بحوث فقهيّة


 

في بداية الجلسة طرح تساؤل حول دفن الميت في الأرض المغصوبة، عدواناً أو جهلاً، ولا يرضى ورثة الميت أن ينبشوا القبر، وصاحب الأرض أيضاً غير راض، فما الحكم هنا؟

فقال سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): هنا عدّة مسائل:

نبش القبر

المسألة الأولى: لا يجوز نبش قبر الميت المسلم، وعمدة الأدلة الإجماع، والإجماع يكفي، لأنّ في الجملة هناك دليل في عرض الكتاب والسنّة، ولكن له حرمة استثنائية، وإنْ وجد حرمة نبش القبر مزاحماً أهماً، وحرمته أشدّ من حرمة نبش القبر، أو مزاحم يكون وجوبه أهم من حرمة النبش (الأهمية المستفادة من الشرع، وهذا البحث بحث مفصّل في الأصول والفقه وأنه أيّ شيء أهم أو غير أهم، لأنّ الأهمية بمعنى لزوم تقديم الحكم الشرعي، ويجب أن يصرّح به الشارع)، وعندما يكون تزاحماً، سواءً في التزاحم بإلزامين اثنين في الفعل، أو إلزامين اثنين بالتّرك، أو إلزام واحد بالفعل وإلزام واحد بالتّرك، فلابدّ أن يكون الأهمّ مقدّماً.

والمرحوم الأخ (رضوان الله عليه) استقصى أكثر بالنّسبة إلى الموارد المُستثناة لحرمة نبش القبر.

وإحدى موارد الاستثناء التي تسالمت عليها: دفن الميت في أرض مغصوبة، سواء عُمّرت تلك الأرض أو مُلكت، لأنه وردت في الرواية: (الأرض لله ولمن عمّرها)، أو اشتُريت وأصبحت كالمالك، فإذا دُفن ميّت في هذا الملك الشّخصي، بدون إذن المالك، والمالك لم يجز بعد ذلك، فإنّ حرمة الغصب أشدّ وأقوى من حرمة نبش القبر، ومن هذه الناحية الواجب النبش، وأن تنقل الجثة إلى مكان آخر.

المكلّفون بالنبش

المسألة الثانية: عدم اختصاص وجوب نبش القبر بالورثة، وعند مطالبة صاحب الأرض فإنّ إنقاذ ماله واجب كفائي على الجميع في الجملة، نعم يمكن أن تكون أولوية بالنسبة إلى الورثة.

عدم الهتك

المسألة الثالثة: شرط نبش القبر عدم هتك الميت، فعند إخراج جثّة الميت، لابدّ أن لا يصدق الهتك، لأنّ هتك المؤمن من المحرّمات الغليظة.

وبناءً على هذا، إذا دُفن الميت حديثاً (مثلاً عدّة ساعات)، فإنّ النّبش لا يكون هتكاً، ولكن إذا مضى مدّة، ويُحتمل تفسّخ الجثّة، فإنّ إخراجها تُعدّ هتكاً، وهتك المؤمن من أشدّ المحرّمات.

والروايات متواترة في باب حرمة المؤمن، ومنها: (المؤمن أعزّ على الله من الكعبة).

ومن هذه النّاحية التي تكون فيها حرمة هتك الميّت المؤمن أشدّ من حرمة البقاء في الغصب، فإذا كان عُرفاً هتكاً وإهانة (لأنّ الإهانة موضوع عرفيّ، ولم يذكر الشارع معنى خاصاً لها)، كأن يكون الميت مرجعاً للتّقليد أو كان مؤمناً وجيهاً ومحترماً، أو بشكل عام كان شخصاً مسلماً، ويحتمل تفسّخ الجثة، ففي هذه الصورة لابدّ أن يصبر، حتى تمضي فترة على الدفن، حتى لا يكون إخراج الجثة هتكاً، مثلاً بقيت عظامه فقط.

وطبعاً في هذه النّاحية، كم سيبقى الجسد سالماً؟ في هذا يمكن أن يُراجع أهل الخبرة، فقولهم حجّة.

ضمان الغاصب

سُئل: ألا يكون تكليف الغاصب نفسه أن ينبش؟ وهل هو ضامن؟

فقال سماحته: نعم يجب على الغاصب وهو ضامن، ولكنّه إن لم يقم بذلك، فعلى البقيّة واجب كفائي في الجملة.

سُئل: بأيّ دليل تقولون بأنّ نبش القبر واجب كفائي؟

فقال (دام ظله): إنقاذ مال ونفس وعرض المسلم واجب كفائي، والفقهاء ذكروا المال في رديف النفس والعرض، وطبعاً إنقاذ المال في صورة تمامية الشروط، وعدم الموانع والتزاحم هو الأهم.

سُئل: في الواجب الكفائي هل الموضوع عنوان أم الأفراد؟

فقال سماحته: الموضوع هو العنوان، فكل من يعلم بالعنوان، ولو علماً تعبّدياً وكان متمكّناً، لابدّ أن يحقّق ذلك العنوان في الجملة.

فقال أحد الحاضرين في الجلسة: عندما يكون دفن الميت المسلم في أرض مباح واجباً كفائياً، فإذاً هذا الميت إذا دفن في مكان غصبي وإخراجه ممكن، فيُعدّ إخراجه واجباً، لأنه ما زال ذلك التّكليف باقياً ولم تسقط وجوبه؟

فقال سماحته: نعم، يمكن أن يكون هذا وجه من الوجوه أيضاً.

قيل: إذا نُقل الميت من دون نبش القبر، فما الحكم حينئذٍ؟

فقال (دام ظله): لابدّ من أن يكون كذلك عند الإمكان حتّى لا يكون هتكاً، ولكن يمكن هذا العمل، أن يستلزم نقل كمية من تراب أرض المالك، وإذا لم يجز المالك فكيف ذلك؟

لقد نقلوا بهذه الكيفيّة شخصين اثنين إلى النجف الأشرف بوادي السلام، في زمن قام البعثيون فيه بتخريب مئات القبور، التي في أطراف المقام، أحدهما هو المرحوم الشيخ خضر بن شلال (رضوان الله عليه)، والآخر المرحوم السيّد حسين الحمامي(ره)، وقد رأيته وحضرت يوماً في درسه أيضاً.

جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة