إمام الممكنات
 

 

إضاءات من محاضرة
لسماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

 

*  للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في غيبتيه الصغرى والكبرى، رسائل وتوقيعات كثيرة يخاطب فيها عدة من الشخصيات الشيعية، بالإضافة إلى الرسائل الخاصة إلى نوابه، والرسائل الجوابية المرسلة لبعض الأفراد أحياناً، والمؤسف أنه لم يصلنا من تلك الرسائل إلا عدد محدود! ولكن تبقى رسائل الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى الشيخ المفيد(قده) والعبارات التي تضمّنتها حالة فريدة امتازت بها عن رسائله للآخرين، فلم يعهد عن الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنه أثنى على أحد بهذه الصورة، كما حصل مع الشيخ المفيد، فلو راجعتم كل ما وصلنا من عبارات المدح من الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بشأن جملة من الأفراد (باستثناء سفرائه الأربعة الخاصين ووكلائه الآخرين)، قد لا تجدون في كل كلمات المديح والتقريظ، التي تفضل بها الإمام بحق هؤلاء الأشخاص، ما يرتقي لمستوى ما قاله الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بحق الشيخ المفيد، وفي هذا دلالة على المقام الرفيع للشيخ المفيد عند أهل البيت (عليهم السلام). وأنه لشرف كبير ومصدر فخر واعتزاز، أن يَمْثُلَ الشخص بين يَدَي الإمام ويكون في حضرته، يزوره عياناً ويتشرّف برؤيته وتقبيل يده، ولكن اعلموا أن هذا ليس هو الواجب، فإنه لم يبلغنا عن الشيخ المفيد، أنه التقى بالحجّة، (ولا يُعرف ما هو السبب، وربما التقاه ولم يصلنا خبره)، ولكنه مع ذلك نال هذه الأوسمة منه (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

 

*  مما ذكره الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في خطابه للشيخ المفيد: (نحن وإن كنّا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين.. إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم). لقد ذكر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) كلمة (الإهمال) فقال: (غير مهملين). ولم يقل: غير تاركين، ذلك أن هنالك فرقاً بين الإهمال والترك من جهة القصد، فالترك أعم وأشمل، أي يكون بقصد وبلا قصد، أما الإهمال فلا يكون إلا عن قصد. ومن ثم يكون المعنى، إننا إذا لم نرعكم، فالإهمال من جانبكم وليس من جانبنا. وقال (عجل الله تعالى فرجه الشريف): (ولا ناسين لذكركم). نافياً أن يوجد النسيان بشكل عام ومطلق، مما يعني أنه يذكر الجميع دائماً وفي كل مكان، ولولا ذلك لنزل البلاء بهم. فليس من شك في أن الإمام المعصوم (عليه السلام) هو المصداق الأكبر لخليفة الله في أرضه، قائماً كان أو قاعداً، حياً كان أو ميتاً، حاضراً كان أو غائباً، فهو إمام على أية حال، ويمارس مهامه ومسؤولياته الموكلة إليه. والإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ليس استثناءً عن هذه الحقيقة، ولا غيابه يدفع به إلى الانزواء والقعود عن أداء دوره الأخطر، وهو دور قيادة المؤمنين في عصر الغيبة المؤلم عليه وعلى شيعته، وإلا لكان الإشكال صادقاً وفي محله حول الحكمة من ولادته وغيبته. ولطالما تناهى إلى أسماع المؤمنين، ما يجعلهم على ثقة تامة واطمئنان كامل، بما يثبت المرة بعد الأخرى، وجوده المبارك ودوره القيادي للأمة المؤمنة، فكما أنعم على الشيخ المفيد بالمراسلة والتوجيه وكشف المحجوب عن بصيرته، كذلك قام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بما يتنبه إليه هذا العالم المرجع أو ذاك ـ باعتبارهم نوابه الشرعيين وفق النيابة العامة - وهناك من القصص الموثقة والحوادث المشهودة، ما يفوق حد الإحصاء، عن تفضله (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وإكرامه للشيعة وعلمائهم. ولا عجب في ذلك، لأنه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) غير مهمل لذكرهم ولا ناسٍ لأمرهم، فهو (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يمارس توجيهه المأذون له فيه، حتى في القضايا الفردية بادية البساطة.

 

*  مما نقله السيد الوالد(ره) قوله: "كنت مواظباً على قراءة دعاء الندبة، وحدي في سرداب الغيبة في سامراء المشرفة. وذات يوم كعادتي كنت أقرؤه، ولما بلغتُ عبارة: (وعرجت به إلى سمائك)، قرأتها: (وعرجت بروحه إلى سمائك) ـ بحسب بعض النسخ ـ وهذا يعني تغيير المعنى تماماً، حينها سمعت بأذني أن هناك من يصحح لي ما قرأته، بحسب تلك النسخة، ليتم المعنى على أن المعراج النبوي كان روحياً وبدنياً، وأدركت في تلك الساعة أن المتحدث إليّ، ليس إلا ولي الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وقد وقع نظير هذا الفعل من الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لعدد من العلماء وفي أماكن مختلفة، مما يشير إلى أن الإمام(عج) يأخذ بأيدي نوابه الحقيقيين إلى جادة الصواب، حتى في الحالات الفردية، أما قيادة الإمام لشيعته ومحبيه، فقد ثبتت عبر ما ثبت من الوقائع والكرامات المهدوية، مما يفوق العد والتصنيف، إذ أنقذهم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ولا يزال ينقذهم من أشكل المشكلات وأعقد الأزمات.

 

*  إن هناك الكثير جداً من الشواهد، التي لا تقبل الرد ولا تحتمل الشك، في أن الإمام هو صاحب اليد الطولى ـ بإذن الله تعالى ـ في المحافظة على كيان الدين والتشيّع، وسلامة الشيعة من كثير من الأخطار، ولولا ألطافه وكراماته ومكرماته لساخت الأرض بأهلها، ولتناوش الأعداءُ المحبين والموالين لأهل بيت العصمة والطهارة من كل حدب وصوب. وليست رسالته للشيخ المفيد إلا نموذجاً واحداً - وإن كان بارزاً ومميّزاً - لرعايته لعلماء شيعته، الذين يقرّون جميعاً بحاجتهم إلى الألطاف المهدوية أكثر من حاجتهم إلى الماء والهواء. وإن الإمام هو إمامنا الحي المنتظر، ومنذ ذاك اليوم الذي غاب فيه - في ربيع الأول عام 260هـ - وإلى حين فرجه الشريف، والشيعة في ترقّب وانتظار، مشرئبة أعناقهم لوقت ظهوره المبارك، لاعتقادهم بأنه البقية الخاتمة لحجج الله على خلقه، وأن جميع أمورهم موكلة إليه. وبالطبع، فهو إمام الممكنات كلها، وهذا مبحث من مباحث أصول الدين، تمّت مناقشته باستفاضة في مظانه، كما نوقشت الأدلة الخاصة به، وقد وردت روايات عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في هذا الصدد.

 

*  طبقاً للآثار، فقد تلقّى الشيخ المفيد ثلاث رسائل من الإمام، وصلتنا اثنتان منها، بينما يُعتقد بتلف الثالثة أثناء حوادث حرق المكتبات. إلا أن السيد بحر العلوم يثير مسألة جديرة بالاهتمام في المقام في كتابه (الفوائد الرجالية) وهي: كيف تسلّم الشيخ المفيد الرسالة من الإمام، مع أنه لم يتشرّف بلقائه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولم يكن هناك نائب للإمام في ذلك الوقت ليسلّمها إليه؟ فيقول: "وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه، في الغيبة الكبرى، مع جهالة حال المبلّغ ودعواه المشاهدة المنفية بعد الغيبة الكبرى". ويجيب(ره) بقوله: "ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، واشتمال التوقيع على الملاحم والإخبار عن الغيب، الذي لا يطلع عليه إلا الله وأولياؤه بإظهاره لهم، وأن المشاهدة المنفية أن يُشاهَد الإمام ويُعْلَم بأنه الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) حال مشاهدته له، ولم يعلم من المبلّغ ادّعاؤه لذلك. وقد يمنع ـ أيضاً ـ امتناعها في شأن الخواص، وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار".

وهنا تستوقفنا قضية مهمة جداً، وهي أن الإمام لم يخص أحداً، غير الشيخ المفيد بمثل هذه الكلمات التي تحمل معاني العرفان بالإخلاص والولاء. أجل، لا غرابة في أن يشهد فرد بصلاح فرد آخر وحسن سيرته، ولكن عندما تكون هذه الشهادة صادرة عن إمام معصوم، يصبح الأمر مختلفاً تماماً، إنها شهادة ترجح كفتها على الدنيا وما فيها، لأن هذه الشهادة خالدة في ضمير العقيدة، لا تفنى ولا تزول مع الأيام. ولهذا وغيره نرى أن الشيخ المفيد رحل عن هذه الدنيا منذ قرابة الألف عام، لكن ذكراه ما زالت حية تتجدّد على مر العصور. واللافت للنظر في المقام أيضاً أنه رغم المكانة الجليلة والمنزلة السامية التي حظي بها الشيخ المفيد، إلا أني لم أجد في موضع ما أنه تشرّف بلقاء الإمام المهدي أو كتب رسالة للإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فرجه، ولكن حيث إنه أدى واجباته على أتم ما كان ينتظره منه الإمام (عليه السلام)، فقد استحق عناية الإمام ولطفه بجدارة، حتى أن الإمام نفسه خاطبه من خلال مراسلته له والتي ربما يظن الظان منها رغبته (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالحديث إليه.

--------------------------------

إضاءة

إن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يأخذ بأيدي نوابه الحقيقيين إلى جادة الصواب، حتى في الحالات الفردية، أما قيادة الإمام لشيعته ومحبيه، فقد ثبتت عبر ما ثبت من الوقائع والكرامات المهدوية، مما يفوق العد والتصنيف، إذ أنقذهم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولا يزال ينقذهم من أشكل المشكلات وأعقد الأزمات.

 

إضاءة

(السلام على المهدي الذي وعد الله به الأمم)

يذكر محمد البرزنجي في كتابه (الإشاعة): (قد علمت بأن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان، وأنه من عترة رسول الله(ص)، من ولد فاطمة، بلغت حدّ التواتر المعنوي فلا معنى لإنكارها).

وفي ما يعقب الساعة، يقول الشيخ صدّيق حسن القنوجي البخاري، الذي يسموه أتباعه بـ"محيي السنة وقامع البدعة"، في كتابه (الإذاعة) (ص 112): (المهدي الموعود، المُنْتَظَر الفاطمي وهو أولها، والأحاديث الواردة فيه، على اختلاف رواياتها، كثيرة جداً تبلغ حد التواتر).

ورداً على ما قاله ابن خلدون في كتاب (العبر)، ذكر في كتابه (الإذاعة) (ص 146): (لا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي، الموعود المُنْتَظَر، المدلول عليه بالأدلّة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابل النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر).