جلسات فقهية


 

باب التزاحم وعدم بطلان الصيام

سأل أحد الحضور من أصحاب الفضيلة: إذا كان مورد أكله باعث على بطلان الصيام وعدمه، يكون باعثاً لبطلان الصلاة، فماذا يفعل؟

فقال سماحته: هذه المسألة وردت في (العروة) وهي من مصاديق باب التزاحم، أي: إنّ الأمر دائر بين إبطال الصوم وإبطال الصلاة، فإذا أبطل صيامه تبقى صلاته صحيحة، وهكذا العكس.

والحمل من مجموع الأدلّة هو أنّ إبطال الصلاة أهون من إبطال الصوم، وإن كان لا شكّ في الظاهر بأنّ الصلاة أهم من الصيام.

الطبخ ونجاسة الطعام

سأل آخر: شخص يساعد صاحب البيت في إعداد الطعام، وفجأة ينزل الدم من يده ويسيل في الطعام، هل يجب عليه أن يصرح به؟

فقال سماحته: نعم، لأنه هو المسبّب ويصدق التسبيب العرفي، وأينما يكون التسبيب عرفاً يجب الإعلام والاخبار، وهكذا إذا علم صاحب البيت عليه بإخبار الضيوف، وإذا لم يخبر وأعطاهم طعاماً نجساً، فقد ارتكب الحرام، وإذا تضرّروا نتيجة لتناول ذلك الطعام، فهو ضامن، لأنّ الملاك في الضمان هو صدق الانتساب والتسبيب العرفي.

قيل: هل نستطيع أن نقول من باب (ما على المحسنين من سبيل)، لا إشكال من تقديم الطعام النجس إلى الضيوف، لأنهم لا يعلمون، ويجوز لهم تناول ذلك الطعام، وهذا الشخص نيته الإحسان؟

فقال سماحته: كلا، لأن الدّعوة إحسان، ولكن أكل الطعام النجس للضيوف ليس إحساناً، علماً بأنّ (قاعدة نفي السبيل) لم يبحثها المرحوم الشيخ والفقهاء المتأخرين من بعده، ولكن أساتذة الشيخ والمعاصرين له، كالمرحوم السيد مجاهد في (مفاتيح الأصول)، قد بحثوا عنها مفصلاً.

يقول المشهور: هذه الآية تدل على نفي عقوبة المحسن وليس نفي لوازمها، ومنها الضمان، وإن دلّت ظاهر الآية على العموم لأن (سبيل) نكرة في سياق النفي، ولكن المشهور لم يقل بالعموم، وقد أعرض عن ظاهر العموم، وهنا لابدّ من أن نرى أنّ الفقهاء الذين صرّحوا بعدم كسر الإعراض الدلالي، ماذا يقولون بالنسبة إلى هذه الآية، هل هم قائلون بالعموم؟

تعارض مصاديق اليد

سُئل: إذا تنازع شخصان حول مركب، أحدهما راكب المركب، والآخر بيده زمامه، وليس لهما شاهد، فما الحكم؟

قال سماحته: وردت هذه المسألة في (الجواهر) وهي محل خلاف، وهي منوطة برأي العرف ونظره، أيّاً منهما يُعدّ صاحب اليد والمالك، هل المالك هو الراكب أم الذي بيده الزمام؟

المدّة الطويلة في النكاح المؤقت

سأل أحد السّادة: إذا كانت المدّة طويلة في عقد النكاح المؤقت، وعلى سبيل المثال مائة سنة، فقد قال بعض: يُعدّ عقداً دائماً، فما رأي صاحب السماحة؟

قال سماحته: ورد في العقد الدائم تعبير الملك، وأمّا في العقد المؤقت فورد تعبير الإجارة، فقد جاءت في الآية الشريفة: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)(النساء/24)، ووردت في الرواية: (هن مستأجرات)، وبناءً على هذا، فإنّ النكاح المؤقت نوع من الإجارة، وفي بقية الإجارات طويلة المدّة هل يبعث عقد الإجارة إلى التمليك؟ كلا، وإن صرّحت بعض الدول في قوانينها ودساتيرها، أنّ الإجارة لمدّة مائة عام تعدّ تمليكاً، ولكن ليست لها وجه، لذا فإنّ العقد المؤقت، كلّما كان طويل المدّة لا ينقلب دائماً.

تزيين المشاهد المشرّفة

سأل أحد الحضور: يقول بعض: ألا تُعدّ كلّ هذه المصاريف والمبالغ الطائلة في تزيين مقامات الأئمة (عليهم السلام) إسرافاً وتبذيراً؟ أليس الأفضل أن تدفع بدل ذلك إلى الفقراء والمحتاجين؟ ويقولون: ما هو الدليل على جوازها؟ هل لدينا نص خاص على هذا الموضوع؟

فقال سماحته: لا نحتاج إلى نص خاص، وعندما تكون لدينا العمومات تكفي، فقد قال الأئمة(عم): (علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع).

والقرآن الكريم يقول: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)(الحج/32)، ولم ترد للشعائر تفسير خاص في القرآن الكريم والروايات، لذلك علينا أن نرى ما هي الشعائر عرفاً، فكلّ شيء يكون تجليلاً من الله سبحانه والقرآن الكريم ومن المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) ولا يكون حراماً في ذاته، شعائر، وعندما تكون شعائراً فهي جائزة بل وراجحة، وتزيين مشاهد المعصومين (عليهم السلام) هي من مصاديق الشعائر.

وأمّا بالنسبة إلى الفقراء فقد وردت في الروايات، أنّ الله سبحانه وتعالى قد حسب الفقراء ويعلم بحاجاتهم، وبمقدار تلك الحاجات جعلها في أموال الأغنياء، فإذا أعطى الأغنياء حقوق الفقراء، فلن يبقى هناك فقير واحد.

جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة