جلسات فقهية


 

افطار الذي ينوي السفر

سُئل: إذا سافر شخص قبل الظهر فلا صيام عليه، ولكن هذا الشخص الذي ينوي السفر هل يستطيع أن يفطر وهو في مدينته؟

فقال سماحته: كلا، لابدّ له أن يصبر حتى يخرج من حدّ الترخص كي يستطيع الإفطار، ولكن إذا أفطر وهو في مدينته ثمّ سافر، فيجب عليه القضاء والكفّارة أيضاً.

وبناءً على المشهور، لا فرق حينما يفطر في مدينته، سواءً سافر من أجل الفرار من الصيام أم سافر بنية أخرى.

نعم، لا صيام على الشخص المسافر، وطبعاً بعد التحقّق من موضوع السفر، والآن هل موضوع السفر هو العبور عن حدّ الترخّص أم الخروج من المدينة، أي العبور عن آخر بيوت ومنازل المدينة، فإنّ هذه المسألة محلّ خلاف، ولكن على أيّ حال الشخص الذي يريد السفر وحتى يتيقّن من السفر، فإنّه ما دام في مدينته يجب عليه الإمساك، وفي الظاهر هذه المسألة إجماعية.

وما هو محلّ الخلاف الفروع التي ترتّبت على هذه المسألة، أي إذا أفطر في مدينته عامداً عالماً، وبعد ذلك وجد عذراً غير اختياري، مثلاً امرأة أفطرت ثمّ جاءتها الدّورة الشهرية، يجب عليها أن تقضي ذلك اليوم، ولكن هل عليها الكفّارة؟ فهنا محل خلاف، فقال جماعة ومنهم صاحب (العروة) وعدّة من الشرّاح والمحشّين: لا كفارة عليها، ورأيي المختار هو هذا وفاقاً لهؤلاء، ولكن مجموعة أخرى تقول: عليها كفّارة. وبعض آخر قالوا بالاحتياط الوجوبي.

والمسألة هي أنّ المكلّف في مدينته، وكان له جميع شروط وجوب الصيام قد أفطر عامداً عالماً، ثمّ ظنّ بأنّ الله سبحانه لم يجعل عليه صيام ذلك اليوم ولكنه لم يعلم.

فقال جماعة: لجهة الإفطار من دون عذر بحسب العمومات (من أفطر متعمداً فعليه الكفّارة) يجب عليه الكفارة، والعذر التالي لا يكشف إن لم يكن عليه منذ البداية الصوم واجباً.

وقالت مجموعة أخرى: (من أفطر متعمداً) منصرف عن هذا الشخص، لأنّ في علم الله هذا الشخص لم يكن مكلّفاً بالصيام، ولكن إلى أن يتحقّق العذر عليه الإمساك وقد ترك واجبه، ولكن (من أفطر متعمداً) لا يصدق عليه حتّى تتحمّل عليه الكفارة، لأن الصيام لم يكن واجباً حتى يكون الافطار صادقاً.

فقال أحد الحاضرين: إذا كان هذا الشخص عالماً بأنّه في أثناء النهار سيجد عذراً، فما الحكم حينئذٍ؟ وهل يجب عليه الإمساك من أول النهار؟

فقال سماحته:

أولاً: من أين نعلم ألا يكون علمه جهلاً مركباً؟

ثانياً: لم يقل أحد من الفقهاء أنّ الإمساك لا يجب عليه.

ومن هذه الناحية فإنّ الفتوى بعدم وجوب الإمساك مشكل، وكيف إذا كان موافقاً مع الاستحسان الذي لا حجّية له.

قيل: الذين يقولون بوجوب الكفّارة على هذا الشخص، ألا يكون ذلك من جهة التجرّي؟

فقال سماحته: التجري وبناءً على المشهور لا حرمة شرعية له، بل له حرمة عقلية، والقائلين بوجوب الكفّارة دليلهم الاطلاقات والعمومات (من أفطر متعمداً).

قيل: حصول العذر في أثناء النهار يكشف أنّه منذ الأول لم يكن هناك أمر بالصيام لهذا الشخص، لذلك ليس هناك صيام حتى يصدق (أفطر)؟

فقال سماحته: نعم لم يكن هناك أمر واقعي، ولكن الأمر الظاهري موجود، وهذا الكلام مؤيّد لأولئك الذين قالوا: لا كفّارة عليه.

قال أحد الحاضرين: إذا أفطر شخص عامداً، وعمل اختياراً عملاً خرج عن موضوع وجوب الصوم، وعلى سبيل المثال تناول امرأة حبّة حتّى تأتيها العادة الشهرية، فماذا تقولون في هذا الفرض؟

فقال سماحته: وهذا الفرع كمثل شخص أفطر في أول النهار ثم سافر في سفر اختياري، لأن (ما بالاختيار لا ينافي الاختيار)، فالذي باختياره يخرج نفسه من موضوع وجوب الصوم فهو كمثل المسافر المذكور.

قيل: الحيض مانع واقعي وقهري وهو يختلف مع السفر الذي هو باختياره؟

فقال سماحته: نعم، ولكن هذا الشخص باختياره أوجد المانع القهري، وما بالاختيار لا ينافي الاختيار.

قيل: أليس البقاء والخروج من الموضوع باختيار المكلّف نفسه؟ فإذا تناولت المرأة حبة حتى تأتيها الدورة الشهرية ولا تصوم هل ارتكبت الذنب؟

فقال سماحته: باختيار المكلّف أن يحفظ نفسه في موضوع وجوب الصوم أو يخرج، وهذه المرأة لم تعصي، كما أنّ الشخص لم يعص إذا سافر في شهر رمضان، ولكن ليست هذه الجهة مورداً للبحث، وكلّ البحث هو: هل بالنسبة إلى هذا الشخص (أفطر متعمداً) يصدق أم لا؟ أي أنّ من (أفطر متعمداً) اطلاقه يشمل هذا الشخص أو منصرف عنه؟

فقال جماعة من الفقهاء: حتى إذا وُجد مانع قهري (كالحيض) فإذا أفطر قبل حصول المانع فإنّ الأقوى عليها الكفارة، أي أنهم لم يفرّقوا بين المانع الاختياري والمانع غير الاختياري، وفي كليهما قالوا بوجوب الكفّارة.

وأمّا عدّه أخرى كصاحب (العروة) وبعض المحشّين فقد فرّقوا بين المانع الاختياري كالسفر، وقالوا: عليه القضاء والكفّارة، وبين المانع غير الاختياري كالحيض، وقالوا: عليه القضاء فقط ولا كفارة عليه، ولكن المجموعة الثانية قالها في المكان الذي فيه المانع غير الاختياري الي وُجد قهراً، وليس إيجاده باختياره هو.

 

الخلاصة وملاك البحث

البحث في صدق (من أفطر عمداً) وعدم صدقه:

إذا أفطر المكلّف ثمّ سافر، فيصدق بالنسبة إليه، وعليه القضاء والكفارة.

وإذا أفطر وبعد ذلك وباختياره أوجد المانع، كالمرأة التي تناولت حبّة حتى تحيض، فهذا الفرع ملحق بالمانع الاختياري كالسفر لأنّ (ما بالاختيار لا ينافي الاختيار).

-------------------------------

جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة