أفضل الأعمال الورع

 

إضاءات من محاضرة
لسماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

 

*  هناك عدة خطب مروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في استقبال شهر رمضان الفضيل، منها الخطبة التي يرويها الشيخ الصدوق وينتهي بسندها إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، والتي تبدأ بقول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): (أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله). ولست هنا بصدد تفسير الخطبة وبيان مفرداتها، فهي خطبة عظيمة وتحتاج إلى بيان وتفسير واسعين، يمكن أن تقال بشأنها وحول بنودها مطالب وبحوث كثيرة، لكني أريد هنا أن أذكر شيئاً واحداً، وهو: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكر للمؤمنين في هذه الخطبة عشرين بنداً وحثهم عليها، ولكن حينما توجه إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهاية الخطبة بسؤال عن (أفضل الأعمال في هذا الشهر)؟، علماً بأن سؤال الإمام ليس لنفسه، بقدر ما هو لي ولك ولعامة الناس، لم يذكر النبي (صلى الله عليه وآله) في جوابه أياً من البنود التي جاء على ذكرها ضمن فقرات خطبته، أي لم يقل له مثلاً: قراءة القرآن أفضل الأعمال في هذا الشهر أو الإطعام أو أي شيء آخر، بل أجابه بأمر آخر لم يكن ضمن بنود الخطبة الشريفة، حين قال له: (الورع عن محارم الله). حيث إن الورع أفضل الأعمال في كل وقت وزمان، وإن أول مقتضيات الورع، أن ينتهي الإنسان عن المحرّمات، ويتحرّج منها فلا يقربها.

 

*  لا يمكن للنفس البشرية أن تستقيم بسهولة وبسرعة من دون ترويض ومقدّمات، بل هي بحاجة إلى رياضة مستمرة، وكما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض كلماته: (وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر). فترويض النفس إذاً من أهم الواجبات العينية بالنسبة إلى كل فرد، ويتأكد بالنسبة لنا ـ نحن الوعاظ والمبلغين وعلماء الدين ـ لأن كل واحد منا يتعلم منه أفراد، وربما جماعات ويتلقون منه، ويقتبسون ويقتفون أثره، ويتأثرون بكلامه وحركاته وتصرفاته. فإنك وإنْ كنت فرداً في وجودك الخارجي، لكنك لست كذلك في العمل، لأن هناك مَن يعتبرك مرشداً وهادياً، ويقتدي بأفعالك سواء كنت خطيباً أو عالماً، فإذا كان تغيير النفس من الواجبات العينية بالنسبة لنا، فهذا يعني أن على الإنسان أن يمهد له السبل، فيتبع الأساليب التي تجعله لا يعصي الله(عز وجل)، وهذا أمر لا ينبغي الاستهانة به، بل لابد له من تهيئة مقدّمات وتمهيدات تساعد على ذلك. وإن رياضة النفس أكثر صعوبة في مواجهة النوازع والغرائز الشهوانية التي تعتري الإنسان، وقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إن الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وتمدّد، ثم قال: فُزت). إن الشيطان يحاول أن يؤثّر فينا، مهما وسعه إلى ذلك سبيلا، ثم يتشجّع للتقدم أكثر. فلو استطاع أن يؤثّر فينا، بنسبة الواحد في المائة، كان ذلك العمل عنده خطوة إلى الأمام، فسيطمع بالاثنين في المائة حتى يصل ـ لا سمح الله ـ إلى التسعة والتسعين في المائة. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم)، وما من فرصة للرياضة الروحية وترويض النفس أعظم من الصوم، فإن أجواء هذا الشهر تساعد الإنسان على ترويض نفسه.

 

*   نحن ـ جميعاً ـ بحاجة إلى ترويض وانتباه، بحيث إذا دخل أحدنا شهر رمضان وخرج منه يكون قد تغيّر ولو قليلاً، وملاك التغيّر هو العمل بالمستحبات وترك المكروهات. يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخطبة الرمضانية الشريفة: (فإن الشقي مَن حُرم غفران الله). والألف واللام الداخلة على كلمة "شقيّ" في هذه العبارة تدل على الحصر، أي أن مَن حُرم غفران الله في هذا الشهر فهو الشقي. حيث إن زمام تغيير أنفسنا وإصلاحها بأيدينا، وليس بأيدي غيرنا، وكل واحد منا زمام نفسه بيده، وهذا معنى قوله (صلى الله عليه وآله) في خطبته المباركة: (إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم، ففكوها باستغفاركم...). فكما أن أحدكم، إذا رهن داره إلى غيره، لا يستطيع أن يتصرف فيها، ما لم يفك رهنها بالمال، فكذلك أنفسكم رهينة باستغفاركم، ومن الاستغفار قول: (أستغفر الله ربّي وأتوب إليه)، ولكنه ليس كل الاستغفار كما تعلمون، بل منه ترويض النفس أيضاً، وهو من الواجبات العينية، كما قلنا. وكل ما علينا أن نعزم ونهم بالأمر، والتوفيق من الله.

 

*  أذهان أكثر الشباب، لا سيما الجامعيين منهم، محشوة بعشرات بل مئات الأسئلة حول الإسلام وتشريعه، وهم بانتظار مَن يجيبهم عنها، الأمر الذي يحتاج منا إلى علم ودراسة عميقين، فلا يتمكن كل شخص أن يجيب عن أسئلتهم بسهولة، ويعرّض نفسه للجواب والخطاب والكتاب والنقاش من دون علم، بل إن ذلك يحتاج إلى أرضية وتعبئة علمية وافية. كما لا يخفى أن مقدمة الوجود للواجب المطلق واجبة أيضاً، فإذا وجب شيء على الإنسان، وتوقّف ذلك الشيء على شيء آخر، صار ذلك الشيء الآخر واجباً عليه أيضاً.

وهكذا الأمر بالنسبة لإرشاد الناس وهدايتهم، فهو واجب كفائي لمَن توجد فيه الكفاءة. ونحن مهما أوتينا من العلم، فهناك ألوف الأسئلة التي لا نعرف لها جواباً، يلزم أن نتهيأ لها. وشهر رمضان مناسبة جيدة لأن يستثمرها كل منا بحسب مقدرته، لأن كسب المقدمات، يعد من الواجبات المهمة في هذا المجال، وغيره مما له صلة بالتقرب إلى الله سبحانه. وإن تهيئة هذه المقدمات، أهم من قراءة القرآن في شهر رمضان، فيما إذا اقتصر الهدف من القراءة على طلب الثواب والتبرّك، لأن قراءة القرآن بهذه الصورة المجردة تعتبر مستحبة، لكن التهيؤ العلمي للقيام بدور الإرشاد والتبليغ واجب.

ولاشك في أن قراءة القرآن مقدمة لمعرفته، ومعرفته مقدمة للعمل به ومقدمة لتعليمه للآخرين، وهي مقدمة لإرشاد الناس إلى القرآن، بيد أن القراءة بذاتها مستحبة، وهذا الأمر ـ التحصيل العلمي ـ مقدم عليها، إلا إذا كانت القراءة بتدبر وتفكر، حينها ستكون هي الأخرى مقدمة وتعبئة علمية، ضمن مقدمات الوجود في مجال الإرشاد.

 

*  إن القرآن الكريم كتاب هداية، فلماذا يهتم بجمال الأسلوب والتعبير؟ نقول في الجواب: إن ذلك جزء من عملية الهداية. وهكذا الحال بالنسبة لكلام المعصومين (عليهم السلام). فالألوف من علماء المشركين والنصارى واليهود، إنما اهتدوا عن طريق جمال التعبير في القرآن الكريم، حيث إن الجمال مهم ومطلوب لهداية الناس، فلا يكفي أن يكون المطلب صحيحاً، بل لابد من جمال الأسلوب والتعبير أيضاً.

هكذا هو الحال مع المعنى الصحيح، فلابد أن تجعلوه في وعاء جميل لكي يتقبله الناس منكم. وهذا الأمر بحاجة إلى تعلم وتمرين، لأنه لا يأتي هكذا عفواً، بأن ينام الشخص مثلاً في الليل، ويستيقظ في اليوم التالي، وقد أصبح أديباً. وشهر رمضان فرصة جيدة لنا لتطوير قابلياتنا في هذا المجال أيضاً. فبقدر ما نستفيده في هذا الشهر من فيوض الرحمة وأجواء المغفرة، لنستفد أيضاً من هذين الأمرين المهمين: ترويض النفس، وإرشاد الناس وهدايتهم.

===============================

إضاءة

من محاسن وإيجابيات وحدة كلمة الشيعة واتحادهم، هو تقديم خدمات أكثر وأفضل وأحسن وأوسع في تعريف الإسلام والتشيع للعالمين، ونشرهما في العالم، والحدّ أو المنع من تعرّضهم للظلم والأذى من الأعداء والإرهابيين والتكفيريين.

 

إضاءة

من رسالة..

مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية تدعو المسلمين لإسعاف الشعبين السوري واليمني

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها المسلمون في كل مكان، تحل علينا أيام الشهر الفضيل، والشعب السوري والشعب اليمني في أمّس الحاجة الى من يسعفهم، ويخفف عنهم وطأة الظروف القاهرة التي حلت بهم، بعد أن تعذرت السبل في وقف الحرب الدائرة في بلدانهم، وباتوا في أحوج الأوقات الى من يساعدهم، ويمد اليد لهم، وهذا واجب إسلامي وإنساني، لا منّة من أحد، فكما قال رسول الله(ص): (تَرَى المُؤمِنينَ في تَراحُمِهِم وتَوادِّهِم وتَعاطُفِهِم كَمَثَلِ الجَسَدِ، إذَا اشتَكى عُضواً تَداعى لَهُ سائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمّى).

ندعو كافة الحكومات والدول والشعوب الإسلامية، في مختلف أنحاء العالم، الى إسعاف الأخوة المسلمين في اليمن وسوريا، بما يرضى الله، ويخفّف عنهم معاناتهم، سيما المشردون منهم في داخل بلدانهم وخارجهم، كونهم فقدوا ملاذاتهم الآمنة وأرزاقهم المستدامة، وباتوا رهن الفقر والعوز والحرمان.

﴿فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