من أعلام الشيعة .. العلامة المجلسي


 

(1)

 

التراث الفكري العظيم لأهل البيت (عليهم السلام) يضم الكثير من الروايات التي تتحدث عن فضل العلماء، ودورهم الاستثنائي في بناء الإنسان المؤمن والمجتمع الصالح والأمة الحية، فكان الحث - مؤكَداً ومكرراً – على مجالسة العلماء والانتفاع من علومهم. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «مجالسة العلماء عبادة».(البحار، م/1، ص/64، عن كشف الغمة). وقال لقمان لابنه: «يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء»(البحار، م/1، ص/64، عن روضة الواعظين).

وعن العلم وأهميته، وضرورة طلبه والبحث عنه، وفضل العلماء الذين يحملونه إلى الناس، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «العلم خزائن، ومفتاحه السؤال، فاسألوا يرحمكم الله، فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمحب لهم»(المجازات النبوية للشريف الرضي ص 209). وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون». (البحار، م/1، ص/62، عن صحيفة الرضا، وعيون أخبار الرضا).

إن الاهتمام بشأن العلماء، ومجالستهم، وتوقيرهم، والعمل بإرشاداتهم، هو أساس مكين لارتقاء الإنسان، ورفعة المجتمع، وازدهار البلاد، وعز الأمة، ونصرة الدين. وجدير بالمؤمنين والمؤمنات الاقتداء بالعلماء الأعلام، والاطلاع على علومهم، والتعرف الى سر نجاحهم وتوفيقهم في الوصول الى ما وصلوا إليه، من المراتب السامية وخلود ذكرهم.

كما أن من الوفاء، تأمل سيرة العلماء العاملين المخلصين، بحسب التعبير النبوي الشريف، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «العلماء كلّهم هلكى إلاّ العاملون، والعاملون كلّهم هلكى إلاّ المخلصون، والمخلصون في خطر عظيم».

ولد العلامة محمد باقر بن محمد تقي بن المقصود علي المجلسي سنة ألف وسبعة وثلاثين هجرية (1037هـ) في مدينة أصفهان، وتوفي في 27 شهر رمضان سنة (1111هـ)، وقد ناهز من العمر 73 عاماً، ودفن بمسقط رأسه، في الباب القبلي من جامعها العتيق، في القبة التي دفن فيها أبوه، وفيها مدفن عدة من العلماء. نشأ(قده) وترعرع في ظل عائلة علمائية كريمة، كان لها الأثر الأكبر في حياة العلامة المجلسي وتوجهاته في العلم والمعرفة.

والده محمد تقي بن المقصود علي المجلسي كان من العلماء الفاضلين والفقهاء المحدثين، وتُنسب له كرامات كثيرة وفضائل شريفة، درس على يد العلامة الشيخ البهائي(ره)، وولد بأصفهان سنة 1021هـ، وتوفي فيها سنة 1070هـ. وله مؤلّفات قيّمة، منها: روضة المتّقين ـ وهو شرح موسّع لكتاب (مَن لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق، وحديقة المتّقين، ورسالة في مناسك الحجّ، ورسالة في الرضاع.

نُسب الشيخ محمد تقي المجلسي إلى التصوف، ولكن ولده محمد باقر قد ردّ هذه المقالة، في شرح رسالة والده في المقادير فقال: (وإياك أن تظن بالوالد، أنه كان من الصوفية، وإنما كان يظهر أنه منهم لأجل التوصل إلى ردهم عن اعتقاداتهم الباطلة). قال عنه العلامة الأردبيلي: محمد بن تقي بن المقصود علي، الملقّب بالمجلسي، وحيد عصره، فريد دهره، أمره في الجلالة والثقة والإمامة، وعلوّ القدر وعظم الشأن، وسمو الرتبة والتبحر في العلوم، أشهر من أن يُذكر.

ويرجع سبب اشتهار العائلة بلقب (المجلسي)، إلى الجد المقصود علي الذي أطلق عليه لقب بـ(المجلسي)، والسبب في ذلك يعود إلى إقامته المجالس الحسينية، وكان يحضرها جمع غفير من الناس، لحسن محاضراته وجودة مجالسه.

 

قالوا فيه

يُعدّ العلامة المجلسي من علماء الشيعة الذين برزوا في تصنيف الكتب والموسوعات الكبيرة، كموسوعة بحار الأنوار، والكتب الموسوعية الأخرى، ويدل هذا على كثرة تبحره في شتى العلوم الدينية والدنيوية. وقد أجمع العلماء على جلالة قدره وتبرّزه في العلوم العقلية والنقلية والحديث والرجال والأدب.

قال المحقق الكاظمي في مقابس الأنوار، بعد ذكر والده: (تلميذه – أي محمد باقر المجلسي - الأجل الأعظم الأعلم الأكمل، منبع الفضائل والأسرار والحكم، غواص بحار الأنوار، مستخرج كنوز الأخبار ورموز الآثار، الذي لم تسمع بمثله الأدوار والأعصار، ولم تنظر إلي نظيره الأبصار والأمصار، كشاف أنوار التنزيل وأسرار التأويل، حلاّل معاضل الأحكام ومشاكل الأفهام بأبلج السبيل وأنهج الدليل، صاحب الفضل الغامر والعلم الماهر، والتصنيف الباهر، والتأليف الزاهر، زين المجالس والمساجد والمنابر، عين أعيان الأوائل والأواخر من الأفاضل والأكابر، الشيخ الواقر الباقر، المولي محمد باقر، جزاه الله رضوانه، وأحلَّه من الفردوس مبطانه).

وقال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: المولى محمد باقر، المعروف بالمجلسي الثاني، ابن المولي محمد تقي المعروف بالمجلسي الأول الأصفهاني. جاء في كتاب دار السلام: (لم يوفق أحد في الإسلام، مثل ما وفق هذا الشيخ العظيم والبحر الخضم والطود الأشم، من ترويج المذهب بطرق عديدة، أجلها وأبقاها التصانيف الكثيرة التي شاع ذكرها في الأنام، وانتفع بها الخواص والعوام والمبتدي والمنتهي، ثم حكي عن الآغا أحمد حفيد المحقق البهبهاني، في كتاب "مرآة الأحوال" أنه قال: كان شيخ الإسلام من قبل السلاطين في أصفهان، وكان يباشر جميع المرافعات بنفسه ولا تفوته صلاة الأموات والجماعات والضيافات والعبادات، وبلغ من كثرة ضيافته انّ رجلاً كان يكتب أسماء من أضافه، فإذا فرغ من صلاة العشاء، يعرض عليه إسمه، وأنه ضيفه فيذهب، وكان له شوق شديد إلى التدريس، وخرج من مجلس درسه جماعة من الفضلاء).

وعن تلميذه الفاضل الأميرزا عبدالله الأصفهاني في كتاب رياض العلماء، قال: (حج بيت الله الحرام، وزار أئمة العراق مكرراً، وكان يباشر أمور معاشه وحوائج دنياه بغاية الضبط، ومع ذلك بلغت مؤلفاته ما بلغت، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء...).

وقال محمد بن الحسن الحرّ العاملي: مولانا الجليل محمد بن مولانا محمد تقي المجلسي عالم فاضل، ماهر، محقّق، مدقّق، علاّمة، فهامة، فقيه، متكلم، محدّث، ثقة ثقة، جامع للمحاسن والفضائل، جليل القدر، عظيم الشأن، أطال الله بقاءه، له مؤلفات كثيرة مفيدة.

 

أساتذته

عند العديد من علماء عصره، درس العلامة المجلسي مختلف العلوم الدينية، كالفقه والدراية والأدب وغيرها، وروى عن جملة منهم، ومن هؤلاء الفقهاء: (1) العالم الفقيه أبو الحسن المولى، حسن علي التستري، ابن عبد الله الأصفهاني الفاضل الكامل الفقيه، المعروف في عصر السلطان صفي الصفوي، والشاه عبّاس الثاني، مؤلف كتاب (التبيان في الفقه)، ورسالة (حرمة صلاة الجمعة في عصر الغيبة)، المتوفى سنة 1075هـ. (2) والده العالم الجليل محمد تقي المجلسي. (3) سيد الحكماء والمتألهين، الفقيه آغا ميرزا رفيع الدين محمد بن حيدر الحسني الطباطبائي النائيني، صاحب الرسائل والحواشي الكثيرة التي منها حواشيه على الكافي، وصرح المولى الأردبيلي في جامع الرواة بأنه كان أفضل عصره علماء، توفي سنة 1099هـ. (4) الفقيه ابن عمة والده الشيخ عبد الله ابن الشيخ جابر العاملي، قال في أمل الآمل: كان فاضلاً عالماً عابداً فقيهاً. (5) السيد الجليل الشريف، الأمير شرف الدين علي بن حجة الله بن شرف الدين الطباطبائي، مؤلف كتاب (توضيح المقال في شرح الإثني عشرية في الصلاة لصاحب المعالم)، المتوفى سنة 1060هـ.

 

من سيرته

تربّى الشيخ محمّد باقر المجلسيّ، ونال قسطاً كبيراً من العلم والفضيلة وتهذيب النفس، حتى اشتهرت خصائصه. ذُكر منها أنه كان مشغوفاً بالعبادات والطاعات، حتّى تكرّرت زيارته إلى بيت الله الحرام، وإلى مراقد الأئمة الهداة (عليهم السلام) في العراق. وكان في أمور معاشه وحوائج دنياه على غاية من الانتظام والانضباط، ومع ذلك بلغ تحرير كتبه بيده ما بلغ. وعُرِف بالفصاحة، وحُسن التعبير، وإحاطته بدقائق الألفاظ العربية، مع إجادته للّغة الفارسية، كما دأب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبسطِ يدِ الكرم والإحسان.

ومن خصاله(قده) مثابرته في طلب العلم، فجالس الفضلاء واستفاد منهم، واندفع بهمّة نحو خدمة الدين الحنيف، حتى أنه لما تأهّب لتأليف موسوعته الكبرى (بحار الأنوار) بلغه من الكتب القديمة، أن كتاب (مدينة العلم) للشيخ الصدوق يوجد في بعض بلاد اليمن، فأنهى ذلك إلى أحد أمراء الدولة الصفويّة، الذي وجّه سفيره إلى ملك اليمن بهدايا وتحفٍ ثمينة، لتحصيل ذلك الكتاب، وهذا سلوك ينم عن مسؤولية عالية إزاء أمانة العلم، وامتثال لقول النبي (صلى الله عليه وآله): (رحم الله إمرء عمل عملاً صالحاً فأتقنه). ولو عمل خمس المسلمين بهذا الحديث الشريف، لكانت أحوالهم أفضل كثيراً مما هي عليه اليوم، بل منذ قرون. 

يتبع 

--------------------------------

إضاءة

لولا ألطاف الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لتناوش الأعداءُ الشيعةَ من كل حدب وصوب، وليست رسالته للشيخ المفيد إلا نموذجاً واحداً، وإن كان بارزاً ومميّزاً، لرعايته لعلماء شيعته، الذين يقرّون جميعاً بحاجتهم إلى ألطافه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، أكثر من حاجتهم إلى الماء والهواء.

المرجع الشيرازي (دام ظله)

 

إضاءة

 (منّا مهديّ هذه الاُمّة الذي يصلّي عيسى بن مريم خلفه)

 

في كتب جميع المذاهب الإسلامية، تواترت الأحاديث النبوية الشريفة حول قدوم الإمام المهدي، في آخر الزمان، وإنه من وِلْدِ مولاتنا وسيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بنت سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله).

يقول الحافظ أبو الحسين محمد بن الحسين الآمدي السجستاني (ت 363هـ): (تواترت الأخبار واستفاضت، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى يصلّي خلفه).

وقال القرطبي في تفسير الآية 33 من سورة التوبة: (الأخبار الصحاح قد تواترت على أن المهدي من عترة الرسول صلى الله عليه وآله).

وأورد أبو داود في صحيحه عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة).

وروي في ذخائر العقبى عن حذيفة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (لو لم يبق من الدينا إلا يوم واحد، لطُوَّل ذلك اليوم، حتى يبعث الله رجلاً من ولدي، اسمه كإسمي).

فقال سلمان من أيِّ ولدك يا رسول الله؟ قال: (من ولد هذا وضرب بيده على الحسين).