لزيارات الأربعين القادمة .. ماذا يمكن أن نعمل؟

(19)

 

بحسب تعريفات متعدّدة، فإنّ الثقافة تشمل القيم والمفاهيم واللغة والأعراف، وأنها ذلك الكل المركب والمتراكم من المعتقدات والمعارف والعادات والتقاليد والأخلاق والقوانين والنظم والسلوكيات العامة والآداب والفنون، وكل ما صنعته يد الانسان وما أنتجه فكره، وبالتالي فإن أي سلوكٍ أو رأيٍ أو موقفٍ أو قولٍ أو عملٍ يتبناه الفرد أو تعتقد به جماعة أو مجتمع، فلابد أن يكون له أسٌ ثقافيّ، ومن هنا نفهم قول المجدد الشيرازي الراحل(قده): (الثقافة هي التي تقود حياة الإنسان).

الله تبارك تعالى الذي كرّم الإنسان قد خيّره بين طريق الخير والشر، وبين الخلود في الجنة أو النار، ولابد للإنسان أن يكون حراً ليقود نفسه إلى حيثما اختار، ولكي يكون الإنسان حراً ومسؤولاً عن خياراته ومدركاً لقراراته، فلابد له من أن يمتلك ثقافة رصينة تحصنه من العبودية وتقوده في حياته الدنيا، وليفهم ما يجري حوله، وما يُراد منه وما يُراد به. يقول المجدد الشيرازي الراحل(قده): (من اللازم على الإنسان، أن يفهم العالم، فهماً دقيقاً، فإنه بدون الفهم، يكون التأخر، سواء في مستوى الفرد أو في مستوى الجماعة، والفهم ميزان العمل، فكما أن التاجر إذا لم يفهم السوق، يخسر في تجارته والسياسي اذا لم يفهم السياسة يفشل، والطالب إذا لم يفهم الدرس يتأخر، كذلك المسلم إذا لم يفهم العالم حوله، يخلي مكانه لمن يفهم، وفي الحديث (العالم بزمان لا تهجم عليه اللوابس). ويقول المرجع الشيرازي(دام ظله): (بقدر ما يحمل الفرد من ثقافة وعلم، في كلا المجالين، فإنه لا يخسر ولا يُغلب).

 

نقل الثقافة

للثقافة كما العلم لابد مَنْ يبحث فيها ويستخرج معارفها ثم ينتجها بما ينسجم مع ظرفه وزمنه، ليوصلها _كما ينبغي_ للمجتمع، من أجل إنجاز التغيير نحو الأفضل. وإنّ مُنتج الثقافة وصانعها وموصلها هو العالم أو المفكّر أو المثقف، وبالتالي فإن للعالم أو المفكّر أو المثقف الدور المحوري في بناء الإنسان الصالح والمجتمع الصالح من خلال إنتاج تديّن سليم وثقافة صالحة وتفعيل وجودها في أذهان الناس وسلوكياتهم. يقول المجدد الشيرازي الراحل(قده): (إن المفكّرين والبُناة هم الذين يتقدمون بالشعوب والبلاد إلى الأمام، فإن المفكر الواحد إذا كان يبني ألفاً، كان من قدرة مفكّرين اثنين بناء خمسة آلاف، أو ما أشبه، ومرادنا بالمفكّرين فهم الذين يساهمون في التخطيط، ومرادنا بالبنّائين فهم الذين يبنون الحياة، كالطبيب والمهندس وعالم الفلك وغيرهم).

وفي الوقت أن العالم أو المفكّر أو المثقف هو الوسيط الفاعل والمؤثر في الثقافة، فإن هناك مَنْ يعمل على تعطيل دورهم في بناء تديّنٍ سليم أو ثقافة صالحة، وهناك مَنْ يعمل على إقصاء علماء الدين أو المثقفين عن أداء دورهم في عملية التغيير والإصلاح.

وهناك مَنْ يستخدم مثقفين ليكونوا أداة في نشر الفوضى عبر تضليل الناس، ودفعهم إلى أفق التيه وسوقهم إلى الغوغائية، وذلك لتمرير مخططات الأعداء ومآربهم الشريرة، وهو ما بدا واضحاً في _على سبيل المثال_ قيام مثقفين يزعمون أنهم علمانيون أو ليبراليون أو مدنيون أو علماء دين في تبرير ظهور التنظيمات التكفيرية بذرائع شتّى، فكانوا يُسمّون داعش بـ"الثوار" أو "المهمّشين"، وهذا النوع من المثقفين أو الإعلاميين أو رجال الدين وما يحملوه من "ثقافة ضحلة" يشكلون تحدياً ثقافياً، من ضمن التحديات المستعرة التي تواجه عموم المجتمعات البشرية، وعلى وجه الخصوص، المجتمعات المسلمة.

 

الثقافة قبل غيرها

إن الزيارة الأربعينية _وقد أصبحت الحدث الإيماني الأضخم في العالم_ موسم ثقافي مليوني، ويحتاج إنجاز هذه الزيارة المباركة _بشكل أفضل_ إلى تفعيل دور الثقافة والمثقفين، فإنّ عصرنا هذا هو عصر الكلمة والمعلومة، وعصر التحديات الثقافية، والحاجة فيه ماسّة لتغيير وتنمية الإنسان ثقافياً، قبل أي شيءٍ آخر، ليعرف مسؤوليته ثم ليقوم بدوره، فالعراق _بلد الأربعين_ مأزوم في معظم مفاصل الخدمات والحياة والدولة، والعديد من دول المسلمين تضجّ من آلام الحروب والصراعات، وأخرى تئنّ من معاناة الحرمان والأزمات، وفي أكثر من جانب من الأرض، بسبب الوهّابيّة والأعمال الإرهابيّة، قد شُوِّهَتْ صورة الإسلام وهو الدين الخاتم، كما شُوِّهَتْ صورة نبيّ الإسلام الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وإنّ التعامل المسؤول مع تلك المسؤوليات والتحدّيات، يحتاج _قبل أي شيء آخر_ إلى نهضة ثقافية يقودها علماء ومثقفون وخبراء وكوادر متخصصة، عبر إعلام كفوء، وبدعم من رجال سياسة، ورجال مسؤولية، ورجال مال.

وللحديث صلة في سلسلة مقالات تتناول الجانب الثقافي في الزيارة الأربعينية.  

يتبع...

-------------------------------

إضاءة

العمل الثقافي من أهم الأعمال في المجتمع، فهو يمثل البناء التحتي لغيره من الأعمال

المرجع الشيرازي(دام ظله)

إضاءة

ادعم زيارة الأربعين: راسلنا عن مشكلة واجهتك في الزيارة السابقة أو قدم مقترحاً فيه نفع للزائرين وراحة، خدمة جارية لسيد الشهداء (عليه السلام)، وهي خدمة من خير العمل.