بحوث فقهيّة

 

حكم البلاد الكبيرة

سُئل سماحته عن موضوع البلاد الكبيرة وحكمها، وهل أنّ البلاد الكبيرة تختلف حكمها مع البلاد الصغيرة أم لا؟

قال دام ظله: المشهور بين الفقهاء أنّه لا فرق بين البلاد الكبيرة والبلاد الصغيرة، وبناءً على هذا، إذا كانت المدينة طولها أربعة فراسخ أو أكثر، وأراد شخص أن يذهب من طرف المدينة إلى الناحية الأخرى منها، فلا يُعدّ سفراً، لأنّ السفر يُطلق على المسير خارج المدينة، وفي عهد الأئمة (عليهم السلام) مع وجود البلاد الكبيرة، لكن لم يكن هناك أثر عن وجود الفرق بين البلاد الكبيرة والصغيرة في الحكم، وإذا كان هناك فرق فلابدّ أنّ يتم الإشارة إليها.

على سبيل المثال: حول مدينة سامراء المشرّفة، ففي عهد الإمامين العسكريين (عليهما السلام) حينما كانا يتواجدان فيها، كتبوا عنها أنّ مساحتها كانت تبلغ ثمانية فراسخ، أي في حدود خمسة وأربعين كيلو متراً. وذكر هذا المثال في كتاب (السيوطي): «مررتُ بإصطبلاتٍ»، والاصطبلات تقع على بعد أربعة فراسخ من سامراء، وكانت موجودة حتى في أيامنا، وسمعت بأنها ما زالت موجودة حتى اليوم. ومسجد أبو دُلف الذي كان من قادة بني العباس والذي بنى هذا المسجد، كانت من مساجد سامراء، وأمّا الآن فالمسجد يقع خارج مدينة سامراء بثلاثة أو أربعة فراسخ، وبناءً على هذا نعرف بأنّ سامراء كانت من البلاد الكبيرة ومدينة كبيرة.

هكذا بالنسبة إلى مدينة البصرة التي كتبوا عنها بأنّه كان يجري فيها مئة وعشرين ألف نهر، ومدينة واسط التي ليست اليوم هي بمدينة كبيرة، وتقع على أطراف الحلّة، كتبوا عنها: أنها كان فيها ثمانية آلاف شارع. وكتبوا بالنّسبة إلى بغداد أنّ مساحتها كانت تبلغ خمسة فراسخ. وكتبوا عن مدينة الكوفة أنها كانت مدينة كبيرة. بناءً على هذا كانت البلاد الكبيرة موجودة في عهد الأئمة (عليهما السلام)، ولكن لم تذكر في الرّوايات أثر عن اختلاف الحكم فيها، وهذا يمكن أن يكون شاهداً على أنّ البلاد الكبيرة والصغيرة حكمها واحد.

من ناحية أخرى، ففي روايات السّفر، لاحظوا روايات (وسائل الشيعة)، فقد ذكرت أسماء المدن، وكانت بعض هذه المدن بلاداً كبيرة، ولكن في الرّوايات جعلت انتهاء المدينة مبدء لملاك السّفر وحتى ابتداء مدينة المقصد، ولم تذكر في أيّة رواية المقصد داخل المدينة، ولم تجعل ملاكاً، مع أنّ في العادة الكثير من الأشخاص يكون مقصدهم وسط المدينة.

الخلاصة: أنّ الأئمة (عليهم السلام) لم يفصّلوا بين البلاد الكبيرة والصغيرة.

الشّاهد الآخر هو القرآن الكريم، حيث يصرّح: (إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ) النساء/94. والضرب في الأرض في اللغة العربية: الخروج من المدينة والسّفر منها. ظاهر هذه الآية لا تشمل أبداً التحرّك والسير داخل المدينة، أي في اللغة العربية تعني التحرّك والسير داخل المدينة لا يُقال بـ(ضربتم). وكان أحد السّادة الفقهاء القائلين بالبلاد الكبيرة، يقول: (إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ)، فإنّ الأرض تشمل الأرض داخل المدينة أيضاً. ولكن كما ذكر ففي اللغة العربية لا يُطلق السير داخل المدينة بـ(ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ) النساء/94.

* تحديد بريد في بريد:

قال أحد الفضلاء: وردت في روايات السفر «بريد في بريد»، وإطلاق هذا التّحديد هل يشمل الأرض داخل المدينة أيضاً؟

أجاب سماحته: التّحديد الذي قال به الشّارع لأجل تعيين المسافة هو السّفر، والسفر في لغة العرب: هو الخروج من المدينة.

الخلاصة: الموردان المذكوران شاهدان على أنّ حكم البلاد الكبيرة مع البلاد الصغيرة واحد.

1- وردت في روايات الأئمة (عليهم السلام) أسماء البلاد، والمدينة تحسب من أوّلها وحتى نهايتها، سواءً أكانت مدينة صغيرة أم كبيرة، ولم يفصّلوا.

2- (ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ) النساء/94. الذهاب إلى الصحراء، ولا يقال السّير داخل المدينة بـ«ضرب في الأرض».

* توسعة المدن:

سأل أحد الفضلاء حول توسعة وازدهار المدن، هل لها حكم مدينة واحدة أم لا؟

فقال سماحته: على الدّوام هكذا كانت البلاد الكبيرة، ففي البداية كانت مدينة صغيرة، أو أنّ المدن الصغيرة اتصلت ببعضها، فوجدت البلاد الكبيرة. وإذا توسّعت المدينة، وأينما تتسع وتنتشر فلها حكم المدينة الواحدة، وعلى سبيل المثال قبل أكثر من ستين عاماً وكنتُ حينها في العراق، كانت الكاظمية منفصلة عن بغداد، والمراجع الذين كانوا موجودين في ذلك الحين كانوا يفتون على هذا الأساس، ولكن بعد أن اتّصلتا ببعضهما فإنّ أولئك المراجع أنفسهم كتبوا في رسائلهم أنّ لهاتين المدينتين حكم مدينة واحدة. كذلك أتذكّر أنني قبل أكثر من ستين عاماً سافرتُ إلى إيران لزيارة الإمام الرضا والسيّدة المعصومة (عليهما السلام)، وكانت هناك فاصلة وصحراء بين طهران ومدينة الريّ وكانتا منفصلتان، وأمّا الآن فهما متّصلتان، وبناءً على هذا فإنّ الذي يسكن اليوم طهران حينما يذهب ليلة الجمعة لزيارة السيّد عبد العظيم الحسني (عليه السلام) لا يُقال له بأنّه سافر.

*  جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي(دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة