لقاءات فقهية


 

طرح أحد الحضور بحثاً في "مَنْ أقرّ بشيء ثم قال ما ينافيه".

فقال سماحته: هذا البحث في الفقه، في كتاب الإقرار مطروح، والقاعدة تقتضي اعتبار الإقرار ما دام مشغولاً في الكلام، ولا يسقط إلاّ إذا ثبت إجماع على خلافه، والحق عدم الإجماع أو ثبت ارتكاز، والحق أن الارتكاز على طبق القاعدة فلا دليل على الاستثناء ظاهراً.

والشهرة أيضاً غير ثابتة. فإذا قال لزيد عليّ مائة درهم إلاّ عشرة فهذا إقرارٌ، فقول جماعة من الفقهاء بأنّ هذا ليس إقراراً لحصول الثاني ليس تاماً الحق ما دام مشغولاً بالكلام، له تغيير ما قاله أوّلاً متصلاً بالكلام السابق فالإشكال في أنّه أقرّ أولاً بمائة، لماذا لم يقرّ من الأوّل بتسعين كما أشكل بعض – فلبث فيهم ألف سنةٍ إلاّ خمسين عاماً – تسعمائة وخمسين عاماً.

وفي إثبات المطلب وببيانٍ آخر، قال أحد الحاضرين:

ما دام المتكلّم في حال البيان، لم ينعقد له ظهور، فلا ظهور للأسد قبل تمام الكلام بكلمة يرمي، حتى ينافيه ظهور يرمي في الرجل الشجاع.

فأيّد السيد المرجع هذا الكلام وقال: المراد الجدّي متوقّف على الظهور، والظهور لا ينعقد قبل تمام الكلام. نعم إذا انفصل وانعقد الكلام عرفاً يؤخذ بإقراره.

لهذا يفصلون بين الاستثناء المتصل والمنفصل. فالكلام في انعقاد الظهور. موارد انعقد الظهور وموارد لم ينعقد وموارد مشكوك انعقاد الظهور فيها.

فإذا نرى من مثل الشيخ والطوسي والعلاّمة من القول بالمنافاة لابدّ من تقييد إطلاق كلامهم بموارد انعقاد الظهور أوّلاً.

لهذا أمثال الشهيدين والمحقّق الأردبيلي وصاحب الجواهر أشكلوا على السابقين. فلابدّ من صدق الإقرار، فلمّا قال له عليّ ألف إلاّ خمسين فهو إقراراً بتسعمائة وخمسين. نعم إذا أقرّ ثم قال كلامي السابق خطأ لا يسمع منه.

وطرح بعض الحضور مسألة أخرى وهي:

من أراد السفر إلى أكثر من أربعة فراسخ، فإذا وصل إلى مكان شكّ في أنه في حدّ الترخّص أم لا، يستصحب التمام فيصلّي الظهر تماماً، وفي رجوعه يستصحب القصر فيصلّي العصر قصراً، هذا كيف يجتمع مع العلم الإجمالي؟

فقال سماحته:

هذه مسألة مشكلة. قال بعض الفقهاء بناء على حجيّة العلم الإجمالي التدريجي، كما عليه المتأخّرين، فعليه أن يصلّي عند الرجعة في هذا المكان القصر والتمام لتنجّز العلم الإجمالي.

بيان المطلب إجمالاً إنّ حدّ الترخّص يعني ما لا ترى عنده الجدران أو لا يسمع الأذان قد يكون مشكوكاً، فعند الذهاب عليه أن يصلّي تماماً، ولكن عند الرجعة يجمع بين الصلاتين القصر والتمام لتنجّز العلم الإجمالي.

وقال الباحث:

يجري الاستصحاب الأول بلا إشكال وبلا معارض ولا يجري الاستصحاب الثاني، لأنه مخالف للعلم الإجمالي، وعلى هذا يصلّي العصر تماماً اعتماداً على الاستصحاب الأول.

فقال سماحته:

لا يمكن جريانه لأنه مثبتٌ. يعني اللازم العقلي للاستصحاب حين الخروج أن يكون المكان قبل حدّ الترخّص حين الرجوع.

نعم إذا كان أمارة مثل البيّنة كانت معتبرة ذهاباً وإيّاباً.

ولكن الاستصحاب معناه التعبّد بخصوص التمامية في هذا المكان عند الخروج، لا أنه قبل حدّ الترخّص واقعاً حتى يكون هكذا عند الرجوع.

أصر الباحث على أنّه لازمه الشرعي، وأجاب السيد المرجع أنه لازمه العقلي ومع الواسطة. يستصحب وجوب التمام في هذا المكان، فهو قبل حدّ الترخّص (هذا لازمه العقلي) حتى يجب العصر تماماً.

هنا حصل نقاش بين الحاضرين في عدم اعتبار هذا العلم الإجمالي، كما في من يغسل يده في ماء مع استصحاب النجاسة في اليد واستصحاب الكرّية والطهارة في الماء.

فأجاب آخر بأنّ عدم التنجّز هناك لأنه لا يستلزم منه مخالفة علميّة، ولكن في ما نحن فيه يلزم المخالفة العلميّة فالعلم الإجمالي منجّز.

على أي حال العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في التنجيز فعليه أن يصلّي قصرأ وتماماً، لأن الصلاة عند الذهاب لا دليل على بطلانها، ولكن في الرجوع يحتمل القصر والتمام، بلا حجة مقابل العلم الإجمالي، فإذا صلّى التمام لم يخالف العلم الإجمالي، ولأنه يحتمل القصر ولا حجّة على عدم وجوبه (بل الاستصحاب على وجوب القصر) فيصلّي القصر إبراء للذمّة. وللحديث صلة

*  جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة