بحوث علمية


 

سقوط الأمر بالامتثال الأوّل

ذكر أحد الحاضرين: الصّلاة عبادة، والعبادة تحتاج إلى الأمر، ومع الصّلاة الأولى يسقط الأمر. إذاً ما الملاك من إعادتها احتياطاً؟

فقال سماحته: الأمر هو في مقام الإثبات والظّاهر، وليس في مقام الثبوت والواقع، وإذا احتمل الشخص في الواقع، أنّ بعض صلواته كانت باطلة، فما المانع من إعادتها لأجل درك الواقع احتياطاً، وباب الاحتياط واسع، وعلى أصل الاحتياط الأمر الواقعي قائم أيضاً.

 

صلاة جماعة غير العادل

وتوجّه أحد الفضلاء سائلاً: الذي لا يرى نفسه عادلاً هل يستطيع أن يكون إماماً للجماعة؟

فقال سماحته: لا يرى الفقهاء في باب القضاء والفتيا جواز تصدّي غير العادل، لأنّ الدليل يقول أنّ الافتاء والقضاء حرام على غير العادل، لكن في باب الجماعة، لا يوجد لدينا نص يقول: إذا لم تكن عادلاً لا يجوز لك أن تكون إماماً للجماعة، نعم ورد الخطاب إلى المأموم أن: «صلّ خلف من تثق بدينه وأمانته». وبناءً على هذا، إذا اعتبر المأموم إمام الجماعة عادلاً، ولكن الشخص لا يعتبر نفسه عادلاً، فيجوز للمأموم أن يقتدي به، وأيضاً يجوز للإمام أن يكون إماماً للجماعة.

نعم استشكل بعض، كالمرحوم الحاج السيد حسين القمي، والمرحوم الوالد (رضوان الله عليهما) يعني الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي في هذه المسألة، وذلك بسبب المرسلة التي نقلها الشهيد الأول، عندما يسأل الرّاوي من الإمام (عليه السلام): بعض يريد أن يصلّي خلف أحدهم، فهل أصلّي أيضاً؟

ومن كتاب أبي عبد الله السيّاري صاحب موسى والرّضا (عليه السلام)، قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): قوم من مواليك يجتمعون، فتحضر الصّلاة، فيقدّم بعضهم فيصلّي بهم جماعة. فقال: (إن كان الذي يؤمّهم ليس بينه وبين الله طلبة فليفعل).

لكن هذه الرواية مرسلة، وهي ليست حجّة، ومن ناحية أخرى فإنّ في معنى (الطلبة) بحث، فقال بعض: هي معصية لها حدٌ، وبعض الآخر قال بمعنى آخر.

 

كراهة النذر وتعبّده

سأل أحد الفضلاء: نظراً إلى كراهة أصل النّذر، بملاحظة الروايات الناهية عنها، فكيف إذا نذر الشخص أمراً غير تعبّدي، يكون نذراً تعبدياً بواسطة ما؟ وكيف نستطيع لشيء يكون مكروهاً ومبغوضاً ومبعِّداً أن نتقرّب به إلى المولى؟ أي كلّما هو مبعِّد يكون مقرّباً؟

فأجاب سماحته قائلاً: ماذا يُقال في العبادات المكروهة (كمثل: الصلاة المكروهة، الصوم المكروه، الغسل والوضوء المكروهين؟). فكل حلٍ تقول به هناك، يرد هنا أيضاً، لأن الإشكال هو الجمع بين المبغوض والمحبوب.

ومن جانب آخر لا يلزم المكروه أن يكون على الدوام بمعنى المبغوض، وعلى سبيل المثال يقول الشارع المقدس: الصلاة في الحمام مكروهة، هل هذا بمعنى المبغوض؟ كلا، بل إنّ الصلاة مطلوبة، ولكن مرتبة المطلوبية والمحبوبية هي أقل مما لو لم تكن في الحمام.

 

النهي عن الظرف والنهي عن الأصل

قيل: الصلاة في الحمام تفرق عن النّذر، لأن النهي عن الصلاة في الحمام، ليس نهياً عن أصل الصلاة، بل نهي عن الظرف، وهذا غير ما في النذر، فإنّ النهي يكون عن أصل النذر؟

قال سماحته: صحيح، ولكن هذا الفرق ليس فارقاً، لأن الخلاصة والنتيجة هي الإشكال في الجمع بين المبغوض والمحبوب، ومن هذه النّاحية، ليس هناك فرق بين أن يكون النهي بأصل العمل أو بمقتضياته الخارجية.

 

مبغوضية النذر

ذكر أحد الحاضرين: هل للنذر مبغوضية؟

قال سماحته: كلا، وذلك بدليل (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)، لأن الله سبحانه وتعالى في مقام المدح بأنّ المعصومين (عليهم السلام) يوفون بنذرهم، ومن هنا نعلم بأنّ للنذر فضيلة، ولهذا يحمل النهي في الروايات. ومن هنا نستطيع أن نقول: الروايات الناهية عن النذر، لا تدلّ على مبغوضية النذر في نفسه، بل إنّ المبغوضية حيثية، لأنّ في هذه الرواية عُلّلت: (لا تتعرّضوا للحقوق)، أي: الواجبات في أعناقكم فلا تُضيفوا عليها بواسطة النذر.

ووردت في الرواية: عَنْ أَحَدِهِمَا (عليه السلام)، قَالَ: (لا تُوجِبْ عَلَى نَفْسِكَ الْحُقُوق،َ وَاصْبِرْ عَلَى النَّوَائِبِ). الْحَدِيثَ.

وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): (إِنِّي جَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي شُكْراً لِلَّهِ رَكْعَتَيْنِ أُصَلِّيهِمَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، أَفَأُصَلِّيهِمَا فِي السَّفَرِ بِالنَّهَارِ؟

فَقَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لأَكْرَهُ الإِيجَابَ أَنْ يُوجِبَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: إِنِّي لَمْ أَجْعَلْهُمَا لِلَّهِ عَلَيَّ إِنَّمَا جَعَلْتُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِي أُصَلِّيهِمَا شُكْراً للهِ، وَلَمْ أُوجِبْهُمَا عَلَى نَفْسِي، أَفَأَدَعُهُمَا إِذَا شِئْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ).

والخلاصة: النذر عمل عبادي إجماعاً، ونفس الاجماع كالآيات والروايات دليل شرعي.

*  جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة