ليس من تاريخ النبي


 

تعم بلاد المسلمين، في كل عام، الاحتفالات بذكرى المولد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) التي غالباً ما يتحدث فيها المحتفلون عن أخلاقه (صلى الله عليه وآله) وهو من وصفه الله تعالى بـ(وإنك لعلى خلق عظيم)، وأنه إنما أرسل رحمة للعالمين.

لكن يا ترى ما جدوى الاحتفال بمولد نبي الإسلام وذكر أعماله وأقواله (صلى الله عليه وآله) وكل أعماله وأقواله تفيض محبة وحكمة وخيراً وسلاماً وفضيلة ونبلاً، وفي الوقت نفسه، يشهد العالم _بين حينٍ وآخر_ انتحارياً يفجر نفسه بين مدنيين مسالمين، أو مسلماً يدهس بسيارة كبيرة أطفالاً ونساء يسيرون في الشارع، أو ملتحياً يطعن بسكين أبرياء يجلسون في أماكن عامة. حتى أنه ومن جراء سلسلة جرائم وحشية، نفذها مسلمون، اُقيمت تظاهرات في العديد من دول الغرب، مناهضة للإسلام، وطالبوا برفض الإسلام ورفض بناء المساجد في بلدانهم. يشير المرجع الشيرازي (دام ظله) إلى أن السبب في وقوع وحصول موجات رفض الإسلام في مختلف دول العالم هو (الصورة المشوّهة التي يراها العالم اليوم عن الإسلام من بعض المتلبّسين باسم الإسلام، فهل من الإسلام أن يقوم طفل أو أطفال وفي غير الحرب، بذبح الأشخاص مع ترديد هتاف الله أكبر؟!).

قطعاً أن الإسلام ليس دين السيف، بل هو دين المنطق والأخلاقِ، ويشهد بذلك تاريخ حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). لقد كان (صلى الله عليه وآله) يؤكد بقوله وفعله وتقريره على حرية الفكر والعقيدة، فكان يكرم وفود المشركين، ويسعى في دعوتهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان يجادلهم بالتي هي أحسن.

وقطعاً أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في جميع حالاته مثالاً أعلى للأمانة والإخلاص، والصدق والوفاء، وحسن الخلق, وكرم السجية، والعلم والحلم، والسماح والعفو، والكرم والشجاعة، والورع والتقوى، والزهد والفضيلة، والعدل والتواضع، والجهاد.

وقطعاً أن الإسلام لم يعلن الحرب على أحد، وهو في ذروة دعوته وانتشاره، إلا ما شرعه دفاعاً لدرء الخطر والذود عن النفس والعرض والمال والوطن عند الاعتداء على أحدها، أو حروب الدفاع عن المستضعفين الذين يرضخون تحت الظلم والعدوان، كما قال تعالى ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين﴾ النساء/75.

وهذا ما صرح به حتى بعض علماء الغرب الذين يتحرّون الحقيقة وعندهم ما يكفي من النزاهة والشجاعة ليتحدثوا عنها إلى العالم. يقول (غوستاف لوبون): (كان محمد كثير المسامحة لليهود والنصارى، خلافاً لما يُظن. وأن القوة لم تكن عاملاً بانتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم ولم ينتشر الإسلام بالسيف، بل بالدعوة وحدها)( حضارة العرب، ص519). وكتب (ول ديورانت) في (قصة الحضارة): (أصبح المسيحيون الخارجون على كنيسة الدولة البيزنطية، والذين كانوا يلقون صوراً من الاضطهاد على يد بطاركة القسطنطينية، وأورشليم، والإسكندرية، وأنطاكية، أصبح هؤلاء أحراراً آمنين تحت حكم المسلمين)». وقال (فانسان مونتاي)، المستشار العسكري للجنرال الفرنسي (ديغول)، في مقال له بعنوان «لماذا وكيف أسلمت؟»: (لقد وجدتُ الإسلام، الذي جاء به محمد، دين الفطرة والبساطة والوضوح، حيث لا أسرار ولا ألغاز ولا تأليه بشر فيه، والإسلام دين التسامح، وهو يدفع إلى الأخلاق العليا والكرامة الإنسانية. وهو دين الحق والعدل والمساواة والحرية والعقيدة الصافية).

إنّ من أبرز أسباب الصورة المشوهة عن الإسلام وعن مقام وشخصية مولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في الغرب وغيره، يعود إلى أمرين:

الأول: هناك حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكْثَرَ من روايته العامّة والخاصّة بطرق مختلفة لدرجة قد تبلغ حدّ التواتر، من أنه (صلى الله عليه وآله) قال: «كثرت عليّ الكذّابة وستكثر»، وفي بعضها بزيادة: «بعدي». والمقصود بالكذّابة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين يختلقون الأحاديث وينسبونها له، أو يلصقون بسيرته (صلى الله عليه وآله) ما ليس من سيرته. ومنها ما كتبوه في كتبهم استناداً إلى الأكاذيب المكتوبة على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وإن الذين يروون تلك الأحاديث القبيحة يقال إنهم من الصحابة والتابعين! وتسمّى الكتب التي تقوم بنقلها بالصحاح!

الثاني: لقد أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة عاشوراء أنه يسير بسيرة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيرة أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). والسبب في قول الإمام (أسير بسيرة أبي) هو لأن الذين جاؤوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) وبعده، كانوا قد شوّهوا صورة الإسلام بتصرّفاتهم وأسلوب حكمهم وإجرامهم وفسادهم وإفسادهم. فبعضهم سمّى نفسه خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومنهم معاوية، الذي قام وخلال يوم أو يومين أو ثلاثة وعبر مبعوثه بسر بن أرطاة إلى اليمن، بذبح أكثر من ثلاثين ألفاً من الأبرياء في اليمن، كان فيهم الرضّع والشيوخ والحوامل والأطفال. وقد قتل هؤلاء الأبرياء لا في حرب، بل لأنهم كانوا يعتقدون بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بأنه خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقط.

وإزاء هذا الواقع المتخم بالتشويه والأكاذيب والإساءة إلى الإسلام ونبيه، فإن الأولوية تكمن في نشر تاريخ نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله)، الذي نقله أهل البيت الأطهار(عليهم السلام)، لا التاريخ الذي نقله غيرهم، مهما كانوا، (فأهل البيت أدرى بما في البيت).

-----------------------------

إضاءة

إزاء هذا الواقع المتخم بالتشويه والأكاذيب والإساءة إلى الإسلام ونبيه، فإن الأولوية تكمن في نشر حقيقة الإسلام، من خلال نشر تاريخ نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله)، الذي نقله أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، لا التاريخ الذي نقله غيرهم.