من أعلام الشيعة .. العلامة المجلسي


 

(2)

 

عديدة هي العبر البالغة والدروس النافعة التي أشرق بها تاريخ أعلام الشيعة، فقد دأبوا على أن يعيشوا أحراراً، فكانوا – والى اليوم -  للناس ملهمين، وكرّسوا علمهم وحياتهم في خدمة الدين ونشر الفضيلة، فأصبحوا للمجتمعات آباء وهادين، وثبتوا في الدفاع عن حقوق الشعوب المظلومة، فاختارتهم الشعوب لها أمناء وقادة، وسعوا إلى نشر قيم العدل والخير والسلام، فأضحى لهم في وجدان الصالحين والمصلحين مستقراً ومقاماً.

وإن التزود من دروس الأعلام، لهو سبيل إلى الغنى الإيماني والعلمي والنفسي والأخلاقي، يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): (إنما الحياة تجارب، وكلما كان الإنسان أعرف بتجارب الحياة، كان باستطاعته أن يبني لنفسه حياة أفضل، ولذلك يصرّ الكُتاب والمؤرخون على تسجيل التجارب، كي يستفيد منها الآخرون في حياتهم، خاصة إذا كان صاحب التجربة عالماً من العلماء، أو عبقرياً من العباقرة).

وإن الأهمية الأكبر للعلماء تكمن في العلم الذي يحملونه، ويقضون حياتهم في طلبه ونشره، والذي قال فيه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع): (العلم مصباح العقل وينبوع الفضل). والوقائع تؤكد أن اجتماع العلم والمجتمع المطيع للعلماء، طريق لبناء الإنسان الصالح، وتشييد دولة يعيش أفرادها بسلام ورفاه.

وبفخر يتحدث التاريخ (البعيد والقريب) عن الدور الإيماني والأخلاقي والإنساني للعلماء، خاصة في التعامل مع الأحداث الجسيمة والنكبات الموجعة. يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): (متى ما تواجد العلماء في مجتمع، والتف ذلك المجتمع حول علمائه، واحتفوا بهم، إلاّ وسجل ذلك المجتمع لنفسه تقدماً باهراً وزاهراً).

 

علمه

تبرز المكانة العلميّة للعلامة المجلسي(قده) عبر تلامذته، والعلماء الذين اطّلعوا على معارفه، وأصحاب الخبرة. قال الأمير محمّد حسين الخاتون آبادي الاصفهاني معرّفاً بالشيخ المجلسي: (كان في فنون الفقه والتفسير والحديث والرجال وأصول الكلام وأصول الفقه، فائقاً على سائر فضلاء الدهر، مقدَّماً على جملة علماء العلم)(مناقب الفضلاء، للخاتون آبادي ـ عنه: الفيض القدسي 21).

وكتب الحرّ العاملي: (مولانا المجلسي، عالم فاضل ماهر، محقّق مدقّق، فقيه متكلّم، محدّثٌ ثقة ثقة، جامع للمحاسن والفضائل، جليل القَدْر عظيم الشأن)(أمل الآمل، للحرّ العامليّ ـ القسم الثاني/ ص 248).

وقال السيّد عبدالله بن السيد نور الدين بن السيد نعمة الله الجزائري: (الجامع بين المعقول والمنقول، مروِّج المذهب في المائة الثانية عشرة، ناشر أخبار الأئمة الطاهرين(ع)، ومسهِّل مسالك العلوم الدينية للخاص والعام) (الفيض القدسي في ترجمة العلامة المجلسي، للميرزا النوري/25).

وللميرزا النوري رأيه الخاص في الشيخ المجلسي، حيث ترجم له فكتب: (لم يُوفَّق أحد في الإسلام مثل ما وُفّق هذا الشيخ المعظَّم، والبحر الخِضَم، من ترويج المذهب وإعلاء كلمة الحق، وكسر صَولةِ المبدعين، وقمع زخارف الملحدين)(الفيض القدسيّ 10).

ومن المهم التأكيد هنا، أن ما عُرف به العلامة المجلسي (قده) من ملكات نفسية وروحية وعقلية فاخرة، وصفات أخلاقية وذهنية فاضلة، التي انعكست على سيرته، كما انعكست على آثاره الطيّبة وأياديه الجميلة التي أسداها إلى المسلمين، من خلال خدماته الجليلة المباركة، وهي جارية إلى يومنا هذا، وهذه الإنجازات الباهرة لم تأت من فراغ، ولم تكن لتكون وتنمو وتزدهر في نفس المجلسي وسلوكه لولا خشيته الله تعالى، ونيته الصادقة، وهمته العالية، وعزمه الصلب، للوصول ما وصل إليه، فكان على ورع شديد، وله علم واسع، وعمل بإخلاص. يقول المرجع الشيرازي(دام ظله): (من عزم بجد على أن تكون له آخرة حسنة، وسعى لها سعياً مناسباً، وهو مؤمن بالله (عز وجل)، وبالعدل والنبوّة والإمامة والمعاد، فهذا سيحصل على النتيجة ويكون موفّقاً).

 

خدماته

تبرز المكانة العلميّة والإنسانية للعلامة المجلسي(قده)، أيضاً، عبر خدماته، وقد تنوعت وتعددت، فإضافة إلى خدماته العلمية من تدريس، وتأليف، وتصنيف، وتحقيق، ورد على المنحرفين والمعاندين، كان الشيخ المجلسي(قده) يتولى أمور المسلمين ويرعى شؤونهم، ويقيم مجالس الذكر، ويعمر بيوت الله تعالى، ويقضي حوائج الفقراء والمساكين، ويصد عادية الضلال والفساد.

وله(قده) دور كبير في بيان المعارف الإسلامية، وفي إحياء العلوم الدينية التي كادت تندثر بسبب إهمال كتب الحديث، والمغالاة في المجادلات اللفظية العقيمة التي تبتعد غالباً عن مقاصد الدين الحنيف.

وتمكن العلامة المجلسي(قده) من إنجاز كل ذلك بعد توفير عوامل النجاح، عبر جهد جهيد وحسن تدبير، فقد استثمر علاقته بالسلطة الصفوية، لإعلاء شؤون الدين، وليعين المسلمين على تلقّي العلم وتطبيق نواح كثيرة من الشريعة، وذلك من خلال تقريب السلطة إلى علماء الدين.

وحول خدماته العلمية، كتب الميرزا النوري: كان للشيخ المجلسي شوق شديد في التدريس، وقد خرّج من مجلسه جماعة كثيرة من الفضلاء، فصرّح تلميذه الميرز عبدالله أفندي الأصفهانيّ في كتابه (رياض العلماء) أنهم بلغوا ألف شخص)(الفيض القدسي 12).

وذكر أن كتبه نفعت العام والخاص، وهي شائعة دائرة مِن بعده، واستفاد منها العرب والفرس لأنه كتب باللغتين: العربية والفارسية، ثم تُرجمت العربية منها إلى الفارسية وبالعكس، فعمّت الفائدة.

وكان من مؤلفات الشيخ المجلسي ما أصبحت في متناول أغلب الناس، لأنها تناولت الأدعية وأعمال الأيام والأسبوع والشهور، فما مِن يوم ولا ساعة، من آناء الليل وأطراف النهار، لا سيما في الأيام والليالي المباركة والأماكن المشرّفة، إلا والآلاف من العباد والصالحين والزهّاد متمسّكون بحبل ما ألّفه، ومتوسّلون بوسيلة ما صنّفه، ما بين داع ومناج وزائر ومعقّب وخاشع باك.

يقول الميرزا النوري: (وفي صحيح الآثار، الذي استقرّت عليه آراء الأخيار، له مشاركة مع كل واحد من هؤلاء الأصناف فيما يتلقونه من الفيوضات، ويأخذون مما آتاهم رب البريّات. فهنيئاً لروح تتردّد دائماً بين صفوف الزائرين والصارخين، وتتقلّب في مصاف الداعين والمبتهلين. وقَلّما أُقيمت مآتم أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) وليس للمجلسي حظ فيها ونصيب منها، وذلك فضل الله يُؤتيه مَن يشاء).

وكتب الأمير عبد الحسين الخاتون آبادي: حقوق جناب الشيخ المجلسي من وجوه شتى، أوضحها ستة: (1) استكمل شرح الكتب الأربعة التي عليها المدار (الكافي للكليني، ومَن لا يحضره الفقيه للصدوق، والاستبصار، وتهذيب الأحكام كلاهما للشيخ الطوسي)، فسهّل الأمر في كشف معضلاتها. (2) جمع سائر الأحاديث التي ليست في هذه الكتب الأربعة في مجلدات كتابه (بحار الأنوار). (3) كانت مؤلفاته باللغة الفارسية في غاية النفع، وقد راجت في المجتمع الإيراني، يومذاك، وأغنتهم بالعلوم الإسلامية. (4) أقام صلوات الجمعة والجماعة، وشيّد مجامع العبادات، وكان في الليالي الشريفة وليالي الإحياء ألوف الخلائق مشغولين في مواضع العبادة، يستمعون هناك إلى مواعظه البليغة ونصائحه الشافية. (5) كانت للمجلسي فتاوى وأجوبة على مسائل الدين، وهي مبسّطة يسهل على المسلمين الانتفاع بها. (6) عُرف عنه قضاؤُه لحوائج المؤمنين، وإعانته إياهم، ودفعه عنهم ظلمَ الظَّلَمة، وإبلاغه شكاوى الملهوفين إلى أسماع الولاة والمتسلّطين، ليقوموا بإنجاحها.

واصل العلامة المجلسي(قده)، بهمة ومثابرة ودأب وإخلاص، تقديم خدماته للأمة، حتى أصبح متولّياً لدار السلطنة بالرئاستين: الدينية والدنيوية، وإماماً في: صلوات الجمعة والجماعة والعيدين، ومرشداً وصاحب نهضة علمية، فوُفِّق لترويج الشريعة، وإحياء السنن النبوية، وإماتة البِدع، وسُدِّد في إرشاد الناس إلى الطريق السوي، بخُطبه وكتبه التي بثّها في عدة بلدان وقرى.

يقول المرجع الشيرازي(دام ظله): (لا يولد العظماء وهم عظماء، بل يولدون كسائر الناس، رجالاً ونساء، ولكن هم الذين يصنعون العظمة لأنفسهم، وصنع العظمة بحاجة إلى كلمة، سواء للرجل أو المرأة، وعالم الدين ورجل الأعمال، وصاحب مؤسسة سياسية أو ثقافية أو اجتماعية، أو اقتصادية وغيرها، وهذه الكلمة هي: لا للبحث عن الراحة، فمن يلتزم بهذه الكلمة سيكون نصيبه التوفيق).

وهذا هو أهم ما ينبغي معرفته، لكل من يقرأ حياة عَلَمٍ من أعلام الشيعة.

يتبع...

=======================================

إضاءة

أؤكد على الأعزاء الذين فرغوا عن أداء زيارة الأربعين، بقلوب طاهرة، العمل بحكمة وإخلاص، ليصبح عراق أهل البيت (عليهم السلام)، وسائر بلاد المؤمنين، أمثلة راقية يُحتذى بها في العقائد الرصينة، والخُلق الرفيع، والعمل الصالح.

المرجع الشيرازي(دام ظله)

 

إضاءة

بعد أن أصيب الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بضربة ابن ملجم..

جمع أهله وولده وأوصى الحسن والحسين بوصية قال فيها:

أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإنْ بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحق، واعملا للآخرة، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، أوصيكما وجميع ولدي وأهلي، ومن بلغه كتابي، بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإني سمعت جدّكما (صلى الله عليه وآله) يقول: (صلاح ذات البين، أفضل من عامّة الصلاة والصيام) .

لله الله في الأيتام، فلا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا في حضرتكم، والله الله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، والله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم، والله الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم، لا تخلوه ما بقيتم، والله الله في الجهاد، بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتبادل، وإياكم والتدابر والتقاطع، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولى عليكم أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم.