ركيزة التغيير

 

إضاءات من محاضرة
لسماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

 

 إن صيغة الآية: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)(الزمر/9) الاستفهامية، إنما تريد الإشارة بوضوح إلى حقيقة الإجابة التي لا يختلف فيها اثنان، باعتبار أن العلم والعلماء أرقى منزلة من الجهل والجهال. وإن مسألة الثقافة من أهم المسائل في كل أمة وحضارة. وقد يصح ما يقال بأن العالَم يدور على عجلة الاقتصاد والسياسة، ولكن الأصح من ذلك هو القول بأن الثقافة هي التي توجه الاقتصاد والسياسة، فبقدر ما يحمل الفرد من ثقافة وعلم، في كلا المجالين، فإنه لا يخسر ولا يُغلب. كما أن الثقافة الصائبة وحدها القادرة على مواجهة وتصحيح ما نراه من ثقافة ضحلة في عالم اليوم، لأن القوة أو المال أو غير ذلك يعجز عن مواجهة الثقافات وتغييرها، إذ لا يقارع الثقافة إلا الثقافة، فقد يتفوق التاجر على زميله، والسياسيّ يهزم نظيره، ولكن الفكر والثقافة لا يُهزمان بالمال أو القوة السياسية أو العسكرية، بل لا بد لمن أراد خوض الميدان الثقافي الهادف إلى التغيير أن يكون متسلحاً بسلاح الفكر والثقافة. ومن هنا كان العمل الثقافي من أهم الأعمال في المجتمع، فهو يمثل البناء التحتي لغيره من الأعمال.

 

*   من المغالطات المعروفة، الخلط بين وحدة الموقف السياسي ووحدة العقيدة، فتصور كثير من المسلمين بأن الوحدة بين الشيعة وغيرهم تعني فرض عقيدة واحدة على الجميع، في حين أن هذا الأمر شيء مستحيل وخاطئ، إذ الاختلافات العقائدية (العقدية) من شأنها أن تُحل بالحوار فقط، وصولاً إلى الحق, وليس من الضرورة أن يتم الاتفاق على كل المعتقدات، فإن الاختلاف سنّة الحياة، وقد قال تعالى: )ولا يزالون مختلفين((هود/118). ولو تطرقنا إلى تفسير جانب من جوانب قوله سبحانه: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة)(الأنفال/42) باعتبار أن الدليل هو الأمر الوحيد القادر على إحداث التغيير الجذري في قناعة هذا الإنسان أو ذاك، فإننا سنجد أن الآية الشريفة )ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة)(الأنفال/42)، تريد تأكيد ضرورة أن يعرف من هلك أنه إنما هلك لاختياره طريق الضلالة، أو أن يعرف من يحيا أنه إنما حيّ لاختياره طريق الهداية، فالمهم أن يكون الإنسان عارفاً بما اختار، فلا يهلك وهو جاهل بالأمر، وكذلك لا يكفي للمرء أن يكون على الطريق الصواب، بل يريد الله منه أن يكون عارفاً بأنه على صواب، وأن يكون اختياره له عن دليل وبيّنة. ولا يعني تغيّر الإنسان بسبب فكرة أو كلمة ضرورة أن يحدث التحول المعلن لديه دفعة واحدة، لأن تغيير المواقف والعقائد والإعلان عنه ليس بالأمر الهين، فهو يغيّر تاريخه، بل ونوعية وجوده، ولكن الفكرة النيّرة تهز الإنسان، المنصف الواعي، وتدفعه إلى مزيد من البحث، وصولاً للحقيقة الكاملة، وإذا اتضحت له البيّنة آمن، إلا أن يكون معانداً، والمعاندون قليلون، أما ما نراه في عامة الناس من عدم الاهتداء إلى نور الحق، فهو التعصب الناشئ من الجهل وعدم انكشاف البيّنة، الأمر الذي يحتاج إلى وسائل وفرص كفيلة بذلك.

 

* هناك جملة من الأمثلة على نفوذ الثقافة الحقة، القائمة على البيّنة والبرهان في كثير من الأشخاص الذين كانوا يعيشون في بيئة عُرِفَت بعدائها للحق والحقيقة، مثل ابن مروان بن الحكم الذي كان يسمى بسعد الخير، رغم ما هو معروف من بطلان منهج أبيه، ومثل عليّ ابن صلاح الدين الأيوبي الذي ارتكب ما ارتكب من مجازر رهيبة بحق الفاطميين والشيعة، تحت مظلة مقاومة الهجمات الصليبية. ولما كان العمل الثقافي يعد من أهم الأعمال، بل وأهمها، فإن ذلك يستوجب توفر ثلاثة شروط، لضمان نجاحه وتحويله إلى عمل مثمر وهذه الشروط هي:

أولاً: إن فكر أهل البيت (عليهم السلام) هو النور والمشعل الوضّاء والبيّنة، وإن هنالك الملايين من البشر محرومون منه، وإن مهمة إيصاله إلى هذا الكم الهائل من الناس ليس بالمهمة السهلة، مما يستدعي مضاعفة الجهود لنشر ثقافة هذا النور لتحرير الناس، بمن فيهم المفكرون والمثقفون، من ظلمات الجهل.

ثانياً: إذا أردنا لأعمالنا أن تحقق أهدافها، فلابد أن تكون مطابقة للطريق الذي رسمه الشرع لنا، وإلا فسيكون مثلنا مثل ذلك السائق الذي لا يتقيد بالعلامات المرورية، ثم يتبين لنا إن المسافة التي قطعناها بعد مدة طويلة لم تكن هي المطلوبة، وأنه ينبغي علينا العودة إلى نقطة البداية لتصحيح المسار، وبتعبير أدق: إن على العاملين في السلك الثقافي، عموماً، أن يعرضوا على الناس عين ما يريده أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فهم أعلام الهداية وأنوارها.

ثالثاً: ضرورة العمل وفق أنجح الأساليب وأجمل التعابير، تماماً كما هو الحال بالنسبة لأساليب الأدعية الواردة عن أئمتنا المعصومين (عليهم السلام)، حيث روعة البلاغة والفصاحة وجمال التعبير، فضلاً عن سموّ المعنى.

إنّنا يمكننا أن نُبقي سجلّنا مفتوحاً تدرج فيه الحسنات، إذا استطعنا أن نؤثّر بأقوالنا المقترنة بالعمل، فلنحاول دائماً أن نعمل بما نقول، لا أن نترك القول بذريعة عدم العمل، وهذا هو ما تريده منّا الآية الكريمة: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾(الصف/3). وإذا راجعنا أنفسنا بعد كلّ قول شعرنا بمسؤولية الكلمة من جانب، وجدّدنا سعينا للالتزام بما نقول من جانب آخر، فيكون ذلك ترويضاً لنا، ولا شكّ في أنّ مَن يريد شيئاً ويعمل من أجله مستعيناً بالله تعالى سيبلغه أو يقترب منه.

 

*  إن الله تعالى قد جعل لأهل العلم منزلة ومقاماً رفيعاً عنده، وإن صلاة العالم وعباداته الأخرى، تفضل صلاة العابد بألف ضعف، فكان من الطبيعي _طبقاً لهذا المقام_ أن تتضاعف مسؤولية العالم أمام الله (عزّ وجلّ). من هنا لابدّ من الإشارة إلى بعض المواطن في التاريخ الإسلامي، تتعلق بالمصاعب والمعاناة التي تحملها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) على طريق تبليغ الرسالة الإسلامية السمحة، فبعد أن بُعث (صلى الله عليه وآله) بالرسالة، اعتلى جبل الصفا، ثم جبل المروة، ودعا الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد، غير إن المشركين راحوا يرمونه بالحجارة، حتى أدموا بدنه الشريف، فبادرت إليه ملائكة السماء تلتمس منه الأمر لإبادة المشركين، إلا أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يقبل، وقال: (اللهم اهد قومي)، وعلى أثر استقامة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله وعمله، وبعد مضي نحو إحدى وعشرين سنة من بدء دعوته، دخل أكثر هؤلاء المشركين، أو أبنائهم إلى الإسلام.

لمَ النبي (صلى الله عليه وآله) يدع على أولئك المشركين بالويل والثبور، ذلك لأنه (صلى الله عليه وآله) رحمة، وكان يقول: (بُعثت رحمة). والله (عز وجل) يأمرنا في كتابه الحكيم أن نتعلَم من نبيَه (صلى الله عليه وآله) كما يجب أن نعلم بأن أكثر الناس ليسوا معاندين. نعم، قد يكونون متعصبين، ألا أنهم ليسوا بالضرورة معاندين. فمثلا يُذكر أن العيَاشي كان كاتباً (من غير الشيعة) متعصباً، لكنه لم يكن معانداً، فلما بصَره بعض الشباب الشيعة بالحقيقة، اختار مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، بحيث أَنه عندما ورث من أبيه (300 ألف) من المسكوكات الذهبية، أي ما يربو على طن واحد من الذهب بحساب اليوم، بذل كل هذه الثروة في خدمة المذهب الحقَ، وربَى أفراداً مثل (الكشي) الذي لاقى كتابه الموسوم بـ(رجال الكشي) فائق السمعة في تصنيفه لعلماء الشيعة في مجال الحديث والرواية.

 

*  لنستفد في ساعاتنا وأيامنا القادمة أكثر من ذي قبل، ولنعمل إلى جنب إصلاح الذات، لهداية أولئك الذين لا يعلمون، ولنفعل كل ما باستطاعتنا عمله، من إقامة مجالس أهل البيت (عليهم السلام)، وعقد جلسات القرآن الكريم، أو حتى حثَ الأفراد للمشاركة في مثل هذا النوع من أعمال الخير، وقضاء حاجات الناس, ومساعدة المقهورين والمحرومين والأيتام والأرامل لأجل ترسيخ دعائم الدين، امتثالاً للأمر الإلهي (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ)(الشورى/13).

-----------------------------

إضاءة

الثقافة الصائبة وحدها القادرة على مواجهة وتصحيح ما نراه من ثقافة ضحلة في عالَمِ اليوم

 

إضاءة

في مناسبة استشهاد الإمام جعفر الصادق صلوات الله عليه، في الخامس والعشرين من شهر شوال، يجدر بالجميع أن يعظّموا شعائر الله (عزّ وجلّ) فيه، ويقيموا مراسيم العزاء في كل أرجاء العالم، ويعلنوها (ثقافة صادقية) التي هي ـ بحقّ ـ ثقافة الإسلام الصحيح وثقافة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وثقافة أهل البيت (عليهم السلام) جميعاً، والتي هي ثقافة الأمن والطمأنينة والخير للجميع.

المرجع الشيرازي (دام ظله)