من أعلام الشيعة


العلامة الحلي

(4)

 

يُعدّ العلامة الحلي من كبار أعلام الفقه والشريعة، وقد عُرف بالموهبة الفريدة والعبقرية الفذة، وامتلك ذكاءً مميّزاً، وفطنة متوهجة، وعقلاً متقداً، وكان بهمةٍ عالية ونشاط متوقد في الفكر والمعرفة والعلوم، فكان ملّماً بشتى العلوم، وحاوياً للعديد من الفنون، ومكثراً للتصانيف ومبدعاً فيها.

كما عُرف العلامة الحلي واشتهر بمؤلفاته القيّمة، وخاصة في الحكمة والكلام والفقه والرجال، وعلى كثرة إنتاجه وغزارة مؤلفاته التي لا تزال مصدراً للثقافة الإسلامية، وفي أكثر فروع المعرفة في جامعات الشيعة العلمية، فهو صاحب مدرسة علمية وفكرية عاشت طويلاً ولا تزال ظلالها وارفة، وخاصة في التشريع والكلام. جاء في (سفينة البحار: 734): (اشتهر العلامة بذكائه المفرط وفطنته المرهفة، وحضور جوابه، وقوة حجته، وسعة أفقه ووعيه، كما اشتهر في زهده وعبادته وإخلاصه، ويروى عنه في ذلك ما يشبه الأساطير)!.

أما في التصنيف فكان(قده) أعجوبة في القدرة على التأليف واستحضار المحفوظ من العلوم، وأيضاً في كثرة التأليف، حتى وصفه مترجموه بأنه: (كان في أسفاره يؤلف وهو راكب). وقد لُقب بـ(العلاّمة) بعد أن فاق علماء عصره وبلغ قمة في العديد من العلوم.

وكانت للعلاّمة الحليّ مساهمات جليلة، على صعيد الحديث وعلومه، وعلم الأصول، وأيضاً في الإصلاح الديني ونشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام). ولقد برع في المعقول والمنقول، وتقدم في شبابه على علماء عصره، وقد فرغ من تصنيفاته الحكمية والكلامية، وأخذ في تحرير الفقه قبل أن يبلغ 26 سنة، كما سبق غيره في فقه الشريعة، وألّف فيه المؤلفات المتنوعة، من مطولات ومتوسطات ومختصرات، فكانت محط أنظار العلماء في عصره وإلى اليوم تدريساً وشرحاً وتعليقاً، كما برع في علم أصول الفقه، وألّف فيه المؤلفات العديدة.

وفي الحكمة العقلية، باحث الحكماء السابقين في مؤلفاته، وفاقت كتبه على ما نشروه وأورد عليهم، ومثلما ناقش الطوسي، فقد باحث ابن سينا في كتبه وخطّأه، وحاكم مؤلفه (بين شراح الإشارات أو الأحاديث)، وألّف كتباً في علم الكلام من الطبيعيات والإلهيات والمنطق، وفي فن المناظرة، والرد على الخصوم والاحتجاج.

لقد حفل تاريخ الفكر الشيعي باعتماد علمائه السبل العقلية التي تواكب تطور الأفكار ومتغيرات الأزمان، وقد دافع العلامة الحليّ عن الحق بمنطق العقل، وأخرس مبطلين ومعاندين، وأحدث انقلاباً في آرائهم ومعتقداتهم، وأجاد في تقديم حجج قاطعة لكبار علماء المذاهب الأخرى، فلم يسعهم إلا الإقرار وربما الإشادة.

وبعد أن دخل ملوك المغول الإسلام، اتخذوا لهم أعواناً وأنصاراً من علماء المسلمين وأمرائهم، على اختلاف مذاهبهم، فكان علماء هذا المذهب أو ذاك يسعى إلى الحاكم المغولي للدخول في مذهبه وينفّره من المذاهب الأخرى، لكن قازان خان اعتنق مذهب التشيع وبقى عليه إلى أن توفى، فقام مقامه أخوه السلطان (الجايتو محمد) الملقب بالشاه (خدابنده) المغولي، وقد مال إلى مذهب أبي حنيفة، حتى جاء نظام الدين عبد الملك من مراغة إلى السلطان، وكان عالماً شافعياً في المعقول والمنقول، فعينه قاضي القضاة، فاغتنم منصبه واستمال السلطان إلى الشافعية، وأخذ يناظر علماء الحنفيّة في مجلس السلطان بحججه وأدلته، مما اقنع السلطان فاعتنق مذهبه.

وفي سنة (709هـ) جاء عالم حنفي من بخارى إلى خدمة السلطان، فشكا له الحنفيّة من نظام الدين قاضي القضاة، وقالوا له: لقد أذلنا عند السلطان، فأضمر هذا الشيخ أن يفحم القاضي أمام السلطان. وصادف أن اجتمع الشيخان بحضرته، وأخذا بمناظرة وجدال، وبيّن كل منهما ما في المذهب الآخر من مساوئ، فكانت النتيجة نفور السلطان من المذهبين، حتى احتار في أي مذهب يختار.

وتزامنت مع تلك تلك الحيرة، مشكلة طلاقه لزوجته والتي جعلت السلطان في حيرة على حيرة، حيث لم يجد لها حلاً، فقد غضب على زوجته وقال لها: "أنتِ طالق ثلاثاً"، ثم ندم فسأل العلماء، فقالوا: لا بد من (المحلل) فرفض وقال لهم: "لكم في كل مسألة أقوال، فهل يوجد هنا اختلاف". فقالوا: "لا". حينها تدخل أحد وزرائه قائلاً: "في الحلة عالم يفتي ببطلان هذا الطلاق". فامتعض العلماء وقالوا: "إن مذهبه باطل، ولا عقل له ولا لأصحابه، ولا يليق بالملك أن يبعث إلى مثله والاستماع إليه". فقال السلطان: "أمهلوا حتى يحضر، ونرى كلامه".

وكان حل مشكلة السلطان عند العلاّمة الحليّ، وقد قدّمه عبر مناظرة شهيرة أثبت فيها بطلان رأي المذاهب الأخرى فيما تُعرَف بمسألة "الطلاق بالثلاث"، وكان حديث العلاّمة الحليّ قد دفع السلطان المغوليّ إلى البحث عن المذهب الحق، من خلال مناظرة علمية شاملة بين العلاّمة الحليّ وعلماء المذاهب الأخرى، فحضر الخواجة نظام الدين عبد الملك المراغيّ، وكان أفضل علماء الشافعية وعلماء السنة، لمناظرة العلامة الحليّ.

بعد الفراغ من المناظرة الأولى التي أثمرت عن تشيع السلطان، خطب العلامة الحليّ في ذلك المجلس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله، وكان في المجلس سيد علوي النسب من أهل الموصل، كان العلامة قد أفحمه في المناظرة، فاعترض هنا على العلامة وقطع خطبته سائلاً: "ما الدليل على جواز الصلاة على غير الأنبياء". فأجاب العلامة: الدليل قوله تعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)(البقرة/156). فتساءل الموصليّ: "أي مصيبة أصابت علياً وأولاده ليستوجبوا الصلاة". فذكر له العلامة مصائب أهل البيت المشهورة، ثم أورد حديث النبي(ص): (لا تصلوا عليّ الصلاة البتراء). ثم قال العلامة الحليّ إلى الموصليّ: "وأي مصيبة أعظم عليهم من كونك، وأنت من أبنائهم، تُفضّل عليهم من لا يستحق التفضيل".

وفي‌ كتاب‌ (مجالس‌ المؤمنين) للقاضي‌ نور الله،‌ نقلاً عن‌ تاريخ‌ حَافِظ‌ أبْرو "التكفيري المتعصب" وغيره،‌ أنّ السلطان‌ الجاتيو محمّد المغوليّ الملقّب‌ بـ(شاه‌ خدابنده)‌ لمّا ذكر في‌ خاطره‌ أحقّية‌ مذهب‌ الإماميّة‌ علی‌ الإجمال‌، أمر بقيام‌ الشيخ‌ نظام‌ الدين‌ عبد الملك‌ المراغيّ، وكان‌ أفضل‌ علماء الشافعيّة‌ بالمناظرة‌ مع‌ العلاّمة‌ الحلّيّ في‌ أمر الإمامة‌. فاتّفق‌ أن‌ غلب‌ العلاّمة‌ علیه‌ بإقامة‌ البراهين‌ القاطعة‌ علی‌ إثبات‌ خلافة علي بن أبي‌ طالب‌، وفساد دعوى‌ الثلاثة‌، بحيث‌ لم ‌يبق‌ لأحد من‌ الحاضرين‌ شبهة‌ في ذلك، ولمّا رأى‌ الشيخ‌ نظام‌ الدين‌ المراغيّ بهت‌ نفسه‌ وخجلها وانكسارها، أخذ في‌ الثناء علی‌ العلاّمة‌، وبيان‌ محاسنه‌ ومحامده‌، وقال‌: "قوّة‌ أدلّة‌ هذا الشيخ‌ _يقصد العلامة الحليّ_ في‌ غاية‌ الظهور، إلاّ أنّ السلف‌ منّا سلكوا طريقاً، وسكت‌ الخلف‌ عن‌ زلل‌ أقدامهم‌ لإلجام‌ العوامّ، ودفع‌ شقّ عصا أهل‌ الإسلام‌. فحريّ أن‌ لا تهتك‌ أسرارهم‌، ولا يُتَظاهَر في‌ اللعن‌ علیهم"‌.

وأضاف‌ حافظ‌ أبْرُو‌: "جرت‌ بعد ذلك‌ مناظرات‌ كثيرة‌ بين‌ العلاّمة‌ الحلّيّ والشيخ‌ نظام‌ الدين‌ المراغي‌ّ، وكان‌ نظام‌ يلتزم‌ باحترامه‌ العلاّمة‌ فيها جميعاً، ويسعي‌ في‌ تعظيم‌ حرمته‌ كثيراً".

القاضي‌ نور الله‌ الشوشتريّ في‌ كتاب‌ (مجالس‌ المؤمنين/ المجلس‌ الخامس/ص246)، وبعد نقله هذه‌ القصّة‌ وقصّة‌ السيّد الموصليّ، قال: "إنّ من‌ بدائع‌ الاتّفاق‌ أنّي‌ ناظرت‌ يوماً أحد السادة‌ السيفيّين‌ القزوينيّن‌ في‌ مبحث‌ الإمامة‌. وبعد أن‌ ثبتت‌ حجّتي‌ علیه‌، عجز وقال‌: لو كان‌ مذهب‌ الإماميّة‌ علی‌ حقٍّ في‌ موضوع‌ الإمامة‌، فلماذا لم‌ يناظر كثير من‌ علمائه‌ علماءَ أهل‌ السُّنّة‌ في‌ هذه‌ المدّة‌؟ ولم ‌يُحقّوهم‌ بحقيقة‌ مذهبهم‌؟ ولم‌ يصرفوهم‌ عن‌ مذهب‌ السلف‌؟ فقلتُ: إنّ أهل‌ السنّة‌ هم‌ السواد الأعظم‌ دائماً، وإنّ السلاطين‌ كانوا يرون‌ مصلحتهم‌ في‌ الاقتداء بمذهبهم‌، وكانوا يجهدون‌ في‌ إطفاء نور التشيّع‌. ولا جرم‌ أنّ هذه‌ الطائفة‌ لم ‌تستطع‌ أن‌ تظهر مذهبها. وعلی‌ الرغم‌ من‌ هذا، فإنّ أفرادها متى‌ حصلوا علی‌ أقلّ دعمٍ ومددٍ من‌ سلاطين‌ عصرهم‌، فإنّهم‌ يفتحون‌ باب‌ المناظرة‌، وقد طووا في‌ هذا الباب‌ طريق‌ إلزام‌ الخصوم‌ وإفحامهم‌. كما حدث‌ ذلك‌ في‌ عصر البويهيّين‌ إذ ناظر الشيخ‌ المفيد والشريف‌ المرتضي‌ علم‌ الهدى‌ وغيرهما من‌ علماء الإماميّة‌ معاصريهم‌ من‌ علماء السنّة‌، وألزموهم‌ وهزموهم‌. وناظر الشيخ‌ جمال ‌الدين‌ علماء السنّة‌ في‌ عهد السلطان‌ محمّد خدابنده‌، وألزمهم‌ بحجّته‌ إلزاماً تامّاً. ولمّا كان‌ ذلك‌ القزوينيّ المعاند يزعم‌ أنّه‌ سيّد ... لذا رأيتُ من‌ المناسب‌ نقل‌ المناظرة‌ المذكورة‌ التي‌ جرت‌ بين‌ العلاّمة الحليّ والسيّد الموصلي‌ّ. ولمّا بلغت‌ قولي‌ إنّ الشيخ‌ خاطب‌ السيّد الموصليّ قائلاً: أي‌ّ مصيبة‌ أسوأ من‌ انتساب‌ ولد مثلك‌ إلیهم‌، وكنتُ أُشير بأنملتي‌ في‌ أثناء التقرير إلی‌ ذلك‌ القزوينيّ غير السيّد. وأعتبر مناظرته‌ معي‌ كمناظرة‌ السيّد الموصليّ مع‌ الشيخ‌ جمال‌ الدين‌، وذلك‌ من‌ ملاحظة‌ تلك‌ الإشارة‌، واشتراكه‌ مع‌ السيّد الموصليّ في‌ دعوى‌ السيادة‌ وإظهار مذهب‌ أهل‌ السنّة‌، وخجل‌ ووضع‌ يده‌ علی‌ صدره‌، وقال‌: "الحقّ أنّك‌ آذيتنا بظرافة‌ وبراعة"‌.

يتبع...

---------------------------------------

إضاءة

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (سائلوا العلماء، وخالطوا الحكماء، وجالسوا الفقراء).

وقال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): (تفقّهوا في دين الله، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة، والرتب الجليلة، في الدين والدنيا).

 

إضاءة

رغم تعدد مسؤولياته وعديد إنجازاته الميدانية، لم يترك الفكر وشؤونه والعلم ونشره، فألف (موسوعة الكلمة في 26 مجلداً)، وممّا كتب: (خواطري عن القرآن/ ثلاثة أجزاء)، (حديث رمضان)، (العمل الأدبي)، (الأدب الموجه) (الاقتصاد الإسلامي)، (الشعائر الحسينية).

نال الشرفين، شرف العلم وشرف الشهادة، ولم يكتف بطرح الأفكار، بل كان من المبادرين الى العمل الميداني، والإنجاز على أرض الواقع، بل والدخول في مواجهة مع أنظمة مستبدة، فكان أول مفكر إسلامي أدخل في زنزانات "قصر النهاية" ببغداد، وقد مورس بحقه أبشع أنواع التعذيب.

وفي السادس عشر من جمادى الآخرة، من كل عام، تتجدد ذكراه، وتُستَحضر مواقفه وإنجازاته، فقد كان مثالاً للعبد الصالح، والمفكر المصلح، والعالم العامل في شتى مجالات الفكر والحياة.