ليتعلّم الحكّام

 

إضاءات من محاضرة
لسماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

 

القرآن الكريم ذكر صفات عديدة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، منها قوله تعالى: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ))(التوبة/128). وذكروا في بعض التفاسير في معنى الآية الكريمة: رأفة باطنية، ورحمة ظاهرية. أي (الرأفة) هي الرحمة الباطنية، و(الرحمة) هي الرأفة الظاهرية. وهاتان الصفتان كانتا من الصفات البارزة للنبيّ (صلى الله عليه وآله). وإنّ الرأفة والرحمة كان لهما ظهوراً عظيماً في النبيّ (صلى الله عليه وآله)، قبل البعثة وبعدها، وقبل الهجرة وبعدها. ولو عرف المسلمون، بالأخصّ الشباب، جزء من هذه القصص، لتمسّكوا بالإسلام بشدّة تمسّك الذين كانوا من قبل، ممن قاتلوا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، وفي يوم عاشوراء، وقدّموا كل ما يملكون في سبيل الله تعالى وأهل البيت (عليهم السلام). وهذا ما يجعل المسؤولية على المؤمنين مسؤولية ثقيلة، بالأخصّ أهل العلم، وهي بأن يقوموا بنقل صفات النبيّ (صلى الله عليه وآله) والمعصومين (عليهم السلام)، إلى الشباب المسلم، وحتى إلى غير المسلمين الذين إذا عرفوا ذلك فسيسبقون شباب المسلمين إلى التمسّك بالإسلام، كما نبّه إلى ذلك مولانا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما قال: (الله، الله في القرآن، لا يسبقنّكم بالعمل به غيركم). وهذا ما وقع وحصل بالفعل ويحصل.

النبيّ (صلى الله عليه وآله) لاقى أذى كثيراً من ابن أبي أميّة، فقد قام الأخير بأذى النبيّ (صلى الله عليه وآله) طيلة عشرين سنة، أي من أول البعثة إلى فتح مكّة. ولشدّة الأذى الذي صدر من ابن أبي أمية بحق النبيّ، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) بحقه كلمة لم أرَ ولم أقرأ أنه (صلى الله عليه وآله) قالها بحقّ غيره، مع أن النبيّ اختصّ بالرأفة والرحمة، ولكن ما قاله النبيّ (صلى الله عليه وآله) يدلّ على مدى شدّة الأذى الذي لقيه من ابن أبي أميّة. فقد قال (صلى الله عليه وآله): (كذّبني تكذيباً لم يكذّبني أحد من الناس). وعند فتح مكّة، تصوّر المشركون أنه قد حان أجلهم، أي سيقتلون. وهذا ما نراه يحصل في الدنيا اليوم التي لا تسير على هدى الله تعالى، بعد أيّ انقلاب وثورة، حيث تنصب منصّات الإعدام، مع فارق في الشدّة والكم في دولة عن أخرى. لكن في فتح مكّة أصدر النبيّ (صلى الله عليه وآله) العفو العام عن الجميع، وقبِل منهم إسلامهم إلاّ من ابن أبي أمية، وذلك لشدّة الأذى الذي صدر منه تجاه النبيّ (صلى الله عليه وآله). فجاء ابن أبي أميّة وسلّم على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يرد عليه السلام، وأعرض عنه، ولم يجبه بشيء. فطلب من أمّ سلمة أن تشفع له عند النبيّ، فوافق النبيّ (صلى الله عليه وآله) وقبل شفاعتها! هل تجدون مثل هذا التعامل عند الحكّام؟ وهو أن يتنازل الحاكم عما أصدره من قبل بحقّ أحد؟! فما أعظم الرأفة والرحمة من النبيّ (صلى الله عليه وآله)؟! وهذه الرأفة والرحمة هي التي جذبت الكفّار والمشركين والنصارى واليهود إلى الإسلام. وهذا التعامل الراقي لو يتمّ العمل به اليوم، فسيغيّر الدنيا كلّها، ويجعلها تنعم بالسعادة. وهذا ما يدعونا، نحن وأنتم وسائر المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، إلى أن نمتثل إلى هذا التعامل النبوي الأخلاقي الرفيع، ونطبّقه في حياتنا. وهذا ما دعانا إليه القرآن الكريم، بقوله عزّ من قائل: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(الأحزاب/21).

في واقعة (نهضة التبغ) أفتى المرحوم الميرزا المجدّد الشيرازي الكبير فتوى تكوّنت من سطر واحد من الكلمات، وهي: (اليوم استعمال التبغ بمثابة محاربة الإمام صاحب العصر والزمان(عج). محمد حسن الحسيني). وكان المقصود من كلمة (اليوم) هو أنه حكم ثانوي، أي ليس أوليّاً. ومع الأسف لا يتمّ العمل بهذا الأمر اليوم، أو غير منتبهين إليه، فإنه عند إصدار الحكم الثانوي، يجب أن يشار إلى أنه ليس حكماً أوليّاً في الإسلام.

هل تعلمون ماذا حصل ووقع جرّاء ذلك السطر الواحد الذي كتبه المجدّد الشيرازي الكبير؟ راجعوا الكتب لتعرفوا ذلك، ككتاب أعيان الشيعة، وتكملة أمل الآمل، وكتاب أغا بزرك الطهراني، وكتاب مآثر الكبراء في تاريخ سامراء، وكذلك الكتاب الخاص بذلك الذي كتبه أحد فقهاء الإسلام الكبار، وهو الشيخ حسن الكربلائي الذي كان من تلامذة المجدّد الشيرازي، ومعاصراً للسيد اليزدي والآخوند وأغا رضا الهمداني، وكان من تلاميذه السيد عبد الحسين شرف الدين، وكان الميرزا النائيني زميلاً له في المباحثات العلمية لسنين عديدة. فقد كتب الشيخ الكربلائي كتاباً عن قصة فتوى التبغ بالفارسية، على شكل يوميات. ومما كتبه: إنّ المجدّد الشيرازي الكبير تعلّم جيّداً الرأفة والرحمة من رسول الله (صلى الله عليه وآله). لقد قام الاستعمار البريطاني بإرسال وإيفاد المئات من الخبراء إلى إيران في زمن ناصر الدين شاه، مع المئات من الخطط والمؤامرات للسيطرة على بلاد الإسلام في إيران، وإفساد شبابه، ولكنّ المجدّد الشيرازي الكبير دمرّ كل ما خطّط له وأتى به الاستعمار البريطاني بسطر واحد من الكلمات، وأجبر الاستعمار البريطاني الذي كان أقوى وأعظم دولة في زمانه على الخروج من إيران.

أما عن أخلاق المجدّد الشيرازي الكبير، فقد نقلوا أنه انتقل من مدينة النجف الأشرف إلى مدينة سامراء المشرّفة، فقام بعض أهالي سامراء بتحريض الأطفال بأن يقوموا برمي بيت المجدّد بالحصى ليلاً. وكان أهل بيت المجدّد يجمعون صباح كل يوم سلّة من الحصى المرمى عليهم والمتجمع في البيت. وهذه الحالة استمرت لعدّة شهور، فتحمّل الميرزا وصبر وحلم. ثم قاموا بقتل نجله السيد محمد الذي لو لم يقتلوه لصار مرجعاً للتقليد. وإثر هذه الحادثة، قدم أربعة أشخاص من بغداد إلى سامراء (والي بغداد من قبل العثمانيّين، وسفير إيران من قبل ناصر الدين شاه، وسفير بريطانيا، وسفير إحدى الدول الغربية)، وطلب هؤلاء الأربعة اللقاء بالمجدّد الشيرازي، فوافق على لقاء والي بغداد وسفير إيران، ورفض لقاء سفير بريطانيا وسفير تلك الدولة الغربية. فالتقيا بالمجدّد وقال والي بغداد: لقد سمعنا نبأ مقتل نجلكم، وقد جئتكم بأمر من الحكومة العثمانية، لأكون بخدمتكم، وأنا سمعاً وطاعة لما تأمرون به، حتى إن تأمروني بقتل أهالي سامراء كلّهم، فسوف أنفّذ ذلك فوراً. وقال السفير الإيراني: ونحن بخدمتكم، فأمروا بما تشاؤون. فشكرهما المجدّد الشيرازي ولم يطالب بشيء أبداً، لا دية ولا قصاص ولا غيرهما.

الملفت في هذه القصة، هو أنه عندما سمع أهالي سامراء بمجيء أولئك الأربعة إلى بيت المجدّد الشيرازي، ساورهم الخوف والرعب مما سيصنعه بهم المجدّد. ولكن بعد أن عرفوا جواب المجدّد لأولئك الأربعة، قام جماعة من كبارهم بالذهاب إلى بيت المجدّد، وأخذوا معهم مجموعة من الأطفال والشباب، والتقوا بالمجدّد ووضعوا أمامه سيفاً مجرّداً، وقالوا: إن هؤلاء الأطفال كانوا يرمون بيتكم بالحصى، ونحن قد أمرناهم بذلك، وهؤلاء الشباب هم الذين قتلوا نجلكم بأمر منّا، وهذا السيف أمامكم فافعلوا بهم ما شئتم. فقال المجدّد: (لا أقوم بأي شيء، فإذا تنازع أبناء الرجل بعضهم مع بعض، ترى ماذا يفعل بهم؟ فلا شكّ في أنه يعفو عنهم ويصفح). ثم شكرهم على موقفهم وعلى مجيئهم. ولم يكتف المجدّد بذلك فقط، بل أهدى لهم هدايا!.

من الجدير بالمؤمنين، رجالاً ونساء وشباباً، أن يعلنوا للعالم بأن الذبح والتفجيرات وغيرها، هي ليست من الإسلام. والإسلام الحقيقي هو الذي أتى به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لا غيره. ويجب أن نبيّن للعالم، كيف تعامل نبيّ الإسلام، بعد فتحه مكّة، مع المشركين الذين مارسوا أشدّ أنواع الأذى مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) ومع المسلمين طيلة عشرين سنة، من قتل وتهجير ومصادرة للأموال والممتلكات والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. فليعرف العالم أن نبيّ الإسلام قد عفا عنهم جميعاً. وعلينا أن نبيّن للعالم، رأفة الإسلام ورحمته الإسلام وأخلاقه. ولنقم بهذه المسؤولية من هذه الساعة ومن هذا اليوم، كل بمقدار إمكانه واستطاعته، وبكل السبل الشرعية والسلمية الحديثة.

---------------------------------

إضاءة

ينبغي نشر ثقافة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام)، ليجد العالم ضالته التي طالما بحث عنها ولما يجدها، ويعرف الداء والدواء، علّه ينتشل نفسه شيئاً فشيئاً من هذه المظالم الشاملة، والمفاسد المستوعبة التي عمت البلاد والعباد.

 

إضاءة

عاش الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) حصاراً قاسياً طوال حياته، فقد قامت السلطة العباسية باستقدامه مع أبيه (عليه السلام) إلى مدينة سامراء، ثم فرضت القيود على حركته، حتى وصل الأمر إلى تغييبه في سجونها فترات طويلة، وشدّدت الرقابة عليه إلى حين شهادته (عليه السلام). لكن رغم سياسة التضييق والترهيب، اعتمد الإمام (عليه السلام) أساليب تمكن من خلالها التواصل مع شيعته لرعايتهم، ومدهم بأسباب البقاء والثبات، وتحذيرهم من مكائد السلطة والدسائس التي تحاك ضدهم.

يذكر المؤرخون أنه عندما أعلنت وفاة الإمام (عليه السلام)، ضجَّت سامراء ضجة واحدة، وانطلق كلّ النّاس في تشييعه، وأرسل الطاغية العباسي إلى بيت الإمام الشهيد من يفحص هل له ولد، وهل له امرأة حامل، لكنَّ الله تعالى أخفى وليّه الذي ينتظره العالم كله، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.