الإمام الصادق(ع) .. دوحة الفكر الإسلامي وعلومه


(20)


في الإطار الفقهي والفكري والثقافي كان الجميع يحضر مجلس الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، سواء العام أو الدرسي، وكان الإمام يعدّ المنهج، الذي يكفر الناس ويلعنهم على انتماءاتهم المذهبية واجتهاداتهم الفكرية، لا ينتسب إليه، وهو خارج مدرسة الرسول الأعظم(ص)، التي ينبغي على المنتمين لها، من الموالين والمريدين لمتبنياتها، أن يتميزوا بسلوكياتهم الحكيمة والمسؤولة، وألا يكونوا والسلوك الباطل في سلة واحدة.

فكان الإمام يتأسى بموقف أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذ طالب أتباعه بعدم البدء بمقاتلة الخوارج، كونهم قد عارضوه وخالفوه، فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن سعى إلى الباطل فأصابه، وهم ليسوا بقدوة للمسلمين، بل إن أتباع مدرسة آل البيت، يتحملون مسؤولية تاريخية عظمى، في تبيان المنهج الإسلامي الحق، وثقافة الانتماء لهذه المدرسة، في أخلاقياتها وسلوكياتها الحضارية، لجهة الاقتداء بها والبناء عليها.           

ونتيجة لظاهرة أخرى من ملامح عصر الإمام، والتي واجهها بروية وحكمة ومسؤولية، وهي اتساع شقة الخلاف بين المذاهب الفقهية الإسلامية، لظهور الكثير من المسائل الخلافية، الفقهية والفكرية وحتى العقدية، فكان موقف الإمام حازماً وحكيماً، لعلمه أن الغرض من إشاعة الخلاف، تعكير الجو الفكري في الساحة الإسلامية، والنسيج المعرفي فيها.

فكان الإمام يبين الرأي الصواب، ولا يلغي حق الآخر في التفكير وإعمال العقل، وهكذا قدم الإمام الصادق (عليه السلام) للمجتمع الإسلامي، رؤية متحضرة، ونموذجاً رصيناً، في احترام آدمية الإنسان، وحريته في التفكير، مع الحفاظ على ثوابت الإسلام الحق ومبادئه.

يقول أبو حنيفة: (ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد، لما أقدمه المنصور بعث إلي فقال: يا أبا حنيفة إن الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهيء له من المسائل الشداد، فهيأت له أربعين مسألة، فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا.

أما في الجانب السياسي، فكانت مقاربة الإمام الصادق (عليه السلام) للسلطة والنخبة الحاكمة، تبنى على مسؤولياته المجتمعية، وجهوده في الإصلاح وترشيد الحكم، فكان يتبع مع آخر معاصريه الخليفة المنصور العباسي، نهجاً خاصاً في تعريفه للمسلمين، ومجابهة سلوكياته غير الإنسانية، بهدف منعه من إتباع سياسة القمع والاضطهاد، فالذين سبقوه من معاصري إمامته، كانت دولتهم تمر في فترات عدم الاستقرار، مما ينعكس حتماً في سلوكيات الحكم.

إذ عرف عن المنصور العباسي، بعد أن استقامت له دعائم الدولة والحكم، القسوة والبطش بأقرب المقربين إليه، إنْ قادة دولته أو المؤسسين لها، أو حتى أعمامه الذين يشعر بمنافستهم له، أو الوجوه والشخصيات، التي يرى فيها ما يدعوه الى الحسد، فكيف بعامة الناس، الذين يشعر الإمام بمسؤولياته إزاءهم، في الدفاع عن حقوقهم وحرياتهم، وحقن دمائهم.

وكان الإمام في هذه الممانعة السلمية، إنما يقدم للأمة نموذجاً بعدم السكوت على القهر والظلم، بدعوى الفتاوى التي كانت السلطة تستخرجها من فقهائها، التي تمنع مخالفة "ولي الأمر"، أو معارضته وممانعته، وإنْ سلمياً، إذ كان الحاكم يمارس سلطاته بالحق الشرعي أو التفويض الإلهي، فيكون الخروج عليه ومخالفته، جريمة تخرج صاحبها من الملة والدين.

وبذا فالإمام (عليه السلام) بتصديه للحاكم وتوجيهه، وتقويم سياساته، بغرض ترشيد حكمه، إنما يبطل هذه الفتاوى أو الطبائع التي تطبعت بها بعض مجتمعاتنا والى اليوم، من خلال دعوته (عليه السلام) للممارسة الإيجابية لفرض "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فكان الإمام يدعو أن "أفضل الجهاد، كلمة حق عند إمام ظالم أو جائر".

كان الإمام زاهداً في السلطة والحكم، بل وممتنعاً عنهما، وعن أية مناصب تعرض عليه في الدولة، مهما كانت رفيعة، فكان يرى أن دوره التاريخي، يتجاوز العناوين الفخرية، لما هو أسمى وأكثر أهمية، ولضرورة حتمية، تنطلق من الرسالة التي يحملها، ومسؤولياته إزاء الأمة وسلامة الدين، وإصلاح المجتمع وتقويم سلوكياته، غير أن الإمام لم يكن يمنع أتباعه من إشغال وتولي المواقع الرسمية في الدولة، لأنه يرى في ذلك مساهمة في ترشيد الحكم، وإصلاح المجتمع وصلاحه، ومنعاً للفساد والقمع، وحماية للأتباع والمريدين، وعامة المسلمين.

وكان المنصور العباسي يعلم منزلة الإمام، وإنْ يجحدها أحياناً، لكنه كان دائم التودد للإمام، ويفاخر الآخرين به وبقرابته له، ويطلب مرافقته ونصحه، خاصة في حقبة خلافته الأولى، فيجيبه الإمام "من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك"، فيقول المنصور في الإمام "والله قد ميز عندي منازل الناس، من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة"، ثم يخاطب الإمام قائلاً "لا نزال من بحرك نغترف واليك نزدلف، تبصر من العمى، وتجلو بنورك الطخياء، فنحن نعوم  في سحاب قدسك، وطامي بحرك".

يتبع

-----------------------------

إضاءة

روي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): "صدقة يحبّها الله، إصلاحٌ بين النّاس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا". (الكافي، ج2، ص209).