الكلمة في الخطاب المجتمعي


 

في شخصيته الفكرية والمعرفية، احتل الحرف والكلمة جانباً بارزاً، لذا أفنى الفقيه المجدد، السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده) الجانب الأكبر من عمره بين الكتب، مطالعة وتأليفاً، هذا الاهتمام الفريد بدور الكلمة ومكانتها، قد انعكس في عموم نتاجاته الثقافية من خلال اهتمامه بالكتاب ودوره المعرفي والإعلامي، واهتمامه بالصحافة باعتبارها من وسائل التبليغ والإرشاد وصناعة الرأي العام وتوجيهه إلى القضايا الأهم، وارتباط كل ذلك بعموم مفاصل حياة الفرد والمجتمع، من جهة صقل آراء الناس وتوطيد قيم الخير والفضيلة، ودعم العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع، وكذلك بين الشعوب والأمم، في الوقت أن الرأي العام _إن كان على مستوى المدينة أو الدولة أو العالم_ بات يشكل قوة لا يمكن لأحد أن يتغافل عنها أو يهملها، كما بات من العبث بل من الجنون مواجهتها بالقوة، فالكلمة اليوم من خلال الإعلام باتت سلطة حقيقية، تغيّر الواقع، وتغيّر أنظمة، وتغيّر مفروضات غير واقعية أو ظالمة، حتى وإن تراكمت عبر تاريخ طويل.

يذكر(قده) في مباحثه المعرفية والألسنية، "مسألة" إن القوالب الفكرية، تكون وراء تشكيل الرأي المجتمعي، حيث يعتاد الإنسان، أن يحصل كل مجتمع أو مجموعة قالباً فكرياً، يحركه نحو ذلك المجتمع سلباً وإيجاباً، وأن اللغة أداة التواصل ونقل المعلومات وتبادل الآراء والأفكار والتعامل بين البشر، وذلك في مسعى لتبيان دور الكلمة، في تأسيس الفكر والثقافة.

فاللغة في منظوره(قده)، تقوم بدور فعّال في تماسك المجتمع والجماعات، وبالتالي فهي من الأركان المهمة في التعبير عن الأفكار والمعتقدات والآراء، حيث جعل الإنسان من لغة التفاهم، الوسيلة للوصول بنفسه أو بجماعته أو بالعموم إلى حاجاته وحاجاتهم، لذا فإن الرأي العام، بأدوات اللغة والخطاب، هو الذي يهيئ للحرب، كما وأن الحرب تهيئ الرأي العام، والرأي العام دائماً مع السلام، لأن القانون العام للحياة هو السلام.

عليه نرى أن الدول الديمقراطية، لا تقدم على إعلان الحرب، إلا بعد تهيئة المجتمع لتقبل فكرتها، ويبقى الرأي العام مع السلام، سواء قبل الحرب أو أثناء الحرب أو بعد الحرب، فالسلم هو الأصل. ونتيجة لذلك، يناقش(قده) موضوعة الحرب النفسيّة، التي تستهدف النفوس والأرواح، وتصنع المناخ الملائم للحرب، أو الانسحاب من الحرب، فتدخل بذلك عاملاً مؤثراً في تشكيل الرأي العام.

ويعرض(قده) دور الكلمة في تشكيل الثقافة المجتمعية والرأي العام، بوصفه أمراً اكتسابياً، ويجري اكتسابه على ثلاث مراتب:

في الأولى تحصيل المعلومات والآراء، بجمعها من مصادرها المتمثلة بجميع الدرجات الاجتماعية، التي تكون عينات مختلفة ومتباينة للرأي العام، والتخطيط في المرتبة الثانية، وفي المرتبة الثالثة يحتاج تشكيل الراي العام، إلى التطبيق والتنفيذ، لأنه لا يكفي التخطيط فقط، وإنما ينبغي معرفة السبل المتاحة للتنفيذ.

يقارب سماحته هذه الجزئية البحثية، وفق منهج فقهي استدلالي معمّق، حول دور اللغة في تشكيل الرأي العام، مستنداً إلى الأصل في دور اللغة في الفقه والأصول، عارضاً تجسيد اللغة عبر الإيحاء والكلام واللمس والصورة.

ويشير إلى اندفاع المسلمين من غير العرب، على تعلم اللغة العربيّة تحت لواء الإسلام، فجعلوها لغتهم الرئيسية أو الثانية بعد اللغة الأم، لأن القرآن الكريم جعل اللغة العربية لغة للمسلمين بصورة عامة، فضلاً عن تمسّك العرب المسلمين بها كلغة رئيسة، رغم تزاحم الأقوام وتعاقبها على بلدانهم، فتواصلت لغة حية عبر الزمن، بفضل الإسلام والقرآن.

وعليه كان لزاماً على مهندسي الرأي العام، أن يُحسنوا استخدام اللغة، لأنها وسيلة التواصل والفهم المشترك، ولأن استخدام اللغة وأدواتها من الأركان المهمّة في النهوض بالرأي العام وتحشيده، ثم تفعيله باتجاه القضايا الأهم.

ولذا فقد عنى سماحته في آثاره الفكرية المعرفية بتشجيع ونشر اللغة العربية والعناية بها، مبيناً أنها لغة القرآن الكريم، ولغة أهل الجنة، كما ورد في الحديث الشريف، وهي إحدى وسائل توحيد الأمة الإسلاميّة.

وهذا لا يعني أن يترك غير العرب لغتهم ويتحدثوا بالعربيّة،  كما هي لغتهم، بل يتعلموا العربيّة بالإاضافة الى لغتهم الأصلية، وهي للتفاهم في الإطار المحلي، أما اللغة العريبّة فهي للتفاهم في إطار الأمة الإسلاميّة.

فكان من الضروري أن يهتم المرجع الإسلاميّ باللغة العربيّة، بتشجيع أبناء الأمة الإسلاميّة على تعلّمها، ووضع مناهج مبسّطة لتعلّمها لغير الناطقين بها، والهدف هو إيجاد جسر التفاهم بين أبناء الأمة. إذ يرى سماحته، أن منهج الإسلام، يقوم على دعم اللغة العربيّة، وجعلها لغة التفاهم، فالصلاة وكتاب الله وسنة رسول الله كلها بالعربيّة، وهذا يعني أن الإسلام يريد من المسلم أن يتعلّم العربيّة لتصبح لغة للتفاهم"، مفصلاً توجهات هذه الدعوة، في كتاب سماحته، (المرجعيّة الإسلامية، رؤى في الأساليب والأهداف"( كتاب (المرجعيّة الإسلاميّة، رؤى في الأساليب والأهداف) ص125).

كما ويستدل(قده) لدعم اللغة العربيّة، المستمد من منهج الإسلام، في موضع آخر من آثاره العلمية، مُعبّراً عن ذلك بـ"أن الاجتهاد بحاجة الى العلوم العربيّة، إذ لولا فهم اللغة لم يُفهم معنى الكلمة، وكذلك الصرف حيث إنه إذا اشتبه في المادة اشتبه في المعنى، والنحو فلولا فهم الإعراب، لم يُفهم الفاعل من المفعول، والبلاغة في نكاتها دخليّة في فهم المعاني ، كل ذلك بقدر الحاجة"( كتاب "الأصول، الأصول العمليّة، "ج2 ص320) ، وقد بين سماحته هذه التفاصيل، خاصة في كتبه ومباحثه الأصولية.

عليه يلزم العلماء والفقهاء والدارسين، لتعلم العربيّة بقدر الحاجة، بصفتها من "الطريقيّ والموضوعيّ"، في العلوم المصنفة كحدود للاستدلال اللفظيّ المعتمدة على فهم النصوص وتفسيرها لغوياً، بما يُطلَق عليه الاستدلال على (الحكم الشرعيّ بالدليل اللفظيّ المرتبط بالنطام اللغويّ العام للدلالة، وإن العلاقة التي تقوم في الذهن بين تصوّر اللفط وتصوّر المعنى، تحتاح الى تعلّم اللغة العربيّة، لكي ينتقل ذهنه الى المعنى، عند سماع الكلمة العربيّة وتصوّرها.

إن حجيّة الظهور العرفيّ اللغويّ، كعنصر مشترك قي عمليات الاستنباط، تلزم الرجوع الى العُرف العام في فهم  النصوص، لأنه حُجّة ومرجع في تعيين مدلول اللفظ، ومن خلال المدلولات النفسيّة، للألفاظ اللغويّة التي يُحسنها أهل العربيّة، ضمن دلالة اللفظ على المعنى، الذاتيّة أو المكتسبة).

إن مبحث أهمية اللغة، المستمد من مباني منظومة الأحكام الشرعيّة، مع التباين في الغاية، يمكن إسقاطه أيضاً على آليات هندسة وتشكيل الرأي العام، لجهة تأثيره قي المضامين النصّيّة ومبانيها ودلالاتها في اللفظ والمعنى، في الصياغة اللغويّة للخطاب المعلوماتيّ والإعلاميّ، لمرجعيّات القرار السياسيّ والإعلاميّ والاجتماعيّ، يهدف التأثير باتجاهات ومدركات الرأي العام، وإعادة تشكيله وفق المخطط له، في إطار الاستراتيجيّة المرسومة.

ويؤكد سماحته، أن للكتاب دور إعلاميّ ومعرفيّ، في نشر التوعية الثقافيّة بين الشعوب والمجتمعات، فالكتاب السياسيّ مثلاً، يختلف في تأثيره عن المقال الصحافيّ السياسيّ، الذي مهما كان متعمّقاً، فإنه سوف يُنسى بمجرد انقضاء عمره الزمنيّ، بينما الكتاب يبقى، من ضمن المقتنيات والذاكرة.

إن هذا الموقف من أهمية الكتاب، ودوره في الثقافة والمعرفة والإعلام، لا يُقلّل من أهمية الصحافة، مبيناً أهمية وضرورة التوجه إلى الصحافة، لأنها من أهم وسائل التبليغ والإرشاد والإعلام والنشر والإمتاع وتهيئة الرأي العام.

وذلك مرتبط في جميع نواحي الحياة المجتمعية، لأنها تؤسس لعلاقات إنسانيّة في المجتمع، وتضمن رفع مستوى الوعي عند الناس، وهي أيضاً تمارس دوراً خطيراً مكمّلاً لدور السلطات الثلاث في الدولة، لذا لُقبَت بالسلطة الرابعة، وهي المرآة العاكسة للشعب، انطلاقاً من الرواية: (كما تكونوا يولى عليكم).

ولذلك يبين(قده)، إن بعض الكتّاب قد ارتأى أن يجمع مقالاته في كتاب وينشره، ويُبقي على آثاره، وهذا مُستوحى من مقولة الإمام الصادق (عليه السلام): (احتفظوا بكتبكم، فإنكم سوف تحتاجون إليها)، وقد ألزم سماحته نفسه بهذا التوجه، إذ أفنى حياته، في التأليف والكتابة، وفي إيلاء الكلمة، مكانتها وأدوارها، فكان نتاج سماحته وفيراً، بين تأليف الكتب والرسائل والبحوث والدراسات والمحاضرات والمقالات، مما أكد انسجام رؤاه ومبادئه، مع العمل والأداء.

-----------------------------

إضاءة

إذا لم يكن تحت ضغطٍ خارجي، فكل إنسانٍ ارتقى وكل إنسانٍ انحطّ، فإنما هو بسبب ثقافته، وإنما الدين والدنيا يتقدّمان بالثقافة، لذا يلزم رفع مستوى الثقافة الدينيّة والدنيويّة على السواء. (الإمام الشيرازي الراحل(قده)

إضاءة

من عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه):

انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً، ولا تولهم محاباة وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء، من أهل البيوتات الصالحة، والقدم في الاسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقاً، وأصحّ أعراضاً، وأقلّ في المطامع إشرافاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً.