الإسلام .. دين الحريات

 

إضاءات من محاضرة
لسماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

 

*  الطاغوت من الطغيان، وطغيان كل شيء زيادته وتجاوزه عن الحد. قال تبارك وتعالى: (إِنّا لَمّا طَغَى المآءُ حَمَلْنَاكُمْ في الْجَارِيَة)(الحاقة/11). ويستعمل الطغيان في الفكر أيضاً، ويراد به عادة المناهج المنحرفة عن سبيل الله، ويسمى مَن كان في قمة الفكر المنحرف طاغوتاً، يقول تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوت)(البقرة/256). أي بالإفراط الفكري (وَيْؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)(البقرة/256). أي الشديدة الإحكام، ثم وصفها بأنها: (لا انفِصَامَ لَهَا)(البقرة/256). أي ليست ضعيفة فتنقطع، بل لا انقطاع لها أبداً، لأنها عروة حقيقية وصادقة، وليست بكاذبة ومزيفة، فإنه لا انقطاع وانفصام في الحق والصدق، خلافاً للكذب، فحبله _كما قيل_ قصير، سرعان ما يقطع بصاحبه. فلو أنك أردت شراء دار، وسألت صاحبها عنها، فأخبرك أنها صالحة، وليس فيها عيوب أو مشاكل، وكان صادقاً في إخباره، فإنك ستستمر في سكنى هذه الدار دون أن تعترض عليه أو ينقطع تصديقك له، أما إذا كان كاذباً، فإنك قد تصدقه حين الشراء، ولكن هذه الحالة ستزول عندما تكتشف أن الأمر لم يكن كذلك، أي سيحدث انفصام وانقطاع في كلامه. أما دين الله تعالى فلا انفصام فيه، فعندما يخبر الله الإنسان ويعده أنه سيسعده إذا ما اتّبع سبيله، فإن المسلم الحقيقي لاشك في أنه سينعم بالسعادة ما حيي.

 

*  الإسلام دين الحريات مبدأً وشعاراً، وواقعاً وعملاً، وهذا موضوع طويل يتطلب من الباحث أن يطالع الفقه الإسلامي بتعمق - من أوله إلى آخره - لكي يعرف كيف أن الإسلام التزم بمبدأ (لا إكراه في الدين)(البقرة/256). في مختلف مجالات الحياة. لقد شن أهل مكة حرباً ظالمة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قليلة النظير في التاريخ، وبالرغم من أنه (صلى الله عليه وآله) عُرف بينهم بالصدق والأمانة، حتى لقّبوه بـ(الصادق الأمين)، لكنهم مع ذلك حاربوه ـ إلا قليلاً منهم ـ عسكرياً واجتماعياً واقتصادياً ونفسياً، وبلغ بهم الأمر الى أنهم كانوا لا يردون تحيته إذا حيّاهم، فكان الشخص منهم _وهو مشرك_ يخشى إذا رد تحية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أن يراه الرائي من المشركين، فلا يتبايعون معه بعد ذلك، ولا يزوجونه ولا يتزوجون منه. وطردوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومَنْ معه إلى أطراف مكة وحاصروهم في (شِعْب أبي طالب)، فكان لا يحق لهم دخول مكة، وإذا دخلها أحدهم فدمه هدر، واستمرت الحالة هذه مدة ثلاث سنين. وبعدما هاجر الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، شنّ المكّيون عليه عشرات الحروب أو دفعوا الكفار إليها، ودامت الحالة عشرين سنة، يحارب أهل مكة النبي (صلى الله عليه وآله) بمختلف أساليب الحروب، حتى أذن الله له بالفتح. وجاء (صلى الله عليه وآله) مكة فاتحاً، وأصبحت مكة في قبضته وتحت سلطته. ورغم كل ما فعله المشركون من أهل مكة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أن التاريخ لم يحدثنا أنه (صلى الله عليه وآله) أجبر حتى شخصاً واحداً على الإسلام، ولو أنه (صلى الله عليه وآله) أراد أن يجبر أهل مكة على الإسلام لأسلموا كلهم تحت وطأة السيف، لكنه (صلى الله عليه وآله) لم يفعل ذلك ولم يجبر أحداً، أما دعوى إسلام أبي سفيان، فكان بتحريض من العباس بن عبد المطلب (عم النبي) وتخويف منه، وليس من النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه، فالعباس هو الذي طلب من أبي سفيان، أن يُسلم حفاظاً على دمه، ولئلا يقتله النبي (صلى الله عليه وآله)، وكلام العباس ليس حجة ولا تشريعاً، بل كان من عند نفسه، ولو أن أبا سفيان لم يسلم لما أجبره رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الإسلام، فكثيرون من أمثال أبي سفيان كانوا موجودين في مكة، ولم يقتل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أحداً منهم بسبب عدم إسلامه، ولا أجبره على الإسلام، بل تركهم على دينهم مع أنه باطل وخرافي، لكيلا يسلبهم حرية الفكر والدين. حقاً هل رأيتم مثيلاً لسلوك نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) في التاريخ؟! نعم كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) يدعو بني قومه، وينصحهم، ويوضح لهم طريق الرشد، ويميّزه عن طريق الغي، ثم يترك الاختيار لهم (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُر)(الكهف/29)، (قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)(البقرة/256). وهذا هو أسلوب الإسلام، لا ضغط ولا إكراه فيه. وهكذا الحال في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع اليهود والنصارى، فلقد رد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) عشرات الحروب والاعتداءات التي شنّها أهل الكتاب دون أن يجبر أحداً منهم على الإسلام.

 

*  ذكر المؤرخون (سنة وشيعة) أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعدما بويع، ارتقى المنبر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان المسجد مكتظّاً بالناس الذين حضروا لاستماع أول خطبة لابن عم رسول الله ووصيه وخليفته الذي أُبعد عن قيادة المسلمين خمساً وعشرين سنة، بعد أن آل إليه الحكم الظاهري، ثم أمر جماعة من أصحابه أن يتخللوا الصفوف وينظروا هل هناك مَن لا يرضى بخلافته، فقال الناس بأجمعهم: "يا أمير المؤمنين سمعاً لك وطاعة، أنت إمامنا". وحتى طلحة والزبير لم يخالفا في هذا المجلس، بل نكثا بعد ذلك، فلم يعترض أي أحد في هذا المجلس، ولو اعترض لما عاقبه الإمام بالقتل ولا السجن ولا الضرب، ولا قال له شيئاً يهينه أو ينال منه! فهل رأيتم أو سمعتم مثل هذا في عصر الديمقراطيات الحديثة؟! الديمقراطية تعني حكم الأكثرية، فلو حصل شخص ما على واحد وخمسين في المائة من الأصوات، فهذا يخوله لأن يصبح رئيساً للبلاد _وهذا من أكبر أخطاء الديمقراطية، وبحثه موكول إلى محلّه_ أمّا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد بايعته الأكثرية المطلقة من الناس، ومع ذلك يصعد المنبر ليبحث إن كان هناك معارض له، وما هو سبب معارضته! فهل تجدون لهذا نظيراً في التاريخ؟!.

 

*  حر أنت ما لم تضر. يقول لك الإسلام: اعمل ما تشاء، فلك حرية العمل شريطة ألا تضرّ غيرك، فإنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، والإسلام يضرب بشدة على يد الظالم ومَن يريد إلحاق الضرر بالآخرين، فإذا ضمنت ذلك فأنت حر في كل أمورك، أي عمل تعمل، وفي أي مكان تعمل، وما هو نوع العمل. وأنت حر في ذهابك ومجيئك وسفرك وصداقاتك، فلا ضغط ولا جبر ولا إكراه ولا كبت للحرية في الإسلام، ولكن ثمة توجيهات وإرشادات تبين لك السلوك الأحسن، تقول: هذا صحيح، وهذا مستحب، وهذا مفضل، وهذا مكروه. فلنقرأ عن الإسلام، ولنقرأ عن غيره أيضاً، ثم نقارن بينهما. ففي القرون الوسطى كان العالِم يُقتل لمجرّد إبداء رأيه في قضية، وإنْ كانت علمية محضة لا علاقة لها بالدين وتشريعاته! فقتلوا القائل بكروية الأرض. هكذا كانت حالة أوروبا في القرون الوسطى أي بعد مرور أربعمائة سنة على الإسلام، فهل يصح مقارنتها مع عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)؟! كلا بالطبع، ومن هنا قيل: "مَن فضّل علياً على معاوية فقد كفر". لأن معاوية لا فضل عنده ليكون علي (عليه السلام) أفضل منه، بل لا يقاس بآل محمد (عليهم السلام) من هذه الأمة _ولا من غيرها_ أحد، فلقد كانوا (عليهم السلام) يمثلون القرآن.

