بحوث فقهيّة


 

من مصاديق المؤونة

أحد الحضور توجه بالسؤال التالي: أحياناً يشتري شخص شيئاً بحيث يستعمل جزءاً منه في هذه السنة، ولكن عينه تبقى إلى عدّة سنوات، كالكتب التي يشتريها الطلاب، هل تعدّ من المؤونة التي ﻻ تتعلّق بها الخمس؟

فقال سماحته: المؤونة موضوع عرفي يترتب عليه حكم شرعي كبقية الموضوعات، والشارع نفسه لم يعرّف المؤونة، ولهذا السبب يكون الموضوع موضوعاً عرفياً، والدليل يقول: (الخمس بعد المؤونة)، ولكن أيّة مؤونة؟ المؤونة التي أولاً: لا تنفق في الحرام. ثانياً: تكون في حدّ شأن الإنسان الشخصي. ثالثاً: تكون مؤونة فعلية. وفي حدّ الشأن يعني: إذا أنفق هذا الشخص بهذا المقدار فإنّه في رأي المجتمع لن يكون سبباً لدهشة وتعجّب الآخرين وأولئك الذين من أمثاله. لكنه إذا أنفق أكثر من شأنه، أو أنفق في الحرام كإنفاق ماله في القمار مثلاً، فيجب عليه حينئذ من أداء الخمس، خمس ما أنفقه في الحرام. وإن أنفق هذا المقدار في الحرام أو كان أكثر من شأنه، فإنّ عنوان المؤونة يطلق عليه، ولكن دليل (الخمس بعد المؤونة) وبمناسبة الحكم والموضوع لا يوجد فيها الظهور والإطلاق حتّى تكون شاملة لمؤونة الحرام وأكثر من شأنه أيضاً.

أي: أنّ المؤونة على لسان الدليل منصرفة في لسان الحرام والأكثر من الشأنية، وعلى الأقل من الشكّ، وحينئذ فإنّ الدليل العام لوجوب الخمس سوف يشمله، والقدر المتيقّن من التخصيص والاستثناء هو في المورد الذي ﻻ يكون الإنفاق حراماً وأيضاً لا يكون أكثر من الشأن أيضاً، وإذا شككنا في شمول الدليل الخاص في مورد فعلينا حينئذ التمسّك بعموم العام.

شرط فعلية المؤونة

يذكر الفقهاء: في المؤونة أنّ الفعلية شرط، أي يجب أن تكون المؤونة في السنة نفسها حتّى يسقط خمسها، ولكن إذا كانت المؤونة في السنوات التالية وإن كان المتعارف أنّ الشيء الذي اشتراه هذه السنة ولكنه يستفاد منه في السنوات الآتية، كالبيت على سبيل المثال اشتراه هذه السنة ولكنه سوف يستفاد منه حتى 50 سنة بعدها، فهذا مما ليس له خمس، ولكن إذا كان شيئًا ليس من المتعارف كالطعام الذي اشتراه هذه السنة ليبقى إلى السنة التالية، فلابدّ أن يؤدّي خمس ما يزيد منه، لأنّه من غير المتعارف أن يأكل المواد التموينية من الأطعمة في السنوات التالية ويشتريها هذه السنة.

المؤونة والإسراف في الإنفاق

سأل أحد الفضلاء: بأيّ دليل إذا أنفق المؤونة في الحرام، مثلاً قام بالتبذير أو الإسراف، فيجب أن يؤدّي خمسه، علماً بأنّ هذا المبلغ أنفق وأصبح مؤونة، نعم هو مذنب وعاص في ارتكابه للحرام.

أجاب سماحته: إذا بذّر المال مثلاً قام بحرقه أو ألقاه في البئر، فلا يعدّ هذا مؤونة بالإجماع، وفي حرمة التبذير لا خلاف في ذلك، ولكن الإسراف فيه خلاف هل هو حرام أم ﻻ، والمشهور من الفقهاء يقول: حرام ونحن قائلون به أيضًا.

الإسراف يعني أن ينفق أكثر من حاجته، فقد ورد في الرواية الشريف: (إنّ من الإسراف صبّ فضل الماء) وطبعاً لأنّ سند الرواية مخدوش وغير معتمد، فقد قال الفقهاء بأنّ هذا الإسراف مكروه.

الخلاصة: وبناءً على أنّ الإسراف حرام، فإذا أنفق ماله في الإسراف، فإنّه غير مشمول لدليل (الخمس بعد المؤونة)، لأنّ المؤونة لابدّ أن تكون مصروفة لأنّ عموم دليل الخمس قد شملها، وسقوط الخمس يحتاج إلى دليل، ودليل الخمس يقول: (هي والله الإفادة يوماً بيوم)، لذلك إذا وصل بيده فائدة فإنّ الخمس سوف يتعلّق بها، ولكن هذا الخمس من الواجب الموسّع.

دليل السنة والعام يقول: له الحقّ في التأخير في تأخير أداء الخمس إلى سنة واحدة أي رأس سنته الخمسية. ومن ناحية أخرى يقول دليل المؤونة: وكلّما أنفق من أجل المؤونة فلا خمس فيه، والآن إذا أنفق في الحرام هل يعدّ هذا مؤونة؟ على الأقل نشكّ هل أنّها مؤونة أم لا؟ لذلك فإنّ دليل المؤونة لا يشمله، وإذا شكّ في مورد أنّ مؤونته 900 ألف أو مليوناً واحداً، فنظراً إلى الدليل العام لوجوب الخمس العموم يجب عليه أن يخمّس المقدار المشكوك.

أصل الوجوب أو عدمه

وأشار سماحته إلى بحث آخر وهو محلّ خلاف، هل عند الشكّ في الخمس وعدم الخمس، أنّ الأصل هو الخمس أم عدم الخمس؟ قال المشهور من الفقاء: الأصل عدم الخمس، لأنّ الخمس تكليف، وإذا شكّ فيه فالأصل عدم التكليف. لكن نظري ورأيي من بحسب عموم الأدلة المختلفة هو أنّ الأصل هو الخمس، ومن تلك الأدلة يقول الإمام: هل تظنون أنّ الخمس لنا فقط، المال كلّه لنا، أو الرواية التي أشرت لها وقد نقلت أيضاً في جامع أحاديث الشيعة أيضاً.

*  جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي(دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة