هل الفساد لا يُقاوَم؟

(من كتابات المجدد الشيرازي الراحل)

 

هناك أسطورة، نشرها أهل الفساد، بكل ما أوتوا من خيل ورجل، هي: أن الفساد قوة هائلة، لا تُجارى ولا تُقاوم ولا تُحطم، وأن الناس _أكثرهم_ بطبعهم ميالون إلى الفساد. وهذه الأسطورة الخادعة والواهمة أخذت مأخذها من النفوس، بلا وعي ودراسة، وساعد الضحايا والمجرمون _كلاهما على السواء_ في بثّ ونشر هذه الأسطورة.

فعلى المؤسسات والجهات العاملة في سبيل الإصلاح أن يزيلوا هذه الأسطورة/ الوهم من أذهان الناس، بكل الوسائل والامكانات، وأن يغرسوا مكانها حقيقة أن الصلاح قوة هائلة، قد تفتر حيناً لكنها تبقى قوة لا تُهزم ولا تُحطَم.

إن الفساد شيءٌ متطفّل على الحياة، وهو قليلٌ نسبة الى الصلاح الذي هو كثير وأصيل، فإن العلم، والنظام، والمال، والنشاط، والأمانة، والألفة، والقوة، والاستقامة، والأمن، والصحة، وغيرها صلاح، فهل هذه هي الغالبة والتي لا تُحطَم، والناس بطبعهم ميّالون إليها، أم الجهل، والفقر، والفوضى، والكسل، والخيانة، والفرقة، والضعف، والانحراف، والخوف، والمرض، وغيرها؟. في كل مكان تجد فاسداً واحداً ستجد ربما ألف صالح، وفي أيّ مكان يوجد فيه فساد واحد يوجد ربما ألف صلاح، أليس كذلك؟

قال تبارك وتعالى: (وأملي لهم أن كيدي متين)(الأعراف/183). هذا في الصلاح، وقال في مقابله: (إن كيد الشيطان كان ضعيفاً)(النساء/76). بل إن القليل من الصلاح يغلب الكثير من الفساد، قال سبحانه: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة)(البقرة/149).

ولنأخذ الشاب مثلاً، فهل يجب عليه أن يظهر أمام الناس، بمظهر الجاهل الزاني المريض المفلس الكاذب الخائن؟ أم بمظهر المثقف العفيف الصحيح الثري الصادق الأمين؟.

نعم، لا إشكال في أن في المجتمعات شيءٌ من الفساد والانحراف، لكنه يلزم أن يُعالج حتى يرتفع، لا أن نخشاه ونستسلم له، فنكون معه على أنفسنا.

فإن الفساد مثل أية حالة شاذة مرفوضة واستثنائية منبوذة، وإذا عمّمنا في المجتمعات هذه الحقائق، نكون قد قصمنا أساً متيناً من أسس الفساد وأسباب تسلطه في سائر بلاد المسلمين، وهذا ما ينبغي للمصلحين الاهتمام به.