لزيارات الأربعين القادمة .. ماذا يمكن أن نعمل؟

(5)

 

   في إحدى الجامعات العالمية، وفي قاعة المحاضرة، تحدث طالب مع أستاذه، حول مشكلة له مع إدارة الجامعة، فاستمع الأستاذ للطالب حتى انتهى من كلامه، وقد وعده بالمساعدة، ثم توجه الأستاذ بسؤال إلى الطالب قائلاً: هل تعرف كم دقيقة صرفنا أنا وأنت في الحوار حول مشكلتك؟.

استغرب الطالب من السؤال وقال: ربما ثلاث دقائق أو أربع لا أكثر!. فقال الأستاذ: لقد صرفنا أربع دقائق، لكنها كانت أكثر من ذلك بكثير، لأن حديثك معي لم يكن في بيتك أو بيتي، بل كان في قاعة جامعية يجلس فيها أربعون طالباً، أي إننا صرفنا أربع دقائق من وقت كل طالب، وبذلك فإننا ضيعنا مائة وستين دقيقة من وقت العلم ومن جهد البلاد التي تسعى لتأمين المستقبل، وكان يمكنك أن تتحدث معي، خارج وقت المحاضرة، دون أن نهدر وقتاً ولا نضيع جهداً!.

نعم، مع العلم والعمل والوقت والمستقبل، هكذا تتعامل شعوب الدول المتقدمة ولا زالت تريد أن تتقدم، وهي تحرص كل الحرص رغم أنها تنعم بالأمان والاستقرار والرفاه، ورغم أن حكوماتها نزيهة وجادة في صناعة مستقبل واعد لها.

لكن للأسف، فإن عموم العالم الإسلامي يفتقر لمثل هذه القيم الأخلاقية النبيلة، بل بالعكس، ولا مبالغة في القول، أن من يمتلك مثل هذه الأمانة سيكون سيكون مُحارَباً من زملائه، أو مُعرَّضاً للاستهزاء من قبل أصدقائه!!.

وبينما الدول المتقدمة جداً، تحرص في استثمار كل دقيقة وكل دولار، فإن في العراق بلد أهل البيت (عليهم السلام)، إلى اليوم، ما زال الحلم بالحصول على كهرباء وماء ودواء، في الوقت أن إدارات مدينة كربلاء، مدينة زيارة الأربعين، لم تستحصل الموافقة على تشييد (مطار الإمام الحسين) إلا بعد ثمانية أعوام.

ولولا إدارة العتبة الحسينية التي أخذت الأمور على عاتقها، وتعاملت بحزم وحكمة، لظل المطار إلى اليوم، مجرد حلم بعيد المنال، ولكان حاله حال سائر الخدمات التي يعاني منها العراقيون جميعاً.

ورغم أهمية هذا المطار، ورغم التلكؤ في الشروع لإنجازه، لم تظهر أية حركة مجتمعية للمطالبة ببناء المطار الذي ينتفع منه جميع أهل كربلاء، وكان يجدر بمؤسسات المجتمع المدني والنقابات والمثقفين والوجهاء والطلاب التحرك، بشكل سلمي وقانوني وحضاري، خدمة لمدينة كربلاء وأهلها وزوارها، وانسجاماً مع نهضة الإمام سيد الشهداء التي أطلقها تحت شعار (إنما أريد الإصلاح).

إن الإرادات السياسية والحكومية (الاتحادية والمحلية) المتعاقبة، لم تقدر على تجاوز واقعها المأزوم، بل ظلت أسيرة لمصالحها الخاصة على حساب هذه المدينة المقدسة، لذلك فقد عجزت عن بناء المطار وغيره، وفي هذا مؤشر إلى أن الوضع السياسي إذا بقي على حاله، فإن المستقبل لا يحمل تغييراً في واقع مدينة كربلاء وعموم العراق، وبالتالي فإن نصيب زوار الأربعين من الأزمات والمعوقات سيظل على ما هو عليه، إن لم تطرأ زيادة في المعاناة.  

إن الإسراع بتشييد مطار دولي عملاق في مدينة كربلاء، هو من أجل راحة الزوار، من خلال الوصول المباشر، كما سيوفر لهم جهداً ومالاً. وهناك منافع أخرى لأهل مدينة كربلاء، فإنه سيجلب إيرادات مالية كبيرة، ويوفر (في مراحله الأولى) ثلاثة آلاف فرصة عمل للعاطلين عن العمل من أبناء كربلاء، كما يساهم في تنشيط السياحة التي تتطلب أسواقاً ومطاعم وفنادق، والذي ينعكس إيجابياً على عموم الحياة في مدينة كربلاء بل وجوارها، وهذا هو المطلوب.

فإن ما ينبغي تهيئته للزوار، هو جميع مفاصل مدينة كربلاء، وليست العتبات المقدسة وأماكن العبادة فقط، وليس مكاناً من المدينة دون آخر، بل ينبغي تهيئة مدينة كربلاء وجوارها، وجوار جوارها لاستيعاب الزيارات المليونية.

سماحة المرجع الشيرازي(دام ظله)، في الزيارة الأربعينية للعام 1438هـ، كان قد أصدر بياناً قال، في جانب منه، (الواجب على الجميع، على شتى المسؤوليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، السعي الحثيث والجادّ والمتواصل، والتكاتف والتعاضد وتوحيد الصفوف لإحياء هذه السيرة المباركة، ليعيش المسلمون وسائر البشر في ظل الإسلام أسعد أيام التاريخ، بإذن الله تعالى).

وبذلك، فإن التهيئة الشاملة لزيارة الأربعين تتطلب تهيئة مدينتي كربلاء المقدسة والنجف الأشرف وجوارهما، وسائر المدن المقدسة وجوارها، بل العراق بكامله، سياسياً وأمنياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وإعلامياً وطبياً وصحياً وبيئياً وسياحياً وحياتياً وجمالياً وحضارياً.

يتبع...

---------------------------------------------

إضاءة

أؤكد على الأعزاء الذين فرغوا عن أداء زيارة الأربعين، بقلوب طاهرة، العمل بحكمة وإخلاص، ليصبح عراق أهل البيت (عليهم السلام)، وسائر بلاد المؤمنين، أمثلة راقية يُحتذى بها في العقائد الرصينة، والخُلق الرفيع، والعمل الصالح.

المرجع الشيرازي(دام ظله)

إضاءة

ادعم زيارة الأربعين

راسلنا عن مشكلة واجهتك في الزيارة السابقة أو قدم مقترحاً فيه نفع للزائرين وراحة، خدمة جارية لسيد الشهداء(ع)، وهي خدمة من خير العمل.