على هامش عاشوراء (2)


 

بالرغم من أن الذي وقع في العاشر من المحرّم الحرام عام 61هـ، هو أن سيد الشهداء (عليه السلام) إنما خرج للثورة على حكم الطاغية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، الذي نكّل بالشيعة، الذين كانوا يحملون الإسلام باتباعهم أهل بيت النبوة، ولأن يزيداً كأبيه قد سلب حرية الناس، سواء أكانوا شيعة أو غيرهم، وصادر كراماتهم، وأهان معتقداتهم، وشوَّه ثوابت الإيمان، وحرَّف مبادئ الإسلام، بالرغم من ذلك إلا أن هناك من يرى أن الشيعة هم من قتلوا الإمام الحسين (عليه السلام).

فأي منطق يسوّغ اتهام الشيعة بقتل إمامهم الحسين (عليه السلام)، وقد جاء ومعه وأهله وصحبه ليقاتلوا من أجل إنقاذهم _كما انقاذ غير الشيعة_ وليستشهدوا من أجل خلاصهم من حكم طاغية دموي وفاجر متهتك.                                                     

مما اتفق عليه المؤرخون، أن الإمام الحسين (عليه السلام) خاطب جنود ابن سعد بعد أن هجموا على مخيّمه وقال: «يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً». وهذا دليل صريح على أن الذين اشتركوا في قتله لم يكونوا من شيعته، بل كانوا من شيعة آل أبي سفيان والسائرين على خط بني اُمية.

كما أن أسماء قادة الجيش كانوا من البعيدين عن أهل البيت (عليهم السلام) من أمثال: الحصين بن نمير التميمي، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، وعزرة بن قيس الأحمسي، وكانوا معروفين بالانتساب إلى بني أمية وموالاتهم، وقيس بن الأشعث، وشبث بن ربعي، وكانا من رؤوس الخوارج، وحتى عمر بن سعد بن أبي وقاص، فإنه وأبوه لم ينصرا أهل البيت (عليهم السلام) يوماً، ولم يتشيعا لهم، بل على العكس فقد خذل سعد أمير المؤمنين (عليه السلام)، واعتزل حروبه كلها.

وأيضاً، فإن أصحاب قرار الحرب على الإمام سيد الشهداء (عليه السلام)، والذين معهم، لم يكونوا من الشيعة، وهم يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث بن قيس، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، وعبد الله بن زهير الأزدي، وعروة بن قيس الأحمسي، وشبث بن ربعي اليربوعي، وعبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، والحصين بن نمير، وحجار بن أبجر.

وكذا كل من شارك في قتل الحسين أو قتل واحداً من أهل بيته وأصحابه، كـ: سنان بن أنس النخعي، وحرملة الكاهلي، ومنقذ بن مرة العبدي، وأبي الحتوف الجعفي، ومالك بن نسر الكندي، وعبد الرحمن الجعفي، والقشعم بن نذير الجعفي، وبحر بن كعب بن تيم الله، وزرعة بن شريك التميمي، وصالح بن وهب المري، وخولي بن يزيد الأصبحي، وحصين بن تميم وغيرهم، بل لا تجد رجلاً شارك في قتل الحسين (عليه السلام) معروفاً بأنه من الشيعة.

بموازاة ذلك، فإن أقطاب الشيعة في ذلك الوقت كانوا بين مَنْ وصل والتحق بنصرة الحسين (عليه السلام) واستشهد معه، وبين مَنْ حيل بينه وبين الإمام الحسين كبعض بني غاضرة، وبين من كان في المنافي، حيث إن زياداً هجّر الألوف من الشيعة وأبعدهم عن العراق. قال ابن أبي الحديد المعتزلي: روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث، قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمَّاله بعد عام الجماعة: "أن برئت الذمّة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته".

فقام الخطباء في كل كُورة وعلى كل منبر يلعنون عليّاً ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس ابتلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة علي، فاستعمل عليهم زياد بن سُميّة، وضم إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام عليّ، فقتلهم تحت كل حَجَر ومَدَر وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسَمَل العيون وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وبين من زجّ بهم في المعتقلات المختار بن أبي عبيد، وسليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وأمثالهم من الشخصيات الشيعية الكبيرة.

يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): إن قتلة الإمام الحسين (طولياً) هم: شمر وابن سعد وابن زياد ويزيد لعنة الله عليهم، فشمر هو الذي باشر وارتكب الجريمة الكبرى، وكان أميره ابن سعد. وابن زياد هو الذي أرسل ابن سعد، ويزيد لعنة الله عليه هو الذي بعث ابن زياد لعنه الله.

وقد ذكرت الروايات الشريفة أن النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) قال: (مالي وليزيد، اللهم العن يزيد). فلماذا لم يقل النبي (صلى الله عليه وآله): (مالي ولشمر)؟ أو (مالي ولابن سعد)؟ أو (مالي ولاين زياد)؟ وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعلم بأن يزيداً هو مسبّب هذه الجريمة، فالكبار دائماً هم المسؤولون أولاً.

ولهذا فإن هناك من يكتب اليوم بأن يزيداً ما كان على علم بما جرى في كربلاء، والدولة الإسلامية مترامية الأطراف، والحاكم أحياناً تخفى عليه الجزئيات ولا يعلم بها! ويأتي هذا السلوك في محاولة للردّ على التناقضات التي تنخر عقيدة القوم والتي أخذت تتكشف للناس، خاصة بعد ظهور التنظيمات الإرهابية وإعلانها عن الفقه الذي تستمد منه هذه الاستباحة المتوحشة في قتل الناس. وبذلك إنما هم يزورون الحقائق، ويبررون للطاغية يزيد، ولمن مثل يزيد، تماهياً مع تاريخ طويل من الانحراف والظلم والدماء، والذي كان أوله نفاقاً وانقلاباً، واليوم يفرز ذباحين وإرهاباً.

-----------------------------

إضاءة

على الزائر الحسيني أن يعرف قدْر نفسه، وعليه أن يتحلّى بالصفات الإيمانية الفاضلة، لتحقيق أدب الزيارة ونتائجها المرجوة، وهي: الإخلاص لله تعالى، السعي والمشاركة في إنجاز الأعمال الصالحة، الالتزام بالأخلاق الحسنة. 

المرجع  الشيرازي (دام ظله)