من أجل مجتمع أفضل


 

الرؤية المشوَشة

 

الرؤية السطحية أو التفكير السطحي هو تعبير عن نسق فكري/سلوكي من النظر إلى تفسير الوقائع والأحداث والتعامل معها، وهذا النوع عادة ما يوصَف صاحبه بأنه خامل الذهن أو غارق في اللامبالاة أو الإهمال. بالتالي، فإن حكم السطحيين على مجريات الأحداث، حتى التي قريبة منهم والتي حولهم، يستند إلى نظرة ساذجة أو آراء مسموعة أو أحكام موروثة، أي بكلمة أخرى أن صورة نمطية تُقيِّد نظره وتُلجِم عقله.

وعادة الذين ينظرون إلى الأحداث والأمور برؤية سطحية لا يتوقفون عند نظرتهم تلك، بل لا يترددون في إعلان تقييم للأشخاص والمواقف، وإن كان وفق منظارهم القاصر وتصورهم المحدود، في حين أن الظواهر (ما يبدو من الأحداث والأشياء) ليست هي المقياس الصحيح، فإن ظاهر الشخص ليس مقياساً أو معياراً لحقيقته، فلكل واحد ظاهران خارجي، وآخر باطني أي جوهره. والمريض عندما يراجع طبيباً، فإن الأخير يجري له فحصاً ظاهرياً، وقد لا يتمكن تشخيص حالة المريض بدقة، لكن حينما يفحصه الطبيب المتخصص، بالاستعانة بالأجهزة والتحليلات، فإنه سيقف على كل تفاصيل حالة المريض وتحديد علاجها.

وقد أشار الله تبارك وتعالى في كتابه المجيد إلى أصحاب النظرة السطحية كيف ينظرون إلى ظاهر الدنيا وهم غافلون عن الآخرة، قال سبحانه (أَوَلَمْ يَتَفَكّرُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ مّا خَلَقَ اللهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ وَأَجَلٍ مّسَمّى وَإِنّ كَثِيراً مّنَ النّاسِ بِلِقَآءِ رَبّهِمْ لَكَافِرُونَ(الروم/8).

في حين ينبغي للإنسان ألا يكتفي بالظواهر أو النظرة السطحية، وأن يُقلِّبَ الأمور ويتفحّص الأحداث. كما ينبغي على المؤمن الحصيف/الواعي أن يتدبر في الأشخاص، ليعرف صدقهم من كذبهم، وخيرهم من شرهم، ودينهم من نفاقهم، وإذا ما اعتمد ذلك فإنه يمكن أن تتغير الكثير من الأشياء في حياته.

ينقل الدكتور طه حسين في كتابه (الفتنة الكبرى) خبر الرجل الذي تردد في يوم الجمل في أمر علي بن أبي طالب (عليه السلام) وطلحة والزبير وعائشة، حيث نظرته السطحية جعلته يتيه في ظواهر الأمور ثم أقصته عن حقيقة الأحداث، يقول:

لم يكن أصحاب علي في طريقه الى البصرة شاكين ولا مترددين، إلا ما كان من أمر أبي موسى، وقد ظهر أن أهل البصرة لا يشاركونه في رأيه، وإنما أراد أفراد أن يستوثقوا لأنفسهم في أمر دينهم وفي أمر آخرتهم خاصة.

فسألوا عليًّا عما كان يريد من شخوصه وإشخاصه إيّاهم إلى البصرة، فكان يجيبهم بأنه يريد أن يلقى بهم إخوانهم من أهل البصرة، فيدعوهم إلى الصلح، ويبيّن لهم الحق ويناظرهم فيه، لعلهم أن يثوبوا فتجتمع الكلمة وتلتئم وحدة الجماعة.

وقد سأله رجل منهم ذات يوم: أيمكن أن يجتمع الزبير وطلحة وعائشة على باطل؟ فقال (عليه السلام): (إنك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يُعرفان بأقدار الرجال، إعرفْ الحق تعرف أهله، وإعرف الباطل تعرف أهله).

وعن هذا الجواب لأمير المؤمنين (عليه السلام) يقول طه حسين: وما أعرف جوابًا أروع من هذا الجواب الذي لا يعصم من الخطأ أحداً مهما تكن منزلته، ولا يحتكر الحق لأحد مهما تكن مكانته بعد أن سكت الوحي وانقطع خبر السماء. (ج 2/ فص 10/ص 48).

وفي الأمالي للشيخ الطوسي: قال: دخل الحارث بن حوط الليثي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، ما أرى طلحة والزبير وعائشة احتجوا إلا على حق؟

فقال (عليه السلام): (يا حارث، إنك إن نظرت تحتك ولم تنظر فوقك جزت عن الحق، إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه، والباطل باجتناب من اجتنبه).

قال: فهلا أكون كعبد الله بن عمر وسعد بن مالك؟  فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن عبد الله بن عمر وسعد أخذلا الحق ولم ينصرا الباطل، متى كانا إمامين في الخير فيتبعان؟!)(ص١٣٤).

وفي حرب الجمل، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) للزبير وطلحة: (نشدتكما بالله، أتعلمان وأولوا العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد (صلى اله عليه وآله)، وقد خاب من افترى). فقال الزبير: "كيف نكون ملعونين ونحن من أهل الجنة؟" فقال عليّ (عليه السلام): (لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم).

فقال الزبير: أما سمعت رسول الله يقول يوم أحد: "أوجب طلحة الجنة، ومن أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض حيا فلينظر إلى طلحة أوما سمعت رسول الله يقول: عشرة من قريش في الجنة". فقال عليّ (عليه السلام): (فسمهم). قال: فلان وفلان وفلان، حتى عد تسعة، فيهم أبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. فقال عليّ (عليه السلام): (عددتَ تسعة، فمن العاشر؟). فقال الزبير: "أنتَ".

فقال علي (عليه السلام): (أما أنت فقد أقررت أني من أهل الجنة، وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فإني به لمن الجاحدين. والله إن بعض من سميت لفي تابوت في جب في أسفل درك من جهنم، على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة فأسعرت جهنم. سمعت ذلك من رسول الله، وإلا فأظفرك الله بي وسفك دمي بيدك، وإلا فأظفرني الله بك وبأصحابك). فرجع الزبير إلى أصحابه وهو يبكي.

إضاءة

 قال عليٌ (عليه السلام) لأحدهم: (إنك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يُعرفان بأقدار الرجال، إعرفْ الحق تعرف أهله، وإعرف الباطل تعرف أهله).