من واقع الأخوّة .. دعوة للسلام


 

بنو الإنسان بعضهم من بعض، ومَثَلهم كمثل الأعضاء في الجسد الواحد، لا يستغني أحدها عن الآخر، كما لا غنى للإنسان عن أي واحد منها، وما العلاقات بين الناس، وإن كانت بينهم اختلافات بالدين والمذهب والقومية، إلا ضرورة لديمومة الحياة وسبيل لبناء الأمم العظيمة والحضارات الزاهرة، يقول الإمام الشيرازي(قده): (لا غنى لأي فرد عن المشاركة مع بني نوعه، هذا يزرع، وذاك يحصد، وأحدهم يخبز، ولا مفر للإنسان من التعاون والتشارك والوئام مع الإنسان الآخر، وهذه القيم الإنسانية السامية هي الأسس التي قامت عليها  المدن، وازدهرت الحضارات). وقد حثت الأديان على توطيد العلاقات بين البشر جميعاً في إطار احترام المعتقدات والكرامات والأعراض والأموال، بل حثت الأديان على أهمية سعي الإنسان إلى مساعدة الآخرين وقضاء حوائجهم، يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): (إيصال النفع للعباد لا يختص بالأخوة والأقارب، بل ينبغي أن يشمل الأباعد والأعداء).

وقد اهتم الإسلام بالألفة والوحدة بين التجمعات البشرية أكبر اهتمام، فحين قدم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة آخى بين أصحابه، وكانت هذه أول طلائع النصر والقوة. وأمر القرآن المسلمين بالوحدة فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) آل عمران/103. وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا يرجع صاحب المسجد بأقل من إحدى ثلاث خصال: إما دعاء يدعو به يدخله الله به الجنة، وإما دعاء يدعو به فيصرف الله عنه به بلاء الدنيا، وإما أخ يستفيده في الله).

إن الأخوّة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فهي أساس الألفة والاتحاد ثم التعايش والسلام، وهكذا ينظر الإسلام إلى الأخ الصالح، فقد جعل ثواباً عظيماً لمن استفاد أخاً، يقول الإمام الرضا (عليه السلام): (من استفاد أخاً في الله، فقد استفاد بيتاً في الجنة).

والأخوّة الإيمانية لا تقتصر على المجاملات الشكلية والأخلاقيات العامة، بل هي علاقة إنسانية نبيلة سامية، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (المؤمنون في تبارهم، وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى تداعى له سائره بالسهر والحمى). ومما يعنيه قوله (عليه السلام) (إذا اشتكى تداعى له سائره بالسهر والحمى). أي لا يسوؤه فحسب، بل يتداعى بالسهر والحمى، فإن كل فرد عضو في المجتمع، والمجتمع يفقد من ميزاته إذا خسر عضواً أو أصابه مرض، يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): (روح الودّ والأخوّة الصادقة مطلوبة، وإن بعدت المسافات الفكرية والنفسية والاجتماعية، فليس من الضرورة أن يكون الشخصان أو الحزبان أو الطرفان متفقين في كل شيء، فربّ أمور كثيرة يختلفان فيها، لكن مع ذلك، فإن الدين والعقل يدعوان إلى تواضع كل طرف للآخر، وأن يوادّه ويخلصه القول، وإنّ تبنّي ثقافة التعايش، من أهم الأمور التي تمس الحاجة إليها اليوم لعموم المسلمين).

بموازاة ذلك، فإن التجمعات البشرية عادة ما تشهد اختلافات شتى، فالاختلاف في الرؤى والأفكار من سنن الحياة، وقد اقتضت مشيئة الله أن يخلق الناس مختلفين، وأن يكون الاختلاف من ثوابت النظام الكوني. يقول (عز وجل): (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) المائدة/48. لذا تبقى الاختلافات بين الناس أمر طبيعي، متى ما دارت في إطار السلم والسلام، ومتى ما حافظ المختلفون على سلامة المجتمع ومتطلبات المصلحة العامة، بل في اختلاف الرأي _الذي ينبغي أن يسوق المختلفين للبحث عن الرأي الأصوب كما يقتضي الشرع والعقل_ سبيل للوصول إلى الحقائق.

بالتالي، فإن من دأب العاقل السعي لحل الاختلافات، قدر الممكن، وعادة الحل يأتي من خلال الحوار، وهو ما يسعى إليه الإعلام الشيعي عموماً مع المخالفين، لذلك فإن الحديث عن أفضلية أهل البيت (عليهم السلام) وسرد المظالم التي وقعت عليهم، ونشر كلماتهم والمرويات عنهم، ليست ّطائفية" بل حواراً، كما أن الحوار مازال في إطار العلم والآداب، فهو تجسيد لحرية التعبير عن الرأي، ولا ينبغي الوقوف ضده في أي حال من الأحوال.

اليوم وبرغم قمع الرأي ومنع النشر لم يعد مخالفة لحقوق الإنسان والقانون فقط، بل أصبح سلوكاً مشيناً ومرفوضاً عند سائر البشرية، ما زالت كتب الشيعة ممنوعة في جل بلاد المسلمين، في الوقت أن كتب غير الشيعة موجودة في جميع الحوزات الشيعية بل موجودة في عموم بيوت الشيعة؟ بموازاة ذلك، فإن السؤال قائم عن أية أحكام ومبادئ للإسلام تسمح بالكذب والافتراء، والإدانة بلا دليل، وتلفيق التهم، وسوق الشتائم، كما تفعل عموم وسائل إعلام الآخر ضد الشيعة، وقد دأبت على تبرير كراهية الشيعة والتحريض على قتلهم! وكأن دول المسلمين تتعطل قوانينها مع قضايا الشيعة وتستكثر حقهم في الحرية والاعتقاد والكرامة والحياة كسائر البشر، وعلى هذا وقائع وشواهد، وما مجزرة نيجيريا التي وقعت في أثناء إحياء أربعينية سيد الشهداء، لهذا العام، إلا جزء من حرب مسكوتٌ عنها، مستعرة ضد الشيعة كطائفة ومجتمع ووجود، حتى أصبح "الشيعي مشروع قتل في كل مكان وزمان"، كما قال أحد الناجين من مجزرة نيجيريا.

------------------------

إضاءة

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (لا والله لا يكون المؤمن مؤمناً أبداً، حتى يكون لأخيه مثل الجسد، إذا ضرب عليه عرق واحد، تداعت له سائر عروقه).