بحوث علمية


 

شرط موت السمك

قيل: إذا كان الموت خارج الماء جزءاً من معنى تذكية السمك، ينبغي أن نقول لا يجوز أكل هذا السمك حياً، لأنه إذا لم يمت فإنّ التذكية لن تتحقق، والآية الشريفة تصرّح: (إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ)(المائدة/3).

فقال سماحته: التذكية هي (إخراجه حياً)، كما صرّحت روايات التذكية هكذا، والآية المذكورة لا تتعلّق بالسمك.

وكيف إذا قلنا: سواءً أماتت هذه السمكة خارج الماء، أو في معدة الشخص بعد إخراجها حيةً، لا فرق بينهما، وتُعدّ أكله تذكية.

وإذا استشكل أحد بهذا الشأن، نستطيع أن ندّعي أنّ في أكل الأسماك الصغيرة حيّة توجد هناك السيرة.

 

بين المذكّى والميتة

قيل: أليس المذكّى مقابل الميتة؟ أي: إذا لم تكن ميتة ألا يكفي هذا المقدار في جواز الأكل؟ وبناءً على هذا الاصل حلية أكل هذا السمك حياً؟

قال سماحته: لا تستظهر من الأدلّة أنّه كلّما لم تكن ميتة فإنّ الأصل حلية أكلها، بل ينبغي من التذكية أيضاً.

وظاهر الأدلة أنّ التذكية شرط وجودي، وليس صرف عدم الميتة، وإن لم تقطع الأوداج الأربعة.

 

الروايات الناهية من نفوق السمك في الماء

سأل أحد الفضلاء: وماذا تقولون عن الروايات الناهية من أكل السمك النّافق في الماء؟ أليس هناك تعارض مع هذه الروايات؟

قال سماحته: للروايات الناهية ظهور، وأما الروايات المجوّزة فهي نص في جواز الأكل، لذلك تكون حمل الظاهر على النص، ولا يبقى مجال للتّعارض.

ففي الرواية عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ‏ بْنِ سَيَابَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) عَنِ السَّمَكِ يُصَادُ ثُمَّ يُجْعَلُ فِي شَيْ‏ءٍ، ثُمَّ يُعَادُ إِلَى الْمَاءِ فَيَمُوتُ فِيهِ، فَقَالَ (عليه السلام): (لا تَأْكُلْهُ).

وفي رواية اخرى عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) عَنْ رَجُلٍ اصْطَادَ سَمَكَةً، فَرَبَطَهَا بِخَيْطٍ، وَأَرْسَلَهَا فِي الْمَاءِ، فَمَاتَتْ، أَتُؤْكَلُ؟ قَالَ (عليه السلام): (لا).

 

أصالة الحرمة وأصالة الطهارة

سال بعض الحاضرين: بالنسبة إلى اللحم أو الجلد المطروح والذي لا نعلم بتذكيته، فقد يُقال من جانب: الأصل حرمة اللحم ولا يجوز أكله، ومن جانب آخر: الأصل الطهارة فنحكم على الجلد بالطهارة؟

فقال سماحته: إذا كان في بلد إسلامي ورأى على الأرض لحماً أو جلداً، ورأى فيه علامات هجوم حيوان مفترس، فهو حرام، ولكن إذا لم تكن فيه علامات حيوان مفترس، ولكنه يجهل هل افترسه حيوان مفترس، أو أن مسلماً ذبحه ذبحاً شرعياً، فهنا نقاش وبحث هل أنّ (أرض الإسلام) كمثل (سوق المسلمين) و(يد المسلم) إمارة على الحلية او لا؟

ومثل هذه المسألة كمثل السفرة الممدودة في الصحراء، وقد وردت الرواية فيها، وبعض كالمرحوم الوالد قالوا لا يجوز الأكل منها، وأمّا بعض آخر كالمرحوم أخي قالوا بالجواز.

وفي بعض الأحيان وفي بلد غير إسلامي، وهي ليست (أرض الإسلام) أو (سوق المسلمين) او(يد المسلم) يرى لحماً ملقىً على الأرض ويحتمل أنّ مسلماً قد ذبحه ذبحاً شرعياً.

(ومن الواضح انه يشترط في الذبح أن يكون الذّابح مسلماً، ولكن لا يلزم ذلك في صيد السمك أن يكون السمك مصطاداً من الماء من قبل المسلم).

فاذا لم تكن في ذلك علامات، هنا قال الفقهاء: الأصل الحرمة، لأنّ القاعدة في اللحم المشكوك الحرمة لأصالة عدم التذكية، على خلاف بقية الأشياء التي يكون الأصل فيها الحلية.

 

ولكن هذا اللحم هل هو نجس أم لا؟

فقال مشهور الفقهاء شهرة عظيمة كادت أن تكون إجماعاً: نعم، إنّه نجس أيضاً، لأننا نستفيد من مجموعة الأدلّة الشرعيّة أنّ الحرمة والنجاسة متلازمتان إلا ما خرج بالدليل.

أي أنهم قالوا: كلّ لحم حكم الشارع بحرمته ولو بالأصل العملي، فهو محكوم بالنجاسة.

ولكن الشهيد الثاني(ره) هو أوّل شخص خالف المشهور، وقال في كتابه (شرح اللمعة) بالنسبة بهذا اللحم المشكوك: للأصل فيهما.

يقول(ره): لنا أصلان بالنسبة إلى هذا اللحم، أحدهما أصل الحرمة للشك في التذكية الموجودة في الحرمة، للشكّ في التذكية، والآخر أصل الطهارة لأن حرمتها غير معلومة، فإذاً يكون الموضوع أصالة الطهارة.

ولكن بعد الشهيد، لم يقل أحد بهذا القول إلا نادراً، من جهة ذلك التلازم بين الحرمة والنجاسة المستفاد عن المشهور من مجموعة الأدلّة، وليس وجود دليل خاص.

*  جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة