كي لا يعيد التاريخ نفسه


(1)

 

لاشك في أن تخطيطاً شريراً، كان يدير ما جرى في السنوات العشر الماضية والى اليوم، وخاصة في الجغرافية الشيعية من منطقة الشرق الأوسط، من أعمال ذبح ونحر بالسيوف، وأكل قلوب أموات، وانتهاك أعراض، ونخر أجساد شباب بالرصاص، وقطع رؤوس بالمناشير الكهربائية، وإلقاء رجال من فوق بنايات عالية، وإحراق أحياء، وإبادة عوائل، وسحق أشخاص بسرف الدبابات، ونبش قبور، وسحل وتمثيل بجثث، وسلب ونهب أموال عامة وخاصة، وتخريب مدن وتهديم، وأجساد متفجرة، وسيارات مفخخة، وطمس قيم، وتشويه للحياة، وما إلى ذلك من مشاهد رعب تتحرك بفوضى وجنون في الشوارع والأسواق، والمدارس والجامعات، والحدائق والمستشفيات، وفي المساجد والحسينيات والكنائس والمعابد، والمراقد المقدسة والمقامات المشرفة، والأماكن العامة.

ورغم أن تلك الأعمال الوحشية كانت تتحرك بذرائع سياسية أو لمصالح اقتصادية، إلا أن نزعات طائفية متطرفة كانت حاضرة، فإن أكثر من 95% من الأعمال الإرهابية قد استهدفت الشيعة لأنهم شيعة، وذلك بحسب تقارير للأمم المتحدة. كما أن العنف الدموي المستعر اليوم تنفذه تنظيمات تدّعي أنها تؤمن بالقرآن والسنة، وهو ما يؤكد أن التاريخ هو المحرك الأقوى الذي يدفع الشباب للانخراط في التنظيمات التكفيرية التي تضرب أمن البشرية اليوم.

وإن ذلك التاريخ قد كتب سطوره طغاة وظالمون بمداد فقهاء، وجله من سيرة صحابة انقلبوا على وصية نبي الإسلام، بعد شهادته (صلى الله عليه وآله)، وحرّفوا في أحكام الدين. أخرج (البخاري ومسلم) في صحيحيهما، والترمذي في سننه وصححه، والنسائي في سننه، وأحمد في المسند عن ابن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ألا وإنه يُجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: (وَكُنتُ عليهم شهيداً ما دمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)(المائدة/17). كما أخرج البخاري عن أبي هريرة، أنه كان يحدث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (يَرِد علَيّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيحلون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي. فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى).

وما يحدث اليوم من أعمال إرهابية، امتداد لذاك التاريخ الذي كتبه الإنقلابيون على أشلاء مالك بن نويرة، وبني جذيمة من بني المصطلق، وعمار بن ياسر، وعدي بن حجر الكندي، وصولاً إلى ما جرى في مذبحة بني هاشم التي ارتكبها جيش بني أمية في كربلاء عام 61هـ. يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): (التفجيرات التي استهدفت العتبات المقدسة، والأبرياء القائمين بالشعائر الحسينيّة في مدينتي كربلاء والكاظمية المقدستين، وغيرهما في الشهر الحرام، وفي يوم عاشوراء بالذات، وهتكت وأهانت الحريم الطاهر لمراقد الأئمة الأطهار من آل الرسول الإمام الحسين والإمام الكاظم والإمام الجواد ومرقد أبي الفضل العباس، صلوات الله عليهم أجمعين، مهوى أفئدة مئات الملايين، تمثل امتداداً لخط ‹الشجرة الملعونة في القرآن، المتجسدة في يزيد، وابن زياد، وعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن وأضرابهم).

 

مشكلة الإرهاب

منظومة الإرهاب التكفيري لا تنحصر في أحزاب أو حركات أصولية أو راديكالية أو متطرفة أو إسلاموية أو وهابية أو سلفية جهادية، وإنما تتسع إلى أن لها أساساً فقهياً واضحاً وصريحاً، لا يُسلَط عليه الضوء في وسائل الإعلام إلا قليلاً، فإن مصادر تشريع الإرهاب التكفيري وأساسيات فقهه موجودة في كتابات ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وبن عبد الوهاب، وهذه الكتابات مطبوعة ومنشورة ومتوفرة في عموم دول العالم، وهي تُدرَّس وتُدْرَس _على أنها المنهج السلفي الذي كان عليه نبي الإسلام وصحابته والسلف الصالح_ في مدارس وجامعات ومساجد العديد من الدول، ويتم تلقينها الأطفال على أنها منهج الطائفة المنصورة أو الفرقة الناجية.

ويرتكز الإرهابيون في بنائهم العقائدي على فقه منظومة سلفية، ومن أسس هذه المنظومة أنها تصادر إيمان الآخر، وتنطلق من تكفير الدولة والمجتمع، وفي مقدمة منظري السلفية التكفيرية (أبو الأعلى المودودي)، كما أن الأعمال التي قام بها تنظيم القاعدة، كانت ترجمة دقيقة لإيديولوجيا (السلفية الجهادية) التي تستند إلى مرجعيات تاريخية كـ إمام الحنابلة، ويتقاسم ابن تيمية وسيد قطب مقام "المؤسس الفقهي" لـ"الحركات السلفية الجهادية" المعاصرة، التي قامت بمئات العمليات الإرهابية، في مختلف بلاد العالم.

كما يعتبر عبد الله عزام، وعمر عبد الرحمن، وأيمن الظواهري، وأسامة بن لادن، وأبو محمد المقدسي من أبرز منظري هذا التيار، وقد أطلق أبو قتادة الفلسطيني على مفهوم "الحركة الجهادية العالمية" التي تتمثل عملياً بـ(تنظيم القاعدة) بأنها: (الأمل)، وإنها (حركة سلفية التصور والرؤى .. سلفية المنهج والتدين).

إن التحريف لأحكام الله والتشويه لمبادئ الإسلام، الذي تستند إليه التنظيمات التكفيرية في إعطاء "الشرعية" لأعمالها ليس جديداً، فقد بدأ مع ساعة رحيل النبي الأعظم الى الرفيق الأعلى، كما أن التحذير من تداعيات تأسيسه كانت في السنوات الأولى للإسلام، يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): (هناك حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أكْثَرَ من روايته العامّة والخاصّة بطرق مختلفة، لدرجة قد تبلغ حدّ التواتر، من أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (كثرت عليّ الكذّابة وستكثر)، وفي بعضها بزيادة: (بعدي). والمقصود بالكذّابة على رسول الله الذين يختلقون الأحاديث وينسبونها له، أو يلصقون بسيرته ما ليس من سيرته).

فإن التنظيمات الإرهابية تستند إلى وقائع منسوبة زوراً لنبي الإسلام أو مشوهة، وتتذرع بأحاديث لا تمت إلى الإسلام ولا إلى نبي الإسلام بأية صلة. لذلك فقد أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة عاشوراء أنه يسير بسيرة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيرة أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). والسبب في قول الإمام (أسير بسيرة أبي)، هو لأن الذين جاؤوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) وبعده، كانوا قد شوّهوا صورة الإسلام بتصرّفاتهم وأسلوب حكمهم وإجرامهم وفسادهم وإفسادهم، فبعضهم سمّى نفسه خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومنهم معاوية، الذي قام وخلال يوم أو يومين أو ثلاثة وعبر مبعوثه بسر بن أرطاة إلى اليمن، بذبح أكثر من ثلاثين ألفاً من الأبرياء في اليمن، كان فيهم الرضّع والشيوخ والحوامل والأطفال. وقد قتل هؤلاء الأبرياء لا في حرب، بل لأنهم كانوا يعتقدون بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بأنه خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقط.

وللأمويين دور كبير في ديمومة عملية تشويه الإسلام واجتثاث رموزه، يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): (لقد ضاع خلال العهد الأموي كثير من التراث النبوي الشريف، وذلك من خلال تعريض الرواة للقتل والتشريد، والكبت والاضطهاد، وإدخال التحريف والدس في الأحاديث النبوية الشريفة).

 

منهج داعش

إن تنظيم داعش أكثر هتكاً وفتكاً ووحشية من تنظيمات القاعدة وجبهة النصرة وجيش الراشدين وغيرها، لكن في الوقت نفسه، فإن داعش أكثر وضوحاً من غيره في تحديد أهدافه، فبعد كل تفجير إرهابي ينفذه في بغداد والمحافظات العراقية الأخرى، يعلن عن أنه يستهدف "الرافضة" فقط، ولا يستهدف كل العراقيين، كما يسوّق له سياسيون، وكما تزعم بعض وسائل الإعلام. ورغم أن داعش استهدف بعض الأقليات كاﻷيزيديين والمسيحيين، كما استهدف بعض الأخوة السنة المعارضين له، إلاّ أن مشروع داعش الأكبر هو "إبادة الشيعة ومحوهم بلا رحمة"، وهو ما أعلنه بوضوح بعد احتلاله الموصل وتكريت ووصوله إلى مشارف بغداد، حيث صرح داعش بأنه "سيقتل حتى الجنين الشيعي المختبئ في بطن أمه".

إن ذكر تلك الأحداث وحيثياتها، للدلالة على أن الإرهاب الذي نشهده اليوم ليس ظاهرة طارئة، كما أن ذِكْر تلك الأسماء، يدل على هوية الإرهاب، كي لا تختلط الأمور ولا تتشوه الحقائق، كما أن تلك الأسماء تدل على هوية فقه الإرهاب، فجميع أولئك من غير الشيعة، ولم يكونوا يوماً من الشيعة، وتوضيح ذلك له أهمية، ولكي لا تضطرب الرؤى ولا تتشوش الأفكار.

وإننا إذ نذكّر بذلك، فلكي يعرف مَنْ لم يعرف أن العدوان على شيعة علي بن أبي طالب كان والى اليوم، ولابد من الحذر الحذر، ولابد من إعداد القوة، وفي كل الأحوال، لابد من جمع كلمة الشيعة، وهذا مرتكز مهم ينبغي للشيعة الاهتمام به، اليوم وفي المستقبل، لكي لا يعيد ذلك التاريخ الدامي والمفجع نفسه. وفي معرض إشارته إلى أهمية ذلك، يقول المرجع الشيرازي (دام ظله) أن (السبيل الوحيد لموفقيّة الشيعة، في كل مكان من العالم، هو وحدة كلمتهم واتّحادهم، ووقوفهم في صف واحد لمواجهة المظالم والمشاكل)، وأكد سماحته ضرورة ترك النزاع فيما بين الشيعة بكل أساليبه، وقال: (من محاسن وإيجابيات وحدة كلمة الشيعة واتّحادهم، هو تقديم خدمات أكثر وأفضل وأحسن وأوسع في تعريف الإسلام والتشيع للعالمين، ونشرهما في العالم، والحدّ أو المنع من تعرّضهم للظلم والأذى من الأعداء والإرهابيين والتكفيريين).

يتبع...

--------------------------------

إضاءة

بعد استشهاد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، كتبَ الإمام الحسين (عليه السلام) رسالة إلى معاوية، قال فيها: (فقتلتَ شيعتنا بكل بلدة، وقطعتَ الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يُذكَر بحبّنا والانقطاع إلينا، سُجِنَ أو نُهِبَ ماله، أو هُدمَتْ داره).

 

إضاءة

شهادة الإمام سيد الساجدين

في الخامس والعشرين من المحرّم الحرام/95هـ، كانت شهادة الإمام السجّاد علي زين العابدين (عليه السلام)، وكان قد بقي بعد واقعة كربلاء خمسة وثلاثين عاماً، وقد مُنع من الدعوة والوعظ والهداية من قبل بني أمية، وتفرّغ الإمام (عليه السلام) إلى الزهد والعبادة، ومن خلال الدعاء نشر علوماً ومعارف عظيمة.

وللإمام السجّاد (عليه السلام) دور أساسي في حفظ نهضة عاشوراء وديمومتها، حيث دأب على إحياء ظلامة أبيه، سيد الشهداء الحسين (عليه السلام)، حتى استمرت قضية عاشوراء إلى يومنا هذا، وستستمر إلى يوم القيامة بإذن الله تعال.

كما سعى (عليه السلام) إلى فضح الطغاة والظالمين من خلال الدعاء وبيان الأحاديث وتنظيم الكوادر الواعية وغيرها، فضلاً عن مجالس الحزن والعزاء على شهداء كربلاء، وبيان ما جرى في عاشوراء من ظلم وجور، فإن الله (عزّ وجلّ) فطر الناس على حب المظلوم ونصرته، وسلاح الظلامة أقوى وأمضى سلاح على الظالم المعتدي.

وبعد فاجعة كربلاء، جعل الإمام السّجاد (عليه السلام) من ظلامة أهل البيت شعاراً لتأكيد أن أعداء الحق لا صلة لهم بالإسلام، فكان (عليه السلام) وفي كل المناسبات يذكر مصيبة أبيه وأخوته وأصحابهم، وكذلك مصيبة الأسر المفجعة، وهتك حرمة بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله)، سيدات الإباء والفضيلة، حتى استطاع (عليه السلام) من خلق حركة عاطفية دائمة في أوساط الناس، لتبقى نهضة كربلاء حية وخالدة، وستبقى.