العمل هو المهم

 

إضاءات من محاضرة
لسماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

 

*  روي عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن، قال الله سبحانه: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. ومَن لم يأسَ على الماضي، ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه". فليس الزهد أن تمتنع عن الطعام والشراب أو التملك أو النكاح، بل حقيقة الزهد أن لا تأسى ولا تحزن على ما فاتك من ثروات وقدرات مهما كان نوعها، ولا تفرح بما أوتيت. وهذه من‍زلة لا يبلغها المرء بسهولة، بل لابد له أولاً من تمرين متواصل وترويض مستمر باستحضار المعنى الذي تحمله الآية المباركة دائماً في مختلف القضايا والأحداث، حتى تصبح الحالة ملكة عنده. ولا شك في أن الآية لا تعني عدم التأثر مطلقاً، فإن الإنسان بطبعه يحزن إذا فقد أي شيء، كما يفرح إذا أوتي خيراً، سواء أكان مادياً أم معنوياً، إنما تنهى الآية عن الحالة التي تكشف عن عبودية النفس لتلك الأشياء، وتدعو الإنسان لتحرير نفسه من هذا الرق .. فكيف يستطيع الإنسان أن يغيّر نفسه بأن يجعلها لا تحزن على ما فاتها ولا تفرح بما أوتيت؟ صحيح أن التغيير صعب ولكنه ممكن. ولئن قيل في المثل الشعبي: "إن الطبع الذي في البدن لا يغيّره إلاّ الكفن" أي لا يتغيّر حتى الممات، فإن هذا إنما يصدق على الإنسان العامي، وليس على العالِم العاقل وصاحب الإرادة والوعي. هذا أولاً، وثانياً ليس المقصود تغيير جذور الطبيعة والعنصر الثابت فيها، بل المقصود درجات الشدة والضعف والآثار واللوازم التي تترتّب عليها. فنفوس الناس ميالة في الغالب للدعة والراحة، ولا رغبة لها في الأعمال التي تتطلّب جهداً مضاعفاً كطلب العلم مثلاً، ولكنا نرى بعضهم يتغير بفعل الضغوط المختلفة سواء من ذاته أو من الآخرين، فيشمر عن ساعد الجد ويصبح عنده شوق إلى الدراسة بحيث يتحمل سهر الليالي وشظف العيش من أجل الوصول إلى هدفه.

 

*  يختلف الناس في سرعة التغير وشدته، فبعض الطباع تتغير بسرعة فيما بعضها الآخر يتغير ببطء. وكلما استحضر الإنسان المنافع التي سيجنيها والمضار التي سيدفعها من التغيير، زاد من سرعة تغيره، وكما تختلف النفوس فكذلك تختلف الغرائز والطباع في قوتها وضعفها، فلقد أُثر أن "آخر ما يخرج من قلب المؤمن حب الجاه". وهذا يعني أن حب الجاه من الطبائع الأصيلة والقوية عند الإنسان. وكذلك قد تختلف الأجواء والظروف وعوامل الوراثة والبيئة والتربية وغيرها، إلا أن الأمر المسلّم أن أصل التغيير ممكن. روي أن أحد أبناء الإمام الباقر(ع) قد مرض فاهتم به الإمام وحزن عليه، فلما مات خرج على أصحابه منبسط الحال، وقال لهم: (إنّا لنحبّ أن نعافى فيمَن نحب، فإذا جاء أمر الله سلّمنا فيما أحَبَ). والسؤال: كيف يستطيع الإنسان أن يكيف نفسه لكي لا تأسى على ما فاتها ولا تفرح بما أوتيت؟ وللإجابة عن هذا السؤال أقول: هناك طريق واحد، حيث كل الطرق ترجع إليه، وهو بأن يتذكر الإنسان دائماً أن كل شيء أمانة في رقبته وعارية لديه، وأن الأمانة لابد من إرجاعها يوماً إلى صاحبها ومالكها الحقيقي. فالمال أمانة، والعلم أمانة، والجاه أمانة، وكذا الصحة والأولاد، وكل شيء عنده هو أمانة. وإذا استطاع الإنسان أن يركز على هذا الأمر فستخف الوطأة عنده شيئاً فشيئاً حتى يبلغ مرتبة يصدق عليه أنه لا ييأس على ما فاته ولا يفرح بما أتاه. وإن تألّم الإنسان لفقدان بعض الأشياء ـ كالصحة مثلاً ـ أمر فطري، ولكن التربية تخفف الوطأة على الإنسان، وتزيل الألم المضاعف. فتارة يتألم الإنسان بدنيا بسبب مرض ألم به، وتارة يتألم نفسياً نتيجة الشعور بفقدان الصحة، وهذا أيضاً شيء طبيعي، ولكن التركيز على الألم النفسي والتحسر وما أشبه هي الأمور التي تنهض التربية بإزالتها كلما تذكر الإنسان أن كل ما يملكه حتى صحته وبدنه وروحه أمانة، وليس هو مالكها الحقيقي. وهذا لا يعني أن الإنسان لا ينبغي له أن يحزن لمفارقته حبيبه، ولكن فرق بين ذلك وبين أن يحزن ويسخط أو يعترض على حصول هذه الحالة.

 

*  نحن من جهة لنا مشاكلنا الشخصية ونحتاج لأن نربي أنفسنا لبلوغ درجة الرضا بقضاء الله (عز وجل)، فلا نقول أو نفعل أو نشعر بما يسخط الله، نتيجة التأثر والانفعال لما قد يصيبنا، بل علينا أن نذكِّر أنفسنا دائماً بأنه ما من خير نناله فهو من الله تعالى، وأن كل ما نُعطاه في هذه الدنيا هو أمانة عندنا، وأننا مفارقوها يوماً ما، فلا نأسى على ما فاتنا، ولا نفرح بما آتانا. وعلى الإنسان أن يتذكر دائماً أن كل النعم التي عنده هي من الله، فإن تجددت فهي نعمة أخرى ينبغي الشكر عليها، وإن زالت فهذا شأن الدنيا ونعيمها، فكلها أمانة عند الإنسان لابد أن يفارقها يوماً تأخر أو تقدم. وهذه الأمور قولها سهل، كما الاستماع إليها، ولكن المهم هو العمل. وهذا يحتاج إلى تمرين وتذكر دائم.

 

*  الإنسان إذا سار في طريق الله، فإنه تعالى يعينه بلا شك، وقد وعد الله المؤمنين بذلك، إذ وعدهم بالنصر إنْ جاهدوا في سبيله، سواء جهاد العدو الخارجي أو الجهاد للتغلب على العدو الداخلي وهو النفس، وهذا ما سماه النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بالجهاد الأكبر، فإن المؤمن إذا استعان بالله وسار في طريق جهاد نفسه، أتاه المدد والنصر من عند الله (عز وجل). ولنا في أولياء الله الذين وصلوا هذه المراحل العالية خير دليل على إمكان التحقق، فما الفرق بيننا وبين السيد بحر العلوم ـ مثلاً ـ أو الشيخ الصدوق أو السيد الرضي (رض)؟ فقد كانوا أناساً عاديين (غير معصومين)، ولكنهم بتربيتهم أنفسهم أصبحوا أولياء غير عاديين تُنقل عنهم الأعاجيب! نقول في الجواب: إنّهم ساروا في الطريق متوكّلين على الله تعالى ومستعينين به، فأعانهم ونصرهم على أنفسهم حتى بلغوا ما بلغوا من العلم والدين. لقد كان الشيخ آغا رضا الهمداني (رضوان الله عليه) عالِماً جامعاً وأستاذاً مبرّزاً، بلغ مشارف المرجعية، وأُصيب بمرض السل، ولم يتمكن بعد ذلك من التصدي للمرجعية ولا مواصلة التدريس، فجلس في بيته، وتفرّغ للتأليف، فكتب "مصباح الفقيه" في ثلاثة مجلدات، وكان أحد تلاميذه يقول: "هذا لطف من الله بالشيخ لأنه أغنى بقلمه أكثر مما أفاد بلسانه". لنفرض أن أحدنا درس كل هذه المدة ـ خمسين سنة مثلاً ـ وأتعب نفسه، وسهر الليالي يطلب العلم ويطوي المراحل، حتى إذا صار على أبواب قطف الثمار وإغناء المجتمع، أُصيب بالمرض، وقعد في البيت عاجزاً عن مواصلة أي نشاط، فهل سيأكله الحزن أم سيتذكر أن كل ما وُهب فمن الله تعالى، وأنه كان أمانة عنده، وبالتالي لا ينبغي له أن يأسى على ما فاته؟! إذن، لنمرِّنْ أنفسنا من الآن، ولنكن مستعدين للامتحان دائماً، وقد ورد في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): (إنْ صبرتَ جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإنْ جزعتَ جرى عليك القدر وأنت مأزور).

إن العظمة لا تولد مع العظماء، فكل إنسان يأتي إلى الدنيا وتولد معه صفاته الإنسانية وشكله وحجمه الإنساني المعهود. فالعظماء كأبي ذر وسلمان وعمار والشيخ المفيد والشيخ الطوسي والشيخ الصدوق وعلي بن مهزيار (رضوان الله عليهم) لم يبلغوا المراتب العالية اعتباطاً، ولم يولدوا عظماء، بل هم الذين صنعوا العظمة لأنفسهم، أي إن العظماء بجهودهم وبمساعيهم يصنعون العظمة لأنفسهم. وكل فرد يستطيع أن يكون عظيماً في يوم ما إن التزم واهتم بالأمور الثلاثة التالية: الأول: الإخلاص لله تعالى ولأهل البيت (عليهم السلام). الثاني: النشاط الدائم، وبذل الجهود في الاستفادة من العمر والوقت أقصى ما يمكن. الثالث: الزهد في الدنيا.

 

إضاءة

العلماء والفقهاء الأعلام الماضين، صاروا عظماء وأكابر وخلّدهم التاريخ، لتحلّيهم بالصبر والحلم، وتجاوزهم المشاكل وتحمّلها، ولاجتنابهم السلبيات وعدم انشغالهم بها.