بحوث فقهية


 

سأل أحد الفضلاء قائلاً: عندنا روايات تدلّ على سقوط الصوم عن المريض، وهي ظاهرة في أن مجرّد الخوف له طريقية شرعية لرفع الصوم، فلا تحتاج إلى إثبات أن خوف الضرر ضررٌ.

قال سماحته: نعم، وما قلناه وجهٌ آخر على سقوط الصوم مع خوف الضرر، وهذا الوجه مذكور من عدّة قليلة من الفقهاء. فقلنا أن الظاهر عند العقلاء والعرف أن الخوف مرتبة من الضرر. نعم لم يقبل هذا الوجه بعض من الفقهاء، ولكن اعتمد عليه بعض آخر. وعندنا دليل آخر في شمول لا ضرر لموارد خوف الضرر وهو أنه: صون كلام الحكيم عمّا ينافي الحكمة، يقتضي أن يكون المراد من الضرر ما هو أعم من خوف الضرر. وهو ما يسمى بدليل الخطاب عند الأصوليين القدماء كالفصول والقوانين والمعالم. القاعدة تقتضي أن تحمل الألفاظ على معاني النفس الأمريّة والواقعيّة، فمثلاً لما يقول ماء أو دينار أو تمر أو زيد أو خمر أو غير ذلك، فغرض المتكلّم الحكيم هو الواقع لا شخص هذه الأمور، لا ما يعلمه الإنسان بأنه هو الماء أو الدينار أو غير ذلك، فالخمر الواقعي الحرام، والماء الواقعي مباح، لا ما يعلمه المكلّف بأنه خمر، ولو لم يكن خمراً، أو ماء ولم يكن ماء. إلاّ في مورد واحد وهو الضرر. فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام، إذا كان المقصود الضرر الواقعي، بمعنى أن الضرر الواقعي مرفوع، فكثيراً ما يقع الإنسان في الضرر لأنه لا يعلمه، ولم يقم عنده دليل معتبر ثم يبتلى بالضرر. فصوناً لكلام الحكيم عما ينافي الحكمة، نقول بشمول لا ضرر لخوف الضرر. لأن أكثر موارد الضرر يكون الضرر فيها غير معلوم أولاً، فإذا جاز أو وجب الإقدام، يقع المكلّف من حيث أمر الشارع في الضرر. وهذا خلاف الحكمة، وهذا وجهٌ آخر لشمول لا ضرر لخوف الضرر.

وإجابة لأسئلة من حاضرين، بيّن سماحته مطلبين أيضاً في موضوع لا ضرر:

المطلب الأول: إن دليل لا ضرر هل هو رخصة أم عزيمة؟ قال سماحته: إنّ صاحب العروة، وجماعة يقولون أنه رخصة لا عزيمة إلاّ في باب الصوم. فالصوم لا يجوز عند الضرر أو خوف الضرر كالسفر. وهذا ما يستفاد من الأدلّة. فهنا أمران:

أصل المشروعية والإلزام. ولابد من التفكيك بينهما في البحث. لا ضرر ولا حرج، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، يعني هذه العناوين الثانوية، هل ترفع مجرّد الإلزام، أو ترفع حتى أصل المشروعية؟ مثلاً عنوان المسافر الصوم معه عزيمة _ كما في المرسلة أن أعرابياً سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلهجته فقال _ أمن أمنم بّرٍ صيامٍ أمنم سفر؟ - أي هل من البر الصيام في السفر فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله) - كما في النقل - ليس من أمبّر صيام أمفي أمسفر – أي ليس من البر الصيام في السفر. فإذا كان الضرر من الأقسام الأربعة يعني هلاك النفس أو العضو أو تلف القوة أو الابتلاء بالأمراض الخطيرة، كالسرطان مثلاً، بلا إشكال الأقدام حرام، فإذا كان مثل الصوم الذي هو عبادة، صار مصداقاً للحرام، فلا ينطبق عليه الواجب والعبادة، فلا يجوز أصلاً. فترتفع عباديته. أما إذا لم يصل الضرر إلى هذا الحدّ فهل ترفع المشروعية أيضاً؟ إذا شككنا الأصل أن المرفوع خصوص الإلزام. لذا يقال أن لا ضرر رخصة لا عزيمة.

المطلب الثاني: خوف الضرر يعني احتمال الضرر، وهو أعم من الظنّ والشكّ والوهم. يعني الوهم المنطقي لا الاحتمال الضعيف الذي هو كالعدم. فإذا احتمل المكلّف الضرر، حتى أقلّ من 50% بالمائة، يجب الاجتناب والتكليف مرفوع عنه. هذا مستفاد من دليل لا ضرر.

أحد الحاضرين توجه بالسؤال: ما هي النسبة بين دليل لا ضرر ووجوب دفع الضرر المحتمل؟ فأجاب سماحته (دام ظله):

هذا يعني وجوب دفع الضرر المحتمل هو حكم العقل، وأما لا ضرر فهو حكم الشرع، وبينهما عموم من وجه. إجمالاً وجوب دفع الضرر موضوعه الضرر البالغ، فلا يشمل حينئذ خوف الضرر، أما دليل لا ضرر يشمل موارد الخوف، وهو الآن محلّ الكلام. وأيضاً واضح أن الضرر المرفوع هو الضرر الشخصي لا النوعي، يعني إذا خاف الشخص الضرر يرتفع عنه الحكم، وإن لم يكن مخوفاً للنوع. وبالعكس. فالنتيجة أن الخوف بجميع أقسامه مرتفع حكمه. أما إذا كان الاحتمال ضعيفاً: فإن كان المحتمل هلاك النفس أو الأمور المهمّة والخطيرة أيضاً لا يجوز الإقدام، ولكن هنا أيضاً شرط آخر، وهو أن تكون الشبهة عند العقلاء محصورة، مثلاً واحد من مائة يحتمل أن يكون سُماً قاتلاً، أما إذا كانت الشبهة غير محصورة، كالهلاك في السفر، فلا يعتني العقلاء بمثل هذا الخوف.

وحول مسألة انكشاف الخلاف الذي طرحه بعض الجالسين، فقال سماحته: انكشاف الخلاف في موارد الخوف كانكشاف الخلاف في العلم والعلميّ، وهو بحث آخر ومحلّ للنزاع بين العلماء، كمن يعلم بأنه غير مستطيع للحجّ ثم تبيّن خطأه في العلم، والآن ليس عنده ما يحجّ به. فعلى أيّ حال فالكلام في خوف الضرر ودليل لا ضرر، مسألة مهمّة وتظهر آثاره في الفقه من أوّله إلى آخره، من الوضوء والغسل والصلاة والصوم وغيرها.

جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة