أضرحة البقيع .. رؤية من الواقع


 

تهديم أضرحة البقيع ارتبط بمنظومة فقهية متطرفة، واليوم أضحت تلك المنظومة الفكرية/الفقهية بشكل وبآخر أمراً نُكراً وفي الطريق إلى الزوال، بالتالي الظروف السياسية والاجتماعية اليوم تبدو إيجابية لإعمار تلك الأضرحة. 

قد لا تنتهي الأفكار لكن يمكن أن تصبح بلا أثر ولا تأثير، وقد تستقوي بعض الأفكار في الظروف الصعبة لكن كثير من الأفكار أصبحت نسيًا منسيًا. لكن عمومًا الأفكار المتطرفة فضلاً عن أنها تأكل نفسها بنفسها، عادة ما تقف المجتمعات بقوة ضدها، خاصة النخب الفكرية والثقافية والفنية.

وفي الثامن من شوال تمر ذكرى أليمة على قلوب المؤمنين، وهي ذكرى هدم مراقد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في البقيع. عملية الهدم لم تقتصر على مراقد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، السبط الأكبر لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، والإمام السجاد عليّ بن الحسين (عليه السلام)،  والإمام الباقر محمد بن عليّ (عليه السلام)، والإمام الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام). بل شملت مجموعة أخرى من قبور الأولياء في مكة والمدينة، ومن أبرزهم: عبد المطّلب، جدّ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وأبو طالب، عمّ النبي (صلى الله عليه وآله)، وأم المؤمنين، السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام).

يقول الفقيه السعيد السيد محمد رضا الشيرازي(قده): "إن من الجفاء للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) أن تمر ذكرى هدم أضرحة البقيع المقدسة دون أن نتوقف عندها، ونذكّر بها وبالمسؤولية الملقاة على عاتق المسلمين في هذا المجال".

ويقول(قده): "إن هدم المراقد المطهرة في البقيع جريمة بكل المقاييس، وهي جريمة تحمل طابع التناقض مع ذاتها أولاً، ومع القيم الدينية ثانياً، ومع الحالة الحضارية ثالثاً، ومع واقع الأمة الإسلامية وتاريخها رابعاً.

ويبيّن(قده): "إذا كان هدم القبور واجباً شرعياً، فلماذا هدم بعضها دون بعضها الآخر؟! وإذا كانت الأبنية عليها بدعة وحراماً شرعاً، فلماذا نرى مرقد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ما يزال مشيّداً ولم يُؤمَر بهدمه إلى الآن؟ ولا نظن القوم يعملون بالتقية في هذا المجال، لأنهم ينكرونها، ويقولون إنه لا تقيّة إلا مع الكفار؟ أم تراهم يكفّرون كل المسلمين، وليس ذلك ببعيد عنهم!".

إنّ هذه البيوت التي هدموها هي من البيوت التي أمر الله تعالى أن ترفع ويذكر فيها اسمه، قال عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي (من كبار علماء أهل السنة) في كتابه (الدر المنثور): عندما نزل قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة أو بيع عن ذكر الله) النور/36. قام رجل وقال: يا رسول الله ما هي هذه البيوت؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (إنها بيوت الأنبياء). فقام أبو بكر وأشار الى بيت عليّ وفاطمة (عليهما السلام) وقال: هل هذه منها؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (نعم، من أفاضلها). رواه عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي في الدر المنثور، ج 6، ص 203؛ وأبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري في (الكشف والبيان)، ج 7، ص 107، تحقيق: أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق نظير الساعدي، وعبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي في الجواهر الحسان في تفسير القرآن، ج 7، ص 107، وأبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي في روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ج 18، ص 174؛ وغيرهم من كبار رواة العامة والخاصة.

الثامن من شوال صفحة سوداء أكملت صفحة ومهدت لأخرى، وقد خطت حروفها الدامية شرذمة تكفيرية دفعتها نزعة متوحشة من وسط الصحراء، لتهدم أضرحة أئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، حيث هجمت تلك العصابات في العام 1922م لتعيث هدماً وخراباً في البقيع الذي يضم أضرحة أولاد لرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

وبعد تأكيد رفض تلك الأفكار وأن وجودها يشكّل خطراً على السلم المجتمعي وأمن الدول، وتوطيداً لقيم الخير بين الناس، يجدر تأكيد أن الإسلام دين التعايش والسلام، من خلال تأكيد أن الأفكار التي بررت هدم قبور البقيع هي أفكار لا صلة لها بالإسلام وتتناقض مع فطرة الإنسان.

بالتالي فإن إعمار أضرحة البقيع _لو تتحقق_ ستكون مبادرة تاريخية فاصلة تنهي حقبة سوداء مشوِّهة لصورة الإسلام، ونقطة توتر بين المسلمين، وبؤرة تحريض على الكراهية يستغلها أعداء السلام.

كما أن إعمار أضرحة البقيع سيكون لجمًا لبعض "المسلمين" اعتادوا على خدمة مصالحهم الخاصة (سياسية وغيرها) من خلال أجواء الاختلاف والتباعد والتوتر والعداء بين المسلمين، حتى إنهم لم يبالوا وقد وصل حال عموم المسلمين إلى هذا الواقع المأزوم فكريًا وثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وتعليميًا فضلًا عن أن واقع العديد من دول المسلمين مُثقَل بمعاناة الناس في مجال الخدمات والاستقرار والرفاه.

إن مراقد أهل البيت، عبر التاريخ، ككل شيء مِنْ أهل البيت أو له صلة بهم، أو دعوا الناس إليه، أو حثوا على العمل به، هو محض خير وفضيلة وبر ومحبة وسلام وبركة وألفة وفضل ونعمة، وجدير بأهل العقل والحكمة والخير والفضل السعي إلى إعمار أضرحة البقيع حيث يرقد فيها أولاد لنبي المسلمين ومن أهل بيته.

----------------------------------

إضاءة

إعمار أضرحة البقيع _لو يتحقق_ سيكون مبادرة تاريخية فاصلة تنهي حقبة سوداء مشوِّهة لصورة الإسلام، ونقطة توتر بين المسلمين، وبؤرة تحريض على الكراهية يستغلها أعداء السلام.