الإمام أمير المؤمنين .. منهج تقييم وتقويم (1)


 

 

     البحث في شخصية الإمام أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهي الشخصية الاستثنائية، في أكثر من مجال، قد يكون من السهل الممتنع، على اصطلاح أهل الأدب. فالسهل فيه يكون في مساحته الواسعة، التي تلامس جميع ضروب المعرفة الإنسانية وعلومها وثقافاتها، وفي جوانب الفكر والإبداع، والسلوك والعمل، فيسهل بذلك على الباحث تحصيل المادة البحثية، في الكم المتوفر من المراجع والمصادر، التي اهتمت بدراسة شخصيته، سواء داخل المنظومة الإسلامية أو خارجها.

أما الصعب أو الممتنع، فهو في تحدّي الذات، لما يتقرر اختياره وما يُستثنى، ضمن نطاق البحث ومجاله، وامتداداته الأفقية، وعمقه العمودي، لجهة الخوض في بحر العلوم، التي تنتهي الى مُنتج الإمام وموروثه ومدركاته، من فقه وعقيدة، دراية ورواية، في العقل والنقل، وصولاً الى حقول المعرفة وفروع العلوم، في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتاريخ، فضلاً عن آداب العربية وعلومها من نحو وبلاغة وصرف، وما يتعدى ذلك الى العلوم الصرفة. 

لقد امتاز أمير المؤمنين (عليه السلام) بصفات عديدة لا يسعها مقام لبيانها، ولو إجمالاً، ويؤكد ذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من أراد أن ينظر إلى آدم في خلقه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب)(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج9 ص154).

كما أن الانتقاء من مواقف الإمام وأيامه، سيكون ممتنعاً فعلاً، لاستحالة الاختيار بين جوانب شخصية واسعة وفريدة، بدءاً بالجهاد الذي تفرد به، الذي لولا سيفه فيه لما قام الإسلام، وفي الحكم والأحكام، وفي العدل والقضاء، ثم في جوانب الرأي والمنهج العقلي، والسلوك والأخلاق.

يقول عبد الله بن العباس: (لو ان الشجر أقلام والبحر مداد، والإنس والجن كتاب وحساب، لما أحصوا فضائل أمير المؤمنين)(أحاديث المسلمين في فضائل أمير المؤمنين، ص17، ومحمد صادق النجمي، الشيخ، أضواء على الصحيحين، فضائل أمير المؤمنين في الصحيحين).

وفي قول إمام المذهب الشافعي: (كيف تُعد فضائل رجل أسر أولياءه مناقبه خوفاً، وكتمها أعداؤه حقداً، ومع ذلك شاع منها ما ملأ الخافقين)(تذكرة الخواص، ص8).

وقد قال الشاعر حسان بن ثابت:

 

من ذا بخاتمه تصدق راكعاً         وأسرها في نفسه إسرارا

من كان بات على فراش محمد     ومحمد أسرى يؤم الغارا

من كان في القرآن سمي مؤمناً    في تسع آيات تلين غزارا

 

يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): (المسلمون اليوم إذا لم يرجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) سيكون مصيرهم السقوط والتخلف، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) نور إلهي يضيء الدرب للمجتمعات الإنسانية، إذا ما عملت بقوله، واقتدت بسيرته، فهو الذي يعطي العلماء علماً، وللمجاهدين قوة، وللصابرين صبراً، وللمتقين روحاً وتقوى، وللمضحّين إخلاصاً، وللسياسيين إرشاداً، وللاقتصاديين منهجاً، وللحكام عبراً، وللشعوب تقدماً، ولغير المسلمين رحمة وعطفاً، وهو الذي يعطي جميع ما يحتاجه الناس في الدنيا والآخرة).

وفي عالمنا اليوم، أكثر ما يدور الحديث عنه في أروقة السياسة، وفي عموم وسائل الإعلام، هو (وجود مشاكل)، فالمشاكل في كل شيء، وموجودة في كل مكان، وباتت البشرية محاصرة بأنواع من الأزمات، والجميع يبحث عن حل.

ستكون هذه الدراسة في حلقات، وستتناول أبعاد الشخصية العلوية ومعالمها، وافراغاتها في الواقع المعاصر المأزوم، كما ستنصرف، في مقاربة سريعة، لأثر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في بناء شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحرصه (صلى الله عليه وآله) على تقديمه للأمة الإسلامية، بل إلى البشرية، على أنه (عليه السلام) الإسلام بكل أحكامه وقيمه وأخلاقه، الأمر الذي به يترتب على المسلمين فهم معمق لهذه الوديعة المحمّدية، وما يتبع ذلك من اهتداء واقتداء.

وستلامس الدراسة المنهجين التحليلي والتاريخي، فضلاً عن قراءة النصوص المروية في خطاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، الفكري والتربوي والسياسي، التي تمثل تراث الإمام ومنهجه، الذي هو الإسلام ومناهجه التطبيقية.

الدراسة ستسلط الضوء على الجوانب المنهجية والسلوكية في شخصية أمير المؤمنين، وآثارها المعيارية المعاصرة في الفرد والمجتمع والدولة، ومنابع بناء شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام)، من خلال قراءة في المولد والنشأة، وصلته بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وإقرار الولاية له، في النص الإلهي المقدس، والسنة النبوية الشريفة، ثم إطلالة على متبنيات الإمام الفكرية والعقلية، ودوره ما بعد رحيل النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وقراءة في القيم الإنسانية للإمام، ومنهجه في الحكم والسياسة وتداول السلطة، واشتراطاته في الحاكم والمسؤول، وأثر كل ذلك في بناء الدولة وإدارتها.

يتبع...

-------------------------------------

إضاءة

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحق الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): (اللهم انصر من نصره، واخذل من خذله). ومن أجزاء نصرة الإمام عليّ(ع)، تعريف الإمام للدنيا، وأنه وصيّ من الله تعالى، وأنه القرآن الناطق.