إعلام الكراهية


 

على إحدى الفضائيات المصرية، يتصل رجل ويقول: "فضيلة الشيخ بماذا تنصحني لحماية أولادي من الشيعة؟"

فيجيب الشيخ قائلاً: "أنا حاصل على شهادة دكتوراه في الشيعة، ولك الحق يا أخي أن تخاف على أولادك من الشيعة الذين يحملون عقائد فاسدة وضالة، لاسيما وأن عدد الشيعة يتزايد في مصر، فهؤلاء يرون أن الله قد أرسل جبريل ليبلغ علياً بن أبي طالب بالنبوة، لكن جبريل أخطأ وأنزلها إلى محمد (صلى الله عليه وآله)".

ثم يكمل الشيخ الدكتور حديثه بالقول: "إن الشيعة فرقة سياسية قامت على المبالغة في مظلومية أهل البيت، لتكثير الأنصار".

وفي فضائية مصرية أخرى، مذيعة تسأل إعلامي "مسيحي" مشهور ومعروف في مهنيته، وهو من بلد آخر لكنه يعمل في إحدى الفضائيات المصرية: "إن استقبالك لشيخ شيعي يُعدُ سابقة في الإعلام المصري، استضافة شيعي في الإعلام شيء كريه في مصر، خاصة وأن لقائك بالشيخ الشيعي قد حدث في شهر رمضان، ألا تعلم أنه في مصر يوجد حذر شديد من الشيعة".

وفي إبان أحداث الثورة ضد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، تجمع آلاف المصريين في إحدى ساحات القاهرة مطالبين برحيله، خرج أحد أعوان النظام بالقول: "إن هؤلاء المتجمعين الذين يطالبون برحيل الرئيس هم من الشيعة الذين يريدون إثارة المشاكل في البلد لنشر عقائدهم". وبعد عام من ذلك، خرجت تظاهرات ضد الرئيس "الجديد" السابق "الإخواني" محمد مرسي، فقال أحد أعوانه "أن هؤلاء المتظاهرين هم شيعة يريدون إسقاط رئيس مصر الذي يرفض سبّ الصحابة".

تلك أمثلة من مئات بل أكثر، ليس في الإعلام المصري فقط، المدعوم بعضه من دول خليجية، بل في غيره، لكن هل كل هذه الكراهية وكل هذا التحريض، الذي يُبث إلى الناس بمختلف اللغات ومن فضائيات دينية وإخبارية، فقط من أجل زرع الكراهية في نفوس الناس ضد الشيعة والتحريض عليهم، أم إن هناك غاية أخرى؟ ربما يكفي هنا استذكار تفاصيل المجزرة التي وقعت على الشهيد الشيخ حسن شحاته وعائلته وأصحابه، وقد مرت وكأنها لم تكن!! 

مجال الإعلام يتميز عن غيره بأنه يمثل نخبة المجتمع، حيث يعمل فيه ويظهر على وسائله أصحاب الاختصاصات الفكرية والثقافية والإبداعية، لكن أمام تلك المشاهد الذميمة، ليس لأحد إلا أن يتساءل:

أي حال وصلت إليه أمة العرب، وأي بؤس وصل إليه بعض المسلمين، وملايين الناس يسمعون ذاك الرجل الذي يستنصح شيخاً ويستنجد به خوفاً على أولاده من الشيعة.

كم حجم الحقد والكراهية التي نشروها بين الناس، لتتفوه تلك المذيعة الشابة والمثقفة بكمٍ هائل من كلمات البغض ومشاعر الكره، وبشكل يكشف عن استهتار مريع بقيم الإنسان وأخلاقيات المهنة فضلاً عن قيم الإسلام، سلوك عدوانيّ فجّ، اضطر بالإعلامي المسيحي للرد مخاطباً تلك الإعلامية المسلمة: "أنا أتعجب مما أسمعه منك، ألم يأمرنا الله بالعدل والمساواة، فلماذا نسمع من الجميع ولا نسمع من الشيعي، أين كلماتكم وشعاراتكم عن الحرية والتعددية واحترام الرأي والرأي الآخر؟!". 

كم هو أسود تعصّب ذاك الشيخ الدكتور (الأزهريّ) وقد سلبه فضيلة الصدق وأمانة العلم فنسب للشيعة ما ليس منهم وليس عندهم، وأفقده عقله وبصيرته حتى أنه لا يرى ظلماً قد وقع على عليّ وقد ضُرِبَ على رأسه بسيف مسموم، وهو ساجد لله، في شهر الله، وفي بيت من بيوت الله. والشيخ الدكتور لا يرى ظلماً في حرق بيت عليّ وبه بنت النبيّ، ولا يرى ظلماً في كبد الحسن السبط يتقطع بسم معاوية، وجنازته وهو سيد شباب أهل الجنة تُرمى بالسهام، ولا يرى في مجزرة عاشوراء ظلماً وقد ذُبِحَ آخر ابن بنت نبيّ على وجه الأرض، ولا من ظلم في سبي عزيزة نبي الإسلام وبنت ابنته، الحوراء زينب. الشيخ الأزهري لا يرى في كل ذلك أن ظلماً كبيراً قد وقع على أهل البيت (عليهم السلام).

المشاهد الإعلامية تلك ليست حالات مفردة، ولم تصدر في فترة من الزمن، فإن إعلام الكراهية والتحريض يَبث على مدار الساعة واليوم والشهر والسنة، وذلك يؤكد وجود سياسة إعلامية ممنهجة لزرع الكراهية ضد الشيعة، وبالتالي لابد من مواجهتها من خلال نشر ثقافة المستمع الناقد والمشاهد الناقد والقارئ الناقد، فلا ينبغي للإنسان أن يُصدّق كل ما يسمع أو يرى أو يقرأ، فجدير بالمرء أن يسأل ويكرر السؤال ليحصل على المعلومة الصحيحة، لكي لا يخوض في دماء الأبرياء ذبحاً وتفجيراً، وبعد حين يُعلن ندمه بذريعة أنه لم يكن يعرف الحقيقة، فهذا ليس من الدين ولا من العقل، إنما هو سفه وحمق وعبث وانحدار وسقوط.

إن إعلام الكراهية الذي يتظاهر بدفاعه عن الأخوة السنة، قد أحرق ودمّر وخرّب بلاداً يسكن فيها السنة والشيعة، وقد أشعل فيها الفتن وزرع فيها البغضاء، حتى جلب من أصقاع الأرض مجرمين وسفاحين ليقتلوا الأبرياء، ويسبوا النساء، وينهبوا الأموال، ويخربوا المدن والمؤسسات والمستشفيات والجامعات.

وإن خطاب الكذب يُسقِط صاحبه، فإذا كذب المرء سقط، وإنما بثّ البغضاء بين الناس رذيلة وجريمة، وإنما نشر الكراهية وتحريض بعض على بعض فتنة، والفتنة أشد من القتل، وإنما مَنْ ظلم عباد الله، كان اللهُ خصمَه دون عباده، وإن بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد.

 

إضاءة

قال النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في فضل شهر رمضان: (مَنْ أكثرَ فيه مِنَ الصلاة عليّ، ثقّل الله ميزانه يوم تخفّ الموازين).