المرأة وبناء المجتمع الصالح

 

إضاءات من محاضرة
لسماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

 

*  أنتن أيتها اﻷخوات عندكن قدوات حسنة عديدة، وأفضلهن وأعلاهن مقاماً مولاتنا فاطمة الزهراء وسيدتنا زينب الكبرى (عليها السلام). هاتان الامرأتان العظيمتان في تاريخ اﻹسلام، وإنْ عاشتا كعيشة باقي النساء، لكنهما خير أسوة للنساء كافة، في جميع الجوانب واﻷبعاد. فمولاتنا الزهراء (عليها السلام) خاضت مراحل الحياة وعاشت فتاة وشابة وأُماً وزوجة ومربية، وكانت أيضاً أماً ﻷبيها. فاقرأن سيرتها لتعرفن كيف كان تعاملها (عليها السلام) مع أمها مولاتنا خديجة الكبرى (عليها السلام)، ومع أبيها مولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومع زوجها مولانا اﻹمام أمير المؤمنين (عليه السلام). كما أنها كانت أُماً للإمامين الحسن والحسين والسيدة زينب الكبرى والسيدة أم كلثوم (عليهم السلام)، فكيف كانت تعامل أبناءها؟ كل ذلك دروس من السيرة العطرة لسيدة نساء العالمين (عليها السلام)، ويتعيّن على كل امرأة أن تتخذها نماذج تطبّقها بحذافيرها على حياتها، وطريقتها في العيش والتعامل مع ميادين الحياة. فالمرأة التي لها أب وأم وزوج وأخ وأقارب وأرحام، عليها أن تتعلّم من مولاتنا فاطمة الزهراء ومولاتنا زينب (عليها السلام) كيف تتعامل معهم. وهذا العمل هو أفضل سبيل لنيل القرب من مولانا اﻹمام بقية الله (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وهذا ينطبق أيضاً على الرجل وليس على المرأة فحسب، فالرجل والمرأة، وإن كانت الأحكام الشرعية الخاصة بهما تختلف في بعض الموارد، ولكن في مقام نيل القرب من اﻹمام لا فرق بينهما. إلا أنه بمقتضى بعض الروايات وعمل المعصومين، فإن الله تعالى قد سهّل في اﻷحكام على النساء أكثر من الرجال، وهذا يعني أن آلية نيل مقام القرب من اﻹمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) للنساء أسهل من الرجال، فإذا كانت النسبة المطلوبة من عمل الرجل التي تمكنه أن ينال القرب من اﻹمام هي ستون بالمائة مثلاً، فإن نسبة المرأة هي أقل من الستين.

 

* جاء في الحديث الشريف عن اﻹمام الصادق (عليه السلام): (أكثر أهل الجنة من المستضعفين النساء). وقد يقول قائل: إن عدد النساء في الدنيا أكثر من عدد الرجال، فمن الطبيعي أن يكون أكثر أهل الجنة من النساء. ولكن اﻹمام الصادق (عليه السلام) ولدفع مثل ذلك الاحتمال يقول في تكملته لحديثه الشريف: (علم الله ضعفهن فرحمهن). بناء على ذلك، فإن سبب كون أكثر أهل الجنة من النساء، هو أن الله تعالى يعلم بأن المرأة أضعف من الرجل في أبعاد مختلفة، ولذلك فهو تعالى يرحم النساء أكثر من الرجال، ويدخلهن الجنة قبل الرجال. ولذا فالنساء ينلن مقام القرب من اﻹمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أسرع من الرجال. وقد جاء في الكثير من الروايات الشريفة أن مولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) واﻹمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كانا في آخر لحظة من عمرهما الشريف يوصيان بالمرأة كثيراً، فقد قال اﻹمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لما حضرته الوفاة في وصيته إلى اﻹمام الحسن (عليه السلام): (الله الله في النساء وما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلّم به نبيكم أن قال اُوصيكم بالضعيفين من النساء..). وهذا يدل على أن مراعاة حقوق المرأة لها مكانة وأهمية خاصة عند أهل البيت (عليهم السلام).

 

* لقد عاش مولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكة المكرّمة بعد بعثته ثلاث عشرة سنة، لاقى فيها من المشركين أنواع الأذى والتهم، فضربوه بالحجارة، وآذوا أرحامه وأقاربه وأتباعه، وبعد أن هاجر إلى المدينة حاربوه خلال ثماني سنوات أكثر من ثمانين مرة، واستمروا في أذاهم له (صلى الله عليه وآله)، وقتلوا العديد من أصحابه، لكنه (صلى الله عليه وآله) عندما فتح مكة عفا عنهم جميعاً. فقد ذكرت كتب الحديث المعتبرة وكتب التاريخ أن من الذين آذوا النبي (صلى الله عليه وآله) وآله كثيراً هو ابن أُبَيّ الذي كان يبث الدعايات والتهم والأباطيل والكذب ضد النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان دور ابن أُبَيّ حينها كدور مؤسسة إعلامية في زمننا الحاضر، واستفاد في ذلك من فصاحته وبلاغته، فألصق التهم بالنبي (صلى الله عليه وآله) وكان يستهزئ به. وكان يؤلّب الناس على النبي، ويجنّدهم لمحاربته، وكان عاملاً أساسياً في أكثر المشاكل التي واجهها الرسول (صلى الله عليه وآله)، حتى أن النبي قال بحقّه: (إنه من ألد أعدائي). لقد كان اللين في التعامل مع الآخرين من أبرز الخصائص اﻷخلاقية للنبي (صلى الله عليه وآله)، فلم يكن تعامل النبي (صلى الله عليه وآله) شديداً دوماً مع اﻷعداء والمخالفين، بل إذا أراد أحد أن يستجير أو يشفع ﻷحد من الأعداء كان (صلى الله عليه وآله) يقبل ذلك ويعفو عن عدوّه. لقد آذى ابن أُبَيّ النبي كثيراً فأباح النبي (صلى الله عليه وآله) دمه، وعندما رأى ابن أُبَيّ أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد فتح مكة، وأسقط أكبر معقل للكفار والمشركين لم يجد أمامه سوى التسليم، لذلك طلب من أم سلمة، وكانت من سادات نساء مكة ومن خيرة زوجات النبي (صلى الله عليه وآله)، أن تشفع له عند النبي (صلى الله عليه وآله). وقد طلبت أم سلمة من النبي (صلى الله عليه وآله) أن يقبل شفاعتها بالعفو عن ابن أُبَيّ. فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): (إنه من ألد الأعداء). فقالت له أم سلمة: وإنك عفوّ فاعفُ عنه. فعفا عنه (صلى الله عليه وآله). إن هذا التعامل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا نجده عند أغلب الحكام. فمعظم الحكام إذا عادوا شخصاً فإنهم لا يتنازلون عن عداوتهم له، معتبرين تنازلهم مهانة لهم بل إنهم لا يتنازلون عن أي فعل، ولا يتراجعون عن تنفيذه وإن كان حراماً، فهم يعتبرون التراجع دليلاً على الضعف.

 

* أنتن أيتها اﻷخوات إن تحلّيتن باللّين في تعاملكن مع أزواجكن وأبنائكن وأرحامكن وغيرهم ولم تتشبّثن بما اتخذتنه مسبقاً من قرار أو فعل تجاه أي أحد، فإن هذه اﻷخلاق الحسنة ستوجب لكنّ رعاية أهل البيت ومحبّتهم (عليهم السلام). والوصول إلى هذه المرتبة الراقية بحاجة إلى تصميم حقيقي وقوي. إن الحلم عن اﻵخرين هو من اﻷمور المهمة اﻷخرى التي تمكّن المتحلي بها من نيل مقام القرب من اﻹمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف). الحلم والصبر في علم اﻷخلاق لهما معنى واحد، مع فارق هو أن الصبر تحمل ما يتعرض له اﻹنسان من مشاكل خارجة عن إرادته، كالذي يتعرض لحادثة اصطدام فيتضرر بدنه أو أحد أعضائه فيتألم ويتأذى جراء ذلك، فتحمله اﻷذى واﻷلم يُعد صبراً، أما إذا لاقى الإنسان تصرفاً سيئاً أو سمع كلاماً بذيئاً من زوجته أو أبيه أو أمه أو من أولاده أو من غيرهم فتحمّله، ولم يرد عليهم بمثل ما تعاملوا معه، فصبره وتحمله هذا يسمى حلماً.

 

* اُذكّر اﻷخوات مرة أخرى أن عليهن أن يطالعن سيرة مولاتنا فاطمة الزهراء وسيدتنا زينب الكبرى (عليهما السلام) ليعرفن تعاملهما مع اﻵخرين، فمولاتنا الزهراء وسيدتنا زينب (عليهما السلام) مع أنهما قد تعلّمتا الخلق الرفيع من النبي (صلى الله عليه وآله) ومن اﻹمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، لكنهما بذلتا الجهد أيضاً في بناء نفسيهما، وتحلّيتا باﻷخلاق الحسنة والرفيعة ومنها الحلم عن اﻵخرين. إذن فأنتن أيتها اﻷخوات حاولن أن تتأسين بمولاتنا الزهراء ومولاتنا زينب الكبرى (عليها السلام) في تعاملكن مع من يسيئ إليكن، حتى وإنْ كان لديكن القدرة على الرد عليهم بالمثل، فلا تقمن بالرد بالمثل، بل تحلّين بالحلم والصبر، حتى يوجب هذا الخلق الرفيع لكُنَّ نيل القرب من اﻹمام، وتشملكن رعايته (عجل الله تعالى فرجه الشريف). ووصيتي لكن أنتن أيتها اﻷخوات هي أن تحاول كل واحدة منكن بقدر استطاعتها بأن تُسر مولاتنا الزهراء (عليها السلام)، فعليكن أن تسعين في ترسيخ العقائد الصحيحة وتقويتها، وفي حث الفتيات على الالتزام باﻷحكام واﻷخلاق الحسنة وجميع صفات الفضيلة، وحاولن تربية المزيد من اﻷخوات تربية سليمة وفق العقائد واﻷحكام واﻷخلاق اﻹسلامية التي يريدها اﻹمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف). ولا شك في أن كل من تسعى في هذا المجال ستنال محبّة اﻹمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ورعايته بمقدار ما تبذله من طاقاتها وقدراتها وعلمها، وأما التي تقصّر وتتهاون فإنها ستكون سبباً في تألّم اﻹمام وأذاه. لذا يجدر باﻷخوات أن يصممن تصميماً حقيقياً وأن يعاهدن اﻹمام على الالتزام بـ(العقائد) و(اﻷحكام) و(اﻷخلاق الحسنة اﻹسلامية)، وأن يقمن بتشجيع نظيراتهن على الالتزام بتلك اﻷمور الثلاثة. والعهد مع اﻹمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو بالقلب وليس باللسان، فالإمام يعلم بحالنا جميعاً كما جاء في توقيعه الشريف، حيث قال: "ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم". فاعلمن أن التزامكن باﻷمور الثلاثة التي مر ذكرها هو الذي يمهّد الطريق لتشرّفكن باللقاء باﻹمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف). إذن فاسعين كثيراً في تعلّم العقائد الصحيحة وبالعمل بالواجبات وترك المحرّمات والتحلّي باﻷخلاق الحسنة كما أراد اﻷئمة المعصومون (عليهم السلام)، وكنّ من السابقات في ذلك حتى تستطعن أيضاً أن تهدين نظيراتكن وتقمن بتربيتهن.

---------------------------------------

إضاءة

إن سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي من المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) الذين اصطفاهم الله (عز وجل) وطهّرهم واجتباهم، ولم يخلق لهم مثيلاً، لا من الأولين ولا من الآخرين.

 

إضاءة

في ذكرى استشهاده

على مدى سنوات صعبة ومريرة، وفي مدار عدة دول، كانت له زيارات متكررة ولقاءات مكثفة وجهود متواصلة، تتمحور حول تأسيس حوزة علمية في جوار ضريح السيدة زينب الحوراء (عليها السلام)، تحتضن طلبة العلوم الإسلامية، وتسعى لتخريج العلماء والخطباء والمبلغين.

ومما حفّزه على الإسراع في إنجاز ذلك الصرح العلمي، قيام السلطات في العراق _آنذاك_ بتسفير أعداد كبيرة من طلبة العلوم الدينية، الوافدين من مختلف بلاد العالم للدراسة الى حوزات النجف وكربلاء، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكانت مدينة السيدة زينب (عليها السلام) واسعة وكريمة وآمنة لهم وللغرباء والمُبعَدين والمقهورين والخائفين والمقهورين، كما هي في كل حين، وكان(قده) مُستقبلاً لهم ومُشرفاً على توفير مستلزمات حياتهم، وتأمين سبل مواصلتهم السعي في طلب العلم.

وكان تأسيس الحوزة العلمية الزينبية، في العام 1394هـ/ 1973م،  وهي أول حوزة علمية في الشام الجميلة والمنيعة والأبيّة.