الإعلام .. في جانبيه

 

بعد التقدم التكنولوجي الذي انعكس على تعدد أساليب الاتصال وتطور مهاراته، أصبح دور الإعلام أكثر أهمية، إنْ لم يكن الأهم، في التأثير سلباً أو إيجاباً في آراء الناس وسَوْقِ ميولهم، حتى بلغت قدرة الإعلام في التأثير مبلغاً يصعب تصديقه قبل سنوات قليلة، فالإعلام اليوم يجعل مئات الملايين من الناس ينشغلون في قضية هامشية ولا تؤثر في الوضع العام، في وقت تكون آلة ظلم أو استبداد أو إرهاب أو جوع أو مرض تسحق مئات البشر، في أقل من ساعة، ودون أن يكون لتلك الملايين رأي في كل ما يراق من دماء.

وفي تعامله مع فاجعة كربلاء التي يستَحضَر الشيعة أحداثها وأحزانها من خلال الشعائر الحسينية، والتي هي طقوس استثنائية في معظم تفاصيلها وعدد المشاركين فيها، وخاصة في شهري المحرّم وصفر، دأب إعلام الآخر على تغييب تلك الشعائر التي يحييها مئات الملايين في عموم أنحاء العالم، وأحياناً يعمل على محاربة القضية الحسينية، عبر تشويه شعائرها، وتسقيط القائمين عليها، وتعويم الجهل على المشتركين فيها.

كما عمد ذلك الإعلام، بمختلف توجهاته الفكرية، على إشاعة فكرة أن كل عبادات وطقوس وشعائر الشيعة، ينبغي وضعها تحت مجهر النقد، ثم تناولها بمنهج مُستَفَز من الشيعة ومحرّض عليهم، ومُحمَّل بالتوبيخ والاستهزاء، فهذا ينتقد الشيعة بحسب هواه ومزاجه، وذاك يدعو إلى تحجيم المظاهر الدينية والمسيرات المليونية للحفاظ على مدنية المدن، وتكفيري يدين ويدعو إلى القتل.

حتى بات واضحاً للمتابع، أنه على الشيعة دون غيرهم، أن يفسروا للآخربن سبب إيمانهم بهذه الفكرة واعتقادهم بهذا المبدأ! وأن يبينوا لماذا يمارسون هذه العبادة وتلك الشعيرة! ثم على الشيعة دون غيرهم، أن يحرزوا رضا هذا وذاك فيما يؤمنون، بل وأن يضمنوا موافقة هؤلاء وأولئك فيما يعملون ويعبدون!

ولا يخفى أن تلك السلوكيات مجانفة لحرية الناس في معتقداتهم، ومسيئة للقيم المدنية، ومتناقضة مع المبادئ الإنسانية، ومن أسباب شيوع تلك الأفكار غير اللائقة غياب إعلام الجانب الآخر، فبدلاً من أن يستثمر الشيعة إمكانياتهم في بناء وسائل إعلامية حديثة ومحترفة، مازال الإعلام الشيعي ضعيفاً على المستوى الكمي والكيفي، قياساً إلى إعلام الآخر، العربي والأجنبي. يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): (ليس من المبالغة أن نقول: إن الآخرين ينفقون تسعين بالمائة من إمكاناتهم المالية على الإعلام، أما الشيعة فإنهم لا ينفقون على الإعلام إلاّ واحداً بالمائة من إمكاناتهم وقدراتهم المالية، وهذا ما يبعث على الأسف والأسى). (وقل اعملوا).