من أجل مجتمع أفضل


 

أكبر من مشكلة

 

خلق الله تعالى الإنسان (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين/4، ومنَّ عليه بوسائل وأدوات تمكنه من أن يعيش في رحاب هذه الأرض وينتفع من خيراتها، ويعيش عيشة طيبة هانئة.

وحينما فطر الله الناس على الفطرة السليمة، ألهم سبحانه النفس البشرية (فُجُورَها وَتَقْواها) الشمس/8. وترك للإنسان حرية الاختيار، منًّا منه تعالى وفضلاً، فطريق الجنة مفتوح لمن يشاء كما طريق النار، وللإنسان أن يختار ما يريد.

ورغم العبر التي تملأ صفحات الكتب ويوميات الحياة، كثيرٌ من الناس يُثقلون على أنفسهم بما يجعلهم في غربة عن الفطرة والحق والحياة الهانئة، (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ) المؤمنون/70.

فيأبى بعضٌ أن تبقى نفسه سليمة صافية، فيلوثها من حيث يدري أو لا يدري بالحرام أو الشبهات أو الاستغراق بالمكروهات، وبمرور الأيام تمتلأ نفسه سوءً ومرضاً، ويكتسي قلبه صدأ، (... بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) المطففين/14. فتعمى بصيرته التي بها يميز الخبيث من الطيب والطالح من الصالح، حتى يجد نفسه في ظلمات.

ومن الظلمات التي يصنعها الإنسان فيركس نفسه فيها (النفاق) الذي هو من نتاج الذنوب، فمما يغرس النفاق في النفس البشرية (الكذب)، يقول (عليه السلام): (الكذب يؤدي إلى النفاق)(غرر الحكم: 969). أيضاً، فإن (الذل) أحد العوامل التي ترسخ النفاق، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (نفاق المرء من ذل يجده في نفسه)(غرر الحكم: 969). كما الخيانة، يقول (عليه السلام): (الخيانة رأس النفاق)(غرر الحكم: 969). كما أن التملق لهذا السياسي أو ذاك المسؤول أو ذلك الوجيه لا يمر دون أثر في النفس، يقول (عليه السلام): (من أتى غنيًا فتواضع له لغناه ذهب ثلثا دينه)(نهج البلاغة: الحكمة ٢٢٨).

النفاق ظاهرة مَرَضيّة تصيب النفوس، وعادة تولد في المراحل الراشدة من عمر الإنسان، ونادراً ما تتواجد في النفس في مراحل الطفولة المبكرة أو المتأخرة أو حتى في مرحلة المراهقة.

وهذا دليل على أن النفاق سمة نفسية تنتقل إلى الشخص من خلال المحيط الأسري والمجتمعي، النفاق كما يعرفه المرجع المجدد الشيرازي الراحل(قده) بأنه "أن يظهر الإنسان بمظهر حسن جميل، وينطوي على باطن سيء قبيح". لكنه يبيّن "أن يخفي عن الناس صَلاته وصِلاته، تقرباً وزلفى، أو يمدحك خلف ظهرك، ثم يتورع عن الرياء فيصمت أمامك، فليس هذا من النفاق، بل من أحسن الخصال الذي لا يتحصل عليه الشخص إلا بمجاهدات نفسية شاقة، لا يحصل عليها إلا ذو حظ عظيم".

ورغم أن النفاق بحد ذاته مشكلة خطيرة، إلا أنه يقود إلى أنواع أخرى من السلوكيات السيئة والخصال الهوجاء، يقول (صلى الله عليه وآله): (النفاق يبدو لمظة سوداء، فكلما ازداد النفاق عظمًا ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب)(كنز العمال: 1734). وقال الإمام علي (عليه السلام): (النفاق يفسد الإيمان)( غرر الحكم: 741). وقال (عليه السلام): (النفاق شين الأخلاق)(غرر الحكم: 735).

بالتالي، فإن النفاق أسوأ خلق وأحط سلوك، يقول(قده): "النفاق، سواء أكان في الإيمان والدين، أم في العبادة والطاعة، أم في العشرة والاجتماع، وسواء أكان لطلب ثروة أو صيت أو زوجة أو منصب، فهو من أرذل الصفات، وأقبح الأعمال".

إزاء ظاهرة النفاق الخطيرة بتداعياتها وآثارها السلبية على الفرد والأسرة والمجتمع، فضلاً عن تشويه القيم والأفكار، لا يكفي معرفة خطر هذه الظاهرة وقبحها، فلابد من حيازة سبل كشف النفاق الذي قد يسقط فيه أي أحد، وكشف المنافق للتعامل معه كما ينبغي.

ومما جاء في وصف المنافقين بالقرآن الكريم قوله (عز وجلّ): (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً  مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)(النساء:142-143).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ثلاث من كن فيه كان منافقًا، وإنْ صام وصلى وزعم أنه مسلم، مَنْ إذا اُئتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، إن الله (عز وجل) قال في كتابه: (إن الله لا يحب الخائنين). وقال: (أن لعنة الله عليه إنْ كان من الكاذبين). وفي قوله(عز وجل) (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًا)(الكافي: 2/290/8).

وفي الخصال: عن ابن مسعود، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (أربع من كن فيه فهو منافق، وإنْ كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: مَنْ إذا حدث كذب، وإذا وعَد أخلف، وإذا عاهَد غدر، وإذا خاصَم فجر)(مستدرك سفينة البحار/ج١٠/ص١٢٨).

بالتالي، فإن المنافق ليس هو الذي يظهر على غير حقيقته فقط، بل هناك أشكال أخرى للنفاق مثل الذي إذا تحدث فلا يصدق، وإذا وعد فلا يلتزم، وإذا تخاصم مع آخر فلا يتورع.

وهذه الأشكال من النفاق أصبحت شائعة في عالمنا اليوم، خاصة في مجال السياسة، وأيضاً في مجال المسؤولية الحكومية والمجتمعية، وخاصة في دول المسلمين. 

------------------------------

إضاءة:

يقول نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله):

(مَنْ خالفت سريرته علانيته فهو منافق، كائنًا مَنْ كان)(البحار:٧٢/٢٠٧/٨).

(ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق)(الكافي:٢/396/6).