محاسبة .. ولابد من ثمرة

 

   جدير بالمؤمن أن يكون طموحاً، فيسعى الى أن يوفر لنفسه ولأسرته معيشة بحرية وكرامة ورفاه، وأن يشارك المجتمع في بناء بلده وازدهاره، وجدير به أولاً أن يبني نفسه وتمكينها للعمل وفق مسؤولياته، ولمواجهة مشاكل الحياة، وكل ذلك استعداداً إلى اليوم الآخر واجتياز الصراط، الذي وصفه الإمام الصادق (عليه السلام) بشكل يثير الوجل في القلوب، فقال (عليه السلام): (الصراط أحد من السيف، وأدق من الشعرة).

إن المعيار في بناء النفس واستكماله هو محاسبتها، قال الله (عز وجل): (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَت لِغَدٍ واتَّقُوا اللهَ إنّ اللهَ خبيرٌ بِما تعملون)(الحشر:18).

وقال(ص) لأبي ذر: (حاسِبْ نفسَك قبلَ أن تُحاسَب، فإنه أهونُ لحسابِك غداً، وزِنْ نفسَك قبل أن تُوزَن، وتجهَّزْ للعَرض الأكبر، يومَ تُعرَض لا يَخفى على الله خافية)(أمالي الطوسي:534/ح 1162).

وشهر رمضان خير فرصة لمحاسبة شاملة وتفصيلية للنفس، لإنجاز تغيير حقيقي وصلاح منشود، يقول النبي الأعظم (صلى اله عليه وآله): (فإن الشقيَّ من حُرِمَ غفران الله في هذا الشهر العظيم).

وفي ثلاثين يوماً، ستتحول محاسبة النفس إلى مراقبة تلقائية دائمة، يُجتنَب بها الذنوب، لمن أراد ذلك، فـ(ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النيّة)، كما يقول الإمام الصادق(ع).

ولا تنتهي المسؤولية عند المحاسبة، فعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (حاسِبوا أنفسَكم بأعمالها، وطالِبُوها بأداء المفروض عليها، والأخذِ مِن فَنائها لبقائها، وتَزوَّدوا وتأهَّبُوا قبلَ أن تُبعَثوا).

ويقول الإمام الكاظم (عليه السلام): (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإنْ عمل خيراً استزاد اللهَ منه، وحمدَ اللهَ عليه، وإنْ عمل شراً، استغفر اللهَ منه وتاب إليه).

إذن، لابد من استجابة عملية للمحاسبة، فإنه ينبغي أن تكون (ثمرة المحاسبة صلاحُ النفس)، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذلك عبر تربية النفس لتنقيتها والسمو بها، وتربية النفس تكمن في الامتثال لأحكام القرآن وتعاليم المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام)، وأول هذا: معرفة عقائد الدين وأصوله، والعمل بالواجبات، وترك المحرّمات. أما أساس ترويض النفس والارتقاء بها، أن يؤمن الإنسان بأن الله عالم بما في الصدور، (وهو معكم أينما كنتم). (وقل اعملوا).