بحوث علمية


 

 

ابتدأ الجلسة سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) قائلاً: من يحتاج إلى الماء، على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى صومه، في شهر رمضان: (1) من يعطش بسبب شغله وعمله، كالخبّاز والبنّاء والعامل تحت الشمس. هذا الشخص لا يسمّى مريضاً، ولكن تحمّل العطش عليه حرجيٌ. (2) ذو العطاش، ومن عُبّر عنه صاحب العروة، بمن به داء العطش، كالسكري وهو من يشعر بالعطش الشديد. (3) من يحتاج جسمه إلى الماء في دمهِ لغلظته، أو يحتاج إلى الماء في كليتهِ أو في كبدهِ، وهو لا يشعر بالعطش.

هذه عناوين مبحوث عنها في الرخصة في الإفطار، كالشيخ والشيخة، والمرضعة قليلة اللبن أو الحامل. من هذه العناوين الثلاثة: ذو العطاش، وفيه روايات، وهو محلّ كلام ونزاع من عدّة جهات: الأولى: في أنه: هل يجوز له الأكل مضافاً إلى الشرب أو لا؟. الثانية: في أنه: هل يجوز له شرب الماء أكثر من الضرورة أم لا؟. الثالثة: في انه هل عليه قضاء الصوم أم لا؟. وهنا صحيحة دالّة على عدم وجوب القضاء.

القسم الأول يعني من احتياجه إلى الماء خارجي، وليس الاحتياج داخل جسمه، كالقسمين الآخرين. يعنى أنه إذا كان ينام أو يستريح لا يحتاج إلى الماء، ولكن لابدّ له من العمل تحت الشمس أو عند النار، فيضطرّ إلى شرب الماء، فهذه مسألة أخرى ذكرها صاحب العروة مستقلاً، وفيها أيضاً رواية دالّة على جواز شرب الماء بمقدار الضرورة، والمسألة إجماعية، ولا يجوز الشرب أكثر من مقدار الضرورة، مع ذلك صومه باطل وعليه القضاء. إنما الكلام في القسم الثالث، وهذه مسألة كثيرة الابتلاء في الأزمنة المتأخرة، وهي غير مبحوثة في كتب المتقدّمين، حتى إلى زمان صاحب العروة، ولعلّه لأجل قلّة الابتلاء بها سابقاً، وهي من العناوين العارضة المبتلى بها أخيراً، الناشئة من الأمراض الجديدة في الدم والكبد وغير ذلك. وهو شدّة الاحتياج إلى الماء في الجسم بلا استشعار عطشٍ أصلاً، حتى كان يقول لي أحد هؤلاء، أنه لا رغبة لي بشرب الماء أصلاً، ولكنني مجبور بشربه دائماً. النزاع في أنه هل هذا كالمريض، فيسقط عنه الصوم (فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيامٍ أخر) أم هو كذي العطاش؟ فإنّ كان كالمريض الذي يحتاج إلى شرب الدواء أو الأكل، فيسقط عنه صوم شهر رمضان، وعليه قضائه، إنْ تمكّن، وإلاّ فيسقط عنه القضاء أيضاً، وعليه الفدية.

نعم محلّ الكلام أنه يجب عليه الفدية أو فديتان. ولكن إن قلنا أنّه كذي العطاش، فيجوز له شرب الماء بمقدار الضرورة، وصومه صحيح، ولا يجب عليه القضاء. فالكلام في أنّ أدلّة ذي العطاش هل يستفاد منها الخصوصية والموضوعية، فلابدّ من اعتبار العطش فمع عدمه لا يترتب هذا الحكم الخاص.

فهنا احتمالان: الأول: وجود الخصوصية والموضوعية لنفس العطش، وصحّة الصوم مع الشرب، خاص بمن يستشعر بالعطش فقط. الثاني: طريقية العطش، لوجود المرض الخاص، يعني احتياج الجسم للماء، فلا خصوصية للعطش، إنّما الملاك احتياج الجسم إلى الماء. وهذا غير القسم الأول، كالخبّاز الذي احتياجه من خارج جسمه، يعني من غير مرض، وهو قسم مستقل غير هذين القسمين.

وهنا سؤال: هل يوجد إشكال، إذا قال فقيه يتبادر عندي عرفاً، من الروايات الواردة في ذي العطاش، أن الاعتبار بالمرض الداخلي لا بالكاشف يعني العطش؟ هذا نوع استظهار، وهو ليس ببعيد. فهنا عنوانان: المريض، وذو العطاش، دليل ذي العطاش أخصّ مطلقاً من دليل المريض، فهو مريض خاصّ وحكمهُ خاص. لهذا المريض المبتلى بالسكّر مثلاً يصوم، ويشرب الماء عند العطش، واحتياج الماء. ولكن المريض يشرب ويأكل، وعليه القضاء، فما هو المتبادر من الروايات؟

(توجّه بعض الحضور بالسؤال: ملاك جواز الشرب في ذي العطاش، هو تضرّره من عدم الشرب، وهذا الملاك موجودٌ في غيره بتنقيح المناط، فحكم المريض الذي يحتاج الماء كحكم ذي العطاش).

قال سماحته: نعم هذا حكمٌ خاص في هذه الصورة، ففي غير ذي العطاش، يجوز له الإفطار بمقدار الضرورة، ويبطل صومه وعليه القضاء، ولكن في ذي العطاش حكم في الروايات بصحّة صومه، وهذا حكم خاص، والكلام في أنه هل للعطش خصوصية في هذا الحكم أم لا؟. أمّا مثلاً في القسم الأول، نعم، هناك دليل على جواز الشرب بمقدار الضرورة، ولكن مع ذلك، عليه القضاء، وصومه باطل. فنقول لمن يريد أن يستظهر عنده الواقع والتبادر بمراجعة العرف، فإذا نفرض شخصين رجعا إلى فقيهٍ، أحدهما يحتاج الماء بسبب العطش الشديد، يعني هو ذو العطاش. والثاني لا يشعر بالعطش، ولكن جسمه يحتاج إلى الماء أيضاً، فيقول الفقيه لذي العطاش بصحّة صومه، وعدم القضاء، والشرب بمقدار الضرورة، ثم يقول للآخر بعدم صحّة صومه، وجواز الأكل والشرب، وعدم وجوب الصوم عليه، فإن تمكّن من القضاء يقضي وإلاّ فيسقط عنه وعليه الفدية. على الظاهر هذا النوع من الحكم فيه تبعيض وتّهافت، والعرف يرى الاتحاد في الموردين، بحسب الفهم من الروايات الواردة في ذي العطاش.

نعم، لا يجوز التبعيض في الصوم، ولكن خرجنا من عدم الجواز في ذي العطاش، وقلنا بجواز التبعّض بأن يصوم ويشرب الماء، ولكن الظاهر كون الحكم هكذا في أمثاله ممّن يحتاج إلى الماء بلا شعور بالعطش.

وللكلام تتمة...

جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة