نبي الرحمة وإمام العدل

 

في أيام العشرة الثانية من شهر ربيع الأول، من كل عام، يحتفل المسلمون بمولد نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله)، الذي أرسله الله سبحانه رحمة للبشرية جمعاء، يقول (عز وجل): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء/107). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾(التوبة/128).

ولأن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) يمثل الخيمة التي تجمع المسلمين بشتى مذاهبهم الفقهية والفكرية، حري بالمسلمين أن يستحضروا أولاً أخلاقه (صلى الله عليه وآله) التي بنى عليها تعامله في كافّة المجالات، السياسية والحربية والحكومية والاقتصادية والمجتمعية والأسرية، فكانت مكارم الأخلاق معيار منهجه وأسلوبه.

فإن إهمال السياسي لمصلحة البلد والشعب، وتقاعس الموظف عن أداء حقوق الناس، واعتداء الزوج على زوجته بالقول أو اليد، وتقصير الوالدين في تربية أولادهم على الخير والصلاح، والإساءة إلى الجار وعدم الصبر على أذاه، ومد اليد على أموال الدولة، والتجاوز على الحقوق العامة، كما أن التنازع بين الجماعات أو الأحزاب أو الاقتتال بين العشائر وعدم الجنوح للسلم، كل ذلك بعيد عن الرحمة التي دعا إليها نبي الرحمة والخير والمحبة، فقد أصلح (صلى الله عليه وآله) بين قبيلتي الأوس والخزرج، من بعد اقتتال دام ثلاثمائة عام، وغرس الأخوّة والألفة فيما بينهم. وقال (صلى الله عليه وآله): (الخَلْقُ عيال الله، وأحبّ الخلق إلى الله مَن نَفع عيالَ الله، وأدخل على بيتٍ سروراً). وقال (صلى الله عليه وآله): (مَن أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم).

إن الواقع المثخن بالظلم والعنف والكراهية والبغضاء والفقر، في العديد من دول المسلمين، قطعاً، ليست من الإسلام، ولا من القرآن، ولا من عمل ولا من سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل هي بعيدة عن ذلك كلّه، ففي الفترة المشرقة لحكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي امتدّت لعشر سنين، وفي فترة حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي لم تدم سوى أربع سنوات وبضعة أشهر، ومع كثرة المشاكل التي واجهتهما، قد حكما حكماً عادلاً وحكيماً، واجتثّا الفقر والجوع من رقعة الدولة الإسلامية واسعة الأرجاء، حتى قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ».

ومع كثرة أعداء الإمام (عليه السلام) في التاريخ وإلى يومنا هذا، فإنهم لم يأخذوا على الإمام قوله ذاك، فلم يجرؤ أحد منهم ليقول "لقد كان هناك جائع في ظل حكومة الإمام (عليه السلام)، لأن الجميع يعلم جيّداً بأن الناس (المسلمين وغير المسلمين) في ظل حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عاشوا برفاه ورخاء. (وقل اعملوا).