من منهج الإمام الصادق .. ووصاياه


 

كان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في مقاربته للحياة والدعوة للإقبال الإيجابي عليها بهدف إعمارها، يوصي بالسلوك الإنساني، ويوجّه الى مكارم الأخلاق، دون رياء أو نفاق، فكان يدعو الى الإقبال على الحياة، وعدم تصنع الخشوع في الهيئة، فذلك مخالفة للسلوك النبوي، ويرى فيه رياءً، الذي يقول فيه الإمام الحسين السبط (عليه السلام) أن (أقله كفر)، والصادق (عليه السلام) في ذلك يكون رمزاً للكرامة الإنسانية، فكان ابن المقفع يقول في الحرم: "ما من أحد أوجب له اسم الإنسانية إلا ذلك الشيخ الجالس"، وأومأ الى الإمام الصادق (عليه السلام)(التوحيد، الشيخ الصدوق، ص١٢٦).

وكانت أدعية الصادق (عليه السلام) تنحى هذه المعاني النبيلة، وهي تدعو الى الرقي نحو الكمال، وتهذيب النفس، وتقويم الأخلاق، من خلال تقوى الله وخشيته، والعمل بما فرضه (عز وجل) في كتابه، دون رياء، أو تجاوز على الحقوق.

وقد صنفت الكثير من الكتب، التي تختزن تلك الأدعية، فالإمام ينحو ما درج عليه جده الإمام علي زين العابدين (عليه السلام)، الذي اتخذ من الأدعية، بما تحمله من فكر وعقيدة ووعظ وشريعة وسمو ونبل ورقي، مدرسة في نشر الأحكام الفقهية، والعقيدة الصحيحة، والمنهج الإسلامي القويم، بعيداً عن رقابة الدولة، ومصادرتها للفكر والعلم، في الطرائق التقليدية.

وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يعامل الناس بالمودة وحسن الظن، فكان يستقبل القادمين إليه بالترحيب والتودد، وانبساط الوجه، والخلق الرفيع، لتقديم النموذج الإيجابي والتربوي، وتشجيع الآخرين، لإشاعة المحبة والمودة في المجتمع، وكذا جعلهم أن لا يترددوا أو يتحرجوا، بطرق بابه لطلب العلم، أو حضور دروسه ومباحثه، فضلاً عن أن الإمام في تبسطه وأريحيته، إنما يرفع الحرج عن الناس، عن المسألة والسؤال، في أية حاجة ليقضيها لهم.ريخيأريخي

بموازاة ذلك، اهتم الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بتقديم وصاياه، ونشر حِكَمِه وإرشاداته السلوكية والفكرية، باختلاف عناوينها، وتنوع موضوعاتها وأهدافها، والجهة أو الجهات التي يتوجه في الوصايا إليها، فتارة تكون لفرد من أهله، أو خليفته الذي ينص إليه بالمسؤولية من بعده، أو ليشهد الأمة على ذلك، كي لا تثار الخلافات حوله.

وقد يختص بوصاياه، أتباعه وأصحابه وشيعته، وأخرى يشرع بتعميمها على الأمة بجميع شرائحها، بهدف إصلاح المجتمع، وتحصينه ومنعته، وأخرى يخص بها أولي الأمر، بهدف تقويم الحكم وترشيده، ومنع الاستبداد والظلم والجور، وكان في توجيه وصاياه غير مميِّز، بين أتباعه ومواليه، ومن يتولى منهجه أو بين الآخرين ممن يجتهدوا بآرائهم، باختلاف مللهم وأهوائهم، لكنهم يختلفون إليه، ويحضرون مجالسه ودروسه، ولا يمنع وصاياه ونصحه، حتى المخالفين له.

كما تشمل وصاياه (عليه السلام)، طرائق الحكم الرشيد، والسياسة وأصولها، وحقوق الفرد والمجتمع والدولة فيها، وفي جميعها ينشر (عليه السلام) ثقافة السلم الأهلي، والتسامح وقبول الاختلاف، ورفض العنف، والتمسك بالفضيلة ومكارم الأخلاق، والانسجام بين القول والعمل، وبين المعتقد والسلوك.

فالكلمة مسؤولية في رقبة قائلها، واستباحة دماء الناس، من أعظم الكبائر، فيؤكد الإمام أن (مَنْ أعان على قتل مؤمن، ولو بشطر كلمة، كتب بين عينه آيس من رحمة الله)(العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج101، ص383)، ويدعو الناس جميعاً الى (البر بالإخوان، ولو بحسن الجواب، ورد السلام)(بحار الأنوار: 74/131، ب: صلة الرحم)، ومن (صدق لسانه، زكا عمله)(الخصال، الشيخ الصدوق، ص٨٨).

وبذلك فالإمام يعدّ سلوكيات مواليه، مسؤولية ثابتة عليهم، فهم المرآة لمنهج مدرسة آل البيت (عليهم السلام)، والمصداق العملي لمتبنياتها السلوكية، وبخلافه لا ينالون شرف ولايتهم لآل البيت، مهما يصرحون بها بألسنتهم، ويدّعون المودة لهم أمام الناس، رياءً ومصلحة شخصية، كما أن الولاية لمدرسة آل البيت، لا تختص بالعاطفة فقط، بل تستوجب الاقتداء بهم، وخاصة في التدين الصحيح، وإقامة الفرائض، عن إيمان صادق، دون رياء أو تصنّع، فيقول الإمام لمواليه (لا ينال شفاعتنا مستخفّ بصلاة)(وسائل الشيعة، ج4، ص25).

فيعظ الإمام مواليه قائلاً: (إن الرجل منكم قد ورع في الدين، وصدق الحديث، وأدّى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل هذا جعفري، وقيل هذا أدب جعفر، فيكون بين عشيرته أدّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، اليه وصاياهم وودائعهم)(الكافي، الشيخ الكليني، ج٢، ص٦٣٦). فالأهداف السلوكية التي يؤكدها الإمام، أن يكون موالي أهل البيت قدوة ومثالاً في المجتمع الإسلامي، ليقدموا النموذج الأمثل فيه.

وقد ذكر الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار، أن من مكارم أخلاق الإمام، أنه رحّب بالشقراني، عند زيارته له، وقضى له حاجته، مع علمه بحاله، ووعظه على وجه التعريض، وهذا من أخلاق الأنبياء، وقال له (إِن الحَسَن من كلّ أحد حَسَن، وأنه منك أحسن، لمكانك منّا، وأن القبيح من كلّ أحد قبيح، وأنه منك أقبح، لمكانك منّا)(ج3، ص92)، وإِنما قال له الإمام الصادق ذلك، لأنه كان وآباؤه من موالي البيت الشريف.

ومن وصاياه لابن جندب، قال (عليه السلام):

يَا ابْنَ جُنْدَبٍ، حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَعْرِفُنَا أَنْ يَعْرِضَ عَمَلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونَ مُحَاسِبَ نَفْسِهِ، فَإِنْ رَأَى حَسَنَةً اسْتَزَادَ مِنْهَا، وَإِنْ رَأَى سَيِّئَةً اسْتَغْفَرَ مِنْهَا لِئَلَّا يَخْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

يَا ابْنَ جُنْدَبٍ، لَوْ أَنَّ شِيعَتَنَا اسْتَقَامُوا لَصَافَحَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَلَأَظَلَّهُمُ الْغَمَامُ، وَلَأَشْرَقُوا نَهَارًا، وَلَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، وَلَمَا سَأَلُوا اللهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُمْ.

يَا ابْنَ جُنْدَبٍ، الْمَاشِي فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَالسَّاعِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَاضِي حَاجَتِهِ كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، وَمَا عَذَّبَ اللهُ أُمَّةً إِلَّا عِنْدَ اسْتِهَانَتِهِمْ بِحُقُوقِ فُقَرَاءِ إِخْوَانِهِمْ.

يَا ابْنَ جُنْدَبٍ، بَلِّغْ مَعَاشِرَ شِيعَتِنَا وَقُلْ لَهُمْ لَا تَذْهَبَنَّ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ، فَوَ اللهِ لَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْوَرَعِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الدُّنْيَا، وَمُوَاسَاةِ الْإِخْوَانِ فِي اللهِ، وَلَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا مَنْ يَظْلِمُ النَّاسَ.

-------------------------------

إضاءة

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (من زين الإيمان الفقه، ومن زين الفقه الحلم، ومن زين الحلم الرفق، ومن زين الرفق اللين، ومن زين اللين السهولة)(تحف العقول/260)