بإصلاح العراق يمكن إصلاح العالم كلّه


 

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في جانب من حديثه مع وفد من الفضلاء من العراق قال: يقول القرآن الكريم: (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) الشورى/43. ويقول علماء البلاغة أن الإضافة إلى الجمع يعني هذا ظاهر في العموم. فالعزم من الإنسان، والعزائم من الله (عزّ وجلّ)، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

والعراق اليوم بحاجة كثيرة وكثيرة إلى العزم. فخلال العقود الثلاثة الماضية، أي في أيّام البعثيين السوداء، كان لا يمكن العمل على تربية الشباب إلاّ بقليل، ولكن اليوم هذا العمل ممكن مع وجود الحريّة، رغم كل السلبيات، ورغم كل المشاكل.

وبيّن سماحته: إنّ السبب في وجود شباب طائشين، والذين لا يعرفون شيئاً من الدين، وكذلك غير الملتزمين من الشباب، هو أنّه لم تتمّ الحجّة عندهم، ويوجد بين هؤلاء قابليات ويمكن أن يخرج منهم من يكون كأبي ذر وكسلمان وكعمار، ففي الحديث الشريف عن الإمام عليّ (عليه السلام) بأنّ الله تعالى: (...أخفى وليّه في عباده)(بحار الأنوار/ج٩٠/ص٣٦٣).

وأضاف سماحته: كتب التاريخ انّه كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) تسعة أعمام، وستّ عمّات. فآمن برسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة من الأعمام وهم أبو طالب (عليه السلام) وحمزة (رضوان الله عليه) والعباس، وثلاث من العمّات. والتسعة الباقين من الأعمام والعمّات ماتوا على الشرك، وكانوا هم وأبنائهم ضدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله). فكم كانت هذه المصيبة كبيرة على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنّ أعمام رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم سادات العرب، ومن بني هاشم الذين كانوا قمّة العرب وسادات قريش. ونقل التاريخ عن العباس أنّه في يوم ما هدموا ميزاب بيته، فصاح العباس صيحة قويّة، ولقوّة هذه الصيحة، أجهضت أمرأة حامل كانت مارّة في الطريق لسماعها صيحة العباس. وفي هذا الصدد قال أحد الخطباء، وهو المرحوم السيد كاظم القزويني: أين كان هذا الصوت يوم آذوا السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). فالعباس لم يك من المدافعين عن السيّدة الزهراء (عليها السلام).

وأضاف (دام ظله): ومن أعمام رسول الله (صلى الله عليه وآله) التسعة الذين ماتوا على الشرك هو أبي لهب، وقد حارب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيراً. وقسم من هذه الحرب ذكرها القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) القلم/51. وهذا القول كان يصدر من أبي لهب. وكلمة (إنّه) هي تأكيد، واللام في (لمجنون) هي لام القسم، وهذا يعني تأكيد على تأكيد، أي حتماً، والعياذ بالله، بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مجنون.

وقسم ذكرته الروايات الشريفة، ومنها أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يمشي في الأسواق ويدعو الناس إلى الله تعالى، وكان أبو لهب يمشي خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحجر محدّد، أي منبّل وجارح، ويدمي جسم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان يصيح ويقول في الناس أيّها الناس هذا ابن أخي وأنا أعرفه، هو مجنون، ولم ينفع معه أي دواء ولا أي علاج. وذكرت الروايات أنّه أدمى عرقوبي رسول الله (صلى الله عليه وآله). والعرقوب هو أغلظ عصب في بدن الإنسان، ويكون في آخر القدمين، وإذا تعرّض هذا العرقوب للأذى أو أصيب وأصابه شيء، فسيجعل صاحبه متألّماً لآخر لحظة من عمره، لأنّه يصعب علاجه أو لا يمكن.

وهذا يعني انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولآخر لحظة من عمره الشريف كان يتحمّل آلام عرقوبيه المصابين. ومع كل هذا الأذى الذي تعرّض له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورغم تكرّر تلك التصرّفات من أبي لهب، لم أجد أنا شخصياً في التاريخ، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد عاتب أبي لهب حتى لمرّة واحدة، ولم يقل له لماذا تتصرّف هكذا معي، حتى لمرّة واحدة، أبداً. والله تعالى يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب/21. فإذا هكذا عزم الإنسان، فسيوفّق كثيراً، وإلاّ فالسلبيات والمشاكل تحطّم الإنسان ولا تجعله يوفّق. وهذه هي الحياة، وعلى الإنسان أن يواصل رغم كل السلبيات، وحتى بهذا المستوى.

وقال سماحته: العراق بحاجة إلى التضحيات، ولا أقصد التضحيات بالرقاب فقط، بل التضحية بالوقت، ومنها الجلوس مع الشباب والاستماع إليهم وإرشادهم. فرسول الله (صلى الله عليه وآله) جلس جلسة واحدة مع أبي ذر، فصار كما نعرفه ويعرفه التاريخ والعالم، وقال بحقّه رسول الله (صلى الله عليه وآله): (والله ما أقلّت‌ الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر)(بحار الأنوار/ج٢٢/ص٣٢٩).

ويوجد أمثال أبي ذر بين الشباب أيضاً، ولكن هذا الأمر بحاجة إلى عملية انتشال الشباب، وتحمّلهم. فالعراق هو بلد أهل البيت (عليهم السلام)، ورغم كل المشاكل المؤسفة فيه، يمكن عبر إصلاح العراق إصلاح العالم كلّه وليس المنطقة فقط، وذلك عبر تربية الشباب وفق تربية أهل البيت (عليهم السلام). فعشرات الملايين من الزائرين الذين يفدون على العراق سنوياً من سائر دول العالم، لزيارة العتبات المقدّسة في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية المقدّستين وسامراء المشرّفة، هؤلاء يحتّكون بشباب العراق ويلتقون بهم، ويأخذون انطباعهم عنهم، فيعكسونه على العالم، ويتم التغيير.