عاشوراء.. أولى المهام

 

إضاءات من محاضرة
لسماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

 

*  مرة أخرى يطل علينا شهر المحرّم الحرام وذكرى عاشوراء، حيث تُحيا هذه المناسبة منذ استشهاد سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) إلى يومنا هذا ألفاً وعدة مئات من المرّات، وفي كل مرّة ينهل فيها محبّو الإمام قيماً ومفاهيم جديدة من مدرسة عاشوراء الخالدة، وهو ما أبقى على قبس هذه الملحمة العظيمة مضيئاً يخطف الأبصار عبر العصور، وجعل الأغيار يطأطؤون رؤوسهم إجلالاً لعظمة صاحب الذكرى، والمؤمنون يتزوّدون من هذه المدرسة الغنية لدنياهم وأخراهم. ولا ننسى بأن ذكرى عاشوراء مرّت بمسيرة طويلة من التحوّلات، وأن التضحيات التي قدّمها الأسلاف والوالهون بسيّد الشهداء (عليه السلام) هي التي أوصلت إلينا هذه المدرسة العاشورائية المناهضة للظلم العريقة بأهدافها المقدسة.

 

*  لا يمكننا أن ندّعي انتماءنا لهذه المدرسة ما لم نرخص الغالي والنفيس في سبيل تحقيق أهدافها العالية، ونسلّم هذه الأمانة الحسينية إلى الأجيال اللاحقة مصونة لا تشوبها شائبة، فاعلة ومحفوظة من أي زيغ أو حرف. هذا طبعاً إذا خلصت النوايا، وذابت المصالح الشخصية، ليحلّ محلّها طلب تحقيق مرضاة الله (عز وجلّ). وأولى مهام محبي أهل البيت (عليهم السلام) إعلاء شأن عاشوراء وثقافة عاشوراء، وبرامج عاشوراء، ومجالس عاشوراء، ومواكب عاشوراء، وإحياء كل ما يتعلّق بها ويخلِّد ذكراها. ولا يخفى أنّها مسألة محفوفة بالمشاقّ والصعاب، لكنّها مشاقّ عاقبتها الثواب الجزيل والأجر الجميل. فالذين قدّموا في هذا الطريق الخدمات الجليلة للإمام الحسين (عليه السلام)، وتحمّلوا في سبيله العناء والعذاب، سيسَجَّل لهم ذلك بأحرف من نور في سفر التاريخ، وفي المقابل ستكتب أسماء الذين وجّهوا أدنى إهانة لمواكب العزاء والمآتم الحسينية بأحرف من نار وهوان.

 

*  ليس البائس من يبيت ليلته وهو جائع، أو من يقبع في غياهب الزنزانات ويذوق أشدّ أنواع التعذيب، لأن ذلك كلّه إلى أجل معلوم، ثم بعدها يشبع الجائع ويتحرّر السجين، إنّما البائس هو من حكم الله تعالى عليه بالعدل وحاسبه على سيّئاته، يوم تُعرَض صحيفة أعمال الخلائق على الله تعالى، فلا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة. عندها يفوز الذين ثقلت موازينهم، ومنهم أولئك الذين تفانوا في خدمة مجالس الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان محفّزهم في كلّ ما بذلوا من جهد وتضحية هو خدمة الإمام (عليه السلام).

إن لمواكب العزاء الحسينية منزلة رفيعة ومقاماً سامياً جعلت جهابذة العلماء وكبار الوجهاء يفخرون بالمشاركة فيها أيّما افتخار. على سبيل المثال، تقام سنوياً في مدينة كربلاء المقدسة، وفي يوم عاشوراء بالتحديد مراسيم عزاء تعرف بـ(عزاء طويريج)، وكان السيد بحر العلوم مواظباً على المشاركة فيها، وكان يقول بأنه قد شاهد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بين صفوف المعزّين. وكان العمل بهذه المراسيم مستمرّاً في كربلاء حتى خروجنا منها "قبل ما يقارب 40 سنة"، حيث كان يشارك فيها الآلاف، مهرولين حفاة وضاربين بأيديهم على رؤوسهم ووجوههم. ولقد رأيت مرات عديدة مراجع كبار وهم يؤدّون هذه المراسيم مع الجموع المهرولة، كما كان يشارك فيها بعض الوزراء والوكلاء والأعيان. هؤلاء لم يكونوا يفعلون ذلك حتى في مجالس عزاء آبائهم، ولم يكونوا ليجزعوا هذا الجزع حتى لو فقدوا أموالهم وثرواتهم، فهنيئاً لهم ثم هنيئاً.

 

*  إن مقيمي المآتم الحسينية إنما هم في الحقيقة يعزّون رسول الله (صلى الله عليه وآله). وفي الحقيقة، لا يمكننا مطلقاً أن نتصوّر ما كابد سيد الشهداء (عليه السلام) في يوم عاشوراء، قد تراود الإنسان أحياناً بعض الخطرات، لكن مع ذلك لا يمكن مطلقاً تصوّر ما جرى في ذلك اليوم فعلاً، وليس لنا أن نختصر القضية بالقول: إنه إمام، والإمام يتمتع بالصبر ورباطة الجأش. لاشك في أن الإمام المعصوم (عليه السلام) أرقى خلق الله، وله روح عالية تعلو على جميع المخلوقات، لكن له قلباً يطفح بعاطفة تسمو على عواطف جميع البشر، إن له (عليه السلام) عاطفة أيضاً وإنْ كانت معقودة بأكمل العقول.

لقد ذرف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) الدمع همّاً وحزناً على فقد ولده إبراهيم، الذي لم يتجاوز العام ونصف العام، وكان (صلى الله عليه وآله) يجهش بالبكاء لدرجة أنه كان كتفاه يهتزان حتى قال له بعض أصحابه: (يا رسول الله، تأمرنا بالصبر وتبكي لهذه المصيبة)؟ فقال (صلى الله عليه وآله): (تدمع العين، ويحزن القَلْب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون). فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) يبكي كلّ هذا البكاء لفراق ولده ذي الثمانية عشر شهراً، في حين فقد الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء أعز الناس وأقربهم إليه كأبي الفضل العباس وعلي الأكبر والقاسم (عليهم السلام). ولو كان هؤلاء أفراداً عاديين لهان الأمر، ولكن معظمهم كان قد ترعرع في حجر الإمامة الطاهر، وكانوا بعد الإمام المعصوم (عليه السلام) قدوات في الوفاء والنخوة والأصالة، ولا مثيل لهم على وجه الأرض مطلقاً، وإننا لنعجز عن أداء حقّهم في وصف مكانتهم. في أقل من نصف يوم تجرّع الإمام الحسين (عليه السلام) كل هذه المصائب وتحمّل ما لا يطيقه بشر، وكل ذلك كان بعين الله التي لا تنام، ولكن ستحل الساعة التي يُقرّر الله سبحانه بحكمته العالية انتهاء أمر الصبر، وتصل النوبة للعدل الإلهي الذي يُعدّ الانتقام من الظالمين أحد فروعه.

 

*  جلّ ما نملك من مُثُل وقيم هو من بركات تضحيات سيد الشهداء (عليه السلام)، فعاشوراء هي التي غرست في أعماقنا مبادئ الإنسانية والعبودية لله (عز وجل) والإيثار وخدمة الآخرين والعطف على المستخدمين والدفاع عن المظلومين، ولأجل هذا كلّه يجب أن نبقي على جذوة ملحمة عاشوراء متّقدة على الدوام، وأن نبذل مهجنا دونها، لنضمن الرفعة والشموخ لنا وللأجيال من بعدنا. إننا ننفق في حياتنا اليومية الكثير من الأموال في مختلف الشؤون، وكذلك نصرف الكثير من الجهد والوقت مع الأولاد والزوجة وفي البيت والعمل والتجارة وما إلى ذلك، ولكن لنعلم أن ما ينفق ويبذل في سبيل الإمام الحسين (عليه السلام) هو الأفضل حيث يحظى بمكانة أرفع وقيمة أكثر، ولنعلم أيضاً بأن أية خطوة نخطوها في خدمة أهل البيت (عليهم السلام)، سنثاب عليها من قبلهم بأفضل الثواب.

 

*  تعتبر قضية الإمام الحسين (عليه السلام) قضية تكوينية، بمعنى أنه من قدّم خدمة خالصة للإمام (عليه السلام)، سيُثاب عليها في الدنيا قبل الآخرة. كما أن لخدمة المواكب الحسينية ثواباً وأجراً جزيلاً، كذلك فإن التصدي لهذه المواكب ومحاربتها ستكون لهما عاقبة سيئة، ومن يضع العراقيل في طريق المواكب الحسينية عامداً أو جاهلاً، سيلقى جزاءه في دار الدنيا قبل الآخرة. على سبيل المثال، الذي يشرب السمّ ظنّاً منه أنه دواء سيموت لا محالة، وكذلك الحال مع من يحارب الإمام الحسين (عليه السلام). بالطبع أن الثواب الحقيقي للأعمال هو في يوم الحساب، لكن المسيء للإمام الحسين (عليه السلام) سيدفع ثمن ذلك في الدنيا أيضاً قبل وصوله الدار الآخرة. مسألة أخرى يجب الالتفات إليها، ألا وهي السعادة والنعمة التي يهبهما الله تبارك وتعالى لعباده مقابل تقديم الخدمة في المواكب الحسينية.

لذا علينا أن نغتنم هذه النعم كبقية النعم الإلهية الأخرى، قبل أن نندم على التفريط بها، ولات ساعة مندم، ولا مجال حين ذاك للعودة إلى الدنيا للتعويض عما فات. كما علينا أن نعلم بأننا إذا كنّا قد وُفّقنا لإحياء مجالس العزاء الحسينية، فالفضل في ذلك كلّه يعود لآبائنا وأجدادنا وأسلافنا، لذلك علينا أن نتذكّرهم دائماً، وأن نعلم بأننا نحن أيضاً سنترك تأثيراً على أجيالنا، وذلك بحسب هممنا وعزائمنا في خدمة سيد الشهداء (عليه السلام).

-----------------------------

إضاءة

من دروس كربلاء، أن نستعمل ألسنتنا ومواقفنا في فعل الخير دائماً، ومع الجميع دون استثناء. ومما تعلمناه من سيد الشهداء (عليه السلام)، أنه إذا كان باستطاعتنا التفريح عن كربة مكروب، فلا نتردد في ذلك.

 

إضاءة

فاجعة .. وعِبرة

في صباح الأربعاء 22 شباط 2006 المصادف لـ 23/ المحرّم الحرام/1427هـ، قامت عصابة تكفيرية بتفجير المرقد الطاهر للإمامين العسكريين (عليهما السلام) في مدينة سامراء المشرّفة، وبعد عام واحد عادوا بتفجير مئذنتين في المرقد المطهر.

وهذه الجريمة وأمثالها تجسيد لثقافة الظلم والكراهية والتوحش التي اتّصف بها أعداء أهل البيت(ع)، على مدى قرون، وهي ثقافة دموية مازالت تعبث بحياة الإنسان وأمن الأوطان.

واليوم إذ يواصل الحسينيون الغيارى الأفذاذ إنجاز انتصارات عظيمة على قطعان التكفيريين، لتحرير العراق الأبيّ، بلد أهل البيت (عليهم السلام)، ينبغي قراءة ما جرى، ولماذا وكيف جرى؟ فقد كان العدوان آثماً وبشعاً، كما كان ثمن الانتصار باهضاً وموجعاً، كما ينبغي تعاون الجميع لبناء دول عدل وسلام ورفاه، بعد فشل طويل ومرير، بسببه أُريقَت دماء، وهُشمَت قيم، وضُيعَت أخلاق، ودُمرَت أوطان.