من أعلام الشيعة


العلامة الحلي

(5)

 

كما عُرف العلامة الحليّ واشتهر بمؤلفاته القيّمة، عُرف(قده) بمناظراته مع علماء المذاهب، من شتى بلاد المسلمين، وكانت له صلات حسنة وثيقة وطيبة بعلماء المذاهب الأخرى، كما عُرف بعلمه الواسع ونبوغه وشدة فطنته وحدّة ذكائه، فقد جاء في (سفينة البحار/734): (اشتُهر العلامة الحليّ بذكائه المفرط وفطنته المرهفة، وحضور جوابه، وقوة حجته، وسعة أفقه ووعيه، كما اشتُهر في زهده وعبادته وإخلاصه، ويُروى عنه في ذلك ما يشبه الأساطير).

وبعد مناظرته الشهيرة مع نظام الدين المراغي الشافعي، التي بها تشيع السلطان محمد المغولي، حازت مناظرته مع القاضي البيضاوي، المعاصر له، في مسألة أصولية تتعلق بكتاب (قواعد الأحكام) للعلامة الحليّ، على إعجاب القاضي، وقد اشتهرت في الأوساط العلمية العلمية.

لكل ذلك ولشهرته الواسعة، كثر الوافدون لمقابلته والتزود من علمه أو لمناظرته محاولة لهزيمته، فكان(قده) يخصص وقتاً للعلماء الطالبين للعلم وأيضاً للمناظرين، فقد جاء في كتاب التحفة الشاهية (التحفة الشاهية، عبد الخالق قاضي زاده/35 ـ 36): أنه بعد أن ذاع صيت اجتهاد شيخ الطائفة الإمامية في زمانه ووجههم ورئيسهم في ذلك الزمان، وهو جمال الملّة والدين، الحسن بن المطهَّر الحلي، روَّح الله روحه، وأسكنه بحبوحة جنَّاته ـ أنه قدم أحد المشائخ، وكان ساكناً بأرض الشام، فحينما سمع بأن العلامة على مذهب الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)، وأن الأحاديث والأخبار الشريفة تدل على أحقّيّتهم، وأنهم على سنَّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) سافر من بلده إلى الحلّة قاصداً مناظرة العلاّمة وإفحامه.

وحينما وصل خبر وصوله إلى الحلّة، خرج اثنان من تلامذة العلامة لاستقباله، وليمتحنوا قدرته على مناظرة العلامة، ومدى معرفته بالعلوم ليخبروا العلامة بذلك. وحينما التقوا بالشيخ الشامي، سألوه عن الحديث المرويّ المشهور: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّهم في النار إلاَّ واحدة، وأنه هل ثبت صحّة هذا الحديث عنده أم لا؟ فقال: نعم.

فسألوه: هل أن الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) الذين يعتقد فيهم الشيعة العصمة والطهارة، وأنهم أئمّة تجب طاعتهم داخلون في هذه الفرقة، أم أنهم داخلون في الفرقة الهالكة؟ فلم يلتفت إليهم الشيخ الشامي، ولم يجبهم، ثم قفل عائداً إلى الشام وتركهم.

وحينما سُئِلَ الشيخ الشاميّ عن سبب عدم إجابتهم، قال: لم أجبهم لأني كنت عاجزاً عن إجابتهم عن شِقَّي السؤال، لأنه لو أجبتهم بدخول هؤلاء في الفرقة الناجية، فإنه يستلزم الاعتراف بنجاة الفرقة الإماميّة، وأُدخل نفسي في الفرقة الهالكة، وإن لم أعترف بدخولهم _والعياذ بالله_ في الفرقة الناجية، فإني أدخل في زمرة الكفرة والمُخلَّدين في النار.

 

مكانة وإنجازات

بعد مناظرة العلامة الحليّ لعلماء المذاهب الأربعة، تعززت مكانة العلامة الحلي عند السلطان المغولي الذي أعلن تشيعه، وأجرى بخدمته (المدرسة السيّارة) تنتقل معه في أنحاء البلاد، فراح يخطب ويعلم ويدرس ويؤلف، وكان محور عمله(قده) الإصلاح الديني في عصر كثرت فيه البدع والضلالات والفتن، كما دافع عن الحق بمنطق العقل، وناظر مبطلين ومعاندين، وأحدث انقلاباً في آرائهم ومعتقداتهم، وأجاد في تقديم حجج قاطعة لكبار علماء المذاهب الأخرى، فلم يسعهم إلا الإقرار وربما الإشادة.

في الوقت نفسه، شهد مؤرخون بأن السلطان المغولي _بعد تشيعه_ كان عاملاً بالعدل وحسن السيرة، وكان حريصاً على استقرار بلاد الإسلام وحفظ حريات الناس واحترام معتقداتهم، وكان ذلك بفضل العلامة الحلي وتوجيهاته، وبحسب قول مؤرخين، فقد صنف العلامة الحلي كتاب (كشف اليقين) و(تاج الكرامة)، لتعزيز سياسة العدل التي انتهجها السلطان، وقد كتب الأستاذ الأزهري، الشيخ عبد المتعال الصعيدي: (استطاع نصير الدين الطوسي أن يهزم بالعقل والعلم الدولة الطاغية الباغية، وأن تنجح خططه في تحويل المغول من وثنيين إلى مسلمين)(مستدركات أعيان الشيعة: 1/229).

وقال السيد الأمين (في أعيان الشيعة: 9/417): (استطاع _العلامة الحليّ_، بتأثيره على مزاج هولاكو، أن يستحوذ تدريجياً على عقله، وأن يروّض شارب الدماء فيوجهه إلى إصلاح الأمور الاجتماعية والثقافية والفنية، فأدى الأمر إلى أن يوفد هولاكو فخر الدين لقمان بن عبد الله المراغي إلى البلاد العربية وغيرها، ليحثَّ العلماء الذين فروا بأنفسهم من الحملة المغولية فلجؤوا إلى إربل والموصل والجزيرة والشام، ويشوِّقهم إلى العودة، وأن يدعو علماء تلك البلاد أيضاً إلى الإقامة في مراغة).

وفي كتاب (الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي/294) كتب السيد الأمين: (الذي استطاع أن يروّض شارب الدماء، وأن يستغل الجبار الطاغية، فيقيم تحت سمعه وبصره مكتبة الإسلام ويشيِّد مدرسة الإسلام، ويقيم مجمع علماء الإسلام، سيستطيع بإخلاصه وإيمانه الذين لا حدّ لهما، وبعقله الكبير وفكره المنظم وتدبيره الحازم، سيستطيع أن يُشرب قلوب المغول الميل إلى الإسلام، ثم اعتناق الإسلام. فأعدّ لهذه المرحلة الحاسمة جماعات واعية تُحسن التخطيط والتنفيذ، كان في الطليعة منها: آل الجويني الذين نشأوا على حب أهل البيت، وما يبعثه هذا الحب من إخلاص وحمية ونضال وتفانٍ في سبيل الإسلام. ثم في النهاية أسلم المغول على يدي تلاميذ الطوسي، ونجح مخطط الطوسي نجاحه الأكبر).

 

وفاته

بعد وفاة السلطان محمد خدا بنده سنة 716، عاد العلامة الحليّ إلى مدينة الحلة، وأقام هناك حتى نهاية عمره، وذكر نظام الدين القرشيّ في (نظام الأقوال) أنّ العلاّمة الحليّ تُوفيّ يوم عاشوراء ليلاً، أي ليلة الحادي عشر من المحرّم سنة 726 هجريّة. وقد دُفن(ره) في المشهد الغروي المقدّس بالنجف الأشرف، بعد أن نُقل جثمانه من مدينة الحلّة إلى جوار الضريح المنوّر للإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). وبالاعتماد على الميرزا النوريّ يحدّد الشيخ المامقانيّ مكان القبر قائلاً: دُفن في الحجرة إلى جنب المنارة الشماليّة من حرم أمير المؤمنين (عليه السلام)، تغمّده الله تعالى برحمته ورضوانه. وعمره الشريف سبع وسبعون سنة وثمانية أشهر ونصف وثلاثة أيّام (تنقيح المقال في علم الرجال 315:1).

 

وصيّة

جعل الله تعالى لأهل العلم منزلة عظيمة، ومن ذلك أن صلاة العالم وعباداته الأخرى، تفضل صلاة العابد العادي بأضعاف مضاعفة، فكان أن جعل الله (عز وجل) مسؤولية العالم، وفق هذا المقام، مضاعفة. والعلماء لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه، إلا بعد أن أحكموا سطوتهم على أنفسهم، حتى وصلوا مراتب عالية بالورع والزهد والعبادة، ثم حرصوا على وقتهم وضحوا براحتهم، وجدّوا واجتهدوا في طلب العلم وتعليمه ونشره.

وقد دأب العلماء الأعلام على كتابة وصايا لأولادهم، وهي بالأحرى وصايا للأمة، وفي خاتمة (القواعد) كانت للعلاّمة الحليّ وصيّة لولده، نقلها الشيخ عباس القميّ في كتابه (الكنى والألقاب/478:2)، وكانت الوصيّة سفراً إيمانياً وأخلاقياً، ينتفع منها المربّون، وحريّ بالشباب والشابات الاستضاءة بها لقادم أيامهم، وقد جاء في جانب منها:

فإنّي أُوصيك كما افترضه اللهُ تعالى علَيّ من الوصيّة، وأمرني به حين إدراك المنيّة، بملازمة التقوى لله تعالى، فإنّها السُّنّة القائمة، والفريضة اللاّزمة، والجُنّة الواقية، والعُدّة الباقية، وأنفَعُ ما أعدَّه الإنسان ليوم تَشخص فيه الأبصار.

وعليك باتّباع أوامر الله تعالى، وفعل ما يُرضيه، واجتنابِ ما يكرهه والانزجار عن نواهيه، وقطع زمانك في تحصيل الكمالات النفسيّة، وصرف أوقاتك في اقتناء الفضائل العلميّة والإرتقاء عن حضيض النقصان إلى ذروة الكمال، والارتفاع إلى أوج العرفان عن مهبط الجهّال، وبذل المعروف ومساعدة الإخوان، ومقابلة المسيء بالإحسان، والمحسن بالامتنان.

وإيّاك ومصاحبةَ الأرذال، ومعاشرةَ الجهّال؛ فإنّها تفيد خلُقاً ذميماً، وملكة رديّة. بل عليك بملازمة العلماء، ومجالسة الفضلاء، فإنّها تفيد استعداداً تامّاً لتحصيل الكمالات، وتُثمر لك ملَكةً راسخة لاستنباط المجهولات.

ولْيكُن يومك خيراً من أمس، وعليك بالصبر والتوكّل والرضا، وحاسِبْ نفسك في كلّ يومٍ وليلة، وأكثِرْ من الاستغفار لرِّبك، واتَّقِ دعاء المظلوم خصوصاً اليتامى والعجائز، فإنّ الله تعالى لا يُسامح بكسرِ كسير.

وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلةِ الرحم، فإنّها تَزيدُ في العمر، وعليك بحسن الخُلُق، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (إنّكم لن تَسَعوا الناس بأموالكم، فسَعُوهم بأخلاقكم). وعليك بصِلة الذريّة العلويّة.

-----------------------------

إضاءة

من وصية العلامة الحليّ لولده:

عليك باتّباع أوامر الله تعالى، وفعل ما يُرضيه، واجتنابِ ما يكرهه والانزجار عن نواهيه، وقطع زمانك في تحصيل الكمالات النفسيّة، وصرف أوقاتك في اقتناء الفضائل العلميّة والإرتقاء عن حضيض النقصان إلى ذروة الكمال.

 

إضاءة

في ذكرى شهادته

عاش الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) في أعتى عصور الدولة العباسية وقد تسلطت بسياسة القمع والترهيب والتهميش، وما يتبع ذلك من ظلم وقهر اجتماعي وفقر وخوف. وقد واجه الإمام (ع) طغاة بني العباس وفسادهم بشجاعة وكفاءة واقتدار، واضعاً استراتيجية عمل تغيير وإصلاح، في استجابة لمتطلبات المرحلة وحاجاتها، فـ(ليس منا من بات ليلته ولم يهتم بأمور المسلمين). فنشر (عليه السلام) ثقافة البر والإحسان، والتكامل الاجتماعي، والنفع العام، ومسؤوليات الوظيفة العامة، كونها تكليف للخدمة ووكالة عن الشعب، وليست نافذة للإثراء غير المشروع، مترجماً المعنى الحقيقي، للإنتماء لمدرسة أهل البيت، وهو انتماء لا يتحقق بالتودد العاطفي وإظهار محبتهم، فقط، دون العمل بأوامرهم وإرشاداتهم.

من مواعظه (عليه السلام): (أَلْزَمُ الْعِلْمِ لَكَ، مَا دَلَّكَ عَلَى صَلَاحِ قَلْبِكَ، وأَظْهَرَ لَكَ فَسَادَهُ).

وقال (عليه السلام) لبعض ولده: (يا بني! اياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها، وإياك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها، وعليك بالجد، ولا تخرجنّ نفسك من التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن الله لا يُعبَد حق عبادته).