة الطفل ونموّه، وهي فوائد لا تُعوَّض بأي نوع من أنواع الحليب الأخرى، ومن جانب آخر، فإن في الرضاعة فوائد صحية ونفسية للأم المُرضِع.

ورُوي عن نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (ليس للصبيِّ خير من لبن أمه)(الحر العاملي، وسائل الشيعة/ج15/ص188). وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما من لبن رضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه)(وسائل الشيعة/ج15/ص175).

وكما بينت روايات أهل البيت (عليهم السلام) عن أهمية إرضاع الأم لولدها وما يثمر عن رحمة وعاطفة بين الأم ووليدها تبقى آثارها راسخة في وجدان الطفل وعقله، أيضاً حذَّرت الروايات من حالات أخرى، فقد نهى الاِمام جعفر الصادق (عليه السلام) من الاسترضاع من المرأة الزانية والتي تكوّن لبنها بسبب الزنا فقال: (لا تسترضعها ولا ابنتها)(الاستبصار/الشيخ الطوسي/ج٣/ص٣٢١).

وقال الاِمام محمد الباقر (عليه السلام): (لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحبّ الي من لبن ولد الزنا)(الكافي/الشيخ الكليني/ج٦/الصفحة ٤٣).

كما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالوقاية من لبَن البغيّة والمجنونة فقال: (توقوا على أولادكم من لبن البغيّة والمجنونة، فإن اللبن يعدي)(مكارم الأخلاق/223). وقال (صلى الله عليه وآله): (لا تسترضعوا الحمقاء فإن الولد يشبّ عليه)(مكارم الأخلاق/237).

يُروى أن والدة الشيخ الأنصاري كانت امرأة مؤمنة تقية نجيبة صالحة عابدة، رأت في منامها، قبل أن تلد ابنها مرتضى، الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وقد أعطاها قرآناً مُذهباً، ولعله من هذه الجهة كانت (رحمها الله) ترضع ولدها وهي على وضوء كلما أرادت إرضاعه، وكان ذلك الوضوء هو السر.

وعندما ارتقى الشيخ الانصاري لزعامة المرجعية قيل لها: "هنيئاً لكِ، فقد نال الشيخ مرتضى المرجعية العليا في العالم". قالت: "لا عجب، فقد كنت أتمنى له درجة أعلى من ذلك، لأنني ما أرضعته مرة إلا وأنا على وضوء، حتى في تلك الليالي والأيام الباردة كنت أقوم وأسبغ الوضوء ثم أرضعه وأنا على طُهر".

من جهة أخرى، فإن من أسباب كثرة الأمراض في المولود والأم، على حد سواء، إرضاع الطفل بشيء آخر، فهو يضر بالمولود لعدم استعداد مزاجه إلا للبن أمه، وذلك مما قد يوجب له بعض الأمراض، كما يضر الأم أيضاً لأن البدن بعد الولادة يستعد للإفراز، فإذا لم يفرز اللبن صار سببًا لتخثره وتعقده في الثدي، مضافًا إلى أخطار عدم إفراز الزوائد في البدن المقرر إفرازها بطرقها التكوينية، هذا بالإضافة إلى أن الصدر الذي لا يفرز يميل إلى الانطواء مما يعرضه للتشوه ويفقده نظارته، وهذا نقص بالنسبة للمرأة ذات الزوج، والجمال محبوب شرعًا وعقلاً وعرفًا، ففي الحديث الشريف (إن الله جميل يحب الجمال)(وسائل الشيعة: ٣/٣٤٠/٤) الى روايات أخر.

يقول المجدد الشيرازي الراحل(قده): (العقل يرجح كل كمال، والجمال من أقسام الكمال، أما العرف فهو أوضح من أن يذكر، حتى ورد استحباب أن ترضع المرأة الوضيئة الطفل، لأن اللبن يسري في النفس والجسد، كما ثبت شرعًا وعلمًا، ولذا إذا اضطر الأب إلى إرضاع الولد من غير الأم، استحب له اختيار المرأة ذات الصفات الحسنة على تفصيل مذكور في الفقه).

يُتبَع...

إضاءة

 لا عذَّب الله أمّي إنّها شربت            حبَّ الوصيِّ وغذَّتنيهِ باللّبنِ

وكان لي والدٌ يهوى أبا حسنٍ   فصرتُ من ذي وذا أهوى أبا حسنِ