 

*  لا يقول لك الإسلام: أين تسكن؟ وأين تذهب؟ وكيف تذهب؟ ومتى تذهب؟ بل يقول لك: إنّ الله خلقك وهو الذي أعطاك الفكر والعقل، فلا تكن عبد غيرك، ولا يجب أن تخبر الدولة عن خروجك ودخولك، وإقامتك ورحيلك، لكن الإسلام يضع لك التوجيهات، ويقول لك: إن التزمت بها تفلح وإلا تخسر! وإن الإسلام يهدي ويرسم الطريق، وبعده لا إكراه في الدين، أي كل أنواع الإكراه يرفضها الدين، والحريات الموجودة في الإسلام لا نظير لها في التاريخ. وكانت تلك نماذج، وهناك مئات بل آلاف النماذج في سيرة النبي الأكرم وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام).

---------------------------------

إضاءة

تطبيق الإسلام بصورة ناقصة يعطي صورة مشوّهة عن الإسلام، وهذا هو حال بعض الدول الإسلامية اليوم المتبجّحة بتطبيق الإسلام

إضاءة

وُلد الإمام محمد الجواد (عليه السلام) بالمدينة المنورة، وقد أشخصه الطاغية المعتصم إلى بغداد، سنة 220هـ، وبقي فيها حتى مضى إلى ربه مسموماً شهيداً، ودفن مع جده الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).

رُوي أنّ الإمام الجواد (عليه السلام) صعد المنبر في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، بعد رحيل والده (عليه السلام)، فقال: (أنا محمد بن عليّ الرضا، أنا الجواد، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب، أنا أعلم بسرائركم وظواهركم وما أنتم صائرون إليه، علمٌ منحنا به من قبل خلق الخلق أجمعين وبعد فناء السماوات والأرضين، ولولا تظاهر أهل الباطل ودولة أهل الضلال ووثوب أهل الشك لقلت قولا تعجب منه الأولون والآخرون).

من مواعظه (عليه السلام): (حَسْبُ الْمَرْءِ مِنْ كَمَالِ الْمُرُوءَة أَنْ لا يُلْقِي أَحَداً بِمَا يَكْرَهُ، وَمِنْ عَقْلِهِ حُسْنُ رِفْقِه‏، وَمِنْ حُسْنِ خُلُقِهِ كَفُّهُ أَذَاهُ، وَمِنْ سَخَائِهِ بِرُّهُ بِمَنْ يَجِبُ حَقُّهُ عَلَيْه‏، وَمِنْ كَرَمِهِ إِيثَارُهُ عَلَى نَفْسِه‏). وقال (عليه السلام): (الْجَمَالُ فِي اللِّسَانِ وَالْكَمَالُ فِي الْعَقْل).

وقال (عليه السلام): (إِنَّ لله عِباداً يَخُصُّهُمْ بدوامِ النِّعَمِ، فَلَا تَزالُ فيهِم ما بَذَلوا لَها، فَإذا مَنَعوها نَزَعَها عَنْهُم وَحَوَّلَها إِلى غَيْرِهِم). وقال (عليه السلام): (ما عَظُمَتْ نِعَمُ اللهِ عَلى أَحَدٍ، إلَّا عَظُمَتْ إِلَيْهِ حَوائِجُ النَّاسِ، فَمَن لَمْ يَحْتَمِلْ تِلْكَ المّؤونَةَ، عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ لِلزَّوالِ).