المصلح والإصلاح

 

النظام الفاسد الذي يسود المجتمع لابد وأن يخلي مكانه لنظام صالح، وإنْ طال به البقاء، لكن تغيّر النظام ليس كتقلّب الأيام، يدور بنفسه، بل يحتاج إلى مصلح قدير، فإنَّ خلع العادات عن رقاب الناس ليس سهلاً، واجتثاث جذور التقاليد عن الأفئدة غير هيّن، ولذا يعاني المصلح أنواعاً من الأذى، ويُصَب عليه ما لا يتحمّل غيره من سياط العذاب.

فعلى من يريد الإصلاح، سواء أكان دينياً، أم سياسياً أم وطنياً، أن يوطّن نفسه على صنوف الآلام، وأقسام السخرية والاستهزاء، ثم لا يدري بعد هذا وذاك، أينجح في حياته أم بعد مماته! ويقدر في إحدى الحالتين، أم لا ينال شيئاً مما يطلب!

إن المصلحين الكبار الذين قاموا لهذا الشأن عانوا ما عانوا، ولاقوا ما لاقوا، أما سلسلة الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) فمصاعبهم ومتاعبهم حديث الألسن، وشنف السماع، ونصب الأعين، وأما غيرهم من الذين سجل التاريخ صحائفهم النضالية، باسم المصلحين والثائرين، فكم قاسوا صنوف العذاب، وسيموا الخسف والذل، فمات أحدهم في سجن، وآخر تحت وقع السياط، وغيره التهمته نيران، وآخر مشرّداً عن الأوطان.

إن نوحاً (عليه السلام) لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وصالح (عليه السلام) دعا قومه مائة سنة، وعيسى (عليه السلام) دعا ما دعا فلم يؤمن به إلا اثني عشر شخصاً، ومحمد (صلى الله عليه وآله) دعا عشر سنين فلم يؤمن به إلا نفر قليل.

وإن فشل المصلح عاجلاً لا يضر، بعد العلم بأن النظام الصحيح الجاري فعلاً من نتائج أعمال المصلحين، وإن كان بينهم بعض الفروق بنجاح أحدهم وفشل آخر، فإن تاريخ البشرية خيط طويل، اشترك في فتله ونقضه أنكاثاً طائفة لا يستهان بها كثرةً من المصلحين والمفسدين، فمصلح يبرم ومفسد ينقض، وهكذا حتى ينقشع سحاب الفوضى، وتجلو شمس النظام ليس عليها غبار.

ولقد أوذي عليّ (عليه السلام) وسُب، وقُوتل، وظُلم، وقُتل ثم لم يلبث أن صار أعظم عظماء الشرق والغرب، وأعلم علمائهما، وأفصح عربيّ تكلم، وأنبل أمير، وخير خليفة للرسول (صلى الله عليه وآله) يفتخر به الشيعة لأنه إمامهم، والمسلمون لأنه خليفتهم، والعرب لأنه من عنصرهم، والشرق لأنه من عظمائهم، والعالم لأنه من أبناء جلدتهم.