عليّ .. منهج وفاق وإصلاح ورفاه

 

يُجمع المسلمون على أن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في سلوكه وخلقه وفكره وسيرته، نموذج للإسلام الحق، فيكون بهذا المعنى، هو المعيار والمقياس، الذي تُقاس وُفْقَهُ الأعمال وتُصوَب، قرباً أو بعداً عن الإسلام، فإليه تُرَد الأحكام وتُعرض على سيرته وسلوكه وفكره، ليُقَيَّم الحكم في ضوئه، ومن هذه المقاربة، يُفهَم توصيفه بأنه (القرآن الناطق)، أو هو الإسلام يمشي على الأرض، فـ(لا يُبغضه إلاّ منافق، ولا يُحبه إلا مؤمن).

وفي مقاربته لاشتراطات الدولة والحكم والبيعة، وفق الإسلام، عليّ (عليه السلام) لا يكتفي بمجموعة جاءته إلى داره، ليؤسس عليها بيعة، ثم يدخل الآخرون فيها قسراً أو طوعاً، فقال للشعب (عليه السلام): (يا أيها الناس، إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلاّ من أمَّرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنت كارهاً لأمركم، فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم، ألا وإنه ليس لي دونكم إلاّ مفاتيح ما لكم معي، وليس لي أن آخذ درهماً دونكم، فإن شئتم قعدت لكم، وإلاّ فلا آخذ على أحد). فكان ذلك سابقة في تنصيب الحاكم، وقد تم وفق السياق الشرعي الإسلامي.

وممّا يُفهَم من ذلك، تداول المال العام في الإسلام، فهو ليس ملكاً للحاكم يتصرف به كيف يشاء، وإنما يجري وفق المصلحة العامة، وفي تنمية بلاد المسلمين وإعمارها، وفي منح الحقوق لمن يستحقها من الناس كافة، بغض النظر عن مشاربهم ونحلهم، وهو مفهوم متقدم للمواطنة. كما أن سياسة عليّ (عليه السلام) الاجتماعية، قد شملت جميع الرعية بالحقوق في الحياة، دون تفريق بلون أو عرق، أو موقف فكري أو سياسي، فقد شمل ذلك الحق حتى معارضيه والمختلفين معه، حيث أن موقف الآخر الفكري والسياسي، لا يُسقِط عنه حق المواطنة، وحق الأمن أو حق الكرامة أو حق الحياة نفسها.

إن الفهم السطحي لمعنى الولاء للإمام، والمخادعة في الاقتداء بمنهجه من جهة، والإعراض عن منهجه من جهة أخرى، السبب في الأزمات الكالحة التي تواجهها المجتمعات المسلمة، اليوم، فضلاً عن عموم البشرية. فلقد أراد عليّ (عليه السلام) بنهجه الذي اكتفى فيه من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه تحقيق هدفين، الأول: أن يبعد عنه _كحاكم_ أية شبهة، ويسلب منتقديه _الذين أنكروا عليه حتى مناقبه_ أي ذريعة تدينه. الثاني: تذكير الحكام وأهل السياسة بضرورة إقامة العدل، وبمسؤولياتهم إزاء معاناة الناس وكراماتهم، والسعي الى تأمين الرفاهية والعيش الكريم لهم. (وقل اعملوا).