نعمة الدين ونعيمه

(من محاضرات الإمام الشيرازي الراحل)

 

ليس الدين إلا قانوناً مدنياً أخلاقياً اجتماعياً، يُصلح المعاش والمعاد في وقت واحد، وضَعه إله السماء بحسب المصالح الفردية والاجتماعية، وحيث كان هو العليم بالمصالح، وبما يُسعِد البشر، فلا سؤال في حُكمه، ولا اعتراض على أمره، ولا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون، ولا يرجع وبال العصيان وعواقبه إلا إلى الإنسان نفسه، فيكون كمن عصى أمر الطبيب.

إن من الأمور ما لا مساغ للعقل فيه، ولا مدرج للفكر في شأنه، كما أن من الأمور ما للعقل فيه مجال، وللفكر فيه مسرح، والدين يضم بين جوانحه الأمرين، فالعقل يدرك مصالح الصدق والزكاة والحج والطهارة والخمس والجهاد وما أشبه، ويدرك مفاسد الخيانة والغش والخمر ولحم الخنزير والإسراف والبخل والجبن وما إليها، لكنه لا يدرك لماذا صلاة الصبح ركعتان؟ ولأية علّة السعي سبعة أشواط؟ ولأي سبب يخرج الفرض من أربعين شاة بالخصوص، لا تسعة وثلاثين؟ وهكذا.

لا نريد من الناس التقليد المحض، والاتباع الأعمى، كل ما نريد هو أنه لو عرفوا الطبيب حاذقاً، ورأوا مغبة ترك رأيه، فالواجب عليهم الوقف عند أوامره وزواجره، دون السؤال عن لماذا يعطي من هذا العقار دون ذاك؟ ولأية علة يمنعه عن هذا الطعام؟ ويحتم عليه شرب دواء مر؟

إن مرجع الدين الكتاب الحكيم والسنة الراشدة، ولا تُعرف هاتان إلا من قبل علماء صادقين راسخين في العلم، فلو أحب رجل خير نفسه، واتساق أمر أولاه وأخراه اتبع الدين، وإلا فلا يلوم إلا نفسه، وهو بما كسب رهين.

الدين كما يقيّد الفرد في لسانه وبصره، وسمعه وقلبه، وبطنه وشهوته، ويده ورجله، كذلك يقيد المجتمع، فـ(المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه)، وأن (المؤمن أخو المؤمن)، ويجب عليه أن (يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)، وأن (الناس صنفان، إما أخ له في الدين أو نظير له في الخلق)، وأن يتخذ الأكبر منه أباً، والمساوي له أخاً، والأصغر منه ولداً، وأن يبر أباه، ويصل أخاه، ويرحم أولاده، ولو فُسّر الدين بما يشاء الدين، لا بما يشاء التأويل، ولو عمل به كما عمل النبي (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه، لأصبح الناس بألف خير وخير.