أعلام الشيعة


العلامة المجلسي

(3)

 

عديدة هي العبر البالغة والدروس النافعة التي أشرق بها تاريخ أعلام الشيعة، فقد دأبوا على أن يعيشوا أحراراً، فكانوا –والى اليوم- للناس ملهمين، وكرّسوا علمهم وحياتهم في خدمة الدين ونشر الفضيلة، فأصبحوا للمجتمعات آباء وهادين، وثبتوا في الدفاع عن حقوق الشعوب المظلومة، فاختارتهم الشعوب لها أمناء وقادة، وسعوا إلى نشر قيم العدل والخير والسلام، فأضحى لهم في وجدان الصالحين والمصلحين مستقراً ومقاماً.

وإن التزود من دروس الأعلام، لهو سبيل إلى الغنى الإيماني والعلمي والنفسي والأخلاقي، يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): (إنما الحياة تجارب، وكلما كان الإنسان أعرف بتجارب الحياة، كان باستطاعته أن يبني لنفسه حياة أفضل، ولذلك يصرّ الكُتاب والمؤرخون على تسجيل التجارب، كي يستفيد منها الآخرون في حياتهم، خاصة إذا كان صاحب التجربة عالماً من العلماء، أو عبقرياً من العباقرة).

 

مؤلفاته

للعلامة المجلسي(قده) الكثير من المؤلفات الشهيرة، باللغتين العربية والفارسية، كذلك ترجم العديد من الكتب والرسائل من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية، ومن مؤلفاته الشهيرة باللغة العربية: (1) موسوعة بحار الأنوار، الشهيرة والتي تربوا على المائة مجلد، وكل مجلد منها يحتوي على عشرات الأبواب، اشتملت على مجالات العلوم الدينية العقلية والتاريخية، كالفقه والعقائد، وأصول الدين، وعلم الدراية وأصول الرجال، والآداب والسنن، والحكم والمواعظ والأدعية والزيارات وغيرها من أبواب العلوم. (2) مرآة العقول في شرح أخبار الرسول. وهو شرح للكافي في اثني عشر مجلداً. (3) الوجيز في علم الرجال. (4) شرح الأربعين. (5) رسالة الشكوك.

ومن مؤلفاته باللغة الفارسية التي جاوزت الثلاثين مؤلفاً: (1) كتاب عين الحياة. (2) مشكاة الأنوار مختصر عين الحياة. (3) حياة القلوب في ثلاثة مجلدات. (4) حق اليقين وهو آخر تصانيفه. (5) رسالة صواعق اليهود في الجزية وأحكام الدية. (6) رسالة في السهام. (7) رسالة في زيارة القبور.

ومن كتبه التي ترجمها من العربية إلى اللغة الفارسية: (1) عهد أمير المؤمنين(ع) إلى مالك الأشتر. (2) فرحة الغري لابن طاووس. (3) توحيد المفضل. (4) توحيد الرضا. (5) قصيدة دعبل الخزاعي، وغيرها من الكتب الرسائل.

 

كراماته

الاطلاع على قصص العلماء الأعلام هو دخول إلى عالم مختلف، الكثير لا يعرف عنه إلا القليل، عالم تتجلى فيه المواقف الطيبة والمضيئة التي تدل القارئ على أن النجاة في التقى، والنجاح في الصبر والمثابرة، وإن نيل الأماني لا يكون فقط بالتمني، بل لابد من العمل بجد وإخلاص.

وفي قصص أعلام الشيعة تذكير النفس بالجانب الروحي والأخلاقي الذي بنى عليه هؤلاء العلماء حياتهم العلمية، وشيد كل واحد منهم ذاتاً نبيلة، ونفساً أبية، وشخصية مستقيمة، فسجّل لهم التاريخ مآثر علمية خالدة، ومواقف جهادية بطولية، وأعمالاً إنسانية كبيرة.

وقد رُويت العديد من القصص عن الشيخ المجلسي التي تدل على مكانته المعنوية الرفيعة، وبركاته الوافرة، وقد عُرفت في حياته وبعد وفاته، واشتهرت بين الخواص والعوام. منها:

ما رواه أقا أحمد في (مرآة الأحوال) قال: حدّثني بعض الثِّقات عن والده الجليل الشيخ محمّد تقي المجلسيّ(ره)، أنه قال: في بعض الليالي وبعد الفراغ من التهجّد. عرَضَت لي حالة، عرفتُ منها أني لا أسأل الله تعالى شيئاً إلاّ استجاب لي، وكنت أفكّر فيما أسأله تبارك وتعالى، وإذا بصوت بكاء (محمّد باقر) في المهد، فقلت: "إلهي، بحقّ محمّدٍ وآل محمّد، اجعل هذا الطفلَ مروِّجَ دينِك، وناشرَ أحكام سيّد رسُلِك(ص)، ووفّقْه بتوفيقاتك التي لا نهاية لها". قال أقا أحمد: فالكرامات التي ظهرت من الشيخ محمد باقر المجلسيّ، لا شكّ في أنها من آثار هذا الدعاء. (الفيض القدسيّ ص11- 12).

وقال الشيخ عبّاس القمّي: ويظهر من جملة المنامات الصادقة، أنّ للمجلسيّ التقدّمَ في النشأة الآخرة (الكنى والألقاب، للشيخ عبّاس القمّي 150:3). ثمّ نقل شيئاً من ذلك عن أُستاذه الميرزا النوريّ عن صاحب (جواهر الكلام) الشيخ محمّد حسن النجفيّ وغيره ما يُثبت ذلك، كما روى الميرزا النوريّ عن السيّد نعمة الله الجزائري ـ وكان من أخصّ تلامذه الشيخ المجلسيّ وأصدقائه ـ ما يُؤيّد ذلك.

ونُقلت رؤىً صادقة كثيرةٌ تشهد بالمقام السامي للشيخ المجلسيّ، تحكي جلالة قدره ورفعة شأنه، دوّن بعضها الميرزا النوريّ في كتابه (الفيض القدسيّ ص 152 ـ 162)، تُخبر تلك الرؤى عن أنّ الرجل كان مَرْضيّاً، وقد خلّف آثاراً طيّبة محمودة، وترك أياديَ بارّة معطاء، بعد أن جمع بين العلم والتقوى، والمعرفة والعبادة، والأخلاق والطاعة.

 

وفاته

ومن المهم التأكيد هنا، أن ما عُرف به العلامة المجلسي(قده) من ملكات نفسية وروحية وعقلية فاخرة، وصفات أخلاقية وذهنية فاضلة، والتي انعكست على سلوكه وسيرته، كما انعكست على آثاره الطيّبة وأياديه الجميلة التي أسداها إلى المسلمين، من خلال خدمات جليلة مباركة، وهي جارية إلى يومنا هذا، وهذه الإنجازات الباهرة لم تأت من فراغ، ولم تكن لتكون وتنمو وتزدهر لولا خشيته الله تعالى، ونيته الصادقة، وهمته العالية، وعزمه الصلب، للوصول ما وصل إليه، فكان على ورع شديد، وله علم واسع، وقد عمل بإخلاص. يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): (من عزم بجد على أن تكون له آخرة حسنة، وسعى لها سعياً مناسباً، وهو مؤمن بالله (عز وجل)، وبالعدل والنبوّة والإمامة والمعاد، فهذا سيحصل على النتيجة ويكون موفّقاً).

كان العلامة المجلسي محافظاً على جميع أوقاته، فوظف وقته وجهده في سبيل الله وإعلاء كلمته، وكان لسانه دائماً يلهج بذكره(عز وجل)، فكانت أعماله خالصة لله سبحانه، فكان مصداقاً لقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): (وليكن في كل شيء نيّـة، حتّى النوم والأكل). وعن ذلك، قال المحدث نعمة الله الجزائري: "رافقته سنين طويلة، وكان معي ليل نهار، وخـلال هذه المدة الطويلة، كان شديد الحذر في أعماله المباحة، فكيف يمكن أن يُتصور منه المكروه". وقال العلامة مـحمد صالح الخاتون آبادي: "اهتم العلامة المجلسي باقامة صلاة الجماعة, وكذلك صلاة الجمعة، وأحيا ليالي شهر رمضان المبارك بالعبادة والذكر, وإلقاء المواعظ والخطب في المساجد".

وقبل أن يرحل الشيخ المجلسي(قده) إلى الرب الكريم، أحيى سُنّةً اندثرت، تحدث عنها السيّد نعمة الله الجزائريّ قائلاً: أمّا شيخنا المجلسيّ، فقد كان يأمر الناس أن يكتبوا على أكفان موتاهم اسمَ أربعين من المؤمنين. وكيفيّته أن يكتب كلُّ مؤمن بخطّه: فلانُ ابن فلان مؤمن، أو: لا ريب ولا شكّ في إيمانه، كتب شاهداً فلانُ ابن فلان، ثمّ يختم بخاتمه. ورأيت الشيخَ المجلسيّ في عشر السبعين بعد الألف، في المسجد الجامع في أصفهان يوم الجمعة، وقد ارتقى المنبر ليُلقيَ على الناس أنواع العلوم في الحكم والمواعظ، فأخذ أوّلاً في الإقرار والإيمان وتوابعه، ثمّ قال: أيُّها الناس، هذا اعتقادي وهذا إيماني، وأريد منكم أن تشهدوا بما سمعتموه منّي، وتكتبوا في كفني الشهادةَ لي بالإيمان. وكان قد أمر بإحضار كفنه في المسجد، فكتب الناس شهاداتِهم على نحوِ ما تقدّم. وقد ذكر هذا السيد نعمة الله الجزائريّ في(شرح التهذيب)، وقد استند في تبيين ما قام به العلامة المجلسي إلى ثلاثة أحاديث رواها الشيخ المجلسيّ في بحار الأنوار 59:82 .

توفي(قده) على ما في كتاب وقائع الأيام في 27 من شهر رمضان سنة 1111هـ وكان عمره آنذاك 73عاماً. ودفن(ره) في مدينة أصفهان، في الباب القبلي من جامعة العتيق، في القبة التي دفن فيها أبوه، وفيها أيضاً مدفن عدة من العلماء.

رحل العلامة المجلسي، وكتبه خالدة في العقول، وتنير الطريق لملايين المحبين لأهل البيت (عليهم السلام)، رحل ومواقفه الإنسانية حيّة في النفوس، فقد سجل التاريخ بحروف الفخر مساعدته للفقراء والمحرومين والمحتاجين، وسعيه إلى رفع احتياجات المؤمنين الفقراء، والدفاع عن حقوقهم المغتصبة من قبل الظالمين، وهمته في دفع الظلم عنهم، ودأبه في إيصال أخبار المحتاجين والفقراء إلى أسماع ولاة الأمر، لكي يقوموا بتحمّل مسؤولياتهم تجاههم، وإنصاف الناس والتخفيف عنهم.

وفي حياة العلامة المجلسي، كما في سائر العلماء الأعلام، دعوة إلى الاهتمام أكثر وأكثر بالناس، ورفع الظلم والحيف عنهم، والدأب على إرشادهم إلى ما ينهض بهم، ويحسّن حالهم، ويسترد لهم حقوقهم، وتحريضهم على ألا يستكينوا لظالم، ولا يسكتوا عن فاسد، ولا يتغافلوا عن فاشل، فإن الدول الزاهرة تقوم بالعدل والنزاهة، وإن الأمم الحية تُشَّيد بالعمل والإخلاص، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (الحق لا يُدرك إلا بالجد والصبر).

 

إضاءة

قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (ألا فمَن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا، المنقطع عن مشاهدتنا يتيمٌ في حِجْره، ألا فمَن هداه وأرشده وعلّمه شريعتنا، كان معنا في الرفيق الأعلى).

 

إضاءة

بيان مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية بمناسبة تحرير الموصل

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)(الروم/4-5)

صدق الله العلي العظيم

بفضل الله تعالى وتضحيات الشّهداء، انتصر العراقيُّونَ في حربهِم على الإرهاب.

لقد كانت السّنوات الأخيرةِ، التي سيطر فيها الإرهابيّون على مساحات شاسعة من الأراضي العراقيَّة وعلى عدد كبير من المدن الرئيسية، عجافاً بكلِّ معنى الكلمة. فلقد أُزهقت أرواح، وسُبيت نساء، وانتُهكت أعراضِ، وبيعت حرائر، وتمّ تدمير التاريخ والحضارة والتُّراث ومدن بأكملها.

لقد كان ثمن الانتصار كبيراً جدّاً، ولذلك ينبغي على الجميع الحفاظ عليهِ، وعدم التَّفريط به بأي شَكلٍ من الأَشكالِ.

إنّ مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية إذ تبارك للعراقيّين، وبالخصوص لأُسر الشّهداء والجرحى والضحايا هذا النَّصر المؤزّر، تودّ أن تذكِّر بالنقاط المهمَّة التَّالية:

أولاً: يجب أن تكون هذه المرحلة، التي مرَّت على الْعِراقِ، شاخصة دائماً أمام أنظار العراقييّن، من أجل أن يتعلَّموا منها الدُّروس والعِبر، وعلى رأسِها أن العُنف والتطرّف والتزمُّت ليس حلاًّ لمشاكلِنا، وهي ليست الأداة المُناسبة في الصّراعات السّياسية.

ينبغي الاستفادة من هذا الدرس للعمل سويَّةً من أجل القضاء على الفِكر التَّكفيري المتطرّف، وإشاعة وتبنّي الفِكر المعتدل الذي يعتمد التنوُّع والتعدُّد والوسطية.

ثانِياً: الإسراع في إعادة بناء المناطق التي تضرّرت من الإرهاب لإعادة الأهالي إلى بيوتهم.

ثالثاً: تطهير البلاد من الفساد بكلِّ أشكالهِ للقضاءِ على الأرضيّة الخصبة التي يستغلّها الإرهاب، التي كانت سبباً مهماً من أسباب تمدّده وسيطرته خلال السّنوات القليلة التي خلَت.

رابعاً: احتضان أُسَر الشّهداء والجرحى وضحايا الإرهاب، ونخصّ بالذّكر الأَيتام والأرامل، من خلال برنامج وطني شامل يأخذ على عاتقه رعايتهم من كل الجوانب، فهؤلاء أمانة الشّهداء في رقاب المجتمع، وهو أقلّ الواجب الذي يجب أن يتحمَّل مسؤوليته المجتمع بلا استثناء.

خامساً: كما ينبغي إعادة النَّظر في المناهج التربوية والتعليميّة، لتكريس روح المواطنة والمحبّة وثقافة التّعايش في إطارِ التعدديّة والتّنوّع، ونبذ ثقافة التزمت والتطرّف واحتكار الحقيقة، فإنّ هذه الثّقافات الفاسدة هي التي تُثيرُ الطّائفية والعنصريّة في المجتمع.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ على العراق بنصره المؤزّر ويقطع دابر الإرهابيّين التكفيريّين.

الرّحمةُ للشهداء الأبرار، والشفاء العاجل للجرحى، والصّبر لأسر الشّهداء والضحايا.