لزيارات الأربعين القادمة .. ماذا يمكن أن نعمل؟

(16)

 

سوى الذين في داعش، والذين كانوا يدعموه ويمولوه ويفتون له، فإن الجميع قد أدان داعش بأشد عبارات الشجب والتنديد، كما حذّروا من خطر قوى التكفير والإرهاب التي كادت تطوق العاصمة بغداد، حتى استعد أهلها للدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، كما تهيأ أهل سامراء للدفاع عن مراقدها التي لم تُشفى بعد من جراحات التفجيريين الآثمين في 2006/2007، وبعد أن أصبح ذباحو داعش على مقربة من كربلاء، وتوعدوا بدخولها واحتلال النجف، وبعد أن وقع أكثر من ثلث مساحة العراق تحت سطوة عصابات متوحشة، وتسللت إلى ثلثي العراق الآخرين عبر حواضن وخلايا نائمة، وبعد أن قام "مجاهدو دولة الخلافة" أو "ثوار العشائر" بسبي أكثر من ثلاثة آلاف فتاة إيزيدية.

حينها، كانت حكومة العراق عاجزة، وبرلمانه لازم الصمت، والمجتمع الدولي لم يبال. وفي تلك الأيام كما اليوم، كان سياسيو العراق منشغلين بالصراع على مغانم السلطة والاستحواذ على مناصب التسلط.

إزاء ذلك الهول والانكسار، هبّ حشد أغّر، ومعه الجيش والشرطة، فقاتل العدو حتى ذلّ وانكسر، والعالم مذهول كيف لشباب ينقضون على عدو حاقد وبغي أشر، فينازلوه بفروسية وشرف، ولا يتركوه حتى يُقتَل أو يُهزَم ويندحر. 

وللتاريخ المجيد، إن الذين قاتلوا داعش قتال الفرسان، هم شباب شيعة وشيوخهم، وحتى نسائهم من خلفهم، ومنهن كنَّ معهم لإعداد الطعام بنفس القدور وأدوات الطبخ التي تمتلأ بأطيب الطعام ليٌوزع على (المشايه) على طول 1600 كم تمتد على مساحات العراق.

الذين قاتلوا داعش قتال الأبطال، هم من الذين دأبوا على حضور المجالس الحسينية، وزيارة العتبات المقدسة، والمشي في زيارة الأربعين، وكانوا يحيون ليلة النصف من شعبان، بالصلاة والدعاء، عند الإمام سيد الشهداء (عليه السلام).

الذين قاتلوا داعش قتال الأفذاذ، هم من الذين جُبلوا على حب الحسين، وصَقلوا أنفسهم على الصبر حتى ظهور إمامهم الموعود، ولم يكن ليقاتلوا ذاك القتال الملحميّ، لو لم يكونوا قد استلهموا من بطولة عليّ الذي لا يأبه لو احتشد كل رجال الأرض أمامه وحده، واستمدوا من بطولة الحسين الذي لم يأبه بأكثر من ثلاثين ألفاً من العتاة والقتلة والذباحين، واستحضروا بطولة أبي الفضل الذي لا يرهب من موت قد زقا، ولا يخاف شراً عند ملتقى، حتى لم يُعرف عنه إلا وهو صعب في كل لقا، فكان الحشد صعباً في كل لقاء، ولم يُهزم في أي لقاء، كما قال العالَم ذلك، بعد أن شاهد ذلك.

أما موقف الرفض والشجب الذي أعلنه مثقفون وأدباء وفنانون من الذين هم تحت عناوين مختلفة، كعلمانيين وليبراليين ومدنيين، فقد كان موقفاً كريماً، لكن لم نر أحداً منهم حمل السلاح لمقاتلة داعش. فيما كان شعراء ومثقفون وفنانون حسينيون يقاتلون مع الحشد ، ومنهم من استشهد، ومن أصيب.

إن الحديث عن هوية مَنْ قاتل قوى التكفير والإرهاب، ليس تهويناً لأحد ولا توهين، ولا اتهاماً لآخر ولا إدانة، كما أنه ليس تشكيكاً في مواقف الذين أدانوا داعش ولم يقاتلوه.

كما أن وصف من قاتل داعش وتحديد هويته، ليس صك نزاهة وبراءة لكل من يحضر المجالس الحسينية، ويزور العتبات المقدسة، ويمشي إلى كربلاء في زيارة الأربعين، إنما هو وصف للواقع، وكتابة للتاريخ، ولحفظ الأمانة، ولتذكير من ينسى أو يتناسى، بأن الذين قاتلوا التكفيريين الإرهابيين وهزموهم كانوا شيعة، وقد قاتلوا من أجل المقدسات والوطن والأعراض، ولإغاثة الأخوة في الوطن، من السنة والمسيحيين والإيزيديين والكرد والتركمان، ولم يقاتلوا من أجل حزب أو جهة أو جماعة. 

في أول نهضته، قال الإمام الحسين (عليه السلام): (إني خرجت لطلب الإصلاح). وهذا جوهر قضية سيد الشهداء (عليه السلام) وحركته النهضوية، وهو ذات جوهر ظهور حفيده، الإمام المهديّ المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وحركته العالمية، بالتالي فإن السعي لبناء دولة عدل وحرية ورفاه، مسؤولية تقع على عاتق الجميع. وكما ينبغي على المجتمع المؤمن أن يغتني إيمانياً وأخلاقياً وحضارياً، فإن عليه أن يسعى من أجل أن يرتقي مادياً، ليصبح ذاتاً فاعلة في النمو الإيماني والأخلاقي والحضاري، وليسهم في بناء حياة كريمة.

لذا، ينبغي للأربعينيين من شعب العراق، وهم على مشارف الانتخابات النيابية، السعي لانتخاب مجلس نواب يحفظ الحريات ويصون الحقوق ويحارب الفساد، وصولاً لتنصيب حكومات محلية واتحادية يمتلك مسؤولوها مؤهلات علمية رصينة، وخبرات إدارية عالية، وصفات أخلاقية كريمة، للانطلاق في بناء دولة صالحة، وهو عمل واحد يثمر عن منافع كثيرة، تنعكس على العراقيين جميعاً، وبالتالي على زيارة الأربعين وزوّارها.

يتبع...

----------------------------------

إضاءة

عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: إذا كان النصف من شعبان، نادى مناد من الأفق الأعلى: ألا زائري قبر الحسين، ارجعوا مغفوراً لكم، وثوابكم على ربكم، ومحمد نبيكم.

إضاءة

ادعم زيارة الأربعين: راسلنا عن مشكلة واجهتك في الزيارة السابقة أو قدم مقترحاً فيه نفع للزائرين وراحة، خدمة جارية لسيد الشهداء (عليه السلام)، وهي خدمة من خير العمل.