لزيارات الأربعين القادمة .. ماذا يمكن أن نعمل؟

(14)

 

عديدة هي التفاصيل المهمة لزيارة الأربعين التي ترتبط بواقع العراق، وعلى مختلف الأصعدة والمجالات، فلا تنحصر تلك التفاصيل بالجوانب الخدمية والحياتية والأمنية، بل تصل إلى الجوانب الفكرية والثقافية والتبليغية أيضاً، وهي جوانب مهمة جداً، لاسيما أنه في الزيارة التي مضت، وصل عدد الزوّار إلى أكثر من 27 مليون زائر، وقد قدموا من كل قارات العالم، وبالتالي فإن أكبر خدمة لزوار الأربعينية هو ازدهار العراق دولة.

تعدّ الدولة أرقى التشكيلات البشرية، لإدارة أمور جماعة كبيرة، في مختلف شؤونها، وكلما تقدم العلم والصناعة، وكثر البشر في منطقة معينة، وتعقدت أحوال الأمم، كان الاحتياج إلى الدولة أكثر. وبغياب الدولة أو ضعفها أو فسادها، فإن البلاد ستكون ما بين مطرقة دول ظالمة أو قوى الإرهاب القادمة من خلف الحدود وبين سندان تسلط أحزاب فاسدة وفاشلة، والأحزاب الفاشلة والفاسدة لا توفر مناخات صالحة لبناء دولة ولا رفاه مجتمع، يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): (إن عمل الدولة الأساسي الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد، فلابد من وجود جهازٍ للحفاظ على أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم في الداخل، ولابد من وجود جيشٍ للحفاظ على استقلال الدولة من أطماع الدول الأخرى، وليس عملها أن تخنق الناس وتعطل كفاءاتهم، وتتصدى للقيام بكل الأعمال والمشاريع، وهذا هو طريق السعادة، سعادة الدولة وسعادة الشعب).

إن تغيير الواقع العراقي وإصلاحه وتقويمه والارتقاء به، سينعكس إيجاباً على كثير من تفاصيل زيارة الأربعين، باعتبارها الشعيرة الحسينية الأعظم، وباعتبارها الحشد الديني الأضخم على مستوى العالم، فضلاً عن موقعية العراق بالنسبة إلى العالم، يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): (العمل في العراق ينعكس في العالم، والعمل في أية نقطة أخرى غير العراق لا ينعكس على العالم).

والإصلاح يبدأ من تقييم الأوضاع الذي يبدأ بوصفها برؤية تفصيلية وشاملة، ولا مبالغة في القول، أن العراق اليوم مأزوم، فخلال نصف قرن، مرّ العراق بحروب عديدة وكبيرة وعاتية، خلفت دماراً (بشرياً ومادياً) واسعاً، وفي أخيرها كان الانتصار العظيم على تنظيم داعش الإرهابي نصراً مكلفاً، فقد ترك خلفَه عشراتِ الآلاف من الشهداء والجرحى.

وبعد مرور خمسة عشر عاماً على إسقاط الديكتاتورية، لم تتشكل في العراق معالم الدولة الحديثة التي تُدار من خلال مؤسسات كفوءة ونزيهة، فدولة العراق اليوم ليست نتاج نضج سياسي، كما أن أسيرة مصالح حزبية ضيقة، وقد انعكس ذلك إلى فشل في التغيير وصولاً إلى بناء دولة حديثة، كما الفشل المريع في توفير الخدمات الحياتية.

ولقد اُعْتمدَ تعريف الدولة الفاشلة على أنها "الدولة التي تعجز عن فرض سيطرتها على أراضيها، بما يحيلها إلى ملاذ آمن للجريمة والمخدرات والقرصنة والإرهاب، ويعرض وحدتها الترابية للخطر، غير قادرة على اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياة مواطنيها، ولا توفر خدمات أساسية لهم، ويتفشى فيها الفساد والاستبداد".

كما أن الدولة تصبح فاشلة متى ما عجزت عن بسط وجودها فى كامل حدودها الدولية المعروفة، والتي لا تستطيع بسط الأمن فى ربوع أراضيها، وفيها يُصاب المواطن بالإحباط والاستلاب السياسي، فيغدو غريباً في وطنه أو يهاجر الى دولة أخرى، فتُهدر الطاقات والموارد البشرية، وتُستنزَف الكفاءات العلمية، وتُستَبعَد الخبرات النزيهة، فتسود في الدولة الفاشلة، الأمية والتخلف بكل أنواعه، وتتفشى الأمراض، وتتخلف الخدمات الصحية، وتُهمل البنية التحتية، إذ تعجز الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه مجتمعها، ويتنامى عدم الانسجام بين مكونات المجتمع، كما عدم ثقة المواطن بالدولة.

وفي الوقت الذي تُصرف موارد الدولة الناجحة لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والرخاء الاقتصادي والرفاه المجتمعي، في الدولة الفاشلة تذهب أموال الشعب إلى غير الشعب، فتستحوذ عليها أحزاب وبطاناتها ومناصروها.

وأبرز تمظهرات فشل الدولة في العراق هو أن أصبح هذا البلد العزيز والكريم مرتعاً لتدخلات دول دأبت على إشاعة الفوضى في العراق وتفتيت قيمه، وتهديم مرتكزاته ونهب ثرواته، يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): (إنّ العراق عصب التشيّع لا غيره، بلا شكّ. ومع شديد الأسف إنّ دول الجوار ودول أُخر تتكالب على أرض العراق، وتتنازع وتتعارك على أرض العراق).

إزاء هذا الواقع العراقي ينبغي للأربعينيين من شعب العراق، أن تكون استراتيجيتهم هي بناء حراك مجتمعي لانتخاب مجلس نواب يحرص على مصالح الناس ويحمي حقوقهم، وصولاً لتنصيب حكومات محلية واتحادية يمتلك مسؤولوها مؤهلات علمية رصينة، وخبرات إدارية عالية، وصفات أخلاقية كريمة، للانطلاق في بناء دولة صالحة، يرفل فيها الشعب العراقي الكريم، بأمان وسلام ورخاء وتقدّم ومَنَعَة وقوة ورفاه، لينعكس كل ذلك، راحة وخيراً ورفاهً على زوّار سيد الشهداء (عليه السلام).

يتبع...

---------------------------------------

مانشيت

السبيل الوحيد لموفقيّة الشيعة، في كل مكان من العالم، هو وحدة كلمتهم واتّحادهم، ووقوفهم في صف واحد لمواجهة المظالم والمشاكل. المرجع الشيرازي (دام ظله)

 

مانشيت ثابت

ادعم زيارة الأربعين: راسلنا عن مشكلة واجهتك في الزيارة السابقة أو قدم مقترحاً فيه نفع للزائرين وراحة، خدمة جارية لسيد الشهداء (عليه السلام)، وهي خدمة من خير العمل.